ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 18
[سورة الزمر (39): آية 18]
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه قال النسفي: (أراد أن يكونوا نقادا في الدين يميّزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب وندب اختاروا الواجب، وكذا المباح والندب، حرصا على ما هو أقرب عند الله، وأكثر ثوابا أو يستمعون القرآن وغيره، فيتّبعون القرآن، أو يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو ونحو ذلك، أو يستمعون الحديث مع القوم فيه محاسن ومساوئ، فيحدّث بأحسن ما سمع، ويكفّ عن سواه) أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي:
المتّصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ أي: ذوو العقول والفطر المستقيمة.
نقل [عن صاحب الظلال حول آية وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ قال صاحب الظلال: (فلا يقعد بكم حب الأرض، وإلف المكان، وأواصر النسب والقربى والصحبة في دار عن الهجرة منها، إذا
ضاقت بكم في دينكم، وأعجزكم فيها الإحسان. فإن الالتصاق بالأرض في هذه الحالة مدخل من مداخل الشيطان؛ ولون من اتخاذ الأنداد لله في قلب الإنسان.
وهي لفتة قرآنية لطيفة إلى مداخل الشرك الخفية في القلب البشري، في معرض الحديث عن توحيد الله وتقواه، تنبئ عن مصدر هذا القرآن. فما يعالج القلب البشري هذا العلاج إلا خالقه البصير به، العليم بخفاياه.
والله خالق الناس يعلم أن الهجرة من الأرض عسيرة على النفس، وأن التجرد من تلك الوشائج أمر شاق، وأن ترك مألوف الحياة ووسائل الرزق واستقبال الحياة في أرض جديدة تكليف صعب على بني الإنسان؛ ومن ثم يشير في هذا الموضع إلى الصبر وجزائه المطلق عند الله بلا حساب: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
كلمة في السياق: [المجموعة الثانية وعلاقتها بالمحور وبالمجموعتين الأولى والثالثة]
1 - يلاحظ أن هذه المجموعة بدأت بقوله تعالى قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا وختمت بقوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ومن البداية والنهاية نعرف أنّ من صفات عباد الله: الإيمان، واتّباع الحسن، أو الأحسن من القول، وتلك علامة الهداية فيهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ فلنتذكر محور السورة من سورة البقرة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فالمتقون هم المهتدون بهدي القرآن، وهم المؤمنون، وهم عباد الله.
2 - يلاحظ أنّ الآية الأولى في المجموعة أمرت بالتقوى، قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ، وحضّت على الصّبر إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ والصبر جزء من التقوى كما رأينا ذلك في آية البرّ من سورة البقرة، فالأمر بالتقوى والصبر أمر بالاهتداء بكتاب الله، وذلك محور السورة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
3 - يلاحظ أنّ الله عزّ وجلّ أمر رسوله صلّى الله عليه وسلم أن يعلن إخلاصه العبادة لله قولا، وأن يعلن ممارسته لهذا الإخلاص في العبادة فعلا، وأن ينذر المشركين، وأن يبيّن لهم خسارهم، وأن يعلن خوفه من الله عزّ وجل، وكل ذلك قضايا توضح ماهية التقوى، وحقيقة المتقين الذين يهتدون بهذا القرآن.
4 - من قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ندرك أنّ السياق يربّي فينا مشاعر التقوى، ومن ثمّ نعلم أن السورة تضعنا على حقيقة التقوى، وتربينا عليها، ولذلك صلته بقوله تعالى عن القرآن في آية المحور هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ومما ذكرناه ندرك صلة المجموعة بمحور السورة، وأما صلة المجموعة بسياق السورة الخاص فقد رأينا من بداية المقطع أنّ الله عزّ وجلّ ربط بين نزول القرآن، والأمر بعبادته، والإخلاص فيها، وبعد أن ذكر كل ما يلزم لتعميق هذا المعنى، أمر رسوله صلّى الله عليه وسلم في هذه المجموعة أن يقول كلّ ما يلزم للتوكيد والتوضيح، وهكذا نجد أنّه سبحانه أمره صلّى الله عليه وسلم في المجموعة الأولى أن يعبد، وفي هذه المجموعة أمره أن يقول ويبشّر.
5 - نلاحظ أن المجموعتين السابقتين ختمتا بذكر أولي الألباب، ونلاحظ أن المجموعة الثالثة القادمة قد ختمت بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ممّا يوضّح أنّ المجموعات الثلاث الأولى في المقطع تعرّفنا على نفسها من خاتمتها فلنر المجموعة الثالثة.
تفسير المجموعة الثالثة
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه قال النسفي: (أراد أن يكونوا نقادا في الدين يميّزون بين الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب وندب اختاروا الواجب، وكذا المباح والندب، حرصا على ما هو أقرب عند الله، وأكثر ثوابا أو يستمعون القرآن وغيره، فيتّبعون القرآن، أو يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو ونحو ذلك، أو يستمعون الحديث مع القوم فيه محاسن ومساوئ، فيحدّث بأحسن ما سمع، ويكفّ عن سواه) أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي:
المتّصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ أي: ذوو العقول والفطر المستقيمة.
نقل [عن صاحب الظلال حول آية وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ قال صاحب الظلال: (فلا يقعد بكم حب الأرض، وإلف المكان، وأواصر النسب والقربى والصحبة في دار عن الهجرة منها، إذا
ضاقت بكم في دينكم، وأعجزكم فيها الإحسان. فإن الالتصاق بالأرض في هذه الحالة مدخل من مداخل الشيطان؛ ولون من اتخاذ الأنداد لله في قلب الإنسان.
وهي لفتة قرآنية لطيفة إلى مداخل الشرك الخفية في القلب البشري، في معرض الحديث عن توحيد الله وتقواه، تنبئ عن مصدر هذا القرآن. فما يعالج القلب البشري هذا العلاج إلا خالقه البصير به، العليم بخفاياه.
والله خالق الناس يعلم أن الهجرة من الأرض عسيرة على النفس، وأن التجرد من تلك الوشائج أمر شاق، وأن ترك مألوف الحياة ووسائل الرزق واستقبال الحياة في أرض جديدة تكليف صعب على بني الإنسان؛ ومن ثم يشير في هذا الموضع إلى الصبر وجزائه المطلق عند الله بلا حساب: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
كلمة في السياق: [المجموعة الثانية وعلاقتها بالمحور وبالمجموعتين الأولى والثالثة]
1 - يلاحظ أن هذه المجموعة بدأت بقوله تعالى قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا وختمت بقوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ومن البداية والنهاية نعرف أنّ من صفات عباد الله: الإيمان، واتّباع الحسن، أو الأحسن من القول، وتلك علامة الهداية فيهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ فلنتذكر محور السورة من سورة البقرة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فالمتقون هم المهتدون بهدي القرآن، وهم المؤمنون، وهم عباد الله.
2 - يلاحظ أنّ الآية الأولى في المجموعة أمرت بالتقوى، قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ، وحضّت على الصّبر إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ والصبر جزء من التقوى كما رأينا ذلك في آية البرّ من سورة البقرة، فالأمر بالتقوى والصبر أمر بالاهتداء بكتاب الله، وذلك محور السورة ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
3 - يلاحظ أنّ الله عزّ وجلّ أمر رسوله صلّى الله عليه وسلم أن يعلن إخلاصه العبادة لله قولا، وأن يعلن ممارسته لهذا الإخلاص في العبادة فعلا، وأن ينذر المشركين، وأن يبيّن لهم خسارهم، وأن يعلن خوفه من الله عزّ وجل، وكل ذلك قضايا توضح ماهية التقوى، وحقيقة المتقين الذين يهتدون بهذا القرآن.
4 - من قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ندرك أنّ السياق يربّي فينا مشاعر التقوى، ومن ثمّ نعلم أن السورة تضعنا على حقيقة التقوى، وتربينا عليها، ولذلك صلته بقوله تعالى عن القرآن في آية المحور هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ومما ذكرناه ندرك صلة المجموعة بمحور السورة، وأما صلة المجموعة بسياق السورة الخاص فقد رأينا من بداية المقطع أنّ الله عزّ وجلّ ربط بين نزول القرآن، والأمر بعبادته، والإخلاص فيها، وبعد أن ذكر كل ما يلزم لتعميق هذا المعنى، أمر رسوله صلّى الله عليه وسلم في هذه المجموعة أن يقول كلّ ما يلزم للتوكيد والتوضيح، وهكذا نجد أنّه سبحانه أمره صلّى الله عليه وسلم في المجموعة الأولى أن يعبد، وفي هذه المجموعة أمره أن يقول ويبشّر.
5 - نلاحظ أن المجموعتين السابقتين ختمتا بذكر أولي الألباب، ونلاحظ أن المجموعة الثالثة القادمة قد ختمت بقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ممّا يوضّح أنّ المجموعات الثلاث الأولى في المقطع تعرّفنا على نفسها من خاتمتها فلنر المجموعة الثالثة.
تفسير المجموعة الثالثة