وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 75 سورة غافربِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِحمٓ 1 تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ 2 غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ 3 مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ 4 كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ 5 وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ 6 ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ 7

تفسير سورة غافر - الآية 4

مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ 4

[سورة غافر (40): الآيات 4 الى 6]
يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (الآية: 4) ثم تسير السورة حتى تجد قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ.. (الآية: 10) ثم تتحدّث السورة عن أشياء كثيرة حتى تصل إلى قوله تعالى: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (الآية: 35) ثم تسير السورة فتحدّثنا عن معان كثيرة حتى تصل إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الآية: 56) ثم تسير السورة فتحدّثنا عن معان كثيرة حتى تصل إلى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ.. (الآية: 69) ثم تسير السورة حتى تختتم بلفظ (الكافرون) في قوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ. (الآية: 85).
إن افتتاح السورة وختمها بالكلام عن الكافرين يشعرنا أن السورة تفصّل بشكل أخصّ في قوله تعالى من مقدمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ حتى لتكاد تكون هاتان الآيتان هما محور السورة.
ولكنا في الوقت نفسه نلاحظ أنّ السورة تفصّل فيما فصّلت فيه سورة الروم، إذ نجد تشابها كبيرا بين سورة الروم وسورة غافر. فمثلا في سورة الروم يتكرّر الكلام عن نصر الله عزّ وجل أكثر من مرة يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ونلاحظ أن سورة غافر ذكر فيها قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ. ونلاحظ أن سورة الروم ورد فيها قوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (الآية: 9).
ونلاحظ أن سورة غافر ورد فيها قوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ. (الآية: 21) وكذلك ورد فيها قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (الآية: 82).
فإذا تذكرنا أن سورة الروم فصّلت في الآيات الأربع الأولى من سورة البقرة فإن هذا يشعرنا أن لسورة غافر صلة بذلك، وعلى هذا فسورة غافر تفصّل بشكل مباشر في الآيتين الخامسة والسادسة من مقدمة سورة البقرة، وتفصّل بشكل غير مباشر في الآيات الأربع الأولى من سورة البقرة، وهي مواضيع متلاحمة، فصار تفصيلها الكلي في قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
فإذا كانت سورة الزمر فصّلت قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ كما رأينا، فإنّ سورة غافر تبني على تفصيل سورة الزمر، وتكمّل ذلك، ومن ثم نلاحظ مجئ قوله تعالى فيها: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ.
ويذكّرنا آخر الآية هذه بقوله تعالى من سورة آل عمران: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ
الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ فيشعرنا كذلك بأن سورة غافر عليها طابع سورة آل عمران التي فصّلت مقدمة سورة البقرة كلها. ومن ثم نستطيع القول: إن سورة الزمر فصّلت في الآية الأولى من سورة البقرة بشكل أخص، وفصّلت فيما سوى ذلك من الآيات الأولى من سورة البقرة بشكل ضمني، وجاءت بعد ذلك سورة غافر لتفصّل في الآيتين الخامسة والسادسة بشكل أخص، وتفصّل في الآيات الأولى من سورة البقرة بشكل ضمني، وسنرى أن سورة فصّلت ستفصّل بشكل أخص في الآيات التي ستأتي بعد المقدمة من سورة البقرة، وتفصّل فيما قبل ذلك بشكل ضمني، فالتكامل بين السور الثلاث واضح بحيث تبني الثانية على الأولى، والثالثة على الأولى والثانية، فالأولى تفصّل في حيز محدّد، وتأتي الثانية لتفصّل في حيز أوسع يغطي نفس الحيّز الأول ويزيد عليه.
وتأتي الثالثة لتغطي ما غطته السورتان الأوليان وزيادة، وكل ذلك يتمّ بتكامل وتداخل بحيث لا يطغى على السياق الخاص لكل سورة.
ونلاحظ بشكل واضح أن السورة تتألف من مقدمة طويلة، تستمر حتى نهاية الآية (20)، ثم يأتي قوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ... وتسير السورة حتى يأتى قبيل آخرها قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ... مما يشير إلى أنّ هذه الآية معطوفة على شبيهتها بحرف العطف الفاء. ثم بعد ثلاث آيات مرتبطة بالآية المذكورة تنتهي السورة، فكأن السورة تتألف من مقدمة طويلة، ومقطع واحد، وسنرى ذلك بالتفصيل.
كلمة في زمرة (آل حم)
إنّ سورة غافر هي أول سورة مبدوءة ب (حم) والسور المبدوءة ب (حم) سبع، تأتي متعاقبة لا يفصل بينها شئ. والسؤال الذي يحتاج إلى جواب هو: لماذا اعتبرنا سورة الزمر بداية مجموعة؟، ولماذا لم نعتبر (حم غافر) مجموعة؟، ولماذا لم نعتبر حواميم كلها مجموعة واحدة؟ والجواب: إن سورة الزمر مبدوءة بقوله تعالى:
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وهذه سورة غافر مبدوءة بقوله تعالى:
حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وستأتي معنا سورتان من حواميم هما: الجاثية والأحقاف، مبدوءتان بقوله تعالى: حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ*.
إن هذه البداية المتشابهة بين سورة الزمر وثلاثة من حواميم تدلنا على أن سورة الزمر لها صلة بحواميم، وإن لم تبدأ (بحم)، وقد رأينا أن سورة (ص) نهاية مجموعة، فلا بد أن تكون سورة الزمر بداية مجموعة، وسنرى بالدليل أن المعاني التي تعرّضت لها السور هي التي ساقتنا إلى تقسيماتنا التي سنراها.
ولقد رأينا من قبل أنّ السور المبدوءة ب (الر) لم تشكّل كلها مجموعة واحدة، بل كان بعضها في مجموعة، وواحدة منها في مجموعة أخرى، ولكنها كانت كلها في قسم واحد، والمعاني هي التي هدتنا إلى ذلك وكذلك (آل حم) فإنها وإن اشتركت بحر في (حم) إلا أنها تشكّل أكثر من مجموعة، كما سنرى بالدليل. إلا أنها مع كونها كذلك فإنها جميعا تشترك بخاصية واحدة كما سنرى وسيبرز معنا من خلال رؤية أن آل حم مجموعات، سبب من الأسباب التي سمّي بها هذا القسم من القرآن بقسم المثاني، وسنرى بوضوح كيف أن سورة الزمر التي ذكر فيها وصف القرآن بأنه مثاني هي في الحقيقة مقدمة لآل حم.
نقول: [لابن كثير والألوسي وصاحب الظلال حول تقديم سورة غافر]
1 - قال ابن كثير في تقديمه لسورة المؤمن (غافر):
(قد كره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال (الحواميم) وإنما يقال آل حم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
آل حم ديباج القرآن، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن لكل شئ لبابا، ولباب
القرآن آل حم، أو قال: الحواميم، وقال مسعر بن كدام: كان يقال لهن العرائس، روى ذلك كله الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب (فضائل القرآن). وروى حميد بن زنجويه: عن عبد الله رضي الله عنه قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا، فمرّ بأثر غيث، فبينما هو يسير فيه ويتعجّب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب، فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن، أورده البغوي. وروى ابن لهيعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لكل شئ لباب ولباب القرآن الحواميم، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا وقعت في آل حم فقد وقعت في روضات أتأنق فيهنّ. وروى أبو عبيد أن رجلا رأى أبا الدرداء رضي الله عنه يبني مسجدا فقال له: ما هذا؟ فقال: أبنيه من أجل حم. وقد يكون هذا المسجد الذي بناه أبو الدرداء رضي الله عنه هو المسجد المنسوب إليه داخل قلعة دمشق، وقد يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وضع له، فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء، كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأصحابه في بعض الغزوات «إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون- وفي رواية- لا تنصرون». وروى الحافظ أبو بكر البزار: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي، وأول حم المؤمن عصم ذلك اليوم من كل سوء» ورواه الترمذي من حديث المليكي وقال: تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه).
أقول: إن حرص بعض السلف على تسمية السور المبدوءة ب (حم) آل حم يشير إلى أنهم اعتبروا هذه السور السبع أسرة واحدة وزمرة واحدة. وهذا لا ينفي أن تكون هذه السور مجموعات. فكما أن السورة المبدوءة ب (الر) أو (الم) لم تشكل مجموعة واحدة مع أنها زمرة واحدة فكذلك هنا.
2 - وقال الألوسي في تقديمة لسورة (المؤمن):
(وتسمى سورة غافر وسورة الطول، وهي كما روي عن ابن عباس. وابن الزبير.
ومسروق. وسمرة بن جندب مكية، وحكى أبو حيان الإجماع على ذلك، وعن الحسن
أنها مكية إلا قوله تعالى وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ لأن الصلوات نزلت بالمدينة، وكانت الصلاة بمكة ركعتين من غير توقيت. وأنت تعلم أن الحق قول الأكثرين: أن الخمس نزلت بمكة على أنه لا يتعيّن إرادة الصلاة بالتسبيح في الآية، وقيل: هي مكية إلا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ الآية، فإنها مدنية، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية وغيره أنها نزلت في اليهود لما ذكروا الدجال، وهذا ليس بنص على أنها نزلت بالمدينة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قولهم نزلت الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب كما تقول: عنى بهذه الآية كذا، وقال الزركشي في البرهان: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت الآية في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمّن هذا الحكم، لا أن هذا سبب في نزولها، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع.
نعم سيأتي إن شاء الله تعالى عن أبي العالية ما هو كالنص على ذلك، وآيها خمس وثمانون في الكوفي والشامي، وأربع في الحجازي، واثنتان في البصري، وقيل: ست وثمانون، وقيل: ثمان وثمانون، ووجه مناسبة أولها لآخر الزمر أنه تعالى لما ذكر سبحانه هناك ما يؤول إليه حال الكافر وحال المؤمن، ذكر جل وعلا هنا أنه تعالى غافر الذنب، وقابل التوب، ليكون ذلك استدعاء للكافر إلى الإيمان والإقلاع عما هو فيه، وبين السورتين أنفسهما أوجه من المناسبة، ويكفي فيها أنه ذكر في كل من أحوال يوم القيامة وأحوال الكفرة فيه وهم في المحشر وفي النار ما ذكر، وقد فصّل في هذه من ذلك ما لم يفصّل منه في تلك، وفي تناسق الدرر: وجه إيلاء الحواميم السبع لسورة الزمر تواخي المطالع في الافتتاح (بتنزيل الكتاب). وفي مصحف ابن مسعود أول الزمر (حم) وتلك مناسبة جلية، ثم إن الحواميم ترتبت لاشتراكها في الافتتاح ب (حم)، وبذكر الكتاب، وأنها مكية، بل ورد عن ابن عباس. وجابر بن زيد أنها نزلت عقب الزمر متتاليات كترتيبها في المصحف، وورد في فضلها أخبار كثيرة. أخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن عباس قال: إن لكل شئ لبابا وإن لباب القرآن الحواميم. وأخرج هو، وابن الضريس، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في
شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: الحواميم ديباج القرآن. وأخرجه أبو الشيخ. وأبو نعيم. والديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا، وأخرج الديلمي. وابن مردويه عن سمرة بن جندب مرفوعا «الحواميم روضة من رياض الجنة».
وأخرج محمد بن نصر. والدارمي عن سعد بن إبراهيم قال: كنّ الحواميم يسمين
العرائس. وأخرج ابن نصر، وابن مردويه عن أنس بن مالك قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني الراءات إلى الطواسين مكان الإنجيل، وأعطاني ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصّل، ما قرأهن نبي قبلي».
وأخرج البيهقي في الشعب عن الخليل بن مرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع تجئ كل (حم) منها فتقف على باب من هذه الأبواب تقول:اللهم لا تدخل من هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرئني» وجاء في خصوص بعض آيات هذه السور ما يدل على فضله، أخرج الترمذي، والبزار، ومحمد بن نصر، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من قرأ حم إلى إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وآية الكرسي حين يصبح، حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح».
3 - ومن تقديم صاحب الظلال لسورة المؤمن:
(هذه السورة تعالج قضية الحق والباطل، قضية الإيمان والكفر، قضية الدعوة والتكذيب، وأخيرا قضية العلو في الأرض والتجبر بغير الحق، وبأس الله الذي يأخذ العالين المتجبرين.. وفي ثنايا هذه القضية تلم بموقف المؤمنين المهتدين الطائعين ونصر الله إياهم، واستغفار الملائكة لهم، واستجابة الله لدعائهم، وما ينتظرهم في الآخرة من نعيم.
وجو السورة كله- من ثم- كأنه جو معركة. وهي المعركة بين الحق والباطل، وبين الإيمان والطغيان، وبين المتكبرين المتجبرين في الأرض وبأس الله الذي يأخذهم بالدمار والتنكيل. تنسم خلال هذا الجو نسمات الرحمة والرضوان حين يجئ ذكر المؤمنين!.
ذلك الجو يتمثل في عرض مصارع الغابرين، كما يتمثل في عرض مشاهد القيامة- وهذه وتلك تتناثر في سياق السورة وتتكرر بشكل ظاهر- وتعرض في صورها العنيفة المرهوبة المخيفة متناسقة مع جو السورة كله، مشتركة في طبع هذا الجو بطابع العنف والشدة.
ولعله مما يتفق مع هذه النسمة افتتاح السورة بإيقاعات ذات رنين خاص: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقابِ، ذِي الطَّوْلِ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، إِلَيْهِ الْمَصِيرُ فكأنما هي مطارق منتظمة الجرس، ثابتة الوقع، مستقرة المقاطع، ومعانيها كذلك مساندة لإيقاعها الموسيقي!.
كذلك نجد كلمة البأس. وبأس الله. وبأسنا.. مكررة تتردد في مواضع متفرقة من السورة. وهناك غيرها من ألفاظ الشدة والعنف بلفظها أو بمعناها).
وقال صاحب الظلال: (هذه السورة بدء سبع سور كلها تبدأ بالحرفين: (حا، ميم). منها سورة واحدة يذكر فيها بعد هذين الحرفين ثلاثة حروف أخر: (عين. سين قاف). وقد سبق الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور. وأنها إشارة إلى صياغة هذا القرآن منها.
وهو معجز لهم مع تيسير هذه الأحرف لهم ومعرفتهم بها، وهي أحرف لغتهم التي يتحدّثونها ويكتبونها).
ولنبدأ عرض السورة.
***
المقدمة وتتألف من أربع مجموعات، وتستمر من الآية (1) إلى نهاية الآية (20) وهذه هي:
المجموعة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
40/ 1 - 6 المجموعة الثانية 40/ 7
40/ 8 - 9 المجموعة الثالثة 40/ 10 - 12 المجموعة الرابعة 40/ 13 - 19
40/ 20
تفسير المجموعة الأولى
حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ أي: حم هذا تنزيل الكتاب مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ أي:
المنيع بسلطانه عن أن يتقوّل عليه متقوّل الْعَلِيمِ بمن صدّق وكذّب، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين
غافِرِ الذَّنْبِ غافر أي: سائر ذنب المؤمنين وَقابِلِ التَّوْبِ أي: وقابل توبة الراجعين. قال ابن كثير: أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه
وخضع لديه شَدِيدِ الْعِقابِ أي: لمن تمرّد وطغى، وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله وبغى، والملاحظ أنه كثيرا ما يقرن تعالى بين وصفيه الغفور التوّاب، وبين شديد العقاب، ليبقى العبد بين الرجاء والخوف ذِي الطَّوْلِ أي: ذي الغنى والفضل، وذي النعم والفواضل. قال ابن كثير:
والمعنى أنه المتفضّل على عباده، المتطوّل عليهم بما هم فيه من المنن والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا إله غيره ولا ربّ سواه إِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي: المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ أي: ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أي: الجاحدون لآيات الله وبراهينه، أي: ما يخاصم فيها بالتكذيب بها والإنكار لها إلا الذين كفروا، قال النسفي: فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، واستنباط معانيها، وردّ أهل الزيغ بها، فأعظم جهاد في سبيل الله فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ أي: في أموالها ونعيمها وزهرتها بالتجارات النافعة، والمكاسب المربحة، والانتصارات السياسية والعسكرية، والغلبة للخصوم، فإن عاقبة أمرهم إلى العذاب في الدنيا والآخرة.
ثم بيّن تعالى كيف ذلك فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: والأحزاب الذين تحزّبوا على الرسل، وناصبوهم من كل أمة بعد قوم نوح، كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ أي:
ليتمكنوا منه فيقتلوه. قال ابن كثير: أي: حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل
رسوله وَجادَلُوا بِالْباطِلِ أي: بالكفر لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ أي: ليبطلوا به الإيمان. أي: ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي فَأَخَذْتُهُمْ أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام، من محاولتهم أخذ الرسل وتكذيبهم ومماحلتهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ أي: فكيف بلغك عذابي لهم ونكالي بهم؟ قد كان شديدا موجعا مؤلما. قال قتادة: كان شديدا والله
وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ أي: مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار. ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب تعذيبهم بعذاب النار في الآخرة، أو المعنى: كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء، لأنّ علّة واحدة تجمعهم، أنهم من أصحاب النار. وينتقل السياق ليحدثنا عن الملائكة ودعائهم للمؤمنين..
كلمة في السياق: [المجموعة الأولى حول تفصيل السورة لمحورها وبعض معان أخرى]
1 - ذكر الله عزّ وجل في الابتداء أن هذا الكتاب تنزيله، وذكر مجموعة من أسمائه عزّ وجل، وذكر ذلك كله بصيغة تقريرية تشير إلى أن هذا الموضوع حقيقة مقررة مقطوع بها، ومن ثم قال بعد ذلك: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا...
2 - في ذكر مجموعة الأسماء لله التي صدرت بها السورة إشارة إلى مظهر من مظاهر التدليل على كون هذا القرآن من عند الله. فكتاب يصف الله عزّ وجل بمثل هذا الكمال لا يمكن أن يكون مكذوبا على الله. وكتاب تظهر فيه آثار هذه الأسماء من علم وحكمة، وعزّة وغفران، وشدة عقاب، وكثرة إنعام، دليل على أنه من عند الله؛ إذ الكلام تظهر فيه صفات المتكلّم وخصائصه. فعند ما يقول الله عزّ وجل بعد ذلك ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا.. فلأن الحجة قد ذكرت من قبل.
3 - إذا تذكرنا أن محور سورة غافر هو قوله تعالى من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ نعرف سرّ مجئ قوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا.. وأنّ هؤلاء المتّصفين بهذه الصفة هم الذين لا يفلح معهم الإنذار. وقد فصّلت الآيات الأخيرة نوعي العذاب العظيم الذي يستحقه هؤلاء
في الدنيا والآخرة.
4 - في قوله تعالى: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ درس للنذير الذي يرى أن إنذاره لا ينفع في هؤلاء الكافرين، ألّا يغتر بما هم فيه من متع الدنيا، فالعبرة للعاقبة في الدنيا والآخرة.
5 - نلاحظ من الآيات التي مرّت معنا في سورة غافر: أن آيتين منها فصّلتا في الآيات الأربع الأولى من سورة البقرة. وأن الآيات الثلاث التالية فصّلت في الآيتين اللاحقتين من سورة البقرة. وهذا شئ سنراه كذلك في الآيات اللاحقة، أن التفصيل يتناوب بين آيات المتقين من سورة البقرة، وآيتي الكافرين منها. فقوله تعالى:
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ* غافِرِ الذَّنْبِ... يفصّل في قوله تعالى:
الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ... وقوله تعالى: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا... تفصيل في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ...
وهذه مجموعة تحدثنا عن موقف الملائكة من المؤمنين في الدنيا، وعن موقف الملائكة من الكافرين يوم القيامة، وفي ذلك تفصيل لقضية من قضايا الإيمان بالغيب الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وتفصيل لنوع من أنواع الفوز، وتفصيل لنوع من أنواع العذاب للكافرين.
تفسير المجموعة الثانية
بداية سورة غافر فهرس السور