إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ 51
[سورة غافر (40): الآيات 51 الى 54]
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا كما نصر موسى ومؤمن آل فرعون بإغراق فرعون وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ أي: يوم القيامة
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ أي: لا يقبل عذرهم وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي: البعد من رحمة الله وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي: سوء دار الآخرة وهو عذابها، وسمّي يوم القيامة بيوم الأشهاد؛ لأن
الأنبياء يشهدون فيه، والحفظة يشهدون، فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب، والحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال.
كلمة في السياق:
بدأ الله عزّ وجلّ موسى عليه السلام بقوله وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ* إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ... ثمّ قصّ علينا موقف الكافرين من موسى عليه السلام ودفاع مؤمن آل فرعون عن موسى، ثم قصّ الله علينا أنواع العذاب الذي يعذّبها الله الكافرين، انتصارا لرسله وللمؤمنين، ويختم الله عزّ وجل قصة موسى عليه السلام في هذه السورة بقوله:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى يريد به جميع ما أتى به في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ أي: التوراة
هُدىً أي: هداية وَذِكْرى أي: تذكيرا لِأُولِي الْأَلْبابِ أي: لأولي العقول.
كلمة في السياق:
بدأت قصة موسى عليه السلام بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ وختمت بقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ* هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ فكأنه يشير إلى البداية والنهاية في حياة موسى عليه السلام: مرحلة الصراع مع فرعون، ومرحلة النجاة، وهداية بني إسرائيل، ووراثتهم التوراة بعد ذلك وهي النعم الكبرى، والنصر العظيم، فالنّعمة الكبرى أن يكون الإنسان على الهدى، والنّصر العظيم أن يوجد ورّاث لدين الله ودعوته.
وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من المقطع الوحيد بعد مقدمة السورة، ويتوجّه الآن الخطاب لرسول الله صلّى الله عليه وسلم آمرا إياه بالصبر والاستغفار والتسبيح كما سنرى. وهذه بعض الفوائد المتعلّقة بالمجموعتين الأخيرتين.
فوائد:
1 - [كلام ابن كثير عن مقاعد أهل النار بمناسبة آية النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.. ]
بمناسبة قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا قال ابن كثير:
(روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عزّ وجل إلى يوم القيامة» أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به.
2 - [الفهم الصحيح لكيفية نصر الله للمؤمنين من خلال كلام ابن كثير وصاحب الظلال]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ قال ابن كثير: (قد أورد أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا سؤالا فقال: قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم، إما مهاجرا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين «أحدهما» أن يكون الخبر خرج عامّا، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة «الثاني» أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم، أو في غيبتهم، أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيي وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم، وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم، ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام إماما عادلا، وحكما مقسطا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام، وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه، أن ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب» وفي الحديث الآخر: «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب»، ولهذا أهلك الله عزّ وجل قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدا، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدا. وقال السدي لم يبعث الله عزّ وجل رسولا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوم من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا،
قال فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها، وهكذا نصر الله نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلم وأصحابه على من خالفه وناوأه وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارا وأعوانا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم فاستاقهم مقرّنين في الأصفاد، ثم منّ عليه بأخذ الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة فقرّت عينه ببلده- وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم- فأنقذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله تبارك وتعالى أصحابه خلفاء بعده، فبلّغوا عنه دين الله عزّ وجل، ودعوا عباد الله تعالى إلى الله جلّ وعلا، وفتحوا البلاد والرساتيق، والأقاليم والمدائن، والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها، إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل)..
أقول: الذي يظهر من السياق في السورة أنّ النّصرة التي وقعت لموسى عليه السلام ولمؤمن آل فرعون تظهر في أخذ فرعون وجنده في البحر، وتسليط أنواع من العذاب الرباني عليهم، ثم تعذيبهم في القبر، ثم تعذيبهم يوم القيامة، فهذه مظاهر النصرة لموسى عليه السلام ومن آمن به، ومظاهر انتصار الله لرسله وللمؤمنين كثيرة فليستبشر المؤمنون، فإنّ في قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا بشارة للمؤمنين إلى قيام الساعة بنصرة الله.
وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ* يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ قال صاحب الظلال:
فأما في الآخرة فقد لا يجادل أحد من المؤمنين بالآخرة في هذه النهاية. ولا يجد ما يدعوه إلى المجادلة. وأما النصر في الحياة الدنيا فقد يكون في حاجة إلى جلاء وبيان.
إن وعد الله قاطع جازم: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.....
بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل، ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكذّبا مطرودا، وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب، وفيهم من يلقى في الأخدود، وفيهم من
يستشهد، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد.. فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل، ويفعل بها الأفاعيل!.
ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور. ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير. إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان، وحيّز محدود من المكان. وهي مقاييس بشرية صغيرة. فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ولا بين مكان ومكان. ولو
نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك. وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها. فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها. وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها!.
والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صورة معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم. ولكن صور النصر شتى. وقد يلتبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة. إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها.. أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شك- في منطق العقيدة- أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار. كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار. هذه صورة وتلك صورة. وهما في الظاهر بعيد من بعيد. فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب!.. والحسين- رضوان الله عليه- وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب؟ أكانت هذه نصرا أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة. فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصرا. فما من شهيد في أرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه. يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعين من المسلمين.
وكثير من غير المسلمين!.
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزا محركا للأبناء والأحفاد. وربما كانت حافزا محركا لخطى التاريخ كله مدى أجيال.
ما النصر؟ وما الهزيمة؟ إننا في حاجة إلى أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور ومن القيم. قبل أن نسأل: أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا!.
على أن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة. ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة. لقد انتصر محمد صلّى الله عليه وسلم في حياته.
لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض. فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعا- من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة- فيشاء الله أن ينصر صاحب هذه العقيدة في حياته ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة، ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة. ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية. وفق تقدير الله وترتيبه.
وهنالك اعتبار آخر تحسن مراعاته كذلك. إن وعد الله قائم لرسله وللذين آمنوا.
ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها. وحقيقة الإيمان كثيرا ما يتجوز الناس فيها. وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله. وإن هنالك لأشكالا من الشرك خفية؛ لا يخلص منها القلب إلا حين يتجه لله وحده، ويتوكل عليه وحده، ويطمئن إلى قضاء الله فيه وقدره عليه، ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه فلا خيرة له إلا ما اختار الله. ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضى والقبول. وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي الله، ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير. فسيكل هذا كله لله. ويلتزم. ويتلقى كل ما يصيبه على أنه الخير.. وذلك معنى من معاني النصر.. النصر على الذات والشهوات. وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه بحال من الأحوال.
كلمة في الفقرة الأولى من هذا المقطع وفي مقدمة السورة:
1 - بدأ هذا المقطع بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ. ثم جاءت قصة موسى عليه السلام نموذجا على تعذيب الله لمن كذّب الرسل، حتى إذا استقر هذا المعنى يتوجّه الآن الخطاب لرسول الله صلّى الله عليه وسلم آمرا إياه بالصبر، فإذا تذكرنا مقدمة سورة (ص) التي تفصّل في نفس المحور الذي تفصّل فيه سورة غافر، فإننا نلاحظ أنّه قد جاء بعد مقدمة السورة قوله تعالى اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وهاهنا بعد إذ
قرر الله عزّ وجل ما رأينا يأتي قوله تعالى فَاصْبِرْ... ثم بعد آيات كثيرة يتكرر الأمر بالصبر فَاصْبِرْ فإذا تذكّرنا أنه قبيل بداية المقطع ورد قوله تعالى وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ.. نعلم كيف أنّ السورة وجّهت الرسول صلّى الله عليه وسلم نحو الإنذار، ثم تبدأ الآن توجّهه نحو الصبر أمام المواقف المتعنّتة المستكبرة.
2 - إذا اتضح ما مرّ ندرك كيف تسير السورة في تفصيل المحور إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فالسورة ترينا أنّ هناك كافرين لا يؤثّر فيهم الإنذار، وترينا مظاهر من العذاب العظيم للكافرين، وترينا علامة الكافرين الذين يستأهلون الطبع على القلوب، كما ترينا ضرورة الإنذار. وها هي ذي تصل إلى الحديث عما ينبغي أن يكون عليه النذير من الصفات.
3 - رأينا في قصة مؤمن آل فرعون نموذجا على إنذار المؤمن، ونموذجا على مواقف المؤمنين، والدرس الكبير الذي نأخذه من القصة: أن كتمان الإيمان ينبغى أن يكون لخدمة الدعوة، حتى إذا أصبح الإظهار هو المصلحة الحقيقية فينبغي أن يظهر الإيمان، فالذين يكتمون ويموتون وهم كاتمون مع وجود المصلحة الحقيقية للإظهار- وخاصة عند ما يكونون في وضع يفترض عليهم أن يفعلوا- هؤلاء آثمون.
4 - بدأت السورة بتبيان أن هذا القرآن من عند الله، ثم تحدّثت عن كون الكافرين يجادلون في آيات الله، وأمرت رسول الله صلّى الله عليه وسلم بألا يغرّ بتقلّبهم في البلاد، ثم ذكرت موقف الأمم السابقة من رسلها، وما عوقبوا به، ثم حدّثتنا عن دعاء الملأ الأعلى للمؤمنين، وتأنيب الملائكة للكافرين يوم القيامة، ثمّ عرّفتنا على الله عزّ
وجل، آمرة لنا بعبادته، والإخلاص فيها ولو كره الكافرون، ثمّ عرّفتنا على الله وإرساله الرسل، وأمرت الرسول صلّى الله عليه وسلم بالإنذار. ثمّ خاطب الله الكافرين بأن يعتبروا بمشاهداتهم لفعل الله لرسله وللمؤمنين، وفي ذلك بشارة للمؤمنين وتثبيت لقلب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حتى إذا وضحت الأمور هذا الوضوح يأتي الآن توجيه لرسول الله صلّى الله عليه وسلم آمرا إياه بالصبر كما سنرى.
5 - إن قصة موسى عليه السلام خدمت بشكل مباشر قوله تعالى أَوَلَمْ يَسِيرُوا.. ، كما خدمت مقدمة السورة كذلك؛ إذ بيّنت لنا الأسباب النفسية والقلبية
لجدال الكافرين، واستحقاقهم الطبع على القلب بذلك، وبيّنت لنا أنماطا من جدال الكافرين بآيات الله، وبيّنت لنا تأييد الله لرسله وللمؤمنين، وبيّنت لنا مآل الكافرين، وكل ذلك قد تحدّثت عنه مقدمة السورة، فالقصة خدمت ما سبقها من معان، وهي كذلك تخدم المعاني التي ستأتي بعدها فلننتقل الآن إلى الفقرة الثانية في المقطع.
الفقرة الثانية من المقطع [وتشتمل على أربع مجموعات]
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية
فَاصْبِرْ يا محمد على ما يجرعك الكافرون من الغصص في مواقفهم الظالمة الكافرة المنكرة المستكبرة الرافضة للحق إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بإقامة الساعة حَقٌّ لا مرية فيه ولا شك وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ قال النسفي: أي: لذنب أمّتك، وقال ابن كثير: هذا تهييج للأمّة على الاستغفار، أقول: هو على كل حال أمر له عليه الصلاة والسلام بالاستغفار، وكان عليه الصلاة والسلام يستغفر كثيرا كل يوم كما سنرى في الفوائد، ولعل استغفاره أثر عن رؤية التقصير عن مراتب العمل كما ينبغي لله جل جلاله، فإنّ الإنسان كلّما عرف من جلال الله وكماله، زاد شعوره بكثرة تقصيره؛ فيستغفر استغفار المذنبين، ومن ثمّ قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا كما نصر موسى ومؤمن آل فرعون بإغراق فرعون وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ أي: يوم القيامة
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ أي: لا يقبل عذرهم وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي: البعد من رحمة الله وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أي: سوء دار الآخرة وهو عذابها، وسمّي يوم القيامة بيوم الأشهاد؛ لأن
الأنبياء يشهدون فيه، والحفظة يشهدون، فالأنبياء يشهدون عند رب العزة على الكفرة بالتكذيب، والحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال.
كلمة في السياق:
بدأ الله عزّ وجلّ موسى عليه السلام بقوله وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ* إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ... ثمّ قصّ علينا موقف الكافرين من موسى عليه السلام ودفاع مؤمن آل فرعون عن موسى، ثم قصّ الله علينا أنواع العذاب الذي يعذّبها الله الكافرين، انتصارا لرسله وللمؤمنين، ويختم الله عزّ وجل قصة موسى عليه السلام في هذه السورة بقوله:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى يريد به جميع ما أتى به في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ أي: التوراة
هُدىً أي: هداية وَذِكْرى أي: تذكيرا لِأُولِي الْأَلْبابِ أي: لأولي العقول.
كلمة في السياق:
بدأت قصة موسى عليه السلام بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ وختمت بقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ* هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ فكأنه يشير إلى البداية والنهاية في حياة موسى عليه السلام: مرحلة الصراع مع فرعون، ومرحلة النجاة، وهداية بني إسرائيل، ووراثتهم التوراة بعد ذلك وهي النعم الكبرى، والنصر العظيم، فالنّعمة الكبرى أن يكون الإنسان على الهدى، والنّصر العظيم أن يوجد ورّاث لدين الله ودعوته.
وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من المقطع الوحيد بعد مقدمة السورة، ويتوجّه الآن الخطاب لرسول الله صلّى الله عليه وسلم آمرا إياه بالصبر والاستغفار والتسبيح كما سنرى. وهذه بعض الفوائد المتعلّقة بالمجموعتين الأخيرتين.
فوائد:
1 - [كلام ابن كثير عن مقاعد أهل النار بمناسبة آية النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها.. ]
بمناسبة قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا قال ابن كثير:
(روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عزّ وجل إلى يوم القيامة» أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به.
2 - [الفهم الصحيح لكيفية نصر الله للمؤمنين من خلال كلام ابن كثير وصاحب الظلال]
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ قال ابن كثير: (قد أورد أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا سؤالا فقال: قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم، إما مهاجرا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين «أحدهما» أن يكون الخبر خرج عامّا، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة «الثاني» أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم، أو في غيبتهم، أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيي وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم، وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم، ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام إماما عادلا، وحكما مقسطا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام، وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه، أن ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تبارك وتعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب» وفي الحديث الآخر: «إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب»، ولهذا أهلك الله عزّ وجل قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدا، وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدا. وقال السدي لم يبعث الله عزّ وجل رسولا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوم من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا،
قال فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها، وهكذا نصر الله نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلم وأصحابه على من خالفه وناوأه وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارا وأعوانا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم فاستاقهم مقرّنين في الأصفاد، ثم منّ عليه بأخذ الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة فقرّت عينه ببلده- وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم- فأنقذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله تبارك وتعالى أصحابه خلفاء بعده، فبلّغوا عنه دين الله عزّ وجل، ودعوا عباد الله تعالى إلى الله جلّ وعلا، وفتحوا البلاد والرساتيق، والأقاليم والمدائن، والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها، إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل)..
أقول: الذي يظهر من السياق في السورة أنّ النّصرة التي وقعت لموسى عليه السلام ولمؤمن آل فرعون تظهر في أخذ فرعون وجنده في البحر، وتسليط أنواع من العذاب الرباني عليهم، ثم تعذيبهم في القبر، ثم تعذيبهم يوم القيامة، فهذه مظاهر النصرة لموسى عليه السلام ومن آمن به، ومظاهر انتصار الله لرسله وللمؤمنين كثيرة فليستبشر المؤمنون، فإنّ في قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا بشارة للمؤمنين إلى قيام الساعة بنصرة الله.
وبمناسبة قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ* يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ قال صاحب الظلال:
فأما في الآخرة فقد لا يجادل أحد من المؤمنين بالآخرة في هذه النهاية. ولا يجد ما يدعوه إلى المجادلة. وأما النصر في الحياة الدنيا فقد يكون في حاجة إلى جلاء وبيان.
إن وعد الله قاطع جازم: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.....
بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل، ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكذّبا مطرودا، وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب، وفيهم من يلقى في الأخدود، وفيهم من
يستشهد، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد.. فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل، ويفعل بها الأفاعيل!.
ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور. ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير. إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان، وحيّز محدود من المكان. وهي مقاييس بشرية صغيرة. فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ولا بين مكان ومكان. ولو
نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك. وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها. فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها. وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها!.
والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صورة معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم. ولكن صور النصر شتى. وقد يلتبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة. إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها.. أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شك- في منطق العقيدة- أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار. كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار. هذه صورة وتلك صورة. وهما في الظاهر بعيد من بعيد. فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب!.. والحسين- رضوان الله عليه- وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب؟ أكانت هذه نصرا أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة. فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصرا. فما من شهيد في أرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه. يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعين من المسلمين.
وكثير من غير المسلمين!.
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده. وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزا محركا للأبناء والأحفاد. وربما كانت حافزا محركا لخطى التاريخ كله مدى أجيال.
ما النصر؟ وما الهزيمة؟ إننا في حاجة إلى أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور ومن القيم. قبل أن نسأل: أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا!.
على أن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة. ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة. لقد انتصر محمد صلّى الله عليه وسلم في حياته.
لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض. فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعا- من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة- فيشاء الله أن ينصر صاحب هذه العقيدة في حياته ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة، ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة. ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية. وفق تقدير الله وترتيبه.
وهنالك اعتبار آخر تحسن مراعاته كذلك. إن وعد الله قائم لرسله وللذين آمنوا.
ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها. وحقيقة الإيمان كثيرا ما يتجوز الناس فيها. وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله. وإن هنالك لأشكالا من الشرك خفية؛ لا يخلص منها القلب إلا حين يتجه لله وحده، ويتوكل عليه وحده، ويطمئن إلى قضاء الله فيه وقدره عليه، ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه فلا خيرة له إلا ما اختار الله. ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضى والقبول. وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي الله، ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير. فسيكل هذا كله لله. ويلتزم. ويتلقى كل ما يصيبه على أنه الخير.. وذلك معنى من معاني النصر.. النصر على الذات والشهوات. وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه بحال من الأحوال.
كلمة في الفقرة الأولى من هذا المقطع وفي مقدمة السورة:
1 - بدأ هذا المقطع بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ. ثم جاءت قصة موسى عليه السلام نموذجا على تعذيب الله لمن كذّب الرسل، حتى إذا استقر هذا المعنى يتوجّه الآن الخطاب لرسول الله صلّى الله عليه وسلم آمرا إياه بالصبر، فإذا تذكرنا مقدمة سورة (ص) التي تفصّل في نفس المحور الذي تفصّل فيه سورة غافر، فإننا نلاحظ أنّه قد جاء بعد مقدمة السورة قوله تعالى اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وهاهنا بعد إذ
قرر الله عزّ وجل ما رأينا يأتي قوله تعالى فَاصْبِرْ... ثم بعد آيات كثيرة يتكرر الأمر بالصبر فَاصْبِرْ فإذا تذكّرنا أنه قبيل بداية المقطع ورد قوله تعالى وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ.. نعلم كيف أنّ السورة وجّهت الرسول صلّى الله عليه وسلم نحو الإنذار، ثم تبدأ الآن توجّهه نحو الصبر أمام المواقف المتعنّتة المستكبرة.
2 - إذا اتضح ما مرّ ندرك كيف تسير السورة في تفصيل المحور إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فالسورة ترينا أنّ هناك كافرين لا يؤثّر فيهم الإنذار، وترينا مظاهر من العذاب العظيم للكافرين، وترينا علامة الكافرين الذين يستأهلون الطبع على القلوب، كما ترينا ضرورة الإنذار. وها هي ذي تصل إلى الحديث عما ينبغي أن يكون عليه النذير من الصفات.
3 - رأينا في قصة مؤمن آل فرعون نموذجا على إنذار المؤمن، ونموذجا على مواقف المؤمنين، والدرس الكبير الذي نأخذه من القصة: أن كتمان الإيمان ينبغى أن يكون لخدمة الدعوة، حتى إذا أصبح الإظهار هو المصلحة الحقيقية فينبغي أن يظهر الإيمان، فالذين يكتمون ويموتون وهم كاتمون مع وجود المصلحة الحقيقية للإظهار- وخاصة عند ما يكونون في وضع يفترض عليهم أن يفعلوا- هؤلاء آثمون.
4 - بدأت السورة بتبيان أن هذا القرآن من عند الله، ثم تحدّثت عن كون الكافرين يجادلون في آيات الله، وأمرت رسول الله صلّى الله عليه وسلم بألا يغرّ بتقلّبهم في البلاد، ثم ذكرت موقف الأمم السابقة من رسلها، وما عوقبوا به، ثم حدّثتنا عن دعاء الملأ الأعلى للمؤمنين، وتأنيب الملائكة للكافرين يوم القيامة، ثمّ عرّفتنا على الله عزّ
وجل، آمرة لنا بعبادته، والإخلاص فيها ولو كره الكافرون، ثمّ عرّفتنا على الله وإرساله الرسل، وأمرت الرسول صلّى الله عليه وسلم بالإنذار. ثمّ خاطب الله الكافرين بأن يعتبروا بمشاهداتهم لفعل الله لرسله وللمؤمنين، وفي ذلك بشارة للمؤمنين وتثبيت لقلب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حتى إذا وضحت الأمور هذا الوضوح يأتي الآن توجيه لرسول الله صلّى الله عليه وسلم آمرا إياه بالصبر كما سنرى.
5 - إن قصة موسى عليه السلام خدمت بشكل مباشر قوله تعالى أَوَلَمْ يَسِيرُوا.. ، كما خدمت مقدمة السورة كذلك؛ إذ بيّنت لنا الأسباب النفسية والقلبية
لجدال الكافرين، واستحقاقهم الطبع على القلب بذلك، وبيّنت لنا أنماطا من جدال الكافرين بآيات الله، وبيّنت لنا تأييد الله لرسله وللمؤمنين، وبيّنت لنا مآل الكافرين، وكل ذلك قد تحدّثت عنه مقدمة السورة، فالقصة خدمت ما سبقها من معان، وهي كذلك تخدم المعاني التي ستأتي بعدها فلننتقل الآن إلى الفقرة الثانية في المقطع.
الفقرة الثانية من المقطع [وتشتمل على أربع مجموعات]
تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الثانية
فَاصْبِرْ يا محمد على ما يجرعك الكافرون من الغصص في مواقفهم الظالمة الكافرة المنكرة المستكبرة الرافضة للحق إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بإقامة الساعة حَقٌّ لا مرية فيه ولا شك وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ قال النسفي: أي: لذنب أمّتك، وقال ابن كثير: هذا تهييج للأمّة على الاستغفار، أقول: هو على كل حال أمر له عليه الصلاة والسلام بالاستغفار، وكان عليه الصلاة والسلام يستغفر كثيرا كل يوم كما سنرى في الفوائد، ولعل استغفاره أثر عن رؤية التقصير عن مراتب العمل كما ينبغي لله جل جلاله، فإنّ الإنسان كلّما عرف من جلال الله وكماله، زاد شعوره بكثرة تقصيره؛ فيستغفر استغفار المذنبين، ومن ثمّ قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين