لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحࣰا قَرِيبًا 27
[سورة الفتح (48): آية 27]
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ.. ]
بمناسبة قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ قال ابن كثير:
(وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة فأقام بها ذي الحجة والمحرم وخرج في صفر إلى خيبر ففتحها الله عليه، بعضها عنوة وبعضها صلحا- وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع- فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشطر وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة: جعفر ابن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم، ولم يغب منهم أحد. قال ابن زيد: إلا أبا دجانة سماك بن خرشة- كما هو مقرر في موضعه- ثم رجع إلى المدينة. فلما كان ذي القعدة من سنة سبع خرج صلّى الله عليه وسلم إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية فأحرم من ذي الحليفة وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة فلبى وسار أصحابه يلبون، فلما كان صلّى الله عليه وسلم قريبا من مر الظهران بعث محمد بن سلمة بالخيل والسلاح أمامه، فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا، وظنوا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج، وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها كما شارطهم عليه، فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال يا محمد ما عرفناك تنقض العهد؟، فقال صلّى الله عليه وسلم: «وما ذاك؟» قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح. فقال عليه الصلاة والسلام: «لم يكن ذلك وقد بعثنا به إلى يأجج» فقال: بهذا عرفناك بالبر والوفاء، وخرجت رءوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وإلى أصحابه رضي الله عنهم غيظا وحنقا، وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطريق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، فدخلها عليه الصلاة والسلام وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى، وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصارى آخذ زمام ناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقودها وهو يقول:
باسم الذي محمد رسوله … باسم الذي لا دين إلا دينه
اليوم نضربكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله
ويذهل الخليل عن خليله … قد أنزل الرحمن في تنزيله
خلوا بني الكفار عن سبيله … ضربا وتنزيل الهام عن مقيله
في صحف تتلى على رسوله … بأن خير القتل في سبيله
يا رب إني مؤمن بقيله
فهذا مجموع من روايات متفرقة.
(وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما نزل مرّ الظهران في عمرته بلغ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه، وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة، قال صلّى الله عليه وسلم: «لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم» فجمعوا له وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا، وحشا كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع صلّى الله عليه وسلم بردائه ثم قال: «لا يرى القوم فيكم غميزة» فاستلم الركن، ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم لتنقزون نقز الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أشواط فكانت سنّة، قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع. وروى أحمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها سوءا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا، وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلم على ما قالوا، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة؛ ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي صلّى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. أخرجاه في الصحيحين). وفي لفظ قدم النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم صبيحة رابعة يعني من ذي القعدة فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، قال البخاري وزاد ابن سلمة- يعني حماد بن سلمة- عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
لما قدم النبي صلّى الله عليه وسلم لعامه الذي استأمن قال: «ارملوا ليري المشركين قوتهم والمشركون
من قبل قعيقعان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال إنما سعى النبي صلّى الله عليه وسلم بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركون قوته. ورواه في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق عن سفيان بن عيينة به. وروى أيضا عن إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم انفرد به البخاري دون مسلم، وروى البخاري أيضا: عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خرج معتمرا فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر صلّى الله عليه وسلم من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج
صلّى الله عليه وسلم، وهو في صحيح مسلم أيضا. وروى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: اعتمر النبي صلّى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا:
لا نقرّ بهذا ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا، ولكن اكتب محمد بن عبد الله قال صلّى الله عليه وسلم «أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله» ثم قال صلّى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه «امح رسول الله» قال رضي الله عنه: لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله أن لا يدخل مكة بالسلاح إلا بالسيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها» فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليّا فقالوا:
قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلّى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة رضي الله عنه، تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي رضي الله عنه فأخذ بيدها وقال لفاطمة رضي الله عنها: دونك ابنة عمك فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم، فقال علي رضي الله عنه: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر رضي الله عنه: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد رضي الله عنه: ابنة أخي فقضى بها النبي صلّى الله عليه وسلم لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي رضي الله عنه: «أنت مني وأنا منك» وقال لجعفر رضي الله عنه «أشبهت خلقي وخلقي» وقال صلّى الله عليه وسلم لزيد رضي الله عنه: «أنت أخونا ومولانا» قال علي رضي الله عنه: ألا تتزوج ابنة حمزة رضي الله عنه؟ قال صلّى الله عليه وسلم «إنها ابنة أخي من الرضاعة» تفرد به من هذا الوجه.
9 - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ.. ]
بمناسبة قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ قال ابن كثير:
(وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة فأقام بها ذي الحجة والمحرم وخرج في صفر إلى خيبر ففتحها الله عليه، بعضها عنوة وبعضها صلحا- وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع- فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشطر وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة: جعفر ابن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم، ولم يغب منهم أحد. قال ابن زيد: إلا أبا دجانة سماك بن خرشة- كما هو مقرر في موضعه- ثم رجع إلى المدينة. فلما كان ذي القعدة من سنة سبع خرج صلّى الله عليه وسلم إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية فأحرم من ذي الحليفة وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة فلبى وسار أصحابه يلبون، فلما كان صلّى الله عليه وسلم قريبا من مر الظهران بعث محمد بن سلمة بالخيل والسلاح أمامه، فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا، وظنوا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج، وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها كما شارطهم عليه، فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال يا محمد ما عرفناك تنقض العهد؟، فقال صلّى الله عليه وسلم: «وما ذاك؟» قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح. فقال عليه الصلاة والسلام: «لم يكن ذلك وقد بعثنا به إلى يأجج» فقال: بهذا عرفناك بالبر والوفاء، وخرجت رءوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وإلى أصحابه رضي الله عنهم غيظا وحنقا، وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطريق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، فدخلها عليه الصلاة والسلام وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى، وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصارى آخذ زمام ناقة رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقودها وهو يقول:
باسم الذي محمد رسوله … باسم الذي لا دين إلا دينه
اليوم نضربكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله
ويذهل الخليل عن خليله … قد أنزل الرحمن في تنزيله
خلوا بني الكفار عن سبيله … ضربا وتنزيل الهام عن مقيله
في صحف تتلى على رسوله … بأن خير القتل في سبيله
يا رب إني مؤمن بقيله
فهذا مجموع من روايات متفرقة.
(وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما نزل مرّ الظهران في عمرته بلغ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه، وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة، قال صلّى الله عليه وسلم: «لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم» فجمعوا له وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا، وحشا كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع صلّى الله عليه وسلم بردائه ثم قال: «لا يرى القوم فيكم غميزة» فاستلم الركن، ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم لتنقزون نقز الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أشواط فكانت سنّة، قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع. وروى أحمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها سوءا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا، وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلم على ما قالوا، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة؛ ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي صلّى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. أخرجاه في الصحيحين). وفي لفظ قدم النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم صبيحة رابعة يعني من ذي القعدة فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي صلّى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، قال البخاري وزاد ابن سلمة- يعني حماد بن سلمة- عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
لما قدم النبي صلّى الله عليه وسلم لعامه الذي استأمن قال: «ارملوا ليري المشركين قوتهم والمشركون
من قبل قعيقعان، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال إنما سعى النبي صلّى الله عليه وسلم بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركون قوته. ورواه في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق عن سفيان بن عيينة به. وروى أيضا عن إسماعيل بن أبي خالد أنه سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم انفرد به البخاري دون مسلم، وروى البخاري أيضا: عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خرج معتمرا فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر صلّى الله عليه وسلم من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج
صلّى الله عليه وسلم، وهو في صحيح مسلم أيضا. وروى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: اعتمر النبي صلّى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، قالوا:
لا نقرّ بهذا ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا، ولكن اكتب محمد بن عبد الله قال صلّى الله عليه وسلم «أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله» ثم قال صلّى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه «امح رسول الله» قال رضي الله عنه: لا والله لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله أن لا يدخل مكة بالسلاح إلا بالسيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها» فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليّا فقالوا:
قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلّى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة رضي الله عنه، تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي رضي الله عنه فأخذ بيدها وقال لفاطمة رضي الله عنها: دونك ابنة عمك فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم، فقال علي رضي الله عنه: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر رضي الله عنه: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد رضي الله عنه: ابنة أخي فقضى بها النبي صلّى الله عليه وسلم لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي رضي الله عنه: «أنت مني وأنا منك» وقال لجعفر رضي الله عنه «أشبهت خلقي وخلقي» وقال صلّى الله عليه وسلم لزيد رضي الله عنه: «أنت أخونا ومولانا» قال علي رضي الله عنه: ألا تتزوج ابنة حمزة رضي الله عنه؟ قال صلّى الله عليه وسلم «إنها ابنة أخي من الرضاعة» تفرد به من هذا الوجه.
9 - [كلام صاحب الظلال بمناسبة آية