وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ 10 يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 11 ۞ وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ 12 فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 13

تفسير سورة المائدة - الآية 13

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةࣰۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظࣰّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةࣲ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلࣰا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 13

[سورة المائدة (5): آية 13]
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ. أي: فبنقضهم ميثاقهم أي فبسبب ذلك (وما) هنا مزيدة لإفادة تعظيم الأمر. لَعَنَّاهُمْ. أي: طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا. وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً. أي: يابسة لا رحمة فيها ولا لين.
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ. أي: يفسّرونه على غير ما أنزل، وهذا بيان لأثر قسوة قلوبهم، لأنّه لا قسوة في القلب أشد من قسوة ينبثق عنها الافتراء على الله وتغيير وحيه. وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. أي: وتركوا نصيبا جزيلا، وقسطا وافيا من التوراة. أو أن الإغفال سمّي نسيانا. وَلا تَزالُ يا محمد وكذلك المسلمون.
تَطَّلِعُ. أي: تظهر عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ. أي: على خيانة أو على فعلة ذات
خيانة أي: هذه عادتهم، وكان عليها أسلافهم، كانوا يخونون الرسل، وهؤلاء يخونونك ويهمّون بالفتك بك. إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين آمنوا منهم وما أقلهم.
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ. أي: اعف عن هذا القليل من أهل الإيمان، وتجاوز عما سلف منهم، فلا تؤاخدهم به، كأدبك مع المؤمنين. هذا الذي حمل عليه النسفي هذين الأمرين. أما ابن كثير فقد جعل الأمرين في اليهود ونقل قول قتادة أن هذا منسوخ بآية القتال، والحكم المستقر في هذا الموضوع أنّ اليهود إن كانوا ذمّة فخانوا حوكموا فعوقبوا بما يستحقون، وإن كانوا حربيين معاهدين فخانوا فالحرب. أو كانوا حربيين فالحرب ضمن قدرة المسلمين، وفي حدود إمكانياتهم، وحسب المصلحة، وقد يعفى عن بعض تصرفاتهم إن كانوا ذمة، إذا كانت المصلحة في ذلك، فموضوع النّسخ بعد هذا التقرير يبقى قضيّة اعتبارية بحسب سعة الفهم للنص، وبحسب محمل الآية. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين اجتمع لهم حسن العمل، ومراقبة الله فيه، والإخلاص لله في ذلك.
فوائد: [حول مسألة الاثني عشر نقيبا وما يستفاد منها وحول عاقبة نقض الميثاق]
1 - نقل ابن إسحاق أسماء نقباء بني إسرائيل حسب أسباطهم، وقال ابن كثير وقد رأيت في السفر الرابع (أي: سفر العدد) من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل، وأسماء ابن كثير مخالفة لما ذكره ابن إسحاق، وما نقله ابن كثير قريب من الموجود حاليا في سفر العدد، مما يدلّ على أن نسخ ما يسمّى بالتورات كانت متوافرة خلال العصور الإسلامية، وأن النقل منها وعنها كان متاحا لعلمائنا.
2 - لاحظنا أن الاثني عشر نقيبا كانوا معيّنين تعيينا، ونلاحظ أنّ رسولنا عليه الصلاة والسلام قد طالب الأنصار ليلة العقبة الثانية أن يختاروا هم من بينهم اثني عشر نقيبا، مما يدلّ على أنّ الأصل في شريعتنا هو انتخاب القيادات، وليس تعيينها، وليس الكلام هنا في القيادات العسكرية، والأمر واسع جدا، وتحكمه قواعد متعدّدة، وإنما أشرنا هذه الإشارة هنا حتى لا يفهم فاهم أنّ التعيين في غيبة الوحي هو الأصل.
3 - لاحظنا أن الميثاق قد أخذ على بني إسرائيل بخمسة أشياء. الصلاة، والزكاة، والإيمان بالرّسل، ونصرتهم، وفعل الخير، وأنهم عوقبوا على النقض بقسوة القلب، واللعن، وما من شئ أخذ عليهم به الميثاق إلا وقد أخذ علينا، فمن رأى من قلبه قسوة
فلينظر أيّ شئ قد فرّط به من هذه الأمور وغيرها، لقد قست القلوب في عصرنا كثيرا فلنفتّش عما يلينها.
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى. أي: ومن الذين سمّوا أنفسهم نصارى ويظهر أنّهم سمّوا أنفسهم كذلك ادّعاء لنصر الله. أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ لم يفصّل ماهيّة الميثاق الذي أخذ
عليهم، لأنّ الميثاق الذي أخذ على الأمم واحد، فهو لا يحتاج إلى تفصيل.
بداية سورة المائدة فهرس السور