۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيࣱۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمࣱ 41
[سورة المائدة (5): آية 41]
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ فههنا حديث عن أفعال يستحق بها أصحابها إضلال الله لهم، هذه الأفعال هي أكل السحت، والسماع للكذب وقبوله، والتجسس للكافرين والمنافقين على المؤمنين، والمسارعة إلى الكفر، وفي ذلك نقض للعهد، وإفساد في الأرض، وقطع ما أمر الله به أن يوصل.
وفي هذا السياق يحدثنا المقطع عن أن الحكمة في إنزال التوراة والإنجيل هي أن يحكم بهما، وأن يحتكم لهما، وأنّ من لم يحكم بكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق، فإذا كان هذا هو الشأن في التوراة والإنجيل فما بالك بالقرآن الذي أنزله الله- عزّ وجل- مصدّقا للكتب ومهيمنا عليها. وفي سياق التحذير من الاحتكام لغير القرآن يقول- عزّ وجل- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ مما يدل على أن ترك حكم الله ردّة، والاحتكام إلى الأهواء فسوق يستحق به أصحابه الإضلال. فهذا الجزء من المقطع إذن يفصّل لنا مظهرا من مظاهر الفسوق الذي يحدثنا عنه محور السورة من البقرة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ إن هذا الجزء من المقطع يفصّل في الفسوق فيرينا نموذجا منه هو رفض الاحتكام إلى كتاب الله، أو الرغبة في تحكيم غيره، أو الحكم بسواه، وذلك يدخل في نقض العهد، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض.
إن المقطع ينتقل من تقرير الأخلاق التي يستحق بها أصحابها زيغ القلب، إلى ذكر تخيير الرسول صلّى الله عليه وسلّم في أهل الكتاب في أن يحكم بينهم أولا، فإذا حكم فإنه يأمره أن يحكم بالقسط، ومن مثل هذه الشئون ينتقل السياق للكلام عن حكمة إنزال الكتب، ليقرر كفر من لم يحكم بما أنزل الله، وظلمه، وفسقه، ثمّ يمضي السياق كما سنرى بانيا على ما مر بما ينير لهذه الأمة طريقها المستقيم.
المعنى العام:
ابتدأ المقطع بالكلام عن المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله،
المقدّمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله، الذين يظهرون الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. وتكلم المقطع عن اليهود أعداء الإسلام وأعداء أهله، ثم وصف الجميع بأنهم يستجيبون للكذب، وأنهم منفعلون فيه، وأنهم يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو أنهم جواسيس يتسمّعون كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لينقلوه إلى قوم آخرين، هؤلاء القوم الآخرون من صفاتهم تحريف كلام الله، وتوصية بعضهم لبعض ألا يأخذوا من محمد عليه وآله الصلاة والسلام إلا ما وافق هذا الكلام المجرّف، ومن كان من الناس من هذه الأنواع فقد أراد الله فتنته ولم يرد أن يطهّر قلبه، وجعل له الذّلة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
فالآيات تتحدث عن صنفين: صنف منافق وقد نهى الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يحزن على مسارعتهم في الكفر. والصنف الثاني وهم اليهود يأّس الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم منهم. وكيف لا ييأس ومن صفاتهم سماعهم للباطل، وقبولهم إياه، وأكلهم الحرام، ومن كان كذلك فأنّى يستجيب لله أم كيف يطهر قلبه. فإذا كان الأمر كذلك وجاء هؤلاء يتحاكمون إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد خيّر الرسول صلّى الله عليه وسلّم بين الحكم وعدمه، وبيّن له أن لا عليه ألّا يحكم بينهم لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليه اتّباع الحق بل ما يوافق أهواءهم، أما إذا حكم بينهم فقد أمره الله أن يحكم بالحق وبالعدل وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل، لأن الله يحبّ أهل العدل والحق. ثمّ أنكر الله عليهم آراءهم الفاسدة ومقاصدهم الزائفة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدا وهو التوراة، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره. مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، وهو أمر محمد عليه الصلاة والسلام وفي النّهاية فهم لا يقبلون حكم محمد صلّى الله عليه وسلّم ولا حكم التوراة، والحقيقة أنهم ليسوا مؤمنين أصلا. ثمّ تحدّث الله عن كتبه الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن وما هو الموقف الصحيح منها؟ وهو لزوم الاحتكام إليها، وقبول هذا الحكم، ووصف رافض حكم الله في كتبه بالكفر والظلم والفسوق، فبدأ بالكلام عن التوراة التي أنزلها الله على عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام وأنّ فيها هدى ونورا، وأنّ النّبيين والربانيّين والأحبار يحكمون بها ولا يخرجون عن حكمها ولا يبدّلونها ولا يحرّفونها؛ قياما منهم بحقّ ما استودعوه من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به، وأن يشهدوا الحق فيه، وألا يخافوا أحدا إلا الله، وألا يشتروا بالحق الدنيا.
ثم بيّن الله- عزّ وجل- حكمه فيمن ترك الحكم بما أنزل الله بأنه كافر. ثم ذكر الله- عزّ وجل- حكما من أحكام التوراة في هذا السياق وهو حكم قد أهملوه فذكر الحكم في هذا السياق فيه معنى التقريع أمّا الحكم فهو ما فرضه الله عليهم في التوراة من وجوب القصاص العادل، النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسنّ بالسنّ، والجروح قصاص، والدية جائزة، والعفو طيب، وهم يخالفون حكم الله ذلك عمدا وعنادا، وفي هذا السياق قرّر تعالى حكمه بأنّ من لم يحكم بما أنزل الله فإنه ظالم، لأنّ حكم الله وحده هو العدل، وما سواه ظلم، فمن خالف حكم الله فقد تعدّى وظلم، ثمّ جاء الكلام عن الإنجيل فبيّن تعالى أنّه أتبع على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، مؤمنا بالتوراة حاكما بما فيها، وأن الله قد آتاه الإنجيل، وأنّ في الإنجيل هدى إلى الحق، ونورا يستضاء به في إزالة الشبهات، وحل المشكلات، وأنّ الإنجيل موافق لما في التوراة، غير مخالف لما فيها إلا في القليل الذي فيه توسعة على بني إسرائيل، وأنّ الإنجيل فيه هدى يهتدى به، وأنّ فيه موعظة وزاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم لمن اتقى الله وخاف وعيده، هذا الإنجيل أنزله الله ليحكم به من خوطبوا به. ثم بيّن الله- عزّ وجل- أن من لم يحكم بما أنزل فهو الفاسق الخارج عن طاعة ربه، المائل إلى الباطل، التارك للحق. ثمّ بدأ الكلام عن القرآن النّاسخ لما تقدمه، والجامع لكل وحي أنزله الله فبيّن- عزّ وجل- أنه أنزل القرآن على رسوله صلّى الله عليه وسلّم بالحق والصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله رب العالمين. وأنّ هذا القرآن يصدّق الكتب المتقدّمة في كونها من عند الله، وفي الأحكام والأخبار التي فيها، وفيما أخبرت به من البشارة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكتابه الخاتم الناسخ، وأنّ هذا القرآن أمين على وحي الله الذي أنزله الله من قبل، فما وافقه منها فهو هو، وما خالفه باطل، وهو حاكم على كل كتاب قبله؛ فقد جعله الله- عزّ وجل- آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها، وتكفّل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة.
وإذا كان القرآن كذلك فقد أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يحكم بين الناس عربهم وعجمهم أميّهم وكتابيّهم- بما أنزل الله إليه فيه، وبما قرّره له من حكم من كان قبله من الأنبياء مما لم ينسخه شرعه، ونهاه أن يتبع آراءهم، أو أن ينصرف عن الحق الذي أمره الله به إلى أهواء الناس الذين هم جهلة وأشقياء إذا لم يهتدوا بكتاب الله. ثم أخبر الله- عزّ وجل- عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة
في الأحكام. المتفقة في التوحيد، وأنه جعل لكل أمة سبيلا وسنّة، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحلّ الله فيها ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ومن يعصيه، والدّين الذي لا يقبل الله غيره، التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرّسل عليهم الصلاة والسلام، ثم بيّن تعالى أنه لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد، وشريعة واحدة، لا ينسخ شئ منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة، ثم نسخها- أو بعضها- برسالة الآخر بعده، حتى نسخ
الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم الذي ابتعثه الله تعالى إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم، وحكمة الشرائع المختلفة اختبار الله عباده فيما شرع وما نسخ، ثمّ ندبهم تعالى إلى المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إليها، والخيرات هنا طاعة الله، واتّباع شرعه الذي جعله ناسخا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثمّ بين تعالى أنّ مرجع الجميع ومعادهم ومصيرهم إليه يوم القيامة؛ فيخبر الجميع بما اختلفوا فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذّبين بالحقّ، العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة. ثمّ كرّر الله- عزّ وجل- الأمر لرسوله صلّى الله عليه وسلّم بالحكم بما أنزل، وعدم اتباع أهواء البشر، وأمره بالحذر من أن يفتن عما أنزله إليه أو أن يتولى عن الحكم بما أنزل الله، فذلك علامة الصرف عن الهدى بسبب الذنب، ثم يقرر الله- عزّ وجل- أن أكثر الناس فاسقون خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق، ناكبون عنه، ثم أنكر تعالى على من يخرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، النّاهي عن كل شر، ويعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء أيريدون حكم الجاهلية، وعن حكم الله يعدلون؟ ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟! فإنّه تعالى هو العالم بكل شئ، القادر على كل شئ، العادل في كل شئ.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر أي: في إظهارهم ما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام، ومن موالاة المشركين؛ فإني ناصرك عليهم، وكافيك شرّهم. ومسارعتهم في الكفر تعني
وقوعهم فيه أسرع شئ، إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ هؤلاء هم الذين يسارعون في الكفر، أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه وهؤلاء هم المنافقون وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا. أي:
ومن اليهود أي وكذلك اليهود لا يحزنك مسارعتهم في الكفر سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ هذه صفة اليهود والمنافقين، أنّهم يسمعون للكذب سماع قبول واستجابة أو المعنى:
أنهم سمّاعون منك ليكذبوا عليك بأن يمسخوا ما سمعوا منك بالزيادة والنّقصان، والتبديل والتغيير سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يحتمل معنيين: الأول: أنهم جواسيس وعيون لناس آخرين ليبلغوهم ما سمعوا منك، والثاني: أنهّم يسمعون ويطيعون ويستجيبون لأقوام آخرين ممن لا يحضرون مجلسك يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ الضمير في يحرّفون يعود على الأقوام الآخرين الذين يتجسس هؤلاء لحسابهم أو يطيعونهم والمعنى: يزيلون الكلم ويميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، فيجعلونه في غير مواضعه بعد أن كان ذا موضع يَقُولُونَ. أي: المحرّفون إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ. أي: إن أوتيتم هذا الكلام المحرّف المزال عن مواضعه فاعلموا أنه الحق واعملوا به وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا. أي: وإن سمعتم خلافة فإياكم وإيّاه وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ. أي: ضلاله فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هذا قطع رجاء بإيمان هؤلاء أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ. أي: عن الكفر لاختيارهم إياه لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ خزي المنافقين في الدنيا فضيحتهم، وخزي اليهود ذلتهم وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. أي: التخليد في النار
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ مر معنا معناه، وتكريره للتأكيد أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ السحت: وهو كل ما لا يحل كسبه ويدخل في ذلك الرّشوة فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ هذا تخيير لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بين أن يحكم بينهم، وبين ألا يحكم بينهم، وذهب جمع من المفسرين: أنّ هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ. أي: إلّا تحكم بينهم
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ فههنا حديث عن أفعال يستحق بها أصحابها إضلال الله لهم، هذه الأفعال هي أكل السحت، والسماع للكذب وقبوله، والتجسس للكافرين والمنافقين على المؤمنين، والمسارعة إلى الكفر، وفي ذلك نقض للعهد، وإفساد في الأرض، وقطع ما أمر الله به أن يوصل.
وفي هذا السياق يحدثنا المقطع عن أن الحكمة في إنزال التوراة والإنجيل هي أن يحكم بهما، وأن يحتكم لهما، وأنّ من لم يحكم بكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق، فإذا كان هذا هو الشأن في التوراة والإنجيل فما بالك بالقرآن الذي أنزله الله- عزّ وجل- مصدّقا للكتب ومهيمنا عليها. وفي سياق التحذير من الاحتكام لغير القرآن يقول- عزّ وجل- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ مما يدل على أن ترك حكم الله ردّة، والاحتكام إلى الأهواء فسوق يستحق به أصحابه الإضلال. فهذا الجزء من المقطع إذن يفصّل لنا مظهرا من مظاهر الفسوق الذي يحدثنا عنه محور السورة من البقرة وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ إن هذا الجزء من المقطع يفصّل في الفسوق فيرينا نموذجا منه هو رفض الاحتكام إلى كتاب الله، أو الرغبة في تحكيم غيره، أو الحكم بسواه، وذلك يدخل في نقض العهد، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض.
إن المقطع ينتقل من تقرير الأخلاق التي يستحق بها أصحابها زيغ القلب، إلى ذكر تخيير الرسول صلّى الله عليه وسلّم في أهل الكتاب في أن يحكم بينهم أولا، فإذا حكم فإنه يأمره أن يحكم بالقسط، ومن مثل هذه الشئون ينتقل السياق للكلام عن حكمة إنزال الكتب، ليقرر كفر من لم يحكم بما أنزل الله، وظلمه، وفسقه، ثمّ يمضي السياق كما سنرى بانيا على ما مر بما ينير لهذه الأمة طريقها المستقيم.
المعنى العام:
ابتدأ المقطع بالكلام عن المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله،
المقدّمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله، الذين يظهرون الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. وتكلم المقطع عن اليهود أعداء الإسلام وأعداء أهله، ثم وصف الجميع بأنهم يستجيبون للكذب، وأنهم منفعلون فيه، وأنهم يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو أنهم جواسيس يتسمّعون كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لينقلوه إلى قوم آخرين، هؤلاء القوم الآخرون من صفاتهم تحريف كلام الله، وتوصية بعضهم لبعض ألا يأخذوا من محمد عليه وآله الصلاة والسلام إلا ما وافق هذا الكلام المجرّف، ومن كان من الناس من هذه الأنواع فقد أراد الله فتنته ولم يرد أن يطهّر قلبه، وجعل له الذّلة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
فالآيات تتحدث عن صنفين: صنف منافق وقد نهى الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يحزن على مسارعتهم في الكفر. والصنف الثاني وهم اليهود يأّس الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم منهم. وكيف لا ييأس ومن صفاتهم سماعهم للباطل، وقبولهم إياه، وأكلهم الحرام، ومن كان كذلك فأنّى يستجيب لله أم كيف يطهر قلبه. فإذا كان الأمر كذلك وجاء هؤلاء يتحاكمون إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد خيّر الرسول صلّى الله عليه وسلّم بين الحكم وعدمه، وبيّن له أن لا عليه ألّا يحكم بينهم لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليه اتّباع الحق بل ما يوافق أهواءهم، أما إذا حكم بينهم فقد أمره الله أن يحكم بالحق وبالعدل وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل، لأن الله يحبّ أهل العدل والحق. ثمّ أنكر الله عليهم آراءهم الفاسدة ومقاصدهم الزائفة في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدا وهو التوراة، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره. مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم، وهو أمر محمد عليه الصلاة والسلام وفي النّهاية فهم لا يقبلون حكم محمد صلّى الله عليه وسلّم ولا حكم التوراة، والحقيقة أنهم ليسوا مؤمنين أصلا. ثمّ تحدّث الله عن كتبه الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن وما هو الموقف الصحيح منها؟ وهو لزوم الاحتكام إليها، وقبول هذا الحكم، ووصف رافض حكم الله في كتبه بالكفر والظلم والفسوق، فبدأ بالكلام عن التوراة التي أنزلها الله على عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام وأنّ فيها هدى ونورا، وأنّ النّبيين والربانيّين والأحبار يحكمون بها ولا يخرجون عن حكمها ولا يبدّلونها ولا يحرّفونها؛ قياما منهم بحقّ ما استودعوه من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به، وأن يشهدوا الحق فيه، وألا يخافوا أحدا إلا الله، وألا يشتروا بالحق الدنيا.
ثم بيّن الله- عزّ وجل- حكمه فيمن ترك الحكم بما أنزل الله بأنه كافر. ثم ذكر الله- عزّ وجل- حكما من أحكام التوراة في هذا السياق وهو حكم قد أهملوه فذكر الحكم في هذا السياق فيه معنى التقريع أمّا الحكم فهو ما فرضه الله عليهم في التوراة من وجوب القصاص العادل، النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسنّ بالسنّ، والجروح قصاص، والدية جائزة، والعفو طيب، وهم يخالفون حكم الله ذلك عمدا وعنادا، وفي هذا السياق قرّر تعالى حكمه بأنّ من لم يحكم بما أنزل الله فإنه ظالم، لأنّ حكم الله وحده هو العدل، وما سواه ظلم، فمن خالف حكم الله فقد تعدّى وظلم، ثمّ جاء الكلام عن الإنجيل فبيّن تعالى أنّه أتبع على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، مؤمنا بالتوراة حاكما بما فيها، وأن الله قد آتاه الإنجيل، وأنّ في الإنجيل هدى إلى الحق، ونورا يستضاء به في إزالة الشبهات، وحل المشكلات، وأنّ الإنجيل موافق لما في التوراة، غير مخالف لما فيها إلا في القليل الذي فيه توسعة على بني إسرائيل، وأنّ الإنجيل فيه هدى يهتدى به، وأنّ فيه موعظة وزاجرا عن ارتكاب المحارم والمآثم لمن اتقى الله وخاف وعيده، هذا الإنجيل أنزله الله ليحكم به من خوطبوا به. ثم بيّن الله- عزّ وجل- أن من لم يحكم بما أنزل فهو الفاسق الخارج عن طاعة ربه، المائل إلى الباطل، التارك للحق. ثمّ بدأ الكلام عن القرآن النّاسخ لما تقدمه، والجامع لكل وحي أنزله الله فبيّن- عزّ وجل- أنه أنزل القرآن على رسوله صلّى الله عليه وسلّم بالحق والصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله رب العالمين. وأنّ هذا القرآن يصدّق الكتب المتقدّمة في كونها من عند الله، وفي الأحكام والأخبار التي فيها، وفيما أخبرت به من البشارة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكتابه الخاتم الناسخ، وأنّ هذا القرآن أمين على وحي الله الذي أنزله الله من قبل، فما وافقه منها فهو هو، وما خالفه باطل، وهو حاكم على كل كتاب قبله؛ فقد جعله الله- عزّ وجل- آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها، وتكفّل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة.
وإذا كان القرآن كذلك فقد أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يحكم بين الناس عربهم وعجمهم أميّهم وكتابيّهم- بما أنزل الله إليه فيه، وبما قرّره له من حكم من كان قبله من الأنبياء مما لم ينسخه شرعه، ونهاه أن يتبع آراءهم، أو أن ينصرف عن الحق الذي أمره الله به إلى أهواء الناس الذين هم جهلة وأشقياء إذا لم يهتدوا بكتاب الله. ثم أخبر الله- عزّ وجل- عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة
في الأحكام. المتفقة في التوحيد، وأنه جعل لكل أمة سبيلا وسنّة، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحلّ الله فيها ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ومن يعصيه، والدّين الذي لا يقبل الله غيره، التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرّسل عليهم الصلاة والسلام، ثم بيّن تعالى أنه لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد، وشريعة واحدة، لا ينسخ شئ منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة، ثم نسخها- أو بعضها- برسالة الآخر بعده، حتى نسخ
الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم الذي ابتعثه الله تعالى إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم، وحكمة الشرائع المختلفة اختبار الله عباده فيما شرع وما نسخ، ثمّ ندبهم تعالى إلى المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إليها، والخيرات هنا طاعة الله، واتّباع شرعه الذي جعله ناسخا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثمّ بين تعالى أنّ مرجع الجميع ومعادهم ومصيرهم إليه يوم القيامة؛ فيخبر الجميع بما اختلفوا فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذّبين بالحقّ، العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة. ثمّ كرّر الله- عزّ وجل- الأمر لرسوله صلّى الله عليه وسلّم بالحكم بما أنزل، وعدم اتباع أهواء البشر، وأمره بالحذر من أن يفتن عما أنزله إليه أو أن يتولى عن الحكم بما أنزل الله، فذلك علامة الصرف عن الهدى بسبب الذنب، ثم يقرر الله- عزّ وجل- أن أكثر الناس فاسقون خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق، ناكبون عنه، ثم أنكر تعالى على من يخرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، النّاهي عن كل شر، ويعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء أيريدون حكم الجاهلية، وعن حكم الله يعدلون؟ ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟! فإنّه تعالى هو العالم بكل شئ، القادر على كل شئ، العادل في كل شئ.
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر أي: في إظهارهم ما يلوح منهم من آثار الكيد للإسلام، ومن موالاة المشركين؛ فإني ناصرك عليهم، وكافيك شرّهم. ومسارعتهم في الكفر تعني
وقوعهم فيه أسرع شئ، إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ هؤلاء هم الذين يسارعون في الكفر، أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه وهؤلاء هم المنافقون وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا. أي:
ومن اليهود أي وكذلك اليهود لا يحزنك مسارعتهم في الكفر سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ هذه صفة اليهود والمنافقين، أنّهم يسمعون للكذب سماع قبول واستجابة أو المعنى:
أنهم سمّاعون منك ليكذبوا عليك بأن يمسخوا ما سمعوا منك بالزيادة والنّقصان، والتبديل والتغيير سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يحتمل معنيين: الأول: أنهم جواسيس وعيون لناس آخرين ليبلغوهم ما سمعوا منك، والثاني: أنهّم يسمعون ويطيعون ويستجيبون لأقوام آخرين ممن لا يحضرون مجلسك يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ الضمير في يحرّفون يعود على الأقوام الآخرين الذين يتجسس هؤلاء لحسابهم أو يطيعونهم والمعنى: يزيلون الكلم ويميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، فيجعلونه في غير مواضعه بعد أن كان ذا موضع يَقُولُونَ. أي: المحرّفون إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ. أي: إن أوتيتم هذا الكلام المحرّف المزال عن مواضعه فاعلموا أنه الحق واعملوا به وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا. أي: وإن سمعتم خلافة فإياكم وإيّاه وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ. أي: ضلاله فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هذا قطع رجاء بإيمان هؤلاء أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ. أي: عن الكفر لاختيارهم إياه لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ خزي المنافقين في الدنيا فضيحتهم، وخزي اليهود ذلتهم وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. أي: التخليد في النار
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ مر معنا معناه، وتكريره للتأكيد أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ السحت: وهو كل ما لا يحل كسبه ويدخل في ذلك الرّشوة فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ هذا تخيير لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بين أن يحكم بينهم، وبين ألا يحكم بينهم، وذهب جمع من المفسرين: أنّ هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ. أي: إلّا تحكم بينهم