وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 60 وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ 61 ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ 62 قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ 63 قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ 64 قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ 65 وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ 66 لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 67 وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 68

تفسير سورة الأنعام - الآية 60

وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلࣱ مُّسَمࣰّىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 60

[سورة الأنعام (6): آية 60]
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ....
وهاتان الآيتان تعودان بنا إلى بداية المقطع كله لتكونا بمثابة إعادة النهر إلى مجراه الرئيسي، فهما تأتيان نهاية لجولة ومقدمة لجولة أخرى في مقطعهما.
بدأ المقطع بقوله تعالى وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ثم جرى حوار شامل، ثم عاد المقطع إلى الكلام عن الله بصيغة التقرير:
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ... وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ...
وتأتي الآية الأولى في الجولة الثانية على نفس الوتيرة: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً وهكذا يعود السياق إلى مجراه الرئيسي
فلنر الآية الثانية في المجموعة الحادية عشرة:
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ. أي:
يقبض أنفسكم عن التصرف بالتّمام في المنام، وفي هذا إخبار عن أنّه يتوفى عباده في منامهم بالليل. وهذا هو التوفي الأصغر وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ. أي: ما كسبتم فيه من الآثام، وهذه جملة معترضة دلّت على إحاطة علمه تعالى بخلقه، في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ. أي: ثمّ يوقظكم في النّهار، أو التقدير ثمّ يبعثكم في النهار ويعلم ما جرحتم فيه، فقدّم الكسب لأنّه أهم ولا يعني هذا أنه لا يعلم ما جرحنا بالليل ولا أنه لا يتوفانا بالنهار. فتخصيص الشئ بالذكر لا يدّل على نفي ما عداه لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى. أي: لتوفى الآجال على الاستكمال ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ. أي: ثمّ إلى الله رجوعكم بالبعث بعد الموت ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. أي: في ليلكم ونهاركم ويستدل بالنوم والاستيقاظ بعده على البعث وتفهم من خلال النوم كثير من قضايا عالم البرزخ.
فوائد: [حول الآيتين (59، 60)]
1 - بمناسبة قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ نذكر هذه الرواية. روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «مفاتح الغيب خمس إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ. وفي حديث عمر أن جبريل حين تبدّى له في صورة أعرابي فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما قال له: «خمس لا يعلمهن إلا الله» ثم قرأ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية.
2 - يقول النسفي بمناسبة قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ: وعندك أيها الإنسان مفاتح العيب فمن آمن بغيبه أسبل الله السّتر على عيبه.
3 - بمناسبة قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ.... يروي ابن كثير ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ نفسه ويردّ إليه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا ردّ إليه». فذلك قوله:
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ. أقول إنّ الله- عزّ وجل- أسند الوفاة في الآية إلى ذاته الكريمة، وفي هذا الحديث أسندت الوفاة إلى عالم الأسباب، وإسناد ما لعالم الأسباب دخل فيه إلى الله لأنه هو الفاعل على الحقيقة وهو الخالق: «الله خالق كل شئ».
4 - سمّى الله- عزّ وجل- في الآية الأخيرة النّوم وفاة، وسمّاه في مكان آخر الموت وهو الموت الأصغر فمن النّوم نعلم شيئا عن عالم الموت وعن عالم البرزخ- وهو العالم الذي نكون فيه بعد الموت فقد أعطانا الله بهذا النّوم صورة مصغّرة عن الموت، وعن عالم البرزخ، وعن عذاب القبر، أو نعيمه، فنحن نرى النائم ساكنا هادئا لا نرى على جسمه أثرا، ومع ذلك فقد يكون في عذاب أو نعيم، كأن يرى نفسه يتلذّذ أو يتعذّب وهو ساكن هادئ لا نرى عليه أثرا في كثير من الأحيان، ولا يعني هذا أنّ حال الميت والنائم واحد بل يعني هذا أنّ النّوم صورة مصغّرة عن الموت، بل إنّ ما يكون للإنسان بعد الموت أكثر وضوحا مما يكون للإنسان في عالم اليقظة، فلذلك العالم قوانينه، والنوم هو المثال المقرب، وفي كتاب إحياء علوم الدين للغزالي في المجلد الرابع كلام نفيس عن هذا الموضوع فليراجع، ولقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حديث صحيح «النّوم أخو الموت».
ملاحظة حول السياق:
يلاحظ أن المقطع الأول من سورة الأنعام وردت فيه كلمة (قل) كثيرا، وكذلك هذا المقطع في جولتيه، مما يشير إلى أن الحوار مع الكافرين شئ رئيسي في سياق هذه السورة وصلة ذلك بمحور السورة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ لا تخفى، فالمحور فيه إقامة حجة على الكافرين، وفي هذه السّورة تقام الحجة على الكافرين مرة بعد مرة:
كانت الآية الثانية من الجولة التي مرّت معنا: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ... ثم بعد آيات جاء قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ.... ثمّ بعد آيات جاء قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ ثم تأتي بعدها مباشرة قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً.
ثم جاء بعد آيتين قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ...
ثم جاءت بعد خمس آيات ثلاث آيات كلّ منها مبدوء بقوله تعالى (قل).
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ..
قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ...
قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ...
وسنرى في الجولة الثانية من المقطع كيف يتكرّر الأمر (قل) كذلك
إن السّورة حوار شامل مع الكافرين في كل الاتجاهات الرئيسية للكفر، سواء كانت نظرية، أو كانت عملية، ولذلك فإن على الداعية إلى الله أن يتملّى حججها ويعرف كيف يقرع بها.
كلمة في السياق:
انتهت معنا الجولة الأولى من المقطع الثاني بعد أن ختمت بالتذكير بالموت الأصغر والموت الأكبر، وكلاهما مظهر من مظاهر قهر الله- عزّ وجل- وذلك يشير إلى صلة خاتمة الجولة ببدايتها وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ. والمقطع نفسه لا يزال مستمرا وذلك أننا نعلم في علم البلاغة أنه إذا طال الفصل حسن التكرار، وقد بدأ
المقطع بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ وها هي الآية (61) تقول: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً... ونلاحظ أن آخر شئ في سياق الجولة الثانية، هو قوله تعالى في الآية (73) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ لاحظ أنه منته بقوله تعالى:
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. فذلك مع المعاني مما دلّنا على بداية المقطع ونهايته.
وقد رأينا كيف أن الجولة الماضية لها سياقها الخاص كما أن لها محلها في السياق الخاص لسورة الأنعام مع كونها تفصل في محور السورة من البقرة لاحظ صلة آخر آية مرّت معنا في الجولة بمحور السورة:
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
وفي الآية الأخيرة وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى
وفي محور السورة: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
وفي الآية الأخيرة: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فالصلة واضحة بين هذه الآية ومحور السورة من البقرة، والصلات التي تربط بين المقطع وبين المحور كثيرة كما رأينا وسنرى. ولنا عودة على هذا الموضوع
ولننتقل إلى عرض الجولة الثانية من المقطع الثاني:
***
الجولة الثانية من المقطع الثاني وتمتدّ من الآية (61) إلى نهاية الآية (73) وهذه هي:
6/ 67 - 61
6/ 72 - 68
6/ 73
كلمة في هذه الجولة:
قلنا إن هذه الجولة استمرار للمقطع الثاني فهي تذكّرنا بالقهر الإلهي، والعلم الإلهي، والحكمة الإلهية. فالجولة بعد أن تذكّرنا في آياتها الأولى بمظاهر علم الله، وحكمته، وقهره من خلال التذكير بالموت، والحساب، واستجابة الدعاء حال الكرب، والتعذيب في الدنيا، تذكّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه مع هذا كله فإنّ قومه يكذّبون بالقرآن. وفي هذا السياق يذكّر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم- وهو تذكير لنا. ألا يجلس مع القوم الظالمين حال خوضهم في آيات الله، وأن يعرض عمّن اتخذ دينه لعبا ولهوا، وأن يقيم الحجة على الكافرين من خلال إعلان الاستمرار على دين الله، واستنكار العودة إلى الكفر بعد الهداية، ثمّ تذكرنا الجولة بالإسلام لله رب العالمين، وإقامة الصلاة، والتذكير بأن الله هو الخالق والقادر والمالك والعليم والحكيم والخبير.
نطع في جولتيه يقيم الحجة على الكافرين، ويبيّن لهم فساد ما هم فيه، ويحدّد للمسلم بعض المواقف منهم، ويبيّن ما يقتضيه الإيمان بالله ومعرفته، وصلة ذلك بمحور السورة الذي ينكر على الكافرين كفرهم، والذي يعجّب من حالهم، والذي يقيم الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، إن صلة هذا المقطع بمحور السورة واضحة. ولقد قلنا إن محور سورة الأنعام آت في سياق الأمر:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ من سورة البقرة، ولذلك آثاره في سورة الأنعام ومن ثم نرى المقطع ينتهي بقوله تعالى:
قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ* وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ* وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ*. وقد بدأ هذا المقطع بقوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ- لاحظ قوله تعالى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ- وانتهى بآية مبدوءة بقوله
تعالى «وَهُوَ» ومنتهية بقوله تعالى وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فما بين بداية المقطع ونهايته صلة واضحة.
المعنى العام:
يكرّر الله- عزّ وجل- في بداية هذه الجولة ذكر قهره لعباده. فهو الذي قهر كل شئ، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شئ. وأنّه يرسل من الملائكة من يحفظون بدن الإنسان ويحصون عمله، وأنه إذا حان أجل الإنسان واحتضر توفته الملائكة المكلفون بذلك، وأن هؤلاء الملائكة لا يفرّطون في حفظ روح المتوفى بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله- عزّ وجل- إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجّار ففي سجين. وأنّ مردّ الخلائق كلّهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله وهو الذي له الحكم وحده وهو الأسرع حسابا، وبعد أن ذكر الله قهره، وبعض مظاهر قهره، امتنّ على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البرّ والبحر وهم الحائرون الواقعون في المهامة البريّة، وفي اللجج البحريّة إذا هاجت الرياح العاصفة فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له، جهرا وسرا، واعدين الله أنه إن أنجاهم من ضائقتهم هذه ليكوننّ من الشاكرين لله بالقيام بأمره. وهنا أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يقول ويعلن أن الله وحده هو الذي ينجي من هذه الظلمات، ومن كل كرب، ثم بعد هذا الإنجاء يوجد من يشركون بعبادته ودعائه آلهة أخرى. وبعد أن ذكر الله- عزّ وجل- مظهرا من مظاهر قهره، ورحمته، وكفر عباده، ذكر الله- عزّ وجل- مظاهر أخرى من مظاهر قهره، فذكّر بقدرته على أن يبعث عذابا من فوق رءوس عباده، وعلى أن يبعث عذابا من تحت أرجلهم، أو يجعلهم ملتبسين شيعا: فرقا متخالفين، ويسلّط بعضهم على بعض بالعذاب والقتل، ثمّ ذكر أنّه يوضح الآيات، ويبيّنها، ويفسّرها؛ من أجل أن يفهموا ويتدبّروا عن الله آياته وحججه وبراهينه.
وبعد هذا البيان ذكر الله- عزّ وجل- تكذيب قوم محمّد صلّى الله عليه وسلّم للقرآن، وهو الحق الذي ليس وراءه حق، ثمّ أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يعلن أنّه ليس عليهم بحفيظ، وأنّ لكل نبأ حقيقة، ولكل خبر وقوعا، ولو بعد حين. وأنهّم سيرون ويعلمون، وفي هذا تهديد ووعيد لهم على تكذيبهم ما لا يحتمل التكذيب، ثمّ أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم- وهو أمر لكل مؤمن- أنّه إذا رأى الذين يكذّبون بآيات الله أن يعرض عنهم حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب، وفي حالة الجلوس نسيانا، فقد
أمر ألا يعود. والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة أن لا يجلس مع المكذّبين الذين يحرّفون آيات الله، ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسيا فلا يقعد بعد التذكير مع القوم الظالمين. ثمّ وعد الله المتقين أنهم إذا تجنّبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك فقد برءوا من عهدتهم، وتخلّصوا من إثمهم. ثمّ بيّن الله تعالى حكمة الأمر بالإعراض عن الذين يخوضون بآيات الله، أنه من أجل أن يتقوا ذلك ولا يعودوا إليه، ثمّ أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يترك، ويدع، ويعرض، ويمهل المتخذين دينهم لعبا ولهوا، والمغرورين بالحياة الدنيا، ثم أمره أن يذكّر الناس بهذا القرآن، وأن يحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة، من أجل أن تنجو الأنفس ولا تهلك يوم تحبس عن الخير ودرك المطلوب، إذ لا قريب ولا أحد يشفع لنفس كافرة ولو بذلت كل مبذول. ثمّ بيّن تعالى كيف أنّ هؤلاء الذين لا يقبلون التذكير يهلكون بكسبهم السيئ، وأن لهم شرابا من حميم وعذابا أليما بسبب كفرهم. ثمّ أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يعلن أنّه لا يدعو- هو ولا المسلمون- من دون الله أحدا، وكيف يفعلون وهم يعلمون أنّه لا يضرّ ولا ينفع إلا الله، وكيف يفعلون فيرتدّون بعد إذ هداهم الله، إنهم لن يفعلوا ذلك فيكونوا كالمستجيبين لدعوة الشياطين، الذين يزعمون للإنسان- في حالة حيرته وضلاله- أنهم يدعونه إلى الحق والهدى، وهم كاذبون، إذ لا هدى إلا هدى الله الذي استجاب له الرسول صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنون، وهو الذي أمرهم بالإسلام له- جل جلاله- كما أمرهم أن يقيموا الصلاة ويتقوه إذ هو الذي إليه المرجع.
ثمّ ختم الله- عزّ وجل- هذا المقطع كله بتقرير أنّه هو الذي خلق السموات والأرض بالعدل، فهو مالكهما وخالقهما، والمدبّر لهما ولمن فيهما وكما ذكر بدء الخلق بقدرته، فقد ذكّر في هذا المقام أنه كذلك الخالق ليوم القيامة، ثم ذكر الله أن من صفاته- عزّ وجل- أن قوله الحق وله الملك، وأظهر ما يظهر هذا لخلقه يوم ينفخ في الصور. ثم وصف ذاته بأنه عالم الغيب والشهادة، وأنه الحكيم الخبير
كلمة في السياق:
إن السياق الخاص للمقطع كله بجولتيه يكاد يكون عرضا لمظاهر من قهر الله وحكمته وعلمه، وهي المعاني التي ذكرتها أول آية فيه، ولذلك رأينا في المقطع مظاهر من قهره عزّ وجل في الدنيا وفي الآخرة، ورأينا استعراضا لمظاهر من علمه، ولمظاهر من
حكمته، ولعل آخر آية في المقطع تدل على هذا كله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ
الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
ولقد رأينا أن سياق سورة الأنعام يكاد يكون عرضا لمظاهر خلق الله للأشياء والإنسان، وكيف ينحرف المنحرفون مع ذلك فيشركون ويمترون، ولقد رأينا كيف أن الجولة الأولى من هذا المقطع ركّزت على الشرك وحاورت أهله، وسنرى في هذه الجولة مثل ذلك قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.. قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا... وهكذا نجد أن المقطع في جولتيه يمضي على نسق واحد مع السياق الخاص للسورة، وهو مع هذا وهذا يفصّل في محور السورة من سورة البقرة، كما رأينا أدلة ذلك وكما سنرى. فلننتقل الآن إلى التفسير الحرفي للجولة الثانية:
المعنى الحرفي:
بداية سورة الأنعام فهرس السور