وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكࣱۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكࣰا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ 8
[سورة الأنعام (6): الآيات 8 الى 9]
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ. أي: وقالوا: هلا أنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم ملك يعلمنا أنّه نبي وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ. أي لقضي أمر هلاكهم ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. أي ثمّ لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين، لأنّهم إذا شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون، ومجئ (ثمّ) في هذا المقام يفيد أنّ عدم الإنظار أشدّ من قضاء الأمر، لأنّ مفاجأة الشّدة أشد من نفس الشّدة
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً. أي: ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا (لأنّهم كانوا يقولون تارة لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة) لَجَعَلْناهُ رَجُلًا. أي لأرسلناه في صورة رجل وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ. أي لخلّطنا وأشكلنا عليهم من أمره إذا كان، فيسلكون معه كسلوكهم معك يا محمد، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة الإنسان هذا إنسان وليس بملك،
يقال: لبّست الأمر على القوم وألبسته إذا أشبهته وأشكلته عليهم.
كلمة في السياق:
بدأت السورة بتعريفنا على الله، وعلى إحاطة علمه من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، أو من خلال ظاهرة الخلق، ودلّتنا على أن مقتضى الخلق الحمد، وبينت لنا أن من مواقف الكافرين الشرك والشك. ثمّ ذكرت السورة موقف الكافرين من الآيات، ولفتت نظرهم إلى مصارع الكافرين. ثمّ بينت لنا أنّ سبب الكفر ليس مرتبطا بقلّة الآيات، بل بشيء آخر، حتى إن الكافرين لو أنزل عليهم كتاب من السماء فلمسوه بأيديهم لقالوا عن ذلك إنه سحر، فالعلّة فيهم إذ كفروا.
ثمّ جاءت آية تذكر لنا نموذجا على اقتراحاتهم المتعنتة المستهزئة، ثم جاء الردّ عليهم بآية، وسيأتي تهديد لهم في آية لاحقة، ثمّ تأتي بعد ذلك المجموعة الثانية وفيها إيضاحات لما ينبغي أن يقال لهم. وهكذا نجد أن النقاش الذي بدأ في محور سورة الأنعام من سورة البقرة مع الكافرين تأتي تفصيلاته هنا.
فوائد:
1 - [سبب نزول قوله تعالى وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ.. ]
في سبب نزول قوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ قال الألوسي:
«وعن الكلبي: وغيره أنها نزلت في النضر بن الحارث. وعبد الله بن أبي أمية.
ونوفل بن خويلد لما قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى وأنك رسوله. وفي سبب نزول قوله تعالى وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ قال الألوسي: أخرج ابن المنذر. وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: «دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب. والنضر ابن الحارث بن كلدة. وعبد بن عبد يغوث. وأبي بن خلف بن وهب. والعاص بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ الخ..
2 - [كلام الألوسي حول آية وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ قال الألوسي: وقد قيل: إن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- وهم هم- إنما رأوا
الملك في صورة البشر ولم يره منهم على صورته غير النبي صلّى الله عليه وسلّم رآه كذلك مرتين مرة في الأرض بجياد ومرة في السماء، ولا يخفى أن هذا محتاج إلى نقل عن الأحاديث الصحيحة والذي صحّ من رواية الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى جبريل عليه السلام مرتين كما ذكر على صورته الأصلية لكن ليس فيه أن أحدا من إخوانه الأنبياء غيره عليه الصلاة والسلام لم يره كذلك، ولم يرد هذا- كما قال ابن حجر وناهيك به حافظا في شئ من كتب الآثار، وأما رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم وكذا رؤية غيره من الأنبياء غير جبريل عليه السلام، على الصورة الأصلية فهي جائزة بلا ريب، وظاهر الأخبار وقوعها أيضا لنبينا عليه الصلاة والسلام، وأما وقوع رؤية سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلم أقف فيها على شئ لا نفيا ولا إثباتا، وعدم رؤية جبريل عليه السلام لو صح لا يدل على عدم رؤية غيره، إذ ليست صور الملائكة كلهم كصورته عليه الصلاة والسلام في العظم، وخبر الخصمين والأضياف لإبراهيم. ولوط. وداود عليهم السلام ليس فيه دلالة
على أكثر من رؤية هؤلاء الأنبياء للملائكة بصورة الآدميين، وهي لا تستلزم أنهم لا يرونهم إلا كذلك وإلا لاستلزمت رؤية نبينا صلّى الله عليه وسلّم جبريل عليه السلام بصورة دحية بن خليفة الكلبي رضي الله تعالى عنه مثلا عدم رؤيته عليه الصلاة والسلام إياهم إلا بالصورة الآدمية وهو خلاف ما تفهمه الأخبار».
أقول: إن التركيب النفسي والروحي والقلبي للرّسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يختلف، فهم بشر ولكنهم يوحى إليهم، ومن ثمّ فسنّة الله فيهم غير سنّته في بقية خلقه، ثمّ إن الآية تفيد أنّه لو أنزل ملك بناء على اقتراحهم لقضي الأمر، وتلك سنّة من سنن الله أنّه لو استجاب لاقتراح قوم بإنزال ملك وهو اقتراح متعنت فإنّه يأتيهم العذاب، فلا نحتاج إذن لبحث إمكان رؤية الملائكة بسبب من الآية.
3 - [عوالم المخلوقات تحكمها سنن وقوانين ربانية]
فهمنا من الآيتين الأخيرتين أن لهذا العالم قوانين وسننا، وأن الملائكة في خلقتهم الكاملة لا يراهم البشر في قوانين هذا العالم إلا من خصّه الله بخصائص معيّنة كالرّسل، وهذا شئ واضح لأن الحواسّ البشرية محدودة بحسب القوانين الإلهية، فالأذن مثلا لا تستطيع أن تسمع الأصوات التي تقل ذبذباتها إلى 13 ذبذبة في الثانية، ولا تستطيع أن تسمع الأصوات إذا ارتفعت ذبذباتها فوق 30000 ذبذبة في الثانية، وكذلك العين لا ترى المادة إذا وصلت إلى حالة من الوجود لطيفة جدا، وكذلك إذا وصلت المادة إلى حالة من الكثافة مرتفعة جدا وقد حسب إينشتاين الحالة التي لا ترى فيها المادة إذا
وصلت إلى ثقل نوعي معيّن (راجع إينشتاين من سلسلة اقرأ) وهذا كله ضمن عالم المادة، فكيف بعالم الغيب، فما أجهل من يكفر، وما أحمق من يرفض الإيمان بما يقوله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أن قامت الأدلة على صدق رسالته.
ولنعد إلى السياق فبعد أن ردّ الله على هؤلاء المكذبين المتعنتين عزّى رسوله صلّى الله عليه وسلّم بقوله:
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ. أي: وقالوا: هلا أنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم ملك يعلمنا أنّه نبي وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ. أي لقضي أمر هلاكهم ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. أي ثمّ لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين، لأنّهم إذا شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون، ومجئ (ثمّ) في هذا المقام يفيد أنّ عدم الإنظار أشدّ من قضاء الأمر، لأنّ مفاجأة الشّدة أشد من نفس الشّدة
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً. أي: ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا (لأنّهم كانوا يقولون تارة لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة) لَجَعَلْناهُ رَجُلًا. أي لأرسلناه في صورة رجل وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ. أي لخلّطنا وأشكلنا عليهم من أمره إذا كان، فيسلكون معه كسلوكهم معك يا محمد، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة الإنسان هذا إنسان وليس بملك،
يقال: لبّست الأمر على القوم وألبسته إذا أشبهته وأشكلته عليهم.
كلمة في السياق:
بدأت السورة بتعريفنا على الله، وعلى إحاطة علمه من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، أو من خلال ظاهرة الخلق، ودلّتنا على أن مقتضى الخلق الحمد، وبينت لنا أن من مواقف الكافرين الشرك والشك. ثمّ ذكرت السورة موقف الكافرين من الآيات، ولفتت نظرهم إلى مصارع الكافرين. ثمّ بينت لنا أنّ سبب الكفر ليس مرتبطا بقلّة الآيات، بل بشيء آخر، حتى إن الكافرين لو أنزل عليهم كتاب من السماء فلمسوه بأيديهم لقالوا عن ذلك إنه سحر، فالعلّة فيهم إذ كفروا.
ثمّ جاءت آية تذكر لنا نموذجا على اقتراحاتهم المتعنتة المستهزئة، ثم جاء الردّ عليهم بآية، وسيأتي تهديد لهم في آية لاحقة، ثمّ تأتي بعد ذلك المجموعة الثانية وفيها إيضاحات لما ينبغي أن يقال لهم. وهكذا نجد أن النقاش الذي بدأ في محور سورة الأنعام من سورة البقرة مع الكافرين تأتي تفصيلاته هنا.
فوائد:
1 - [سبب نزول قوله تعالى وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ.. ]
في سبب نزول قوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ قال الألوسي:
«وعن الكلبي: وغيره أنها نزلت في النضر بن الحارث. وعبد الله بن أبي أمية.
ونوفل بن خويلد لما قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند الله تعالى وأنك رسوله. وفي سبب نزول قوله تعالى وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ قال الألوسي: أخرج ابن المنذر. وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: «دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب. والنضر ابن الحارث بن كلدة. وعبد بن عبد يغوث. وأبي بن خلف بن وهب. والعاص بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ الخ..
2 - [كلام الألوسي حول آية وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ.. ]
بمناسبة قوله تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ قال الألوسي: وقد قيل: إن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- وهم هم- إنما رأوا
الملك في صورة البشر ولم يره منهم على صورته غير النبي صلّى الله عليه وسلّم رآه كذلك مرتين مرة في الأرض بجياد ومرة في السماء، ولا يخفى أن هذا محتاج إلى نقل عن الأحاديث الصحيحة والذي صحّ من رواية الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى جبريل عليه السلام مرتين كما ذكر على صورته الأصلية لكن ليس فيه أن أحدا من إخوانه الأنبياء غيره عليه الصلاة والسلام لم يره كذلك، ولم يرد هذا- كما قال ابن حجر وناهيك به حافظا في شئ من كتب الآثار، وأما رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم وكذا رؤية غيره من الأنبياء غير جبريل عليه السلام، على الصورة الأصلية فهي جائزة بلا ريب، وظاهر الأخبار وقوعها أيضا لنبينا عليه الصلاة والسلام، وأما وقوع رؤية سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلم أقف فيها على شئ لا نفيا ولا إثباتا، وعدم رؤية جبريل عليه السلام لو صح لا يدل على عدم رؤية غيره، إذ ليست صور الملائكة كلهم كصورته عليه الصلاة والسلام في العظم، وخبر الخصمين والأضياف لإبراهيم. ولوط. وداود عليهم السلام ليس فيه دلالة
على أكثر من رؤية هؤلاء الأنبياء للملائكة بصورة الآدميين، وهي لا تستلزم أنهم لا يرونهم إلا كذلك وإلا لاستلزمت رؤية نبينا صلّى الله عليه وسلّم جبريل عليه السلام بصورة دحية بن خليفة الكلبي رضي الله تعالى عنه مثلا عدم رؤيته عليه الصلاة والسلام إياهم إلا بالصورة الآدمية وهو خلاف ما تفهمه الأخبار».
أقول: إن التركيب النفسي والروحي والقلبي للرّسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يختلف، فهم بشر ولكنهم يوحى إليهم، ومن ثمّ فسنّة الله فيهم غير سنّته في بقية خلقه، ثمّ إن الآية تفيد أنّه لو أنزل ملك بناء على اقتراحهم لقضي الأمر، وتلك سنّة من سنن الله أنّه لو استجاب لاقتراح قوم بإنزال ملك وهو اقتراح متعنت فإنّه يأتيهم العذاب، فلا نحتاج إذن لبحث إمكان رؤية الملائكة بسبب من الآية.
3 - [عوالم المخلوقات تحكمها سنن وقوانين ربانية]
فهمنا من الآيتين الأخيرتين أن لهذا العالم قوانين وسننا، وأن الملائكة في خلقتهم الكاملة لا يراهم البشر في قوانين هذا العالم إلا من خصّه الله بخصائص معيّنة كالرّسل، وهذا شئ واضح لأن الحواسّ البشرية محدودة بحسب القوانين الإلهية، فالأذن مثلا لا تستطيع أن تسمع الأصوات التي تقل ذبذباتها إلى 13 ذبذبة في الثانية، ولا تستطيع أن تسمع الأصوات إذا ارتفعت ذبذباتها فوق 30000 ذبذبة في الثانية، وكذلك العين لا ترى المادة إذا وصلت إلى حالة من الوجود لطيفة جدا، وكذلك إذا وصلت المادة إلى حالة من الكثافة مرتفعة جدا وقد حسب إينشتاين الحالة التي لا ترى فيها المادة إذا
وصلت إلى ثقل نوعي معيّن (راجع إينشتاين من سلسلة اقرأ) وهذا كله ضمن عالم المادة، فكيف بعالم الغيب، فما أجهل من يكفر، وما أحمق من يرفض الإيمان بما يقوله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أن قامت الأدلة على صدق رسالته.
ولنعد إلى السياق فبعد أن ردّ الله على هؤلاء المكذبين المتعنتين عزّى رسوله صلّى الله عليه وسلّم بقوله: