وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضࣲ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ 75
[سورة الأنفال (8): آية 75]
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ أي: اللاحقون بعد السابقين إلى الهجرة وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ جعلهم منهم تفضيلا وترغيبا وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ أي: وأولو القرابات أولى ببعضهم في الإرث، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكمه وقسمه، أو في اللوح، أو في القرآن، وقد فصلت آية المواريث، ونصوصها هذه الأولوية إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو الذي يقضي بين عباده بما شاء من أحكامه.
فوائد:
1 - المهاجرون والأنصار في المدينة المنورة هم الذين يمثلون سابقة المواطنين المسلمين في دار الإسلام، فلكل منهم حقوق المسلم كاملة، والمؤمنون الذين يعيشون في دار الحرب حيث تفترض عليهم الهجرة، هم الذين تمثلهم السابقة التي ذكرها الله في المؤمنين الذين
لم يهاجروا، وقد حكم الله عزّ وجل لمن عاش في دار الإسلام مهاجرا أو من أهلها الأصليين بأنهم هم المؤمنون الحقيقيون، سواء كانوا سابقين أو لاحقين، فهؤلاء عليهم فيما بينهم الولاء لبعضهم بعضا، والأقارب فيما بينهم لهم حقوق زائدة على حق الولاء ضمن هذا المجتمع، كحق الإرث. أما المؤمنون الذين يعيشون في دار الحرب، فهؤلاء ليس لهم حقوق المواطن المسلم في دار الإسلام كاملة، فمثلا: المسلمون عدول، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم... ولكن ليس للمسلم المقيم في دار الحرب أن يجير، كما أن الاعتداء عليه لا يعتبر كالاعتداء على المسلم المقيم؛ لأن الاعتداء على المسلم في دار الإسلام يعتبر اعتداء على هذه الدار كلها، ومن ثم فعلى الدار كلها أن تحارب من أجله، كما يعتبر الاعتداء عليه غدرا ونقضا للمواثيق. أما الاعتداء على المسلم المقيم في دار الحرب، فلا يعتبر غدرا أو نقضا للمواثيق، إلا إذا كان منصوصا على ذلك، ومن ثم فإننا لا ندخل معركة من أجله، مع معاهدين بيننا وبينهم مواثيق. أما إذا لم تكن المسألة كذلك فعلينا نصره إن كان في طاقتنا ذلك. وتبقى قضية الميراث، فهل هناك توارث بين المسلمين في دار الحرب ودار الإسلام؟ الإجماع على أنه في أول الإسلام لم يكن توارث، أما بعد نزول آيات المواريث فالإجماع منعقد على أن المسلمين يرثون بعضهم حيث كانوا، وهناك مجموعة مواضيع تطرح نفسها من خلال المقطع:
(دار الحرب، ودار الإسلام)، (الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام)، (مسئولية دار الإسلام عن المسلمين في كل مكان) وإذا تعارضت هذه المسئولية مع عهود دار الإسلام فما الحكم؟ مبدئيا نستطيع أن نقول ما يلي:
نتيجة للتاريخ الطويل للمسلمين، والتعقيدات الكثيرة التي حدثت، والتعقيدات الكثيرة لأوضاع عالمنا المعاصر، وانتقال من الأوطان من حال إلى حال، وتتابع الأوضاع المختلفة على القطر الواحد، وفقدان الخلافة الإسلامية فقد أصبحت هناك مجموعة اصطلاحات، دار إسلام. دار حرب. دار عهد. ودار الإسلام منها دار ردة، ودار بغي، ودار فسوق، ودار بدعة، ودار عدل. ولكل منها حكمة. والذي نقوله إن دار العدل الآن: التي تحكم بالإسلام، ويقوم فيها نظام الإسلام، وتتبنى أمور الإسلام، وتبني علاقاتها الخارجية على أساس الإسلام. هذه الدار مفقودة تقريبا، وعلى المسلمين أن يقيموها، فإذا قامت هل تجب الهجرة إليها من بقية دار الإسلام، كدار البدعة، أو الردة، أو الفسوق... ؟ الحنفية يرون وجوب ذلك. وبعض الفقهاء يفصلون وهل الهجرة إليها من دار الحرب أو العهد واجبة؟ الحنفية يرون ذلك، وبعض
الفقهاء يفصل. فنحن نعلم أنه في كثير من بلدان العالم تعطى حرية العبادة لكل من يقيم فيها. وهناك بلاد تلاحق الإنسان في عقيدته، وتفتنه عنها، فحيثما كانت الفتنة محققة للإنسان أو لأهله وذريته فقد وجبت الهجرة بالإجماع، وحيثما تكون الحرية متوفرة، فالشافعية يندبون إلى الإقامة.
وعلى كل حال فحيثما وجد مسلمون مؤمنون فعليهم أن يوالي بعضهم بعضا، وأن يكونوا يدا واحدة على من سواهم بالحق والعدل.
ولإقامة دار العدل لا بد أن تقام دولة الإسلام في هذا العالم، أي دولة الخلافة الراشدة فتقيم الإسلام حق القيام، ومن أجل ذلك فعلى المسلمين بقلوب فتية أن يعملوا من أجل إقامة هذه الدولة، وأن يهاجروا إليها إذا اقتضت مصلحة الإسلام والمسلمين ذلك أو كان الحكم الشرعي ذلك.
2 - ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة، حتى نسخ الله ذلك بآيات المواريث. فهذا النوع من الولاء بين المؤمنين منسوخ، أما الولاء العام من نصرة وتعاون فذلك الذي بقي. روى أبو يعلى عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهاجرون، والأنصار، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة» ومن على قدمهم فهو معهم ومنهم إلى يوم القيامة.
3 - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا يروي ابن كثير ما رواه الإمام أحمد عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا. وقال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال- أو خلال- فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة
نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» وأخرجه مسلم.
4 - وبمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ نذكر أن كل أنواع الولاء بين المؤمنين والكافرين منتفية حتى الولاء المؤدي إلى الإرث. ولذلك لا إرث بين المسلم والكافر، فضلا عن غير ذلك من أنواع الولاء، وانظر هذه الأحاديث: روى الحاكم في مستدركه... عن أسامة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلما، ثم قرأ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ثم قال الحاكم:صحيح الإسناد. وروى ابن جرير ... عن الزهري حديثا مرسلا.روي متصلا من وجه آخر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنا برئ من كل مسلم بين ظهراني المشركين» ثم قال: «لا يتراءى ناراهما». وروى أبو داود.. عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله». أقول:
وهذه المسألة فيها تفصيل.
5 - وبمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ نذكر بالحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المرء مع من أحب» وفي الحديث الآخر: «من أحب قوما فهو منهم» وفي رواية «حشر معهم».
6 - لكلمة ذوي الأرحام معنيان. المعنى العام وهو القرابات، ومعنى أخص عند علماء الفرائض- أي المواريث- ويطلقونها على الذين لا فرض لهم، ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث، كالخال، والخالة، وأولاد البنات، وأولاد الأخوات، ونحوهم.
وقد فسر الحنفية قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ بأن جعلوها شاملة للمعنى العام، والمعنى الأخص، وأبقاها كثير من المفسرين كابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغير واحد على أنها في القرابات عامة، وأنها نسخت الإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولا، وبناء على هذا الاختلاف، فإن ترتيب الأحقية في التركة يختلف نتيجة لذلك فعند الحنفية: يرث أصحاب الفروض، ثم العصبات، ثم ذوو الأرحام- بالمعنى الأخص الذي ذكرناه- ثم مولى الموالاة، ثم المقر له بنسب على الغير، ثم تنفيذ الوصايا فيما زاد على الثلث، ثم
بيت المال.
وعند الشافعية أصحاب الفروض، ثم العصبات، ثم بيت المال.
كلمة في سورة الأنفال:
رأينا أن سورة الأنفال هي تفصيل للثلاث الآيات من سورة البقرة، من الآية التي فرض فيها القتال، إلى آخر الآيتين بعدها، وقد فصلت هذه السورة، أن القتال فيه الخير للمسلمين، كما فصلت في القضايا الرئيسية اللازمة للقتال، من طاعة، وانضباط، وثبات، وكتمان، وتقوى، وفي آداب اللقاء، والصلح وما يلزم لكل من إعداد كامل، كما فصلت في واجبات القيادة الإسلامية، كما فصلت في أحكام الدار وأهلها التي تتحمل مسئولية إقامة الإسلام ونصرة المسلمين، وهي دار الإسلام بمواطنيها المهاجرين والسكان الأصليين، وهي مواضيع لها صلة بفرضية القتال، وقد فصلت السورة في ما سوى ذلك، مما مر معنا، وكنا ذكرنا من قبل: أن سورة براءة إنما هي امتداد لسورة الأنفال، وهي تشارك في تفصيل الآيات المذكورة في سورة البقرة، وإذا كانت سورة الأنفال هي تفصيل لما رأيناه من قضايا نظرية وعملية في القتال، فإن سورة براءة هي تفصيل للمواقف اللازمة وأمر بها، وتحليل لما يكتنف تنفيذ هذه الأوامر وغير ذلك، وكما قلنا من قبل إن سورة الأنفال وضعت الأسس اللازمة للقتال، وتأتي بعد ذلك سورة (براءة) وهي بمثابة منشور القتال فلننتقل إلى سورة التوبة.
***
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ أي: اللاحقون بعد السابقين إلى الهجرة وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ جعلهم منهم تفضيلا وترغيبا وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ أي: وأولو القرابات أولى ببعضهم في الإرث، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكمه وقسمه، أو في اللوح، أو في القرآن، وقد فصلت آية المواريث، ونصوصها هذه الأولوية إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو الذي يقضي بين عباده بما شاء من أحكامه.
فوائد:
1 - المهاجرون والأنصار في المدينة المنورة هم الذين يمثلون سابقة المواطنين المسلمين في دار الإسلام، فلكل منهم حقوق المسلم كاملة، والمؤمنون الذين يعيشون في دار الحرب حيث تفترض عليهم الهجرة، هم الذين تمثلهم السابقة التي ذكرها الله في المؤمنين الذين
لم يهاجروا، وقد حكم الله عزّ وجل لمن عاش في دار الإسلام مهاجرا أو من أهلها الأصليين بأنهم هم المؤمنون الحقيقيون، سواء كانوا سابقين أو لاحقين، فهؤلاء عليهم فيما بينهم الولاء لبعضهم بعضا، والأقارب فيما بينهم لهم حقوق زائدة على حق الولاء ضمن هذا المجتمع، كحق الإرث. أما المؤمنون الذين يعيشون في دار الحرب، فهؤلاء ليس لهم حقوق المواطن المسلم في دار الإسلام كاملة، فمثلا: المسلمون عدول، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم... ولكن ليس للمسلم المقيم في دار الحرب أن يجير، كما أن الاعتداء عليه لا يعتبر كالاعتداء على المسلم المقيم؛ لأن الاعتداء على المسلم في دار الإسلام يعتبر اعتداء على هذه الدار كلها، ومن ثم فعلى الدار كلها أن تحارب من أجله، كما يعتبر الاعتداء عليه غدرا ونقضا للمواثيق. أما الاعتداء على المسلم المقيم في دار الحرب، فلا يعتبر غدرا أو نقضا للمواثيق، إلا إذا كان منصوصا على ذلك، ومن ثم فإننا لا ندخل معركة من أجله، مع معاهدين بيننا وبينهم مواثيق. أما إذا لم تكن المسألة كذلك فعلينا نصره إن كان في طاقتنا ذلك. وتبقى قضية الميراث، فهل هناك توارث بين المسلمين في دار الحرب ودار الإسلام؟ الإجماع على أنه في أول الإسلام لم يكن توارث، أما بعد نزول آيات المواريث فالإجماع منعقد على أن المسلمين يرثون بعضهم حيث كانوا، وهناك مجموعة مواضيع تطرح نفسها من خلال المقطع:
(دار الحرب، ودار الإسلام)، (الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام)، (مسئولية دار الإسلام عن المسلمين في كل مكان) وإذا تعارضت هذه المسئولية مع عهود دار الإسلام فما الحكم؟ مبدئيا نستطيع أن نقول ما يلي:
نتيجة للتاريخ الطويل للمسلمين، والتعقيدات الكثيرة التي حدثت، والتعقيدات الكثيرة لأوضاع عالمنا المعاصر، وانتقال من الأوطان من حال إلى حال، وتتابع الأوضاع المختلفة على القطر الواحد، وفقدان الخلافة الإسلامية فقد أصبحت هناك مجموعة اصطلاحات، دار إسلام. دار حرب. دار عهد. ودار الإسلام منها دار ردة، ودار بغي، ودار فسوق، ودار بدعة، ودار عدل. ولكل منها حكمة. والذي نقوله إن دار العدل الآن: التي تحكم بالإسلام، ويقوم فيها نظام الإسلام، وتتبنى أمور الإسلام، وتبني علاقاتها الخارجية على أساس الإسلام. هذه الدار مفقودة تقريبا، وعلى المسلمين أن يقيموها، فإذا قامت هل تجب الهجرة إليها من بقية دار الإسلام، كدار البدعة، أو الردة، أو الفسوق... ؟ الحنفية يرون وجوب ذلك. وبعض الفقهاء يفصلون وهل الهجرة إليها من دار الحرب أو العهد واجبة؟ الحنفية يرون ذلك، وبعض
الفقهاء يفصل. فنحن نعلم أنه في كثير من بلدان العالم تعطى حرية العبادة لكل من يقيم فيها. وهناك بلاد تلاحق الإنسان في عقيدته، وتفتنه عنها، فحيثما كانت الفتنة محققة للإنسان أو لأهله وذريته فقد وجبت الهجرة بالإجماع، وحيثما تكون الحرية متوفرة، فالشافعية يندبون إلى الإقامة.
وعلى كل حال فحيثما وجد مسلمون مؤمنون فعليهم أن يوالي بعضهم بعضا، وأن يكونوا يدا واحدة على من سواهم بالحق والعدل.
ولإقامة دار العدل لا بد أن تقام دولة الإسلام في هذا العالم، أي دولة الخلافة الراشدة فتقيم الإسلام حق القيام، ومن أجل ذلك فعلى المسلمين بقلوب فتية أن يعملوا من أجل إقامة هذه الدولة، وأن يهاجروا إليها إذا اقتضت مصلحة الإسلام والمسلمين ذلك أو كان الحكم الشرعي ذلك.
2 - ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة، حتى نسخ الله ذلك بآيات المواريث. فهذا النوع من الولاء بين المؤمنين منسوخ، أما الولاء العام من نصرة وتعاون فذلك الذي بقي. روى أبو يعلى عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهاجرون، والأنصار، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة» ومن على قدمهم فهو معهم ومنهم إلى يوم القيامة.
3 - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا يروي ابن كثير ما رواه الإمام أحمد عن بريدة بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا. وقال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال- أو خلال- فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة
نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» وأخرجه مسلم.
4 - وبمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ نذكر أن كل أنواع الولاء بين المؤمنين والكافرين منتفية حتى الولاء المؤدي إلى الإرث. ولذلك لا إرث بين المسلم والكافر، فضلا عن غير ذلك من أنواع الولاء، وانظر هذه الأحاديث: روى الحاكم في مستدركه... عن أسامة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلما، ثم قرأ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ثم قال الحاكم:صحيح الإسناد. وروى ابن جرير ... عن الزهري حديثا مرسلا.روي متصلا من وجه آخر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنا برئ من كل مسلم بين ظهراني المشركين» ثم قال: «لا يتراءى ناراهما». وروى أبو داود.. عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله». أقول:
وهذه المسألة فيها تفصيل.
5 - وبمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ نذكر بالحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المرء مع من أحب» وفي الحديث الآخر: «من أحب قوما فهو منهم» وفي رواية «حشر معهم».
6 - لكلمة ذوي الأرحام معنيان. المعنى العام وهو القرابات، ومعنى أخص عند علماء الفرائض- أي المواريث- ويطلقونها على الذين لا فرض لهم، ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث، كالخال، والخالة، وأولاد البنات، وأولاد الأخوات، ونحوهم.
وقد فسر الحنفية قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ بأن جعلوها شاملة للمعنى العام، والمعنى الأخص، وأبقاها كثير من المفسرين كابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغير واحد على أنها في القرابات عامة، وأنها نسخت الإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولا، وبناء على هذا الاختلاف، فإن ترتيب الأحقية في التركة يختلف نتيجة لذلك فعند الحنفية: يرث أصحاب الفروض، ثم العصبات، ثم ذوو الأرحام- بالمعنى الأخص الذي ذكرناه- ثم مولى الموالاة، ثم المقر له بنسب على الغير، ثم تنفيذ الوصايا فيما زاد على الثلث، ثم
بيت المال.
وعند الشافعية أصحاب الفروض، ثم العصبات، ثم بيت المال.
كلمة في سورة الأنفال:
رأينا أن سورة الأنفال هي تفصيل للثلاث الآيات من سورة البقرة، من الآية التي فرض فيها القتال، إلى آخر الآيتين بعدها، وقد فصلت هذه السورة، أن القتال فيه الخير للمسلمين، كما فصلت في القضايا الرئيسية اللازمة للقتال، من طاعة، وانضباط، وثبات، وكتمان، وتقوى، وفي آداب اللقاء، والصلح وما يلزم لكل من إعداد كامل، كما فصلت في واجبات القيادة الإسلامية، كما فصلت في أحكام الدار وأهلها التي تتحمل مسئولية إقامة الإسلام ونصرة المسلمين، وهي دار الإسلام بمواطنيها المهاجرين والسكان الأصليين، وهي مواضيع لها صلة بفرضية القتال، وقد فصلت السورة في ما سوى ذلك، مما مر معنا، وكنا ذكرنا من قبل: أن سورة براءة إنما هي امتداد لسورة الأنفال، وهي تشارك في تفصيل الآيات المذكورة في سورة البقرة، وإذا كانت سورة الأنفال هي تفصيل لما رأيناه من قضايا نظرية وعملية في القتال، فإن سورة براءة هي تفصيل للمواقف اللازمة وأمر بها، وتحليل لما يكتنف تنفيذ هذه الأوامر وغير ذلك، وكما قلنا من قبل إن سورة الأنفال وضعت الأسس اللازمة للقتال، وتأتي بعد ذلك سورة (براءة) وهي بمثابة منشور القتال فلننتقل إلى سورة التوبة.
***