يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ 123 وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ 124 وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ 125 أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ 126 وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ 127 لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ 128 فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ 129

تفسير سورة التوبة - الآية 129

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ 129

[سورة التوبة (9): آية 129]
فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي الله يكفيني أي فاستعن بالله وفوض إليه أمورك، فهو كافيك لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي فوضت أمري إليه وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ومن كان رب العرش- الذي هو أعظم المخلوقات- فإن التوكل عليه يغني عن جميع المخلوقات. وبهذا انتهت السورة.
الفوائد:
1 - في تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. قال ابن كثير: (أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام.
ولهذا بدأ رسول الله ﷺ بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم، وفتح الله عليه مكة والمدينة، والطائف، واليمن، واليمامة، وهجر، وخيبر، وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام، لكونهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك، ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة تسع من هجرته، عليه السلام، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية- صلوات الله وسلامه عليه- بعد حجته بأحد وثمانين يوما، فاختاره الله لما عنده، وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد مال الدين ميلة كاد أن
ينجفل، فثبته الله تعالى به، فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة، ممن منعها من الطغام، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنفس كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك رسول الله، وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقا وغربا، وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا، ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي، ثم لما مات شهيدا وقد عاش حميدا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار، على خلاقة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه شهيد الدار، فكسا الإسلام برئاسته حلة سابغة، وأمدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله، وظهر دينه، وبلغت الأمة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها. وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار، امتثالا لقول تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وقوله تعالى وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم. فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رقيقا لأخيه المؤمن، غليظا على عدوه الكافر، كقوله تعالى فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
(المائدة: 54) وقوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الفتح: 29) وقال تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. (التحريم: 9) وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: أنا الضحوك القتال يعني أنه ضحوك في وجه وليه قتال لهامة عدوه، وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله، واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه. وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خيرة هذه الأمة في غاية الاستقامة، والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء، والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن
بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله، والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلى كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم».
2 - وبمناسبة قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً قال ابن كثير: (وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء، بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك)
3 - وبمناسبة قوله تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ... روى ابن جرير عن حذيفة في الآية قال: (ويظهر أن المراد بذلك قبول قلوب هؤلاء للشائعات ضد الإسلام والمسلمين وتجاوبهم معها).
4 - وبمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.. إلى آخر السورة ننقل ما يلى:
أ- روى الإمام أحمد... عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتاه ملكان فيما يرى النائم: فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر، انتهوا إلى رأس مفازة (1)، ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك، إذ أتاهم رجل في حلة حبرة (2)، فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا نعم، قال: فانطلق بهم، فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم، ألم ألقكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء، أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى.
قال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني، فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه»
ب- وروى البزار عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ليستعينه في شئ، قال عكرمة: (أراه قال في دم) - فأعطاه رسول الله ﷺ شيئا ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب بعض المسلمين، وهموا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله ﷺ إليهم أن كفوا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ إلى منزله، دعا الأعرابي إلى البيت فقال: «إنك إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك، فقلت ما قلت» فزاده رسول الله ﷺ شيئا وقال: «أحسنت إليك؟» فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شئ، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم» فقال:
نعم، فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه، فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه، فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي؟» قال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة، فشردت عليه، فاتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها، وأنا أعلم بها، فتوجه إليها، وأخذ لها من قشام الأرض، ودعاها حتى جاءت واستجابت، وشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار».
وبمناسبة الكلام عن هاتين الآيتين، نذكر ما روي في الصحيح من أن زيدا المكلف بكتابة القرآن في زمن أبي بكر قال: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت- أو أبي خزيمة- فسجلها زيد بناء على شهادته؛ لأن رسول الله ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين، ولا يعني هذا أن هاتين الآيتين ليستا متواترتين، بل هما متواترتان رواية، إذ كثير من الصحابة الحفاظ كانوا يحفظونهما ورووهما، ولكن هذه رواية حال، لا تنفي وجود رواة آخرين.
5 - روى أبو داود عن أبي الدرداء. من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات، إلا كفاه الله ما أهمه،
كلمة في أواخر سورة براءة
انتهت السورة بما رأينا من الأمر للمسلمين بالكون مع الصادقين أهل الجهاد، كما
ذكرت ما أعد الله لأهل الجهاد، وكيف ينبغي أن يترافق الجهاد مع العلم؟ وكيف ينبغي أن يسير خط الجهاد من الدائرة الأقرب إلى ما وراءها؟ وكيف ينبغي أن يكون الموقف الإيماني من سور القرآن عامة بما في ذلك سور الجهاد، وما هو موقف أهل النفاق من هذه السور؟ ثم ذكرت بعض صفات رسول الله ﷺ ثم جاء توجيه له عليه الصلاة والسلام لما ينبغي أن يقوله إذا رأى إعراضا، وهكذا استكملت قضية القتال والجهاد.
والذي نراه ان ما جاء بعد قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ إنما هو على الصادقين الذين ينبغي أن يكون المسلم معهم كما هو تعريف بالكاذبين الذين لا ينبغي أن يكون المسلم معهم:
فالكينونة ينبغي أن تكون مع الذين يزاولون الجهاد ومع العلماء ولا يصح أن تكون الكينونة مع أهل النفاق الذين عرفوا في السورة من مواقفهم وأقوالهم وذكرت أواخر السورة موقفين من مواقفهم، وختمت السورة بوصف رسول الله ﷺ ليقتدي به الصادقون في تعاملهم مع أتباعهم وليعرف بذلك من هم الصادقون الذيم ينبغي أن يكون الإنسان معهم:
فمن ينعت المسلمين بالمشقة الظالمة عليهم ومن لم يكن عنده حرص على المؤمنين ومن لم تكن عنده رأفة ورحمة بالمؤمنين فهذا ليس صادقا ولا يستأهل المتابعة.
كلمة في سورتي الأنفال وبراءة
رأينا أن سورتي الأنفال وبراءة محورهما آية افتراض القتال في سورة البقرة، والآيتان بعدها، فهناك فرض القتال، ثم جاءت سورتا الأنفال وبراءة لتبين من يجب علينا أن نقاتل، وما يلزم لهذا القتال من شروط مادية ونفسية، وما هي أحكام الله في كل قضية ترافق القتال، من سلم إلى عهد، إلى غنائم إلى غير ذلك، وهذه المعاني كلها عرضت من خلال التطبيق العملي لفريضة القتال من قبل رسول الله ﷺ وصحبه، فسجلت سورة الأنفال معركة بدر، وسجلت سورة سورة براءة غزو تبوك، وبسورة الأنفال وبراءة ينتهي القسم الأول من أقسام القرآن.
كلمة حول القسم الأول من أقسام القرآن:
القسم الأول من أقسام القرآن يشمل: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة الأنفال والأنعام وبراءة. غير أنا رأينا أن سورتي الأنفال وبراءة تعتبران في حكم السورة الواحدة، وقد رأينا كيف أن النسفي اعتبرهما سورة واحدة، وأدخلهما في السبع الطول، وإذن فهذه السور السبع تسمى السبع الطوال، وقد عنون ابن كثير في أوائل كلامه عن سورة البقرة بهذا العنوان «ذكر ما ورد في فضل السبع الطوال» ثم روى بأكثر من إسناد قوله عليه الصلاة والسلام: «أعطيت السبع الطول مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل» ثم روى بأكثر من إسناد قوله عليه الصلاة والسلام: «من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حبر» غير أنه ذكر أن مجاهدا وابن جبير قد جعلا السابعة هي سورة يونس وأغفلا الأنعام وبراءة، ونحن نرجح رأي النسفي إذ هو الذي يتفق مع كون ترتيب القرآن توقيفيا، ولكوننا لا نرى فرقا بين سورة يونس وما بعدها، حتى نلحق سورة يونس بما قبلها، بدلا من أن نجعلها مع ما بعدها، خاصة وهي مبدوءة بالأحرف التي بدأت بها أكثر من سورة بعدها. إن التذوق العميق لكتاب الله يرجح إلحاق سورة يونس بالقسم الثاني من أقسام القرآن.
لقد استعرضنا القسم الأول من أقسام القرآن. ورأينا فيه إجمالا ثم تفصيلا.
رأينا سورة البقرة، ورأينا المعاني فيها كيف أنها تتسلسل على سياق، ثم رأينا كيف أن السور التالية فصلت ما أجمل في بعض آيات سورة البقرة على الترتيب نفسه.
أو نقول: إن مقاطع أو آيات في سورة البقرة أجملت، فجاءت السور الست بعدها توضح هذا الإجمال على التسلسل الوارد في سورة البقرة، والملاحظ أن السبع الطول، أي القسم الأول من أقسام القرآن يكاد يعدل ثلث القرآن تقريبا، فإذا كان القرآن كما قسموه ثلاثين جزءا، فإن السبع الطول حوالي عشرة أجزاء ونيف، وبعد ذلك يأتي القسم الثاني من أقسام القرآن، ويبدأ بسورة يونس، وينتهي بسورة القصص، ويعدل هذا القسم كذلك ثلث القرآن إلا قليلا، فهو حوالي تسعة أجزاء ونيف، وهو تسع عشرة سورة. وسنبدأ الكلام عنه في المجلد الخامس متوكلين على الله، سائلين الله أن يفتح علينا، وأن يجنبنا أن نقول على كتابه زورا أو أن نحمله ما لا يحتمل، أو أن نتكلف فيه ما ليس لنا به علم، وإذا كنا رأينا في القسم الأول كيف أن السور فصلت بعض ما
أجمل في سورة البقرة على ترتيب معين، فسنرى في القسم الثاني كيف أنه مؤلف من مجموعات، وأن كل مجموعة تفصل إجمالا في سورة البقرة على ترتيب معين، ثم تعود المجموعة اللاحقة لتفصل إجمالا آخر على ترتيب معين وهكذا.
ملاحظات حول هذا القسم:- ملاحظات للمربين
أ- نقترح على المربي الذي يقرئ هذا القسم أو يدرس تفسيره أن يلاحظ تحقيق ما يلي:
أن يركز في ذهن المتعلم الهدف العام من كل سورة، فيركز على سورة البقرة واستيعابها معاني القرآن، ويلفت النظر إلى شمول الإسلام، وحقيقة التقوى، وطرق الوصول إليها، فمن لم يتحرر من كل قصور في فهم الإسلام بعد البقرة فما أخذ شيئا.
ومن لم يتحقق بالتقوى ويتعرف على حقيقتها من سورة البقرة فما أخذ شيئا.
ويركز في سورة آل عمران على قضية الإيمان، والمواقف اليومية والحياتية المنسجمة معه، فما لم يفعل ذلك يكون قد أهمل كثيرا.
ويركز في سورة النساء على التطبيق الحرفي لمعانيها كطريق موصل إلى التقوى.
ويركز في سورة المائدة على التحقق بها على اعتبار أن من لم يتحقق بها يبقى معرضا للضلال.
ويركز في سورة الأنعام على العبودية لله والقيام بشكره.
ويركز في سورة الأعراف على ضرورة اتباع هدى الله وترك ما سواه.
ويركز في سورتي الأنفال وبراءة على ضرورة القتال والجهاد والاستعداد له، والتخلص من كل مانع حسي أو معنوي يحول دونه، وإذا قلنا إن هذه ملاحظات للمربين، فهي ملاحظات ينبغي أن يعطيها الدارسون أهمية بالغة بشكل عام.
ب- المفروض أن يلاحظ المربي شيئين: الفهم الصحيح، والتطبيق الصحيح. وفي هذا القسم- كغيره- آيات واضحة وآيات تحتاج إلى دقة فهم، فالمفروض أن يلفت المربي نظر المتعلم إلى المعاني الصحيحة للنوع الثاني، وخاصة في القضايا التي هي مظنة أن يجهلها الإنسان أو يغفل عنها، وأما في موضوع التطبيق فلا ينبغي أن يكلفه بما لا
يطيق، وإنما يحققه بصحة الفهم، ويدله على العمل بقدر الإمكان.
ج- فى كل سورة من السور ينبغي أن يختص بعض الآيات بوقفات تربط بين الإنسان والواقع، وبين الحياة والسلوك.
وكمثال يركز في سورة البقرة على مقدمتها، وعلى الآيات التي تحدد طرق الوصول للتحقق بصفات المتقين، ويركز على قوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وعلى ملامح الاقتصاد الإسلامي القائم على الإنفاق، وتحريم الربا، وضبط المعاملات.
وفي سورة آل عمران يركز على قضية الطاعة والبطانة والتحرر من طاعة الكافرين أثناء مروره على إِنْ تُطِيعُوا.... * أو لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ....
وفي سورة النساء يركز على شبه العصر في موضوع تعدد الزوجات، وموضوع نظام الإرث، ونظام الرق، والاحتكام إلى الله ورسوله. وقضية الجهاد....
وفي سورة المائدة يركز على آيات الحكم، وعلى الآيات التي لها علاقة بقسوة القلب أو فتنته، وعلى الآيات التي تشرح نماذج من الفساد...
وفي سورة الأنعام يركز على النعم، وعلى الشكر، وعلى خطر تحريم الحلال.
وفي سورة الأعراف يركز على خطورة الموقف من الأمر والنهي في حياة الأمم.
وفي سورة الأنفال وبراءة يركز على ارتباط الإيمان بقضية الجهاد، ولا شك أن كل سورة فيها ما يذكر بمعاني السورة الأخرى، ولكن المربي ينبغي أن يضع أمامه هدفا في كل سورة يحققه من خلال إقرائها أو تحفيظها أو تدريسها.
د- وعلى المربي في عصرنا أن يبتعد ابتعادا كليا في الدروس العامة عن التصريح، وعن الهجوم الواضح على الأشخاص والهيئات إلا إذا دعت ضرورة لذلك، ويكتفي بإبراز الفكرة والإشارة البعيدة من باب قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ....
إن نقل الإنسان من طور إلى طور من خلال القرآن عملية تحتاج إلى صبر طويل دؤوب، وحكمة بالغة، وكل سورة تحقق- بشكل من الأشكال- عملية النقل هذه، إذا أتقن المربي- أو المعلم- عملية النقل، وهذه الملاحظة لا تختص بهذا القسم بل هي في القرآن كله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
القسم الثاني من أقسام القرآن قسم المئين
ويتضمن سور يونس، هود، يوسف، الرعد، إبراهيم، الحجر، النحل، الإسراء، الكهف، مريم، طه، الأنبياء، الحج، المؤمنون، النور، الفرقان، الشعراء، النمل، القصص،
[المجموعة الأولى من القسم المئين]
كلمة في قسم المئين:
مع أن تقسيم القرآن إلى أربعة أقسام: قسم الطوال، وقسم المئين، وقسم المثاني، وقسم المفصل قد ورد في حديث حسن- كما رأينا- فإننا لا نعلم أن أحدا قد حدد قسم المئين وقسم المثاني، إن هناك تحديدا لقسم الطوال، ولقسم المفضل، على خلاف في قسم المفصل، وواضح أن قسم المثاني ينتهي حيث ابتدأ قسم المفصل، كما أنه من الواضح أن قسم المئين يبدأ حيث انتهى قسم الطوال، وقسم الطوال ينتهي بسورة (براءة). وإذن فقسم المئين يبدأ بسورة يونس فأين ينتهي؟.
إن هناك علامتين بارزتين تدلاننا على أنه ينتهي بسورة القصص:
العلامة الأولى: أن سورة القصص وسورة النمل- قبلها- وسورة الشعراء- قبلهما- تكاد تشكل زمرة واحدة من قسم واحد؛ إذ الثلاثة مبدوءة بالطاء والسين، وسورة الشعراء مائتان وسبع وعشرون آية، وسورة النمل ثلاث وتسعون، وسورة القصص ثمان وثمانون آية، فهي قريبة من المائة التي أخذ قسم المئين اسمه منها، والسورة التي تأتي بعد سورة القصص هي سورة العنكبوت، وآياتها تسع وستون، فهي بداية قسم المثاني والله أعلم.
العلامة الثانية: إنه منذ سورة آل عمران لم نعد نرى الأحرف الم تتصدر سورة بشكل منفرد. رأينا المص ورأينا المر ولأول مرة بعد سورة آل عمران، ولآخر مرة تأتي الم* بداية لأربع سور هي: العنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، مما يمكن أن يستأنس به بأن سورة العنكبوت بداية قسم جديد هو قسم المثاني. وبالتالي فإن سورة القصص هي نهاية قسم المئين.
فقسم المئين يبدأ بسورة يونس، وينتهي بسورة القصص. والله أعلم
*** ومن خلال تتبع المعاني نجد أن قسم المئين يتألف من ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: هي يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم.
والمجموعة الثانية: هي الحجر، والنحل، والإسراء، والكهف، ومريم.
والمجموعة الثالثة: هي طه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان،
والشعراء، والنمل، والقصص.
وسنرى كيف أن المعاني هي التي حددت بداية المجموعات ونهايتها، وهي التي عرفتنا أن هذا القسم ينقسم إلى ثلاث مجموعات.
*** ولقد رأينا في قسم الطوال أن المعاني في سورة البقرة تسلسلت على طريقة، ثم جاءت السور اللاحقة ففصلت في معان وردت في سورة البقرة على نفس التسلسل الذي جاء في سورة البقرة على غير تعاقب، ففصلت آل عمران في مقدمة سورة البقرة، وفصلت النساء والمائدة والأنعام في المقطع الأول من القسم الأول، وفصلت سورة الأعراف في المقطع الثاني من القسم الأول، وكان تفصيل هذه السور لمحاورها تفصيلا له ولامتداداته من سورة البقرة، ولذلك فإن سورتي الأنفال وبراءة فصلتا في آية فريضة القتال والآيتين بعدها من سورة البقرة بعد عشرات الآيات.
وإذن فالسور التي جاءت بعد سورة البقرة من قسم الطوال فصلت في معان من سورة البقرة على ترتيب ما، وإن قسم المئين يأتي بعد ذلك لتفصل كل مجموعة من مجموعاته في سورة البقرة من بدايتها على ترتيب، وكل ذلك سنراه تفصيلا بإذن الله.
*** لقد فصلت سورة آل عمران في مقدمة سورة البقرة نوع تفصيل. وفي المجموعة الأولى من قسم المئين تأتي سورة يونس لتفصل في مقدمة سورة البقرة تفصيلا آخر.
وفصلت سور: النساء والمائدة والأنعام في المقطع الأول بعد المقدمة نوع تفصيل، وتأتي في المجموعة الأولى من قسم المثاني: سور هود، ويوسف، والرعد، لتفصل في المقطع الأول تفصيلا آخر.
وكما أن سورتي الأنفال وبراءة فصلتا في محور بعيد من المقطع الثاني في سورة البقرة فإن سورة إبراهيم هنا تفصل في محور بعيد من المقطع الثاني في سورة البقرة.
ثم تأتي المجموعة الثانية من قسم المئين لتفصل في سورة البقرة من بدايتها إلى نهايتها، بتفصيلها محاور من سورة البقرة تختلف أو تتفق مع ما فصلته سور أخرى، ولكن على حسب ترتيب ورودها في سورة البقرة دون اشتراط التعاقب
إن مجموعة ما عند ما تفصل في سورة البقرة فإنها تفصل في محاور على ترتيب سورة البقرة، ولكن ليس شرطا أن تكون هذه المحاور وراء بعضها مباشرة في سورة البقرة.
فقد يكون هناك فاصل بين المحور والمحور، ولكن من الملاحظ أن مجموعة ما عند ما تفصل في محاور متعددة فإن هذه المحاور من سورة البقرة تربطها مع بعضها روابط متينة في عالم المعنى، وسنرى ذلك بشكل واضح أثناء التفصيل- إن شاء الله- وهاهنا سنقدم نموذجا:
*** لقد كان أكثر ما انصب عليه تفصيل سورة آل عمران من مقدمة سورة البقرة هو توضيح صفات المتقين والكافرين. وسنرى أن سورة يونس سينصب تفصيلها على الآية الأول من مقدمة سورة البقرة الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
ولقد انصب تفصيل سورة النساء على الآيات الخمس الآتية بعد مقدمة سورة البقرة وخاصة على التقوى من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
وسنرى أن سورة هود سينصب تفصيلها على قوله تعالى: اعْبُدُوا من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وأن سورة يوسف سترينا مصداق قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
فسورتا: هود ويوسف تفصلان في الآيات الخمس التي فصلت فيها سورة النساء، ولكنهما تركزان على نقاط بعينها، بينما ركزت سورة النساء على نقاط أخرى، وسورة الرعد تفصل في نفس المحور الذي فصلت فيه سورة المائدة، مع تركيزها على نقاط بعينها.
ثم تأتي سورة إبراهيم فتفصل في آية بعيدة في سورة البقرة هي: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ. ولو أنك أتيت إلى محاور هذه المجموعة كلها من سورة البقرة ووضعتها بجانب بعضها لرأيت أنك أمام موضوع متكامل.
فمع أن سورة البقرة لها سياقها، وتترابط آياتها ببعضها ترابطا واضحا فإن المجموعات التي تفصل في محاور من سورة البقرة تربط المعاني في سورة البقرة إلى بعضها برباط جديد، لتريك أن هناك صلات بين آيات سورة البقرة ذات الموضوع الواحد ولو تباعد ما بين هذه الآيات.
وهذه قضايا تظهر للإنسان من خلال التتبع والتأمل، ولذلك نذكرها هنا لمجرد الإشارة إليها، وسيأتي التفصيل إن شاء الله تعالى
*** تأتي المجموعة الأولى من قسم المئين موطأة لمعاني المجموعة الثانية، وتأتي المجموعة الثانية وتبدأ بسورة الحجر التي تكاد أن تكون عرضا سريعا لكل الأوليات، ثم تأتي سور المجموعة الثانية لتفصل في معان من سورة البقرة لم تأت سور من قبل تفصلها، وبذلك يوضع في قسم المئين أساسان يوطان المجموعة الثالثة.
ثم تأتي المجموعة الثالثة في قسم المئين فتكمل بناء القسم في تفصيلها لمحاورها من سورة البقرة تفصيلا يكمل عمل المجموعتين السابقتين.
وتتشابه المجموعات الثلاث في هذا القسم في أن كلا منها تفصل في محاور من سورة البقرة من الابتداء حتى الانتهاء، كما تشابه في أن كلا منها تنطلق انطلاقات متشابهة في تاكيد الإيمان بالقرآن، ثم تسير في طريق تعميق الالتزام، ثم تصل إلى الوعظ والتذكير، ثم إن هذه المجموعات الثلاث كل منها يكمل الآخر؛ ومن ثم كانت قسما واحدا
*** وهذا أوان عرض المجموعة الأولى من قسم المئين وهي سور: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم.
وسنرى بعد عرضها ما الذي دلنا على أنها مجموعة متكاملة ضمن قسم المئين
بداية سورة التوبة فهرس السور