أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ 8
[سورة البلد (90): آية 8]
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ أي: للإنسان عَيْنَيْنِ أي: يبصر بهما المرئيات
وَلِساناً أي: ينطق به فيعبر به عما في ضميره وَشَفَتَيْنِ قال ابن كثير: يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، وجمالا لوجهه وفمه، وقال النسفي: يستر بهما ثغره، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي: طريقي الخير والشر المفضيين إلى الجنة والنار.
كلمة في السياق:
جاءت الفقرة السابقة كدليل على ما قبلها، وكمقدمة لما بعدها فهي دليل على أن الله عزّ وجل يرى، ودليل على أنه قادر على الإنسان، وهي مقدمة لمطالبة الإنسان بعمل الخير الذي تطالب به الفقرة اللاحقة، فالفقرة اللاحقة تطالب الإنسان بعتق الرقاب والإطعام والإيمان والتواصي بناء على ما جاء في هذه الفقرة، فالفقرة ذكرت عطاء الله العظيم للإنسان، وهذا يقتضي من الإنسان أن يقابل ذلك بشكر.
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ الاقتحام هو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة، جعل الأعمال الصالحة عقبة وعملها اقتحاما لها لما في ذلك من معاناة في مجاهدة النفس
وَما
أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ هذا تعظيم لشأن العقبة التي ينبغي أن تقتحم، ثم فسرها بثلاثة أشياء:
1 - فَكُّ رَقَبَةٍ أي: إعتاق رقبة أو المساعدة على إعتاقها.
2 - أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ أي: ذي مجاعة
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أي:
ذا قرابة
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ أي: ذا افتقار فهو من فقره لصق في التراب، وأصبح التراب مأواه.
3 - ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أي: كان من المؤمنين العاملين. والمتواصين بالصبر على أذى الناس، وبالرحمة بهم، أو تواصوا بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات، والمحن التي يبتلى بها المؤمن وتواصوا بالتراحم فيما بينهم
أُولئِكَ أي: الموصوفون بهذه الصفات أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ أي: أصحاب اليمين.
كلمة في السياق:
بعد أن ذكر الله عزّ وجل الإنسان بأمهات من نعمه عليه. طالبه أن يشكر هذه الأيادي بالأعمال الصالحة من فك الرقاب، وإطعام اليتامى والمساكين ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، وبالصبر الذي بدونه لا يكون إيمان، وبالرحمة التي هي من أعظم ثمرات الإيمان، وبالتواصي الذي به يستمر السير، وإذ بين الله عزّ وجل هذا وعرفنا أن المتصفين بهذه الصفات هم أصحاب اليمين يعرفنا الآن على أصحاب الشمال.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي: بالقرآن أو بدلائلنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ أي: أصحاب الشمال
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ أي: مطبقة، أي: مغلقة الأبواب، قال ابن كثير: أي: مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها.
كلمة في السياق:
1 - عرفنا من السورة أن هناك أصحاب يمين وأصحاب شمال، وأن أصحاب
الشمال هم الكافرون بآيات الله، وأن أصحاب اليمين هم المؤمنون المتواصون بالصبر والمرحمة، المعتقون للرقاب. المطعمون لليتامى والمساكين، شكرا لله على ما أعطاهم من نعم، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة واضحة، فمقدمة سورة البقرة تحدثت عن المتقين والكافرين، والسورة فصلت في ذلك.
2 - عرفتنا السورة أن الإنسان الذي لم يهذبه وحي يتصور أنه لا تكليف ولا أحد يقدر عليه. وأنه يدعي الإنفاق ولا ينفق، وأنه يكفر بآيات الله، وأنه لا يساعد في فك الرقاب، ولا يطعم ولا يؤمن، ولا يوصي بصبر ولا رحمة، مع أن نشأته وحاله ونعم الله عزّ وجل عليه؛ كل ذلك يدعوه إلى غير ذلك.
3 - عرفتنا السورة أن الطريق إلى أن يعرف الإنسان قدرة الله عزّ وجل عليه هو أن يرى كيف أنه خلق في مكابدة، وأن الطريق إلى ترك الدعوى، أن يعرف رؤية الله عزّ وجل له. وأن الطريق إلى فعل الخيرات والإيمان، والتواصي بالصبر والرحمة هو تذكر الإنسان لما أعطاه الله له من العينين واللسان والشفتين، وهدايته إياه إلى طريق الخير والشر. وهكذا أرتنا السورة أن الإنسان مكلف، وأرتنا جوانب من التكليف، وأرتنا طبيعة الإنسان الذي يرفض التكليف، وقد رأينا صلة السورة بعضها ببعض، فلنر ما فصلته السورة من مقدمة سورة البقرة تفصيلا:
- الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
رأينا في السورة عقوبة الذي يكفر بآيات الله عزّ وجل، ورأينا في السورة ضرورة شعور الإنسان بأنه مكلف وأنه مقدور عليه.
- الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
رأينا في السورة أن من صفات أصحاب اليمين الإيمان، والتواصي بالصبر والمرحمة اللذين هما أثران من آثار الإيمان.
- وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
رأينا في السورة حضها على أنواع من الإنفاق فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ.. فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ.
- وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
رأينا في السورة جزاء الكافرين بآيات الله عزّ وجل.
- أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
رأينا في السورة مظهرا من مظاهر فلاح المتقين فهم أصحاب اليمين.
- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
رأينا في السورة مظهرا من مظاهر العذاب العظيم للكافرين عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ.
وهكذا نجد أن السورة هذبت الإنسان على معان، وأبعدته عن معان، وكان في ذلك نوع تفصيل لمقدمة سورة البقرة، هذا مع أن للسورة سياقها الخاص، وصلتها بما قبلها، كما رأينا، وبما بعدها كما سنرى.
فلننقل الآن بعض الفوائد.
الفوائد:
1 - فهم بعضهم من قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ* وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أن في ذلك وعدا لرسول الله ﷺ بأنه سيفتح مكة، وتكون له حلالا، قال النسفي:
(وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أي: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر، ذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة، وأحلها له وما فتحت على أحد قبله، ولا أحلت له، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما وحرم دار أبي سفيان، ونظير قوله: وأنت حل في الاستقبال، قوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وكفاك دليلا على أنه للاستقبال أن السورة مكية بالاتفاق وأين الهجرة من وقت نزولها فما بال الفتح).
أقول: على هذا القول؛ فإن في الآية بشارة وإخبارا بغيب، والله أعلم.
2 - بمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ قال صاحب الظلال:
(في مكابدة ومشقة، وجهد وكد، وكفاح وكدح.. كما قال في السورة الأخرى:
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ..
الخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها
الظروف الملائمة للحياة والغذاء- بإذن ربها- وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض- إلى جانب ما تذوقه الوالدة- ما تذوق. وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم!.
ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر. يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية! وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة! ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد! وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد. والذي يلاحظ الوليد عند ما يهم بالحبو وعند ما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة.
وعند بروز الأسنان كبد. وعند انتصاب القامة كبد. وعند الخطو الثابت كبد.
وعند التعلم كبد. وعند التفكر كبد. وفي كل تجربة جديدة كبد كتجربة الحبو والمشي سواء!.
ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاق، هذا يكدح بعضلاته. وهذا يكدح بفكره.
وهذا يكدح بروحه. وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء. وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف... وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله.
وهذا يكدح لشهوة ونزوة. وهذا يكدح لعقيدة ودعوة. وهذا يكدح إلى النار. وهذا يكدح إلى الجنة.. والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحا إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء. وتكون الراحة الكبرى للسعداء).
3 - بمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ أي: للإنسان عَيْنَيْنِ أي: يبصر بهما المرئيات
وَلِساناً أي: ينطق به فيعبر به عما في ضميره وَشَفَتَيْنِ قال ابن كثير: يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، وجمالا لوجهه وفمه، وقال النسفي: يستر بهما ثغره، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي: طريقي الخير والشر المفضيين إلى الجنة والنار.
كلمة في السياق:
جاءت الفقرة السابقة كدليل على ما قبلها، وكمقدمة لما بعدها فهي دليل على أن الله عزّ وجل يرى، ودليل على أنه قادر على الإنسان، وهي مقدمة لمطالبة الإنسان بعمل الخير الذي تطالب به الفقرة اللاحقة، فالفقرة اللاحقة تطالب الإنسان بعتق الرقاب والإطعام والإيمان والتواصي بناء على ما جاء في هذه الفقرة، فالفقرة ذكرت عطاء الله العظيم للإنسان، وهذا يقتضي من الإنسان أن يقابل ذلك بشكر.
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ الاقتحام هو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة، جعل الأعمال الصالحة عقبة وعملها اقتحاما لها لما في ذلك من معاناة في مجاهدة النفس
وَما
أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ هذا تعظيم لشأن العقبة التي ينبغي أن تقتحم، ثم فسرها بثلاثة أشياء:
1 - فَكُّ رَقَبَةٍ أي: إعتاق رقبة أو المساعدة على إعتاقها.
2 - أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ أي: ذي مجاعة
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أي:
ذا قرابة
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ أي: ذا افتقار فهو من فقره لصق في التراب، وأصبح التراب مأواه.
3 - ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أي: كان من المؤمنين العاملين. والمتواصين بالصبر على أذى الناس، وبالرحمة بهم، أو تواصوا بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات، والمحن التي يبتلى بها المؤمن وتواصوا بالتراحم فيما بينهم
أُولئِكَ أي: الموصوفون بهذه الصفات أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ أي: أصحاب اليمين.
كلمة في السياق:
بعد أن ذكر الله عزّ وجل الإنسان بأمهات من نعمه عليه. طالبه أن يشكر هذه الأيادي بالأعمال الصالحة من فك الرقاب، وإطعام اليتامى والمساكين ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، وبالصبر الذي بدونه لا يكون إيمان، وبالرحمة التي هي من أعظم ثمرات الإيمان، وبالتواصي الذي به يستمر السير، وإذ بين الله عزّ وجل هذا وعرفنا أن المتصفين بهذه الصفات هم أصحاب اليمين يعرفنا الآن على أصحاب الشمال.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي: بالقرآن أو بدلائلنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ أي: أصحاب الشمال
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ أي: مطبقة، أي: مغلقة الأبواب، قال ابن كثير: أي: مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها.
كلمة في السياق:
1 - عرفنا من السورة أن هناك أصحاب يمين وأصحاب شمال، وأن أصحاب
الشمال هم الكافرون بآيات الله، وأن أصحاب اليمين هم المؤمنون المتواصون بالصبر والمرحمة، المعتقون للرقاب. المطعمون لليتامى والمساكين، شكرا لله على ما أعطاهم من نعم، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة واضحة، فمقدمة سورة البقرة تحدثت عن المتقين والكافرين، والسورة فصلت في ذلك.
2 - عرفتنا السورة أن الإنسان الذي لم يهذبه وحي يتصور أنه لا تكليف ولا أحد يقدر عليه. وأنه يدعي الإنفاق ولا ينفق، وأنه يكفر بآيات الله، وأنه لا يساعد في فك الرقاب، ولا يطعم ولا يؤمن، ولا يوصي بصبر ولا رحمة، مع أن نشأته وحاله ونعم الله عزّ وجل عليه؛ كل ذلك يدعوه إلى غير ذلك.
3 - عرفتنا السورة أن الطريق إلى أن يعرف الإنسان قدرة الله عزّ وجل عليه هو أن يرى كيف أنه خلق في مكابدة، وأن الطريق إلى ترك الدعوى، أن يعرف رؤية الله عزّ وجل له. وأن الطريق إلى فعل الخيرات والإيمان، والتواصي بالصبر والرحمة هو تذكر الإنسان لما أعطاه الله له من العينين واللسان والشفتين، وهدايته إياه إلى طريق الخير والشر. وهكذا أرتنا السورة أن الإنسان مكلف، وأرتنا جوانب من التكليف، وأرتنا طبيعة الإنسان الذي يرفض التكليف، وقد رأينا صلة السورة بعضها ببعض، فلنر ما فصلته السورة من مقدمة سورة البقرة تفصيلا:
- الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
رأينا في السورة عقوبة الذي يكفر بآيات الله عزّ وجل، ورأينا في السورة ضرورة شعور الإنسان بأنه مكلف وأنه مقدور عليه.
- الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
رأينا في السورة أن من صفات أصحاب اليمين الإيمان، والتواصي بالصبر والمرحمة اللذين هما أثران من آثار الإيمان.
- وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
رأينا في السورة حضها على أنواع من الإنفاق فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ.. فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ.
- وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
رأينا في السورة جزاء الكافرين بآيات الله عزّ وجل.
- أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
رأينا في السورة مظهرا من مظاهر فلاح المتقين فهم أصحاب اليمين.
- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
رأينا في السورة مظهرا من مظاهر العذاب العظيم للكافرين عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ.
وهكذا نجد أن السورة هذبت الإنسان على معان، وأبعدته عن معان، وكان في ذلك نوع تفصيل لمقدمة سورة البقرة، هذا مع أن للسورة سياقها الخاص، وصلتها بما قبلها، كما رأينا، وبما بعدها كما سنرى.
فلننقل الآن بعض الفوائد.
الفوائد:
1 - فهم بعضهم من قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ* وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أن في ذلك وعدا لرسول الله ﷺ بأنه سيفتح مكة، وتكون له حلالا، قال النسفي:
(وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أي: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر، ذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة، وأحلها له وما فتحت على أحد قبله، ولا أحلت له، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما وحرم دار أبي سفيان، ونظير قوله: وأنت حل في الاستقبال، قوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وكفاك دليلا على أنه للاستقبال أن السورة مكية بالاتفاق وأين الهجرة من وقت نزولها فما بال الفتح).
أقول: على هذا القول؛ فإن في الآية بشارة وإخبارا بغيب، والله أعلم.
2 - بمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ قال صاحب الظلال:
(في مكابدة ومشقة، وجهد وكد، وكفاح وكدح.. كما قال في السورة الأخرى:
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ..
الخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها
الظروف الملائمة للحياة والغذاء- بإذن ربها- وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض- إلى جانب ما تذوقه الوالدة- ما تذوق. وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم!.
ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر. يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية! وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة! ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد! وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد. والذي يلاحظ الوليد عند ما يهم بالحبو وعند ما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة.
وعند بروز الأسنان كبد. وعند انتصاب القامة كبد. وعند الخطو الثابت كبد.
وعند التعلم كبد. وعند التفكر كبد. وفي كل تجربة جديدة كبد كتجربة الحبو والمشي سواء!.
ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاق، هذا يكدح بعضلاته. وهذا يكدح بفكره.
وهذا يكدح بروحه. وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء. وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف... وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله.
وهذا يكدح لشهوة ونزوة. وهذا يكدح لعقيدة ودعوة. وهذا يكدح إلى النار. وهذا يكدح إلى الجنة.. والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحا إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء. وتكون الراحة الكبرى للسعداء).
3 - بمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*