إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٞ 6 وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٞ 7 وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلۡخَيۡرِ لَشَدِيدٌ 8 ۞ أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ 9 وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ 10 إِنَّ رَبَّهُم بِهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّخَبِيرُۢ 11 سورة القارعةبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِٱلۡقَارِعَةُ 1 مَا ٱلۡقَارِعَةُ 2 وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡقَارِعَةُ 3 يَوۡمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلۡفَرَاشِ ٱلۡمَبۡثُوثِ 4 وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٱلۡمَنفُوشِ 5 فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ 6 فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ 7 وَأَمَّا مَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ 8 فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ 9 وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَهۡ 10 نَارٌ حَامِيَةُۢ 11 سورة التكاثربِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِأَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ 1 حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ 2 كـَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 3 ثُمَّ كـَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 4 كـَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ 5 لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ 6 ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ 7 ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ 8
الصفحة 600

تفسير سورة القارعة - الآية 5

وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٱلۡمَنفُوشِ 5

قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.
(العهن: الصوف ذو الألوان) [1]، وقد مر عند قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: 9].
(والنفش: مدك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض) [2]، وهو أهون ما يكون من الصوف.
والمعنى: أنها تصير خفيفة في السير، كالصوف الذي نفش باليد.
ثم ذكر أحوال الناس بقوله:
قوله [3] (تعالى) [4]: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6)﴾
قال مقاتل [5]، (والكلبي [6] [7]: رجحت حسناته.
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: أي ذات رضًى يرضاها صاحبها [8]، وهي كقولهم: لابن، ونابل، وتامر.
(قال أبو بكر) [9]: بمعنى ذو لبن، ونبل، وتمر [10]، ولهذا قال المفسرون في تفسيرها: "مرضية" [11] على معنى يرضاها صاحبها.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي رجحت سيئاته على حسناته.
قال أبو بكر: إنما ثقلت موازينهم باتباعهم الحق، وثقلت [12] عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفتهم عليهم (وحق) [13] لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفًا [14]. ونحو هذا ذكر مقاتل، وقال: لأن الحق ثقيل، والباطل خفيف [15].
(وقوله) [16]: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال الليث: الهاوية اسم من أسماء جهنم [17]، (والهاوية كل مَهوَاة لا يُدرك قعرها) [18].
والمعنى: فمسكنه جهنم. (وهذا معنى قول عطاء [19]، والكلبي [20]، وأكثر المفسرين) [21]. [22].
قال أبو إسحاق: وقيل لمسكنه "أمُّه"؛ لأن الأصل في السكون إلى الأمهات، فقيل الذي له بدل ما يسكن إليه: "نار حامية" [23].
وهذا معنى (قول) [24] الفراء: صارت هاوية مأواه، كما (تؤوي) [25] المرأة ابنها [26]، فجعلها إذًا لا مأوى له غيرها أمًا له [27].
وقال مقاتل: يقول يؤم الناس [28] الهاوية [29]، وهذا إنما كان يحتمل لو قريء "فأمَّه" بفتح الهمزة، ولم يرو ذلك عن أحد.
وذكر أهل المعاني قولين آخرين:
أحدهما: إن المعنى خسرت نفسه وهلكت، والعرب تقول: هوت أمه، إذا هلك وعطب [30]، وهذا قول الأخفش، والمبرد [31]، وصاحب النظم، وأنشدوا لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه (فقال) [32]: هَوَتْ أُمه ما يبعث الصبحُ غاديًا ... وماذا [33] يؤدي الليل [34] حين يؤوب [35]
وأنشد المبرد [36] قول الكندية [37]:
هَوَتْ أُمهم ماذا بهم يوم صُرِّعوا ... بجيشان من أسباب مجد تَصَرما [38]
القول الثاني:
(فأم [39] رأسه هاوية في النار. ذكره الأخفش [40]، والكلبي، فقال: ويقال: أمه هاوية لأم الرأس [41]. وإلي هذا ذهب قتادة فقال: إنهم يهوون في النار على رؤوسهم [42].
وروى معمر عنه قال: هذه كلمة عربية يقال: إذا وقع في أمر شديد هوت أمه [43]. وهذا معنى القول الأول من قولي أهل المعاني، ويدل على صحة القول الأول (وهو الذي عليه المفسرون) [44] ما روي في الحديث أن المؤمن إذا مات ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيسألونه [45] ويقولون: ما فعل فلان، وفلان؟ حتى إذا سألوه عمن لم يأتهم ممن قد مات (فيقول: قد مات) [46] أما جاءكم؟ فيقولون: لا، ذهب به إلى أمه الهاوية [47].
ويدل أيضًا على صحته أن الله تعالى قد أخبر عنها فقال:
ـــــــــــــــــــ
[1] ما بين القوسين قول أبي عبيدة نقله عنه من: "مجاز القرآن" 2/ 309، وقال بمعناه الأزهري: "تهذيب اللغة" 1/ 145 (عهن).
[2] ما بين القوسين من قول الليث نقله عنه بنصه من "تهذيب اللغة" 11/ 376 (نفش).
[3] في (ع): (بقوله).
[4] ساقط من (ع).
[5] "تفسير مقاتل" 249/ أ.
[6] لم أعثر على مصدر لقوله.
[7] ما بين القوسين ساقط من (أ).
[8] "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 355 بنحوه.
[9] ما بين القوسين ساقط من (أ).
[10] انظر: "الأصول في النحو" لأبي بكر السراج 3/ 83
[11] عزاه الفخر إلى المفسرين: "التفسير الكبير" 32/ 73، وقال بمعنى ذلك قتادة، وقال: هي الجنة، وفسرها الماوردي فقال: يعني في عيشة مرضية. وقد ورد قول قتادة أيضًا في: "جامع البيان" 30/ 282، و"الدر المنثور" 8/ 605 وعزاه إلى عبد ابن حميد، وعن مجاهد قال: في عيشة قد رضيها في الجنة. "جامع البيان" المرجع السابق. وقد ذهب إلى القول: مرضية: السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 505، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 13/ 141/ أ. وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" 4/ 519، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 166، و"فتح القدير" 5/ 486، وقد ذكر الماوردي وجهًا آخر في الآية: وهو نعيم دائم، ونسبه إلى الضحاك، ثم قال: فيكون على الوجه الأول من المعاش، وعلى الوجه الثاني من العيش. "النكت والعيون" 6/ 329.
[12] في (ع): (ثقله).
[13] ساقط من (أ).
[14] "التفسير الكبير" 32/ 73، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 167 بنحوه.
[15] بمعناه في "تفسيره": 249/ أ، و"التفسير الكبير" 32/ 73.
[16] ساقط من (ع).
[17] هذا من قول ابن المظفر، وليس الليث. انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 490 (هوى).
[18] ما بين القوسين من قول الأزهري نقله عنه بنصه من: "تهذيب اللغة" المرجع السابق.
[19] لم أعثر على مصدر لقوله.
[20] لم أعثر على مصدر لقوله.
[21] ممن قال بذلك: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، انظر: "جامع البيان" 30/ 283، و"النكت والعيون" 6/ 329، و"الدر المنثور" 8/ 505 - 506 وعزاه ابن عطية إلى أكثر المفسرين: 4/ 581، وقال به: أيضًا ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 537، و"الكشف والبيان" 13/ 141/ أ - ب وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 519 و"البحر المحيط" 8/ 507.
[22] ما بين القوسين ساقط من (أ).
[23] معاني القرن وإعرابه 5/ 356، بتصرف: (فقيل الذي له بدل ما يسكن إليه نار حامية) فيها ركاكة، والعبارة كما هي عند الزجاج على النحو الآتي: (فأبدل فيما يسكن إليه نار حامية)، (فأبدل فيما) بدلاً من: (فقيل الذي له بدل).
[24] ساقط من (أ).
[25] في (أ)، (ع): (تردي)، وأثبت ما جاء في مصدر القول.
[26] في (أ): (منها).
[27] "معاني القرآن" 3/ 287.
[28] النار: (ع).
[29] لم أعثر على مصدر لقوله.
[30] في (أ): (عصب).
[31] لم أعثر على مصدر لقولهما.
[32] ساقط من (ع).
[33] في (أ): (وما).
[34] في (أ): (الل).
[35] ورد البيت في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 167. "البحر المحيط" 8/ 507، برواية: (ما ينعبث) بدلاً من (من يبعث)، و (وماذا يرد الليل حين يؤون) بدلًا من (ماذا يؤدي الليل حين يؤوب)، و"روح المعاني" 30/ 222.
[36] لم أعثر على مصدر لقوله.
[37] الكندية: هي أم صريح، شاعرة جاهلية قالت البيت ضمن قصيدة ترثي قومها وقد ماتوا يوم جيشان. "معجم البلدان" 2/ 200، "ديوان الحماسة" 1/ 459.
[38] "معجم البلدان" 2/ 200، و"ديوان الحماسة" 1/ 459، و"تهذيب اللغة" 15/ 489 (ناب) برواية: (... ما ذامهم بنيسان من أنياب مجد تصرما).
[39] ساقط من (أ).
[40] "التفسير الكبير" 32/ 74، ورد معناه في "القرطبي" 20/ 167 بعبارة فمستقر، ثم قال القرطبي: والمعنى متقارب، يعني مع من قال يهوي فيها على أم رأسه.
[41] "التفسير الكبير" 32/ 74، وقد ورد بمثل قوله عن أبي صالح، و"جامع البيان" 30/ 282، و"الكشف والبيان" 13/ 141 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 519، و"المحرر الوجيز" 5/ 517.
[42] "جامع البيان" 30/ 283، و"الكشف والبيان" ج 13/ 141 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 519 "تفسير القرآن العظيم" 4/ 580.
[43] "تفسير عبد الرزاق" 2/ 392، و"جامع البيان" 30/ 282 - 28، و"الكشف والبيان" 13/ 141 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 519، و"زاد المسير" 8/ 299، و"التفسير الكبير" 32/ 74، و"الدر المنثور" 8/ 606 وعزاه إلى ابن المنذر.
[44] ما بين القوسين ساقط من (أ).
[45] في (أ)، (ع): (فيسلونه).
[46] ما بين القوسين ساقط من (أ).
[47] أخرج النسائي بمعناه مطولاً، وقد إنفرد به من طريق أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا 4/ 306 ح 1832 في الجنائز، والحاكم 2/ 533 عن الحسن مرفوعًا في التفسير، سورة القارعة، وقال: هذا حديث مرسل صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. كما ورد عند عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 392 من طريق معمر، عن أشعث بن عبد الله الأعمى. وبنفس الطريق عند الطبري في "جامع البيان" 30/ 282، كما ورد عند القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 167 من طريق أبي هريرة، وإسناد عبد الرزاق في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 580، و"الدر المنثور" 8/ 606 بطرق مختلفة، وفي "زاد المسير" 8/ 299 من غير ذكر الإسناد.
فهرس الكتاب