قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ 71 لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 72 فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ 73 فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ 74 إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ 75 وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ 76 إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ 77 وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ 78 فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ 79 وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 80 وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ 81 وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ 82 فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ 83 فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 84 وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ 85 إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ 86 وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ 87 لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 88 وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ 89 كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ 90
الصفحة 266

تفسير سورة الحجر - الآية 88

لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 88

قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ الآية. قال ابن عباس: نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا، فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها [1]، وقال في رواية عطاء: ولا تتمنّ ما فضلنا به أحدًا من متاع الدنيا، ولا يقع في قلبك حلاوتها ولا شيء من زينتهم [2]، فدل هذا التفسير على أن المراد بنهيه من مد العين نهيه عن التطلع إليه رغبة فيه، وإنما يكون مادًا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، وإدامة النظر إلى الشيء يدل على استحسانه وتمنِّيه، ولهذا فسره ابن عباس بالنهي عن التمني، فكان -ﷺ- لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا، حتى رُوي أنه نظر إلى نَعَم بني المُصْطَلِق [3] وقد عَبِست في أبوالها وأبعارها، (فَتَقَنَّع بثوبه وقرأ هذه الآية) [4]، قال أهل المعاني: وذلك أن يجف أبعارُها وأبوالُها على أفخاذها إذا نزلت من العمل أيام الربيع، فيكثر شحومُها ولحومُها وهي أحسن ما تكون [5].
وقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ قال الزجاج: أي أمثالًا في النِّعَم [6]، يعني أن الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى والنعمة فهي أزواج، وقال ابن قتيبة: أي أصنافًا منهم [7]، والزوج في اللغة الصنف [8]، وقد ذكرنا ذلك؛ يعني أصناف الكفار من المشركين واليهود وغيرهم، وقال المفضل: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي رجالا ونساءً أغنيناهم، فلا تمدنّ عينيك إلى ما أعطيناهم [9].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما فاتك من الدنيا، قال أهل المعاني: معناه: لا تحزن لما أنعمت عليهم دونك، وقال الحسن: لا تحزن عليهم بما يصيرون إليه من العذاب بكفرهم [10]، ونحو هذا قال الكلبي: لا تحزن على كفار قريش إن لم يؤمنوا ونزل بهم العذاب [11]، ثم نزل يوم بدر.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخفض معناه في اللغة: نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: 3] أي: أنها تخفض أهلَ المعاصي وترفع أهلَ الطاعة [12]، فالخفض معناه الوضع، والجناح من الإنسان يده، قال الليث: يد الإنسان جناحاه [13]، ومنه قوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: 32] والعرب تقول: فلان خافض الجناح، وخافض الطير، إذا كان وقورًا ساكنًا [14] ومعنى الآية: كأنه يقول لِن واسْكُنْ لهم.
قال ابن عباس: يقول: ألِن لهم الموعظة وارفق بهم ولا تغلظ عليهم [15].
وقال الزجاج: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: ألِن جانبك [16]، ونحوه قال المفضل [17]، فعلى هذا جناح الإنسان جانبه، ومنه قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: 22] والعرب تقول: فلان لين الجانب، إذا كان سهل الخلق منبسطًا، كما تقول في ضده: فلان منيع الجانب، ومنه قوله: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت: 51]
ـــــــــــــــــــ
[1] أخرجه الطبري 14/ 61 بمعناه من طريق العوفي (غير مرضية)، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 370 بنصه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 614، و"الدر المنثور" 4/ 197 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
[2] "تفسير الفخر الرازي" 19/ 210.
[3] قبيلة بني المصطلق بطن من خزاعة، من القحطانية، وهم بنو المصطلق، واسمه جَذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة، وقد غزاهم النبي -ﷺ- في شعبان سنة ست من الهجرة، ولقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، فهزمهم الله، وقُتل من قُتل، ونفل رسول الله -ﷺ- أبنائهم ونسائهم وأموالهم، فأفائهم عليه. انظر: "الروض الأنف" 4/ 6، "معجم قبائل العرب" 3/ 1104.
[4] ورد في: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 380 بنحوه، و"تهذيب اللغة" (عبس) 3/ 2307 بنصه، وانظر: "النهاية" لابن الأثير 3/ 171، "الدر المنثور" 4/ 197 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، "تفسير الألوسي" 14/ 81.
[5] ورد بنحوه في: غريب الحديث 1/ 380، و"تهذيب اللغة" (عبس) 7/ 2303، و"تفسير الفخر الرازي" 19/ 210 بنصه.
[6] "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بنصه.
[7] "الغريب" لابن قتيبة 1/ 241 بلفظه.
[8] انظر: (زوج) في: "المحكم" 7/ 365، و"اللسان" 3/ 1886.
[9] لم أقف عليه.
[10] ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير الماوردي" 3/ 171، "تفسير القرطبي" 10/ 57.
[11] انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 370 بنصه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 225، وابن الجوزي 4/ 416.
[12] انظر: "تهذيب اللغة" "خفض" 1/ 1066 بنصه.
[13] "تفسير الفخر الرازي" 19/ 211.
[14] ورد في "تهذيب اللغة" (خفض) 1/ 1066 بنصه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 57.
[15] انظر: تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 370 بنحوه، وابن الجوزي 4/ 416، و"تنوير المقباس" ص 281 بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 199 أ، والطبري 14/ 61، والثعلبى 2/ 152 أ.
[16] "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 186 بلفظه.
[17] لم أقف عليه.
فهرس الكتاب