قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنࣱ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ 137
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أصل [1] (الخُلُوِّ) -في اللغة-: الانفراد. والمكان الخالي [2]: المنفرد عن الساكن. والخَلِيَّةُ من النُوْقِ: التي ذُبح ولَدُها، فَخَلَت عن الوَلَدِ [3].
ويستعمل في الزمان، والقُرُون، بمعنى: المُضِيِّ، لأن ما مضى انفرد عمَّا يأتي بعده. فالأيَّام الماضية: التي انفردت بالمُضِيِّ عن غيرها، كذلك الأمَم الخالية [4].
والسُّنَنُ: جمع: سُنَّة [5]. والسُّنَّة [6]: الطريقة المستقيمة [7]. ويقال للخط الأسود على مَتْنِ الحِمَار: سُنَّة.
و (سَنَّ اللهُ سُنَّةً)؛ أي: بَيَّنَ طريقًا قويمًا. ويقال: (هذه سُنَّةْ اللهِ)؛ أي: أمْرُهُ ونَهْيُهُ وحُكْمُهُ. و (سُنَّةُ النبي ﷺ): طريقته.
والسُّنَّةُ [8]: المِثالُ المُتَّبَعُ، والإمام المُؤتَمُّ به. يقال: (سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، و [سَنَّ] [9] سُنَّةً سيِّئَةً): إذا عمل عملًا اقتُدِيَ به [10]، مِن خيْرٍ أو شَرٍّ.
قال لَبِيد:
مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّت لهمْ آباؤُهُمْ [11] ... ولِكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمَامُها [12]
واختلفوا في اشتقاق (السُّنَّةِ):
فقال بعضهم: هي (فُعْلَة)، من: (سَنَّ الماءَ، يَسُنُّهُ): إذا والَى صَبَّهُ. والسَّنُّ: صَبُّ الماءِ، والعَرَقِ، وغيره [13]. قال زُهَيْر: تعودها الطرادَ [14] فَكلَّ [15] يومٍ ... يُسَنُّ على سَنَابِكِها قُرُونُ [16]
أي: يُصَبُّ عليها دُفَعٌ [17] من العَرَقِ. يريد: أنهم يُضَمِّرُونها.
شُبِّهَ فِعْلُ النبي ﷺ، الذي كان يأتيه مَرَّةً بعد أخرى، بالماءِ المَسْنُون؛ وهو [18]: المصبوب صَبًّا مُتَوَالِيًا. فهي (فُعْلَة) بمعنى: (مفعول)، كـ (الغُرْفَة) [19] من الماء وأشباهها. فَمَا رَسَمَهُ النبي ﷺ: (سُنَّة)، و (مسنون).
ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنَانَ، أسُنُّهُ سَنًّا)، فهو (مَسْنُون): إذا أحْدَدْتُهُ على المِسَنِّ [20]. فالفعل [21] الذي كان تهذيبُه منسوبًا إليه، سُمِّيَ (سُنَّة)؛ على معنى: أنه (مَسْنُون).
ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَّ الإِبِلَ): إذا أحْسَنَ رِعْيَتَها [22]. فالفعل الذي كان النبي ﷺ يتولَّى رِعايَتَه وإدامَتَه مِن العبادات سُمِّيَ: (سُنَّةً ومسنونًا)؛ ذهابًا إلى أنَّه كان يَتَوَفَّرُ عليها بإقامةِ شروطِها، تَوَفُّرَ الرَّاعِي على الإِبِلِ بإِحْسانِ رَعْيَها. هذا كلامُ أهلِ اللغة في (السُّنَةِ).
فأما معنى الآية وتفسيرها؛ فقال أكثر المفسِّرين [23]:
معنى الآية: قد مضت منِّي-فيمن [24] [قد] [25] كان قبلكم، من الأمم الماضية المكذِّبَةِ الكافرة-، سُنَنٌ؛ بإمهالي واستدراجي إيَّاهم، حَتَّى يبلغَ الكتابُ فيهم أجَلِي الذي أجلته، في إهلاكهم واستئصالهم، وبَقِيَت لهم آثارٌ في الدنيا، فيها [26] أعظمُ الاتِّعاظِ والاعتبار، فَسِيرُوا في الأرض فانظروا كيف كان [آخِرُ أمْرِ] [27] المكذِّبِين منهم.
والمعنى: أنكم إذا سِرْتُم في أسفاركم، عرفتم أخبارَ قومٍ أُهْلِكُوا؛ بتكذيبهم، ورأيتم مصارِعَهم، وما بقي بعدَهم مِن آثارِ مساكنهم، التي [خربت] [28]، فاعتبرتم، وكنتم على حَذَرٍ بما تَرَون [29] في غيرِكم مِن المَثُلاتِ [30] التي نزلت بهم على قبيحِ فِعْلِهم. وهذا في يوم أُحُد، يقول الله: فأنا أمهلهم [31] [حتى يبلغ أجلي الذي] [32] أجَّلْتُ في نُصْرَةِ النبي وأوليائِه، وهلاكِ أعدائِهِ.
فـ (السُّنَنُ) -على هذا- جمع: (سُنَّة)، وهي سُنَّة الله عز وجل في [إهلاكِ الأُمَمِ الضالَّةِ] [33]. وهذا تفسير الآية من غير إضمار.
وقال [34] ابن عباس -في رواية عطاء- [35]: قد خلت سُنَنٌ مِن قبلِكُم؛ يريد: شرائعُ.
قال ابن الأنباري [36]: يعني: شرائع مذمومة؛ لأن باقي الآية يدل على ذَمِّها، وإنَّ المُعَاقَبِينَ بالتكذيب كانوا مُسْتَعْمِلِينَ لها، وجارِينَ [37] على منهاجها، فأقامَ المذكورَ في آخرِ الآيةِ، مقامَ النَّعْتِ لها.
وتلخيص الآية: قد خَلَت مِن قبلكم طرائقُ سَلَكها [38] قومٌ، فأهْلِكُوا بِمَعاصيهم وخِلافِهم على أنبيائهم.
وقالَ أبو إسحاق [39]: معنى الآية: قد خَلَت [مِن قَبْلِكم] [40] أهلُ سُنَنٍ، وأصحاب سُنَن في الشَّرِّ، [فحذف المضاف] [41]، ولم يذكر (في الشَّرِّ) [42]؛ لأن في الآية دليلًا عليه، فهو [43] إهلاك من اتَّبَعَها.
و (العاقبة): آخر الأمر [44]. يقال: (عَقَبَهُ، يَعْقُبُهُ، عَقْبًا، وعُقُوبًا)، وعاقَبَهُ: إذا [45] جاءَ بعده [46]. فالعاقب [47]: الذي يَخْلُف مَن كان قَبْلَهُ [48].
ومنه قيل للنبي ﷺ: (العاقب) [49].
ـــــــــــــــــــ
[1] (أصل): ساقطة من (ج).
[2] في (ج): (الخال).
[3] في كتاب "العين": (والخَلِيَّة: الناقة التي خلت من ولدها، ورَعَت ولدَ غيرها. ويقال: هي التي ليس معها ولد) 4/ 308 (خلو). وذكر الأزهري أنها التي ينحر ولدها عمدًا؛ ليدوم لبَنُها، فتُستَدَرَّ بِخُوارِ غيرها، أو التي يُجَرُّ ولدُها مِن تحتها، ويُجعَل تحت أخرى، وتُخلى هي للحلب. انظر: "التهذيب" 1/ 1074 (خلو). وانظر المعاني السابقة لـ (خلو) في المصدر السابق 1/ 1074، و"المقاييس" 2/ 204.
[4] انظر: (خلو) في "التهذيب" 1/ 1074، و"مفردات ألفاظ القرآن" 297.
[5] انظر: "تفسير الطبري" 4/ 99.
[6] من قوله: (والسنة ..) إلى (.. قويما): نقله بنصه عن "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن). وانظر: "الزاهر" 2/ 352، و"اللسان" 4/ 2125 (سنن).
[7] قال ابن الأنباري في: "الزاهر" 2/ 352: (وهي مأخوذة من: (السَّنَن)، وهو: الطريق. يقال: (خذ على سَنَنِ الطريق، وسُننَهِ، وسُنُنه) .. أي: وسطه وجادته). وقال: (ثم تستعمل السن في كل شيء يراد به القصد).
[8] من قوله: (والسنة ..) على نهاية بيت الشعر (.. وإمامها): نقله -بتصرف يسير- عن: "تفسير الطبري" 4/ 100.
[9] ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"تفسير الطبري" 4/ 100.
[10] في "تفسير الطبري" اتبع عليه.
[11] في (أ): (آبائهم)، وفي (ب): (آبائهم). والمثبت من (ج)، ومن مصادر البيت.
[12] البيت في: ديوانه: 320، وورد منسوبًا له في: "تفسير الطبري" 4/ 100، و"جمهرة أشعار العرب" (137)، و"الزاهر" 2/ 352، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 593، و"تهذيب اللغة" 1/ 206، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني 251، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 173، و"اللسان" 1/ 134 (أمم)، و"الدر المصون" 3/ 399. والبيت من معلقته. وقد تقدم هذا البيت أبياتٌ يذكر فيها قومه، ويذكر أنَّ مِن قومه مَن لهم فضائل متعددة، ومكارم وجلائل من الأعمال متنوعة. وفي هذا البيت يقول: إن هؤلاء الذين ذكرتهم وأشرت إليهم هم من معشر فيهم هذه العادات والفضائل سنة قديمة متَّبعة، سنَّها لهم آباؤهم فتوارثوا عنهم، ولكل قوم سنة، وإمامها؛ أي: مِثَال يُحتَذى ويُسَارُ على طريقته.
[13] قال ابن السكيت: (وكل صبٍّ سهل، فهو: سَنّ). "إصلاح المنطق": 378. وانظر هذا المعنى في: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي:270، و"تهذيب اللغة" 2/ 1777 (سنن)، و"غريب الحديث" للخطابي 1/ 438 - 439، و"مجالس ثعلب" 2/ 352، و"الصحاح" 2141 (سنن)، و"المقاييس" 3/ 60، و"اللسان": 4/ 2126 (سنن).
[14] في (ب): مطرد.
[15] في (ج): وكل.
[16] البيت في: "شرح ديوانه" ص187، ورد منسوبا له في: "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن)، و"مقاييس اللغة" 5/ 77 (قرن)، و"الدر المصون" 3/ 440، و"اللسان" 4/ 2522 (صوح)، 4/ 2125 (سنن)، 6/ 3609 (قرن). ورد في كل المصادر السابقة: (نُعَوِّدُها) -بالنون-. وورد الشطر الأول في الديوان، و"اللسان" 6/ 3609 (قرن): (تُضَمَّر بالأصائل كل يوم ..). وورد في الديوان و"اللسان" (تُسَنُّ) -بالتاء-. الطِّرَاد: هو عَدْوُ الخيل، وتتابعها. انظر: "اللسان" 5/ 2653 (طرد). السَّنابِك: جمع: سُنْبُك، وهو: طرف الحافر في الفرس. انظر: "كتاب الفرق" لابن فارس 63، و"القاموس" 944. والقُرُون: جمع: قَرْن، وهو: الدُّفْعَة من العَرَق. وقال أبو عمرو الشيباني: (القرن: العرق). كتاب الجيم، له: 70. وانظر: "اللسان" 6/ 3609 (قرن). يقول: إننا نعوِّدها الجري في كل يوم، حتى يسيل عرقها، ويصل إلى سنابكها؛ مبتغين بذلك أن تكون ضامرة، خفيفة الجسم.
[17] في (أ)، (ب)، (ج): رسمت الدالُ فيها قريبًا من الراء. والمثبت من كتب اللغة وهو الصواب. والدُّفَع: جمع: دُفْعَة. وهي: الدَّفْقَة المنصبة بمرَّة انظر: "القاموس" 715 (دفع).
[18] (أ)، (ب): (وهي)، والمثبت من (ج). وهو الصواب؛ لأن الضمير يعود على الماء المسنون.
[19] في أ: قد تُقرأ: (الغَرْفة) -لقرب رسم الفتحة كالضمة-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وما أثبته هو الصواب؛ لأن (الغَرْفة) لا دليل فيها على ما أراد المؤلف. أما (الغُرْفَة) فهي من: (غَرَفَ الماء يَغرِفُه، وَيغرُفه). و (اغترَفَهُ): أخذه بيده. واسم المَرَّة منه: (غَرْفَة). و (الغِرْفة) -بكسر الغين-: هيئة الغَرْفِ. و (الغُرفَة) بضم "العين": بمعنى: المغروف. وهي المراد بالتمثيل هنا. انظر: "القاموس" (841) (غرف).
[20] انظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1776، و"اللسان" 4/ 2123.
[21] في (ج): (والفعل).
[22] قال ابن السكيت: (ويقال: (سَنَّ الإبل، يَسُنُّها، سَنًّا): إذا أحسن رِعْيَتها، حتَّى كأنه صَقَلَها). "إصلاح المنطق" 54. وانظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1777، و"الصحاح" 2139، و"اللسان" 4/ 2123.
[23] انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 303، و"تفسير الطبري" 4/ 99، 100، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 768، و"بحر العلوم" 1/ 300، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب.
[24] في (ج): (في من).
[25] ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).
[26] في (ج): فهم.
[27] ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (احزا من). والمثبت من (ج).
[28] ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
[29] في (أ): (يرون)، والمثبت من (ب)، (ج).
[30] المَثُلات، والمُثُلات: جمع: مَثُلَة؛ وهي: النقمة والعقوبة التي تنزل بالإنسان، فيجعل مثالًا يرتدع به غيره. انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 760 (مثل)، و"تذكرة الأريب" لابن الجوزي 1/ 271، و"تحفة الأريب" لأبي حيان 284.
[31] في (ج): (مهلكهم).
[32] ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
[33] ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
[34] في (ج): (قال) بدون واو.
[35] أورد هذا القول الثعلبي في: "تفسيره" 3/ 121 ب، وعزاه لعطاء دون ابن عباس. وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 465.
[36] لم أقف على مصدر قوله.
[37] في (أ): (وجازين). وفي (ب): (وجازبن). والمثبت من (ج).
[38] في (ب): (سنها).
[39] في: "معاني القرآن" له 1/ 470. نقله عنه بمعناه.
[40] ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
[41] ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
[42] في "معاني القرآن" (وقول الناس: فلان على السنة؛ معناه: على الطريقة، ولم يحتاجوا أن يقولوا على السنة المستقيمة؛ لأن في الكلام دليلًا على ذلك).
[43] في (ج): (وهو).
[44] انظر: "القاموس" ص 116 - 117 (عقب).
[45] في (ج): (وإذا).
[46] انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 147، و"اللسان" 5/ 3022 (عقب).
[47] في (ب): (كالعاقب). وفي (ج): (والعاقب).
[48] العاقب: الآخر، والذي هو دون السيد، وقيل: الذي يخلفه، وقيل: الذي يخلف من كان قبله في الخير، وهو -كذلك-: العَقُوب. انظر: (عقب) في: "اللسان" 5/ 3022، و"القاموس" ص 116.
[49] ورد ذلك في الحديث الذي رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: "إن لي أسماء: أنا محمد: وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". أخرجه: البخاري في "الصحيح" (3532). كتاب التفسير. سورة الصف (61). ومسلم في " الصحيح" رقم (2354) كتاب الفضائل. باب في أسمائه ﷺ، وفيه: "وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد"، وفي لفظ: "ليس بعده نبي". وأخرجه الترمذي في "السنن" (2840). كتاب الأدب باب ما جاء في أسماء النبي ﷺ. والدارمي في "السنن" (2817). وأحمد في "المسند" 4/ 81، 84 (وانظر: "الفتح الرباني" 2/ 187 - 188). وأخرجه عبد الرزاق في: "المصنف": 10/ 446 رقم 16957) وفيه: (قال معمر: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي). وأخرجه مالك في: "الموطأ" (انظر: "تنوير الحوالك" 3/ 162 - 163). وقال السيوطي عن عبارة (والعاقب: الذي ليس بعده نبي): (وهو مدرج من تفسير الزهري). "تنوير الحوالك" 3/ 163.
ويستعمل في الزمان، والقُرُون، بمعنى: المُضِيِّ، لأن ما مضى انفرد عمَّا يأتي بعده. فالأيَّام الماضية: التي انفردت بالمُضِيِّ عن غيرها، كذلك الأمَم الخالية [4].
والسُّنَنُ: جمع: سُنَّة [5]. والسُّنَّة [6]: الطريقة المستقيمة [7]. ويقال للخط الأسود على مَتْنِ الحِمَار: سُنَّة.
و (سَنَّ اللهُ سُنَّةً)؛ أي: بَيَّنَ طريقًا قويمًا. ويقال: (هذه سُنَّةْ اللهِ)؛ أي: أمْرُهُ ونَهْيُهُ وحُكْمُهُ. و (سُنَّةُ النبي ﷺ): طريقته.
والسُّنَّةُ [8]: المِثالُ المُتَّبَعُ، والإمام المُؤتَمُّ به. يقال: (سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، و [سَنَّ] [9] سُنَّةً سيِّئَةً): إذا عمل عملًا اقتُدِيَ به [10]، مِن خيْرٍ أو شَرٍّ.
قال لَبِيد:
مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّت لهمْ آباؤُهُمْ [11] ... ولِكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمَامُها [12]
واختلفوا في اشتقاق (السُّنَّةِ):
فقال بعضهم: هي (فُعْلَة)، من: (سَنَّ الماءَ، يَسُنُّهُ): إذا والَى صَبَّهُ. والسَّنُّ: صَبُّ الماءِ، والعَرَقِ، وغيره [13]. قال زُهَيْر: تعودها الطرادَ [14] فَكلَّ [15] يومٍ ... يُسَنُّ على سَنَابِكِها قُرُونُ [16]
أي: يُصَبُّ عليها دُفَعٌ [17] من العَرَقِ. يريد: أنهم يُضَمِّرُونها.
شُبِّهَ فِعْلُ النبي ﷺ، الذي كان يأتيه مَرَّةً بعد أخرى، بالماءِ المَسْنُون؛ وهو [18]: المصبوب صَبًّا مُتَوَالِيًا. فهي (فُعْلَة) بمعنى: (مفعول)، كـ (الغُرْفَة) [19] من الماء وأشباهها. فَمَا رَسَمَهُ النبي ﷺ: (سُنَّة)، و (مسنون).
ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنَانَ، أسُنُّهُ سَنًّا)، فهو (مَسْنُون): إذا أحْدَدْتُهُ على المِسَنِّ [20]. فالفعل [21] الذي كان تهذيبُه منسوبًا إليه، سُمِّيَ (سُنَّة)؛ على معنى: أنه (مَسْنُون).
ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَّ الإِبِلَ): إذا أحْسَنَ رِعْيَتَها [22]. فالفعل الذي كان النبي ﷺ يتولَّى رِعايَتَه وإدامَتَه مِن العبادات سُمِّيَ: (سُنَّةً ومسنونًا)؛ ذهابًا إلى أنَّه كان يَتَوَفَّرُ عليها بإقامةِ شروطِها، تَوَفُّرَ الرَّاعِي على الإِبِلِ بإِحْسانِ رَعْيَها. هذا كلامُ أهلِ اللغة في (السُّنَةِ).
فأما معنى الآية وتفسيرها؛ فقال أكثر المفسِّرين [23]:
معنى الآية: قد مضت منِّي-فيمن [24] [قد] [25] كان قبلكم، من الأمم الماضية المكذِّبَةِ الكافرة-، سُنَنٌ؛ بإمهالي واستدراجي إيَّاهم، حَتَّى يبلغَ الكتابُ فيهم أجَلِي الذي أجلته، في إهلاكهم واستئصالهم، وبَقِيَت لهم آثارٌ في الدنيا، فيها [26] أعظمُ الاتِّعاظِ والاعتبار، فَسِيرُوا في الأرض فانظروا كيف كان [آخِرُ أمْرِ] [27] المكذِّبِين منهم.
والمعنى: أنكم إذا سِرْتُم في أسفاركم، عرفتم أخبارَ قومٍ أُهْلِكُوا؛ بتكذيبهم، ورأيتم مصارِعَهم، وما بقي بعدَهم مِن آثارِ مساكنهم، التي [خربت] [28]، فاعتبرتم، وكنتم على حَذَرٍ بما تَرَون [29] في غيرِكم مِن المَثُلاتِ [30] التي نزلت بهم على قبيحِ فِعْلِهم. وهذا في يوم أُحُد، يقول الله: فأنا أمهلهم [31] [حتى يبلغ أجلي الذي] [32] أجَّلْتُ في نُصْرَةِ النبي وأوليائِه، وهلاكِ أعدائِهِ.
فـ (السُّنَنُ) -على هذا- جمع: (سُنَّة)، وهي سُنَّة الله عز وجل في [إهلاكِ الأُمَمِ الضالَّةِ] [33]. وهذا تفسير الآية من غير إضمار.
وقال [34] ابن عباس -في رواية عطاء- [35]: قد خلت سُنَنٌ مِن قبلِكُم؛ يريد: شرائعُ.
قال ابن الأنباري [36]: يعني: شرائع مذمومة؛ لأن باقي الآية يدل على ذَمِّها، وإنَّ المُعَاقَبِينَ بالتكذيب كانوا مُسْتَعْمِلِينَ لها، وجارِينَ [37] على منهاجها، فأقامَ المذكورَ في آخرِ الآيةِ، مقامَ النَّعْتِ لها.
وتلخيص الآية: قد خَلَت مِن قبلكم طرائقُ سَلَكها [38] قومٌ، فأهْلِكُوا بِمَعاصيهم وخِلافِهم على أنبيائهم.
وقالَ أبو إسحاق [39]: معنى الآية: قد خَلَت [مِن قَبْلِكم] [40] أهلُ سُنَنٍ، وأصحاب سُنَن في الشَّرِّ، [فحذف المضاف] [41]، ولم يذكر (في الشَّرِّ) [42]؛ لأن في الآية دليلًا عليه، فهو [43] إهلاك من اتَّبَعَها.
و (العاقبة): آخر الأمر [44]. يقال: (عَقَبَهُ، يَعْقُبُهُ، عَقْبًا، وعُقُوبًا)، وعاقَبَهُ: إذا [45] جاءَ بعده [46]. فالعاقب [47]: الذي يَخْلُف مَن كان قَبْلَهُ [48].
ومنه قيل للنبي ﷺ: (العاقب) [49].
ـــــــــــــــــــ
[1] (أصل): ساقطة من (ج).
[2] في (ج): (الخال).
[3] في كتاب "العين": (والخَلِيَّة: الناقة التي خلت من ولدها، ورَعَت ولدَ غيرها. ويقال: هي التي ليس معها ولد) 4/ 308 (خلو). وذكر الأزهري أنها التي ينحر ولدها عمدًا؛ ليدوم لبَنُها، فتُستَدَرَّ بِخُوارِ غيرها، أو التي يُجَرُّ ولدُها مِن تحتها، ويُجعَل تحت أخرى، وتُخلى هي للحلب. انظر: "التهذيب" 1/ 1074 (خلو). وانظر المعاني السابقة لـ (خلو) في المصدر السابق 1/ 1074، و"المقاييس" 2/ 204.
[4] انظر: (خلو) في "التهذيب" 1/ 1074، و"مفردات ألفاظ القرآن" 297.
[5] انظر: "تفسير الطبري" 4/ 99.
[6] من قوله: (والسنة ..) إلى (.. قويما): نقله بنصه عن "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن). وانظر: "الزاهر" 2/ 352، و"اللسان" 4/ 2125 (سنن).
[7] قال ابن الأنباري في: "الزاهر" 2/ 352: (وهي مأخوذة من: (السَّنَن)، وهو: الطريق. يقال: (خذ على سَنَنِ الطريق، وسُننَهِ، وسُنُنه) .. أي: وسطه وجادته). وقال: (ثم تستعمل السن في كل شيء يراد به القصد).
[8] من قوله: (والسنة ..) على نهاية بيت الشعر (.. وإمامها): نقله -بتصرف يسير- عن: "تفسير الطبري" 4/ 100.
[9] ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"تفسير الطبري" 4/ 100.
[10] في "تفسير الطبري" اتبع عليه.
[11] في (أ): (آبائهم)، وفي (ب): (آبائهم). والمثبت من (ج)، ومن مصادر البيت.
[12] البيت في: ديوانه: 320، وورد منسوبًا له في: "تفسير الطبري" 4/ 100، و"جمهرة أشعار العرب" (137)، و"الزاهر" 2/ 352، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 593، و"تهذيب اللغة" 1/ 206، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني 251، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 173، و"اللسان" 1/ 134 (أمم)، و"الدر المصون" 3/ 399. والبيت من معلقته. وقد تقدم هذا البيت أبياتٌ يذكر فيها قومه، ويذكر أنَّ مِن قومه مَن لهم فضائل متعددة، ومكارم وجلائل من الأعمال متنوعة. وفي هذا البيت يقول: إن هؤلاء الذين ذكرتهم وأشرت إليهم هم من معشر فيهم هذه العادات والفضائل سنة قديمة متَّبعة، سنَّها لهم آباؤهم فتوارثوا عنهم، ولكل قوم سنة، وإمامها؛ أي: مِثَال يُحتَذى ويُسَارُ على طريقته.
[13] قال ابن السكيت: (وكل صبٍّ سهل، فهو: سَنّ). "إصلاح المنطق": 378. وانظر هذا المعنى في: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي:270، و"تهذيب اللغة" 2/ 1777 (سنن)، و"غريب الحديث" للخطابي 1/ 438 - 439، و"مجالس ثعلب" 2/ 352، و"الصحاح" 2141 (سنن)، و"المقاييس" 3/ 60، و"اللسان": 4/ 2126 (سنن).
[14] في (ب): مطرد.
[15] في (ج): وكل.
[16] البيت في: "شرح ديوانه" ص187، ورد منسوبا له في: "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن)، و"مقاييس اللغة" 5/ 77 (قرن)، و"الدر المصون" 3/ 440، و"اللسان" 4/ 2522 (صوح)، 4/ 2125 (سنن)، 6/ 3609 (قرن). ورد في كل المصادر السابقة: (نُعَوِّدُها) -بالنون-. وورد الشطر الأول في الديوان، و"اللسان" 6/ 3609 (قرن): (تُضَمَّر بالأصائل كل يوم ..). وورد في الديوان و"اللسان" (تُسَنُّ) -بالتاء-. الطِّرَاد: هو عَدْوُ الخيل، وتتابعها. انظر: "اللسان" 5/ 2653 (طرد). السَّنابِك: جمع: سُنْبُك، وهو: طرف الحافر في الفرس. انظر: "كتاب الفرق" لابن فارس 63، و"القاموس" 944. والقُرُون: جمع: قَرْن، وهو: الدُّفْعَة من العَرَق. وقال أبو عمرو الشيباني: (القرن: العرق). كتاب الجيم، له: 70. وانظر: "اللسان" 6/ 3609 (قرن). يقول: إننا نعوِّدها الجري في كل يوم، حتى يسيل عرقها، ويصل إلى سنابكها؛ مبتغين بذلك أن تكون ضامرة، خفيفة الجسم.
[17] في (أ)، (ب)، (ج): رسمت الدالُ فيها قريبًا من الراء. والمثبت من كتب اللغة وهو الصواب. والدُّفَع: جمع: دُفْعَة. وهي: الدَّفْقَة المنصبة بمرَّة انظر: "القاموس" 715 (دفع).
[18] (أ)، (ب): (وهي)، والمثبت من (ج). وهو الصواب؛ لأن الضمير يعود على الماء المسنون.
[19] في أ: قد تُقرأ: (الغَرْفة) -لقرب رسم الفتحة كالضمة-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وما أثبته هو الصواب؛ لأن (الغَرْفة) لا دليل فيها على ما أراد المؤلف. أما (الغُرْفَة) فهي من: (غَرَفَ الماء يَغرِفُه، وَيغرُفه). و (اغترَفَهُ): أخذه بيده. واسم المَرَّة منه: (غَرْفَة). و (الغِرْفة) -بكسر الغين-: هيئة الغَرْفِ. و (الغُرفَة) بضم "العين": بمعنى: المغروف. وهي المراد بالتمثيل هنا. انظر: "القاموس" (841) (غرف).
[20] انظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1776، و"اللسان" 4/ 2123.
[21] في (ج): (والفعل).
[22] قال ابن السكيت: (ويقال: (سَنَّ الإبل، يَسُنُّها، سَنًّا): إذا أحسن رِعْيَتها، حتَّى كأنه صَقَلَها). "إصلاح المنطق" 54. وانظر: (سنن) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1777، و"الصحاح" 2139، و"اللسان" 4/ 2123.
[23] انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 303، و"تفسير الطبري" 4/ 99، 100، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 768، و"بحر العلوم" 1/ 300، و"تفسير الثعلبي" 3/ 121 ب.
[24] في (ج): (في من).
[25] ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).
[26] في (ج): فهم.
[27] ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (احزا من). والمثبت من (ج).
[28] ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
[29] في (أ): (يرون)، والمثبت من (ب)، (ج).
[30] المَثُلات، والمُثُلات: جمع: مَثُلَة؛ وهي: النقمة والعقوبة التي تنزل بالإنسان، فيجعل مثالًا يرتدع به غيره. انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 760 (مثل)، و"تذكرة الأريب" لابن الجوزي 1/ 271، و"تحفة الأريب" لأبي حيان 284.
[31] في (ج): (مهلكهم).
[32] ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
[33] ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
[34] في (ج): (قال) بدون واو.
[35] أورد هذا القول الثعلبي في: "تفسيره" 3/ 121 ب، وعزاه لعطاء دون ابن عباس. وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 465.
[36] لم أقف على مصدر قوله.
[37] في (أ): (وجازين). وفي (ب): (وجازبن). والمثبت من (ج).
[38] في (ب): (سنها).
[39] في: "معاني القرآن" له 1/ 470. نقله عنه بمعناه.
[40] ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
[41] ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).
[42] في "معاني القرآن" (وقول الناس: فلان على السنة؛ معناه: على الطريقة، ولم يحتاجوا أن يقولوا على السنة المستقيمة؛ لأن في الكلام دليلًا على ذلك).
[43] في (ج): (وهو).
[44] انظر: "القاموس" ص 116 - 117 (عقب).
[45] في (ج): (وإذا).
[46] انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 147، و"اللسان" 5/ 3022 (عقب).
[47] في (ب): (كالعاقب). وفي (ج): (والعاقب).
[48] العاقب: الآخر، والذي هو دون السيد، وقيل: الذي يخلفه، وقيل: الذي يخلف من كان قبله في الخير، وهو -كذلك-: العَقُوب. انظر: (عقب) في: "اللسان" 5/ 3022، و"القاموس" ص 116.
[49] ورد ذلك في الحديث الذي رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: "إن لي أسماء: أنا محمد: وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". أخرجه: البخاري في "الصحيح" (3532). كتاب التفسير. سورة الصف (61). ومسلم في " الصحيح" رقم (2354) كتاب الفضائل. باب في أسمائه ﷺ، وفيه: "وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد"، وفي لفظ: "ليس بعده نبي". وأخرجه الترمذي في "السنن" (2840). كتاب الأدب باب ما جاء في أسماء النبي ﷺ. والدارمي في "السنن" (2817). وأحمد في "المسند" 4/ 81، 84 (وانظر: "الفتح الرباني" 2/ 187 - 188). وأخرجه عبد الرزاق في: "المصنف": 10/ 446 رقم 16957) وفيه: (قال معمر: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبي). وأخرجه مالك في: "الموطأ" (انظر: "تنوير الحوالك" 3/ 162 - 163). وقال السيوطي عن عبارة (والعاقب: الذي ليس بعده نبي): (وهو مدرج من تفسير الزهري). "تنوير الحوالك" 3/ 163.