أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ 246 وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ 247 وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 248

تفسير سورة البقرة - الآية 248

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةࣱ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةࣰ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 248

تفسير المفردات
الآية: العلامة، والتابوت: صندوق وضعت فيه التوراة، أخذه العمالقة ثم ردّ إلى بنى إسرائيل وفي سفر تثنية الاشتراع: أن موسى لما أكمل كتابة هذه التوراة أمر اللاويين حاملى تابوت عهد الرب قائلا: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون شاهدا عليكم.
ثم كانت حرب بين الفلسطينيين وبنى إسرائيل على عهد عالى الكاهن انتصر فيها الفلسطينيون، وأخذوا التابوت من بنى إسرائيل ونكلّوا بهم تنكيلا، فمات عالى كمدا، وكان صموئيل أو شمويل قاضيا لبنى إسرائيل من بعده وهو نبيهم الذي طلبوا منه أن يبعث لهم ملكا ففعل، وجعل رجوع التابوت إليهم آية لملك طالوت الذي أقامه لهم، والسكينة: ما تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب، وتحمله: أي تحرسه وقد جرت عادتهم بأن من يحفظ شيئا في الطريق ويحرسه يقال إنه حمله، وإن كان الحامل غيره، وفصل بالجنود: أي فصل عن بلده مصاحبا لهم لقتال العمالقة، والجنود:
واحدهم جندى وهم العسكر وكل صنف من الخلق كما جاء في الحديث «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها: ائتلف، وما تناكر منها اختلف» والابتلاء: الاختبار والامتحان، والنهر (بسكون الهاء وفتحها) كان بين فلسطين والأردن، والشرب:
تناول الماء بالفم من موضعه وابتلاعه دون أن يشرب بكفين ولا إناء، وطعم الشيء: أي ذاقه مأكولا كان أو مشروبا، والغرفة (بالضم) المقدار الذي يحصل في الكف بالاغتراف، والغرف: أخذ الماء بالكف ونحوه، والطاقة: أدني درجات القوة، وجالوت: أشهر أبطال الفلسطينيين أعدائهم، والفئة: الجماعة من الناس قليلا كان عددهم أو كثيرا، والبراز (بالفتح) الأرض المستوية الفضاء، والإفراغ: إخلاء الإناء مما فيه بصبه، وثبات القدم: كمال القوة وعدم التزلزل عند المقاومة، وداود: هو داود ابن يسّى وكان راعى غنم وله سبعة إخوة هو أصغرهم، والحكمة: النبوة وعليه نزل الزبور كما قال: «وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» وتعليمه مما يشاء هو صنعة الدروع كما قال: «وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ» ومعرفة منطق الطير كما قال: «عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ» وفصل الخصومات لقوله: «وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ».
المعنى الجملي
فى هذه الآيات تفصيل لما جرى بين النبي وقومه من الأقوال والأفعال، إثر الإشارة الجملية يبين مصير حالهم.
الإيضاح
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ﴾ أي وقال لهم نبيهم: إن من علامة عناية الله بطالوت عود التابوت إليكم، وفيه ما تطمئن به قلوبكم (وقد كان له عندهم شأن دينى خاص) وفيه بقية من رضاضة الألواح (فتاتها) وعصا موسى وثيابه وشىء من التوراة وأشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهرون، وقد أضيف إلى آل موسى وآل هرون، لأنه قد تناولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت.
وفي صدور هذا القول من النبي دليل على أن بنى إسرائيل لم يقنعوا بما احتج به عليهم من استحقاق طالوت للملك للأسباب المتقدمة، ومن ثم جعل لهم علامة أخرى تدل على عناية ربه به.
وقد وصف التابوت في كتب بنى إسرائيل بأوصاف هى غاية في الغرابة في كيفية صنعه وجمال منظره، وما تحلّى به من الذهب ودخل في تركيبه من الخشب الثمينة.
والسبب في صنعه أن المصريين الوثنيين استعبدوا الإسرائيليين دهرا طويلا، فملكت قلوب بنى إسرائيل عظمة الهياكل الوثنية، وما فيها من الزينة وجمال الصنعة، فأراد الله أن يشغل قلوبهم عنها بمحسوسات من جنسها تنسب إليه وتذكّر به وقد سمى التابوت أولا تابوت الشهادة: أي شهادة الله سبحانه، ثم تابوت الربّ، وتابوت الله.
وقد جاء الإسلام بمنع الزخارف والزينة في المساجد وبيوت العبادة، حتى لا بشغل المصلى شىء منها عن مناجاة ربه.
ولكن وا أسفا قلّد المسلمون أرباب الملل الأخرى في الزّخرف والنقش في المساجد والمنابر، وأقيمت الأضرحة، ولبس رجال الدين مثل لباسهم، بل سبقوهم في كثير من ذلك، فأصبحت المساجد كأنها هياكل ومعابد للوثنيين، ونسوا أو تناسو الحكمة التي لأجلها امتنع المسلمون في الصدر الأول عن تجميلها، وفرشها بالطنافس وعمل الحلي فيها، وصدق فيهم ما جاء في الأثر: «لتتّبعنّ سنن من قبلكم باعا فباعا حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه».
﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قيل إن البقرتين اللتين حملتا التابوت وجرّتا العجلة (العربية) من بعض بلاد فلسطين إلى بنى إسرائيل كانتا تسيران مسخّرتين بإلهام الملائكة وحراستهم، ولم يكن لهما قائد ولا سائق.
وقد جرت العادة بأن ما يحدث بإلهام ولا كسب فيه للبشر وهو من الخير يسند إلى إلهام الملائكة.
وقالوا في سبب إتيان التابوت: إن أهل فلسطين ابتلوا بعد أخذ التابوت بالفيران فى زرعهم، والبواسير في أنفسهم فتشاءموا منه، وظنوا أن إله إسرائيل انتقم منهم، فأعادوه على عجلة تجرها بقرتان، ووضعوا فيه صور فيران وصور بواسير من الذهب، جعلوا ذلك كفارة لذنبهم.
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي إن في مجيء التابوت علامة على عناية الله بكم، واصطفائه لكم هذا الملك الذي ينهض بشئونكم، وينكل بعدوكم، فعليكم أن ترضوا بملكه، ولا تتفرقوا عنه، بل عاونوه يرق بكم إلى مراقى السعادة والفلاح.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي فلما خرج طالوت من البلد يصحبه هؤلاء الجند قال لهم هذه المقالة.
وقد روى أنهم لما رأوا التابوت لم يشكّوا في النصر، فسارعوا إلى الجهاد، فقال لهم طالوت: لا يخرج معى شيخ ولا مريض، ولا رجل بنى بناء ولم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة مشتغل بها، ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوج امرأة لم يبن بها، ولا أبتغى إلا الشاب النشيط الفارغ، فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفا، وكان الوقت قيظا (شديد الحر) وسلكوا مفازة فشكوا قلة الماء، وسألوا الله أن يجرى لهم نهرا، فقال لهم: إن الله سيختبر حالكم ويعلم المطيع منكم من العاصي، والراضي من الساخط، وستقابلون نهرا فمن شرب منه فليس من أشياعى المؤمنين، إلا أن يكون ما يتناوله قليلا وهو غرفة تؤخذ باليد، ومن لم يذقه فهو الذي يوثق به ويركن إليه عند الشدائد.
وحكمة هذا الابتلاء أن يختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال وثباته حين النزال، ويبعد من يظهر عصيانه، ويخشى في الوغى خذلانه، فطاعة الجيش لقائده من أهم أسباب الظفر، وأحوج القواد إلى ذلك من ولّى على قوم وهم له كارهون.
والخلاصة- أن مراتب الاختبار ثلاث:
من يشرب فيروى ولا يبالى بمخالفة الأمر، وهذا يتبرّأ منه.
من يأخذ بيده غرفة يبلّ بها ريقه، وهو مقبول على ما به من نقص في الجملة.
من لا يذوق الماء أبدا، وهذا هو المولى والنصير الذي يوثق باتحاده ويعوّل على جهاده.
﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ لأنهم كانوا قد اعتادوا العصيان وفسد بأسهم وتزلزل إيمانهم، ولم يبق فيهم من أهل الإيمان والغيرة على الدين إلا النفر القليل.
والقليل من ذوى العزائم الصادقة والنفوس التي أشربت حب الإيمان وامتلأت غيرة عليه- يفعل ما لا يفعله الكثير من ذوى الأهواء المختلفة، والنزعات المتضاربة «تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى».
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي فلما تخطى طالوت النهر هو ومن آمن معه وهم القليل الذين أطاعوه، ولم يخالفوه فيما ندبهم إليه، قال بعض ممن آمن معه من المؤمنين لبعض آخر منهم، وهم الذين يظنون أنهم ملاقو الله، لا قدرة لنا على محاربة جالوت وجنوده، فضلا عن أن يكون لنا الغلب عليهم، لما شاهدوا من كثرتهم وقوتهم، فردّ عليهم الفريق الثاني لوثوقه بنصر الله وقوة أهل الحق على قلتهم، وخذلان أهل الباطل على كثرتهم، كما حكى الله عنهم.
﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي قال الذين يستيقنون بلقاء ربهم بالبعث، ويتوقعون ما عنده من الجزاء والثواب:
كثيرا ما رأينا الجماعات القليلة غلبت الجماعات الكثيرة حين يكتب الله لهم الترفيق بمشبئته وقدرته، والله لا يذلّ من نصره وإن قلّ عدده، ولا يعزّ من خذله وإن كثرت آلاته وعدده وهذا دليل منهم على ثقتهم بنصر الله وتوفيقه.
﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فهو ينصرهم على عدوهم، ويثبتهم عند لقائه، وفي هذا حضّ على الصبر المؤدى إلى الغلبة، والثقة بالله عند الشدائد، ومدلهمات الحوادث، والرجوع إليه إذا فدح الخطب، وعظم الأمر، فهو القادر على النصر والتأييد لمن أخلص له من عباده.
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي ولما ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين لأعدائه الفلسطينيين جالوت وجنوده، وشاهدوا ما هم عليه من كثرة العدد والعدد لجئوا جميعا إلى الله يدعونه أن يفرغ على قلوبهم الصبر، ويثبت أقدامهم في القتال، ويملأ نفوسهم ثقة واطمئنانا، وينصرهم على أولئك القوم الكافرين عبدة الأوثان الذين أشربوا حبّ الدنيا وامتلأت قلوبهم بالترهات والأباطيل.
ولقد راعوا الترتيب الطبيعي في الدعاء بحسب الأسباب الغالبة، إذ الصبر سبب الثبات، والثبات سبب النصر، وأولى الناس بنصر الله المؤمنون.
﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي فاستجاب الله دعاءهم، فصبروا وثبتوا ونصروا فهزموهم وانتهى أمرهم بالهرب من المعركة وفاقا لسنته تعالى في نصر أهل الحق المؤمنين الصابرين على أهل الباطل الضالين.
﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ﴾ كان جالوت جبار الفلسطينيين طلب البراز فلم يجرؤ أحد من بنى إسرائيل على مبارزته، حتى جعل طالوت مكافأة لمن يقتله أن يزوجه ابنته ويحكّمه في ملكه، فبرز له داود وكان صغير السن ولم يليس درعا ولم يحمل سلاحا، بل حمل حجارته ومقلاعه الذي كان من عادته أن يقاتل به الذئب والأسد، فسخر منه جالوت وقال: ما خرجت إلا كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة، لأبدّدن لحمك، ولأطعمنّه اليوم للطير والسباع، فرماه داود بمقلاعه، فأصاب الحجر رأسه فصرعه، ودنا منه فاحتزّ رأسه، وجاء به فألقاه بين يدى طالوت، وانهزم من كان معه، وشهر داود بين الناس، وكان له من الصيت والسمعة ما ورث به ملك بنى إسرائيل، وآتاه الله النبوّة وأنزل عليه الزبور وعلّمه صنعة الدروع، ومعرفة منطق الطير، وعلوم الدين وفصل الخصومات كما قال تعالى: «وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ» ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله إذ كان من أحوالهم أن يبعث الله إليهم نبيا ويملّك عليهم ملكا يأتمر بأمر ذلك النبي، وكان نبىّ هذا العصر شمويل والملك طالوت، فلما توفّيا صار له الملك والنبوة.
ثم بين سبحانه الحكمة في الأمر بالقتال الذي استفيد من الآيات السالفة فقال:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي ولولا دفع الله أهل البغي والجور والشرور والآثام بأهل الإصلاح والخير، لغلب أهل الفساد وبغوا على الصالحين، وأوقعوا بهم وصار لهم السلطان فى الأرض.
فكان من رحمة الله لعباده وفضله عليهم، أن أذن للمصلحين بقتال البغاة المفسدين وهو سبحانه جعل أهل الحق حربا لأهل الباطل، وهو ناصرهم ما نصروه وأصلحوا فى الأرض.
وقد نسب عز اسمه الدفع إلى نفسه، لأنه سنة من سننه في المجتمع البشرى، وعليه بنى نظام هذا العالم حتى يرث الله الأرض ومن عليها ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي هذه القصص السالفة من حديث الألوف الذين خرجوا من ديارهم، وتمليك طالوت، وإتيان التابوت، وانهزام الجبابرة، وقتل داود جالوت- آيات الله نقصها عليك على وجه لا يشك فيه أهل الكتاب، إذ هم يجدونه مطابقا لما جاء في كتبهم الدينية والتاريخية فأنت من المرسلين لما دلت عليه هذه الآيات، ولو كنت قد تعلمتها لجئت بها على النهج الذي عند أهل الكتاب أو غيرهم من القصّاص، ولم تشاهد أزمنة وقوعها حتى تراها رأى العين، وقد أشار سبحانه إلى مثل هذه الحجة للدلالة على نبوّته صلى الله عليه وسلم فقال: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا، وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ»
العبرة بهذه القصص
إن الأمم إذا سيمت الخسف تتنبه أفكارها إلى دفع الضيم، فتعلم أن لا سبيل إلى ذلك إلا بانضوائها تحت لواء زعيم عادل باسل كما وقع من بنى إسرائيل حين نكل بهم أهل فلسطين.
إن أول من يشعر بالحاجة إلى ذلك هم خواصها وأشرافها كما حدث من الملأ من بنى إسرائيل، ثم تنتقل الفكرة من ذلك إلى عامتهم، حتى إذا وصلت إلى حيز العمل نكص ضعفاء العزائم على أعقابهم كما يدل عليه قوله: «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ».
إن من شأن الأمم الاختلاف في اختيار الملك، ومن ثم لجأ الملأ من بنى إسرائيل إلى نبيهم ليختار لهم ملكا، وقد جاء الإسلام وجعل المرجح اختيار أرباب المكانة في الأمة، وهم أهل الحل والعقد، وعون الحاكم وقوته، لاحترام الأمة لهم وثقتها بهم.
إن الأمم زمن الجهل ترى أن أحق الناس بالملك والزعامة هم أصحاب الجاه والثروة كما يدل على ذلك قول المنكرين لملك طالوت ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ مع أن الأجدر بهذا الاختيار أهل الشرف بمعارفهم وعلومهم وأخلاقهم الفاضلة، ونفوسهم الكريمة.
إن الأمم إذا رقيت في علومها ومعارفها وحضارتها اختارت ملوكها من سلائل الملوك والأمراء، وحافظت على قوانين الوراثة، ولم يشذ عن ذلك إلا أصحاب الحكومات الجمهورية التي تختار رئيسها بالانتخاب.
إن الظفر لا يتم للقائد إلا إذا أطاعه جنده في كل ما يأمر وينهى، وعلى هذا بنيت قوانين الجندية في العصر الحديث.
إن الفئة القليلة قد تغلب الفئة الكثيرة إذا صبرت وثبتت وأطاعت رؤساءها والتجارب والمشاهدة تدل على صدق هذا.
إن من سنن الله في خلقه دفع الناس بعضهم بعضا وهو المعبر عنه في العصر الحديث (بنظرية تنازع البقاء) ومن ثم قالوا إن الحرب طبيعية في البشر، إذ بها يبقى الأصلح والأمثل، وإلى هذا يشير سبحانه بقوله: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ» أي إن سنة الله أن يقذف زبد الباطل الضار بالمجتمع ويمحوه من الوجود، ويبقى إبليز الحق النافع الذي ينمو فيه عمران العالم، ويحفظ به الخلق من أعاصير الظلم والفساد، حتى يتغلب الخير على الشر، والحق على الباطل، ولا يزال هذا سنة الوجود ما بقي الإنسان على ظهر البسيطة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
ثمّ تصنيف هذا الجزء بمدينه حلوان من أرباض القاهرة في اليوم الثامن والعشرين من جمادى الأولى من سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية.
فهرس أهم المباحث العامة العامة التي في هذا الجزء
الصفحة المبحث 5 الحكمة في توحيد القبلة في الصلاة لجميع المسلمين.
6 شهادة المسلمين على الغلاة في الدين والمفرّطين فيه.
7 كان تحويل القبلة امتحانا لصدق الإيمان أو الريب فيه.
9 الحكمة في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
13 مقال عبد الله بن سلام لعمر بن الخطاب في اعتقاده أن محمدا نبى حقّا.
21 نعم الله قد تقرن بضروب من البلاء وألوان من المصايب.
22 من آثار الصلاة المتقبلة عند الله أنها تنهى عن ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
23 حياة الشهداء حياة غيبية لا ندرك كنهها.
24 ابتلاء الله لعباده المؤمنين بنقص الأموال والأنفس والثمرات.
25 الجزع المذموم هو ما يدعو صاحبه إلى فعل ما ينهى عنه الشرع ويمجه العقل.
27 الأحكام الشرعية شعائر ومعاملات.
28 سمى الله إحسانه إلى عباده شكرا تعويدا لهم الآداب السامية.
29 كتمان الحق ضربان فعلهما اليهود في التوراة.
30 من يرى حرمات الدين تنتهك، ثم لا ينتصر بيد ولا لسان، فقد استحق وعيد الله.
32 الشرك ضربان، شرك في الألوهية وشرك في الربوبية.
الصفحة المبحث 34 بعض ظواهر الكون التي ترشد إلى وحدانيته تعالى.
39 طلب المسببات من أسبابها لا يحظره الدين بل يطلبه.
42 من الأنداد من يتخذ شارعا يحلل ويحرم، ومنهم من يعتمد عليه في دفع الضر وجلب النفع.
45 أبعد الناس عن معرفة الحق هم المقلدون.
46 المقلدون للآباء والأجداد دون أن يفقهوا شيئا كالغنم تسخر لراعيها.
48 الدين الإسلامى وسط في أحكامه يعطى الروح حقه والجسد حقه.
49 ما حرم من الأطعمة وسبب تحريمه.
55 الإيمان بالنبيين يستدعى الاهتداء بهديهم والتأدب بآدابهم.
57 في بذل المال على الفقراء والمساكين مراعاة للتكافل العام بين المسلمين.
58 ما يسمونه بالحيل الشرعية لإبطال الزكاة جناية على الدين بهدم ركن من أركانه.
59 الصبر ألزم في مواطن.
61 عفو الولي عن القاتل أو أخذه الدية منه رخصة عظيمة في الدين.
61 القصاص بالعدل والمساواة هو الذي يربى الشعوب.
65 الوصية للوالدين والأقارب، والوصية للوارث.
66 تبديل الوصية بما فيه الخير للموصى لهم لا مانع منه.
68 فائدة الصوم وسر التشريع فيه 70 الصيام الآن لا يحقق حكمة الشارع فيه 71 الأعذار المبيحة للفطر 72 المؤمنون بالنسبة إلى الصوم أقسام ثلاثة.
73 التطوع في الفدية.
الصفحة المبحث 80 أكل الأموال بالباطل له ضروب وألوان.
84 العلوم التي نحتاج إليها في حياتنا أنواع.
85 شرع قتال المشركين خوف الفتنة في الدين وصدّ الدعوة إلى الحق.
93 الجهاد شامل للجهاد بالنفس والجهاد بالمال.
96 أول حجة حجها المسلمون.
97 الأعذار المبيحة للتحلل من الإحرام.
99 أشهر الحج، وفائدة التوقيت بها.
100 الحكمة في حظر الرفث والفسوق والجدال في الحج.
101 لا حظر في التجارة في الحج إذا لم تكن هى المقصودة.
103 قريش ومن دان دينهم كانوا يترافعون في الجاهلية أن يفيضوا مع الناس.
104 أمر الحجاج بذكر الله بعد قضاء المناسك، وترك التفاخر كما كانوا فى الجاهلية.
105 الناس في ذكر الله فريقان.
107 أمر الحاج بذكر الله في أيام معدودات.
110 المنافق يخدع الناس بضروب من الخدع.
115 بالعدل تحيا الأمم، وبالظلم تموت.
119 الاختلاف والتفرق بين الأمم.
122 الإنسان مدني بالطبع، والاختلاف بين أفراده في آرائهم ضربة لازب.
124 الدين يحث على الوحدة والائتلاف، فالاختلاف فيه بغى وعدوان.
126 الأمم لا تنال رضوان الله إلا بعد تمحيصها بضروب من الابتلاء.
130 أحق الناس بالإنفاق عليهم الوالدان والأقربون واليتامى والمساكين.
132 الحكمة في شرع الجهاد في سبيل الله.
الصفحة المبحث 135 الفتنة في الدين شر من القتل.
136 الردّة تحبط الأعمال في الدنيا والآخرة.
138 شرع تحريم الخمر على طريق التدرج لحكمة.
139 الخمر في لسان الشرع اسم لكل مسكر.
139 كيفية الميسر عند العرب.
140 مضار الخمر الصحية والعقلية والمالية، ومضارها في المجتمع 142 مضار الميسر.
145 الحث على صدقة التطوع.
146 التعاون بين الأفراد في النفس والمال ضرورى لرقى الأمم.
149 كل ما فيه صلاح لليتيم فهو خير له.
152 منع الدين التزوج بالمشركات، وأباح التزوج بالكتابيات.
157 الأضرار التي تنشأ من قربان الحائض.
158 حث الدين على الزواج.
161 كفارة اليمين.
164 عدة المطلقة المدخول بها.
167 رفع الدين المرأة إلى درجة لم يرفعها إليها دين سابق.
167 رياسة البيت والقيام بشئونه من حق الرجل.
169 لم يكن للطلاق في الجاهلية حد ولا عدد فأصلح ذلك الإسلام.
171 الحكمة في إثبات حق الرجعة.
174 لا تحل المطلقة ثلاثا لزوجها إلا إذا تزوجت غيره وضاجعها.
179 الرحمة والمودة بين الزوجين.
181 حكم العضل أي منع المرأة من الزواج.
الصفحة المبحث 185 إرضاع الولد واجب على الأم.
187 نفقة الولد واجبة على الأب.
190 عدة المتوفى عنها زوجها.
193 إصلاح الإسلام لعدة المتوفى عنها زوجها.
193 مدة الحداد الواجبة على الزوج.
194 حرمة المواعدة سرّا في عدة الوفاة.
197 الحكمة في وجوب المتعة أو ندبها للزوجة.
205 الأمر بالوصية للأزواج مدة المحول.
205 المطلقات أصناف أربعة.
207 تموت الأمم باحتمالها الضيم والذل.
209 إحياء الأمم يكون بنابتة من أبنائها تسترد المجد الضائع.
210 القتال في سبيل الله.
211 سمى الله إنفاق المال في سبيله قرضا حسنا.
212 الحسنة تضاعف إلى سبعمائة ضعف.
213 الرجوع إلى الله ضربان.
215 لا يعول إلا على قصص القرآن لا على ما جاء في التوراة والإنجيل.
217 عدم رضا بنى إسرائيل عن تعيين طالوت ملكا عليهم.
218 أسباب اختيار صموئيل له.
221 المسلمون قلدوا من قبلهم في الزخرفة والنقش في المساجد.
223 كيف اختبر طالوت جنوده؟
225 لولا دفع أهل البغي والجور بأهل الصلاح لفسدت الأرض 226 العبرة من قصص داود وجالوت.
الجزء الثّالث
تتمة سورة البقرة
تفسير المراغي تأليف صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير المرحوم أحمد مصطفى المراغي أستاذ الشريعة الإسلامية واللغة العربية بكلية دار العلوم سابقا الجزء الثّالث بسم الله الرّحمن الرّحيم
بداية سورة البقرة فهرس السور