وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى 11 ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ 12 ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ 13 قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ 14 وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ 15 بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا 16 وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ 17 إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ 18 صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ 19 سورة الغاشيةبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ 1 وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ 2 عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ 3 تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ 4 تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ 5 لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ 6 لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ 7 وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ 8 لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ 9 فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ 10 لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ 11 فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ 12 فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ 13 وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ 14 وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ 15 وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ 16 أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ 17 وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ 18 وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ 19 وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ 20 فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ 21 لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ 22

تفسير سورة الغاشية - الآية 8

وُجُوهࣱ يَوۡمَئِذࣲ نَّاعِمَةࣱ 8

شرح المفردات
ناعمة: أي ذات بهجة وحسن، عالية: أي فى المكان لأن الجنة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، واللاغية: اللغو والكذب والبهتان، عين جارية:
أي ينبوع ماء جار، والسرر: واحدها سرير وهو ما يجلس أو ينام عليه، وأفضله ما كان مرفوعا عن الأرض، والأكواب: واحدها كوب وهو ما لا عروة له من الكيزان، موضوعة: أي معدة ومهيأة للشراب، والنمارق: واحدها نمرقة (بضم النون وكسرها) وهى الوسادة قال:
كهول وشبّان حسان وجوههم... على سرر مصفوفة ونمارق
والزرابيّ: واحدها زربىّ (بكسر الزاى) وزربية وهو البساط، وأصل الزرابي أنواع النبات إذا احمرت واصفرت وفيها خضرة، ويقال أزرب النبات إذا صار كذلك سموا بهذا البسط لشبهها به، ومبثوثة: أي مفرقة فى المجالس بحيث يرى فى كل مجلس شىء منها كما يرى فى بيوت ذوى الثراء.
الإيضاح
بعد أن وفى الكفرة الفجرة حقهم من الوصف- وصف أهل الإخلاص والصدق لتقرّ أعينهم بما سيلقون من فضله فقال:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ أي ووجوه يومئذ ذات نضرة وبهجة كما قال: «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ»
ولا تكون كذلك إلا إذا كانت منعمة فرحة بما لاقت جزاء سعيها فى الدنيا ورضى الله عنها ومن ثم قال:
﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي إنهم جميعا يسعون فى العمل لله حين رأوا ثمرته وعاقبته الحسنى، كالرجل يعمل العمل فيجزى عليه الجميل، ويظهر له منه عاقبة حميدة، فيقول ما أحسن ما عملت، ولقد وفقت إلى الصواب فيما فعلت.
وبعد أن وصف أهل الثواب وصف ديارهم بسبعة أوصاف فقال:
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أي عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة، لأن الجنة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، كما أن النار دركات بعضها أسفل من بعض.
وقد يكون المراد منه العلوّ فى الدرجة، لأن نعيم الجنة بعضه أرفع من بعض فالنعيم الذي يتمتع به السابقون من الأنبياء والشهداء والصالحين أعلى منزلة وأرفع قدرا مما يتمتع به الذين اتبعوهم بإحسان.
(ب) ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ أي إنها منزهة عن اللغو، إذ أنها منزل جيران الله وأحبائه، وقد نالوها بالجد والعمل لا باللغو، ومنازل أهل الشرف فى الدنيا تكون مبرأة من اللغو والكذب والبهتان، فكيف بأرفع المجالس فى جوار رب العالمين، ومالك قلوب الخلق أجمعين.
(ح) ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي فى تلك الجنة ينبوع ماء جار، والمياه الجارية من الينابيع تكون صافية، وفى منظرها مسرة للنفوس، وقرّة للعيون، وقد افتخر بمثلها فرعون فقال: «أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي».
(د) ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ أي مرفوعة عالية إذا جلس عليها المؤمن رأى جميع ما أعطاه الله من النعيم ورأى من فى الجنة وفى ذلك من التشريف والتكريم ما لا خفاء فيه.
﴿هـ﴾ ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ على حافات العيون كلما أرادوا الشرب وجدوها.
(و) ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ أي ووسائد مصفوف بعضها إلى جوانب بعض، فإن شاءوا جلسوا عليها، وإن أرادوا استندوا إليها، وإن أحبوا أن يجلسوا على بعضها ويستندوا إلى بعض فعلوا.
(ز) ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ أي وبسط مبسوطة فى المجالس، بحيث يرى فى كل مجلس من مجالسهم منها شىء، كما يرى فى بيوت المترفين وذوى الثراء فى الدنيا.
وقد ذكر سبحانه كل ما سلف تصويرا لترف أهل الجنة تصويرا يقرّبه من عقولهم، ويستطيعون به إدراكه وفهمه، وإلا فإن نعيم الجنة مما يسمو على الفكر ويعلو فوق متناول الإدراك فالأشياء التي عدّدها سبحانه تتشابه مع نظائرها التي فى هذه الحياة بأسمائها، فأما حقائقها وذواتها فليست مثلها ولا قريبا منها، كما أثر عن ابن عباس أنه قال: ليس فى الدنيا مما فى الآخرة إلا الأسماء.
بداية سورة الغاشية فهرس السور