۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفࣲ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفࣲ قُوَّةࣰ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةࣲ ضَعۡفࣰا وَشَيۡبَةࣰۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ 54
[ ج 21 ص: 113 ] [سورة الروم (30) : آية 54]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)
البلاغة:
ضَعْفٍ وقُوَّةً بينهما طباق.
الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ صيغة مبالغة على وزن فعيل، معناه التام العلم والقدرة.
المفردات اللغوية:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة، أو ابتدأكم ضعفاء، وجعل الضعف أساس أمركم، كقوله: خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [النساء 4/ 28] والضعف: ما قابل القوة ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً أي بعد ضعف الطفولة قوة الشباب بعد بلوغ الحلم ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً أي جعل بعد قوة الرجولة ضعف الكبر وشيب الهرم. والشيب:
بياض الشعر. والضعف: بفتح الضاد وضمه. يَخْلُقُ ما يَشاءُ من الضعف والقوة والشباب والشيبة وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ أي إن تلك الأطوار والأحوال التي يمر بها الإنسان بمشيئة الله دليل العلم والقدرة، فهو العليم بتدبير خلقه، القدير على ما يشاء.
(1) تفسير ابن كثير: 3/ 438- 439
[ ج 21 ص: 114 ] المناسبة:
بعد بيان أدلة الآفاق من إرسال الرياح وإنزال المطر على الوحدانية، ذكر تعالى دليلا آخر عليها من الأنفس، وهو خلق الآدمي ومروره بأدوار مختلفة تحتاج إلى العلم والقدرة الشاملة، وذلك لا يتصف بهما غير الله عز وجل.
التفسير والبيان:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً أي إن الله تعالى هو الذي جعل الإنسان يمر في أطوار متفاوتة من الخلق حالا بعد حال، فجعل أصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم كون عظامه، ثم كسا العظام لحما، ونفخ فيه الروح، ثم أخرجه من بطن أمه ضعيفا نحيفا واهن القوى، فقوله مِنْ ضَعْفٍ أي ابتدأه ضعيفا.
ثم يشبّ قليلا قليلا فيكون صغيرا، ثم شابا بالغا، وهذا دور القوة بعد الضعف، ثم يأتي دور الضعف من ابتداء الكهولة إلى الهرم والشيخوخة، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة.
هذا الانتقال والتدرج والتحول من حال إلى حال دليل على القدرة الإلهية الخالقة، وبرهان على البعث الذي ينكره المشركون، فإن القادر على هذا التغيير والتبديل قادر على الإعادة مرة أخرى إلى الحياة الأولى كما كانت لأن من كانت قدرته تامة شاملة لا يصح مقارنتها بقدرة الإنسان النسبية، ولا يعجزه شيء، سواء في بدء الخلق أم حال إعادته.
يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ أي يفعل الله ما يشاء، ويوجد ويبدع ما يشاء من ضعف وقوة، وبدء وإعادة، ويتصرف في عبيده بما يريد،
[ ج 21 ص: 115 ] وهو العليم التام العلم بتدبير خلقه، القدير الشامل القدرة على ما يشاء، ومن آثار قدرته إحياء الناس وإماتتهم ثم بعثهم أحياء عند ما يريد.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية تتضمن استدلالا آخر على قدرة الله في نفس الإنسان، ليعتبر ويبادر إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، فإن الآلة الجامدة تظل على وتيرة واحدة لأن صانعها وهو الإنسان محدود القدرة، أما الإنسان الذي يمر بمراحل ثلاث، متفاوتة هبوطا وصعودا، ضعفا وقوة، لا يبقى على حال واحدة، وإنما يتغير.
والتغير والتدرج ليس مجرد طبيعة دون مدبر ولا مغير، وإنما يحتاج كل طور من مراحل التغير إلى خالق مبدع، وقادر عظيم، ولا يستطيع ذلك أحد غير الله صاحب التكوين والإرادة، والأمر والنفوذ الشامل، فهو وحده الخالق ما يشاء من قوة وضعف، وهو العليم بتدبيره، القدير على إرادته، وهو الفعال لما يريد، المتصرف في مخلوقاته كيف يشاء.
أحوال البعث ومقارنتها بأحوال الدنيا
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)
البلاغة:
ضَعْفٍ وقُوَّةً بينهما طباق.
الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ صيغة مبالغة على وزن فعيل، معناه التام العلم والقدرة.
المفردات اللغوية:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة، أو ابتدأكم ضعفاء، وجعل الضعف أساس أمركم، كقوله: خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [النساء 4/ 28] والضعف: ما قابل القوة ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً أي بعد ضعف الطفولة قوة الشباب بعد بلوغ الحلم ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً أي جعل بعد قوة الرجولة ضعف الكبر وشيب الهرم. والشيب:
بياض الشعر. والضعف: بفتح الضاد وضمه. يَخْلُقُ ما يَشاءُ من الضعف والقوة والشباب والشيبة وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ أي إن تلك الأطوار والأحوال التي يمر بها الإنسان بمشيئة الله دليل العلم والقدرة، فهو العليم بتدبير خلقه، القدير على ما يشاء.
(1) تفسير ابن كثير: 3/ 438- 439
[ ج 21 ص: 114 ] المناسبة:
بعد بيان أدلة الآفاق من إرسال الرياح وإنزال المطر على الوحدانية، ذكر تعالى دليلا آخر عليها من الأنفس، وهو خلق الآدمي ومروره بأدوار مختلفة تحتاج إلى العلم والقدرة الشاملة، وذلك لا يتصف بهما غير الله عز وجل.
التفسير والبيان:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً أي إن الله تعالى هو الذي جعل الإنسان يمر في أطوار متفاوتة من الخلق حالا بعد حال، فجعل أصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم كون عظامه، ثم كسا العظام لحما، ونفخ فيه الروح، ثم أخرجه من بطن أمه ضعيفا نحيفا واهن القوى، فقوله مِنْ ضَعْفٍ أي ابتدأه ضعيفا.
ثم يشبّ قليلا قليلا فيكون صغيرا، ثم شابا بالغا، وهذا دور القوة بعد الضعف، ثم يأتي دور الضعف من ابتداء الكهولة إلى الهرم والشيخوخة، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة.
هذا الانتقال والتدرج والتحول من حال إلى حال دليل على القدرة الإلهية الخالقة، وبرهان على البعث الذي ينكره المشركون، فإن القادر على هذا التغيير والتبديل قادر على الإعادة مرة أخرى إلى الحياة الأولى كما كانت لأن من كانت قدرته تامة شاملة لا يصح مقارنتها بقدرة الإنسان النسبية، ولا يعجزه شيء، سواء في بدء الخلق أم حال إعادته.
يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ أي يفعل الله ما يشاء، ويوجد ويبدع ما يشاء من ضعف وقوة، وبدء وإعادة، ويتصرف في عبيده بما يريد،
[ ج 21 ص: 115 ] وهو العليم التام العلم بتدبير خلقه، القدير الشامل القدرة على ما يشاء، ومن آثار قدرته إحياء الناس وإماتتهم ثم بعثهم أحياء عند ما يريد.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية تتضمن استدلالا آخر على قدرة الله في نفس الإنسان، ليعتبر ويبادر إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، فإن الآلة الجامدة تظل على وتيرة واحدة لأن صانعها وهو الإنسان محدود القدرة، أما الإنسان الذي يمر بمراحل ثلاث، متفاوتة هبوطا وصعودا، ضعفا وقوة، لا يبقى على حال واحدة، وإنما يتغير.
والتغير والتدرج ليس مجرد طبيعة دون مدبر ولا مغير، وإنما يحتاج كل طور من مراحل التغير إلى خالق مبدع، وقادر عظيم، ولا يستطيع ذلك أحد غير الله صاحب التكوين والإرادة، والأمر والنفوذ الشامل، فهو وحده الخالق ما يشاء من قوة وضعف، وهو العليم بتدبيره، القدير على إرادته، وهو الفعال لما يريد، المتصرف في مخلوقاته كيف يشاء.
أحوال البعث ومقارنتها بأحوال الدنيا