إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ 12
[ ج 30 ص: 164 ] [سورة البروج (85) : الآيات 12 الى 22]
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16)
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21)
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)
(1) تفسير الرازي: 31/ 121- 122
[ ج 30 ص: 165 ] الإعراب:
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ الْمَجِيدُ بالرفع صفة: ذُو أو خبر بعد خبر، وبالجر: إما وصف للعرش، أو صفة: رَبِّكَ من قوله تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ وهذا أولى لأن الْمَجِيدُ من صفات اللَّه.
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فَعَّالٌ: إما بدل من ذُو الْعَرْشِ أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو فعّال، أو خبر بعد خبر.
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ، فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ: في موضع جر على البدل من الْجُنُودِ، وقيل: في موضع نصب بتقدير أعني.
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ مَحْفُوظٍ بالجر صفة لَوْحٍ، وبالرفع صفة قُرْآنٌ.
البلاغة:
يُبْدِئُ وَيُعِيدُ بينهما طباق.
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ؟ أسلوب التشويق لاستماع ما يأتي والاعتبار به.
لَشَدِيدٌ، الْغَفُورُ، الْوَدُودُ، فَعَّالٌ إلخ: صيغ مبالغة.
المفردات اللغوية:
بَطْشَ البطش: هو الأخذ بعنف وشدة، فإذا وصف بالشدة كان نهاية، والمراد بالآية:
أنه تعالى مضاعف عنفه بالكفار بحسب إرادته. يُبْدِئُ وَيُعِيدُ يبدئ الخلق ويعيده، فلا يعجزه ما يريد. الْغَفُورُ لمن تاب من المذنبين. الْوَدُودُ المحب لمن أطاع.
ذُو الْعَرْشِ خالقه ومالكه وصاحبه. الْمَجِيدُ العظيم الجليل المتعالي، المستحق لكل صفات العلو الكاملة، أو العظيم في ذاته وصفاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة والحكمة. ومجده: علوه وعظمته. فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ لا يعجزه شيء، ويفعل ما يريد.
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ هل بلغك يا محمد خبر الأقوام أو الجماعات الذين كذبوا الرسل وما حاق بهم؟ وأصل معنى الجنود: العسكر أو الأعوان. والمقصود تسلية النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم والصبر على تكذيب قومه، وأمره بأن يحذرهم مثلما أصاب هؤلاء. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ المراد بفرعون: هو وجنوده، أي هؤلاء هم الجنود: فرعون وأتباعه، وقبيلة ثمود من العرب البائدة، قوم صالح عليه السلام، أهلكهم اللَّه بكفرهم. وهذا تنبيه لمن كفر بالنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم والقرآن ليتعظوا.
[ ج 30 ص: 166 ] بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ لما حدث من إهلاك الأقوام، فلا يرعوون عن تكذيبهم، ومعنى الجملة والإضراب: أن حال كفار قريش أعجب من الأمم السابقة، فإنهم سمعوا قصتهم، ورأوا آثار هلاكهم، وكذبوا أشد من تكذيبهم. وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ لا يفوتونه، ولا عاصم لهم منه، فهم في قبضته وحوزته. بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ عظيم معظم، والمعنى: بل هذا الذي كذبوا به كتاب شريف، وحيد في النظم والمعنى. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ من الزيادة والنقص، والتغيير والتحريف.
المناسبة:
بعد بيان وعيد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ووعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجزاء كل فريق، أكّد اللَّه تعالى الوعد والوعيد بما يدل على تمام قدرته على ذلك. ثم بيّن أن حال الكفار في كل عصر، مع الأنبياء، شبيه بحال أصحاب الأخدود، في إلحاق أذى الكفار بالمؤمنين، فهم دائما في صراع معهم وعداوة وإيذاء. والقصد من هذا كله ترهيب الكفار، وتثبيت المؤمنين على إيمانهم، وشدّ عزائمهم بالصبر، وتطمينهم بأن كفار قريش سيلقون مثلما أصاب الأقوام السابقة: فرعون وأتباعه وثمود.
التفسير والبيان:
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي إن جزاء ربك وانتقامه من الجبابرة والظلمة، ومن أعدائه الذين كذبوا رسله، وخالفوا أمره، لشديد عظيم قوي، مضاعف إذا أراد، فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان، ويكون ما يريد مثل لمح البصر أو هو أقرب. وفي هذا تأكيد للوعيد، وإرهاب لكفار قريش وأمثالهم.
ثم زاد الأمر تأكيدا بقوله:
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي إنه تعالى تام القدرة، فهو الذي يبدأ الخلق ويخلقهم أولا في الدنيا، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت. أو هو الذي يبدأ البطش
[ ج 30 ص: 167 ] ويعيده، أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة. وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء إبداء الخلق، وكذبوا بالإعادة.
ثم أكّد اللَّه تعالى الوعد بإيراد خمس صفات لجلاله وكبريائه وهي:
1- 2: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ أي واللَّه سبحانه بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين إذا تابوا وأنابوا إليه، يغفر ذنب من تاب إليه، وخضع لديه، مهما كان الذنب كبيرا أو صغيرا، وهو تعالى بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه، بليغ الوداد، والمراد به: إيصال الثواب لأهل طاعته على الوجه الأتم، فيكون كقوله تعالى:
يُحِبُّهُمْ [المائدة 5/ 54]، أو هو بمعنى مفعول فيكون كقوله: وَيُحِبُّونَهُ [المائدة 5/ 54].
3- 4: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ أي هو تعالى ربّ العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، وصاحب الملك والسلطان، والعظيم الجليل المتعالي، صاحب النهاية في الكرم والفضل، وبالغ السمو والعلو.
5- فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ أي صاحب القدرة المطلقة على فعل ما يريد، فمهما أراد فعل شيء، لا معقّب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره، وحكمته وعدله. فإذا أراد إهلاك الظالمين الجاحدين، ونصر المؤمنين الصادقين، فعل دون أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يصرفه عنه صارف.
ثم ذكّر اللَّه تعالى الكفار وغيرهم، وسلّى نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم بقصة فرعون وثمود من متأخري الكفار ومتقدميهم، فقال:
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ: فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ أي هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، والتي جندت جنودها لقتالهم؟ أو هل بلغك ما أحلّ اللَّه بهم من البأس، وأنزل عليهم من النقمة بسبب تماديهم في الكفر
[ ج 30 ص: 168 ] والضلال؟ ومن هؤلاء الجنود وأشهر حديثهم وخبرهم المتعارف: فرعون وجنوده، وقبيلة ثمود من العرب البائدة قوم صالح عليه السلام. والمراد بحديثهم: ما وقع منهم من الكفر والعناد، وما حلّ بهم من العذاب. والمراد بفرعون: هو وجنوده. أما فرعون وأتباعهم فأغرقهم اللَّه في اليمّ: البحر الأحمر، وأما ثمود الذين عقروا ناقة نبيهم صالح، فدمّر اللَّه بلادهم وأهلكهم بالطاغية أي الصيحة المجاوزة للحدّ في الشدة.
ثم أشار اللَّه تعالى إلى أن هذا شأن الكفار وصنيعهم في كل زمان، فقال:
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ أي فالواقع القائم أن هؤلاء المشركين العرب في تكذيب شديد لك أيها النبي، ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وفي هذا إضراب عن التذكير بقصة الجنود إلى التصريح بتكذيب كفار قريش.
وبعد تطييب قلب الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم بحكاية أحوال الأولين وموقفهم من الأنبياء، سلّاه بعد ذلك من وجه آخر، فقال:
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ أي إن اللَّه تعالى قادر على أن ينزل بهم ما أنزل بأولئك، قاهر الجبارين لا يفوتونه ولا يعجزونه، فهو مقتدر عليهم، وهم في قبضته لا يجدون عنها مهربا. وهذا دليل على أنه تعالى عالم بهم فيجازيهم، وعلى أنه لا داعي للجزع من تكذيبهم وإصرارهم على الكفر وعنادهم.
ثم ردّ على تكذيبهم بالقرآن، فقال:
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ أي إن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حدّ الإعجاز، متناه في الشرف والكرم والبركة، وليس هو كما يقولون: إنه شعر وكهانة وسحر. وإنما هو كلام اللَّه
[ ج 30 ص: 169 ] المصون عن التغيير والتحريف، المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهذا كقوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة 56/ 77- 78]. أي أن الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحد.
قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة، فيقرءونه، وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا، أي أن اللوح المحفوظ شيء أخبرنا اللَّه به، فيجب علينا الإيمان به كما أخبر اللَّه، وإن لم نعرف حقيقته.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1- إن عقاب اللَّه وانتقامه، وأخذه الجبابرة والظلمة لشديد قوي، كما قال جلّ ثناؤه: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود 11/ 102].
2- إن اللَّه تعالى بدأ خلق الناس أولا في الدنيا، ثم يعيدهم عند البعث.
3- للَّه تعالى صفات عليا لا تتحقق في غيره، فهو الغفور الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، الودود المحب لأوليائه، صاحب العرش الأعظم من كل المخلوقات، وصاحب الملك والسلطان المطلق، المجيد البالغ النهاية في الكرم والفضل، السامي القدر المتناهي في علوه، الفعال لما يريد، أي لا يمتنع عليه شيء يريده. قال القفال: فعّال لما يريد على ما يراه، لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة، لا يمنعه منه مانع، ويدخل أعداءه النار، لا ينصرهم منه ناصر، ويمهل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، ويعذب من شاء منهم في الدنيا وفي الآخرة، يفعل من هذه الأشياء ومن غيرها ما يريد «1».
(1) تفسير الرازي: 31/ 123- 124
[ ج 30 ص: 170 ] 4- قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، وهذا إيناس له وتسلية، والجموع: فرعون وأتباعه وثمود، وذكرا لأن حديثهما مشهور معروف من طريق اليهود في المدينة وغيرهم، فإن ثمود في بلاد العرب، وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك فدلّ اللَّه بهما على أمثالهما في الهلاك.
والواقع أن كفار قريش في تكذيب لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، كدأب من قبلهم.
5- اللَّه يقدر على أن ينزل بكفار مكة في الدنيا ما أنزل بفرعون، واللَّه عالم بهم، فهو يجازيهم في الآخرة.
6- ليس القرآن كما زعم المشركون أنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو كتاب متناه في الشرف والكرم والبركة، وهو بيان ما يحتاج إليه الناس من أحكام الدين والدنيا. وهو مكتوب عند اللَّه في لوح، ومحفوظ عند اللَّه من وصول الشياطين إليه.
قال ابن عباس: أول شيء كتبه اللَّه تعالى في اللوح المحفوظ: «إني أنا اللَّه، لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صدّيقا وبعثته مع الصدّيقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ إلها سواي» «1».
(1) تفسير القرطبي: 19/ 298
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16)
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21)
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)
(1) تفسير الرازي: 31/ 121- 122
[ ج 30 ص: 165 ] الإعراب:
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ الْمَجِيدُ بالرفع صفة: ذُو أو خبر بعد خبر، وبالجر: إما وصف للعرش، أو صفة: رَبِّكَ من قوله تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ وهذا أولى لأن الْمَجِيدُ من صفات اللَّه.
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فَعَّالٌ: إما بدل من ذُو الْعَرْشِ أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو فعّال، أو خبر بعد خبر.
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ، فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ: في موضع جر على البدل من الْجُنُودِ، وقيل: في موضع نصب بتقدير أعني.
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ مَحْفُوظٍ بالجر صفة لَوْحٍ، وبالرفع صفة قُرْآنٌ.
البلاغة:
يُبْدِئُ وَيُعِيدُ بينهما طباق.
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ؟ أسلوب التشويق لاستماع ما يأتي والاعتبار به.
لَشَدِيدٌ، الْغَفُورُ، الْوَدُودُ، فَعَّالٌ إلخ: صيغ مبالغة.
المفردات اللغوية:
بَطْشَ البطش: هو الأخذ بعنف وشدة، فإذا وصف بالشدة كان نهاية، والمراد بالآية:
أنه تعالى مضاعف عنفه بالكفار بحسب إرادته. يُبْدِئُ وَيُعِيدُ يبدئ الخلق ويعيده، فلا يعجزه ما يريد. الْغَفُورُ لمن تاب من المذنبين. الْوَدُودُ المحب لمن أطاع.
ذُو الْعَرْشِ خالقه ومالكه وصاحبه. الْمَجِيدُ العظيم الجليل المتعالي، المستحق لكل صفات العلو الكاملة، أو العظيم في ذاته وصفاته، فإنه واجب الوجود، تام القدرة والحكمة. ومجده: علوه وعظمته. فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ لا يعجزه شيء، ويفعل ما يريد.
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ هل بلغك يا محمد خبر الأقوام أو الجماعات الذين كذبوا الرسل وما حاق بهم؟ وأصل معنى الجنود: العسكر أو الأعوان. والمقصود تسلية النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم والصبر على تكذيب قومه، وأمره بأن يحذرهم مثلما أصاب هؤلاء. فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ المراد بفرعون: هو وجنوده، أي هؤلاء هم الجنود: فرعون وأتباعه، وقبيلة ثمود من العرب البائدة، قوم صالح عليه السلام، أهلكهم اللَّه بكفرهم. وهذا تنبيه لمن كفر بالنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم والقرآن ليتعظوا.
[ ج 30 ص: 166 ] بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ لما حدث من إهلاك الأقوام، فلا يرعوون عن تكذيبهم، ومعنى الجملة والإضراب: أن حال كفار قريش أعجب من الأمم السابقة، فإنهم سمعوا قصتهم، ورأوا آثار هلاكهم، وكذبوا أشد من تكذيبهم. وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ لا يفوتونه، ولا عاصم لهم منه، فهم في قبضته وحوزته. بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ عظيم معظم، والمعنى: بل هذا الذي كذبوا به كتاب شريف، وحيد في النظم والمعنى. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ من الزيادة والنقص، والتغيير والتحريف.
المناسبة:
بعد بيان وعيد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ووعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وجزاء كل فريق، أكّد اللَّه تعالى الوعد والوعيد بما يدل على تمام قدرته على ذلك. ثم بيّن أن حال الكفار في كل عصر، مع الأنبياء، شبيه بحال أصحاب الأخدود، في إلحاق أذى الكفار بالمؤمنين، فهم دائما في صراع معهم وعداوة وإيذاء. والقصد من هذا كله ترهيب الكفار، وتثبيت المؤمنين على إيمانهم، وشدّ عزائمهم بالصبر، وتطمينهم بأن كفار قريش سيلقون مثلما أصاب الأقوام السابقة: فرعون وأتباعه وثمود.
التفسير والبيان:
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي إن جزاء ربك وانتقامه من الجبابرة والظلمة، ومن أعدائه الذين كذبوا رسله، وخالفوا أمره، لشديد عظيم قوي، مضاعف إذا أراد، فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان، ويكون ما يريد مثل لمح البصر أو هو أقرب. وفي هذا تأكيد للوعيد، وإرهاب لكفار قريش وأمثالهم.
ثم زاد الأمر تأكيدا بقوله:
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي إنه تعالى تام القدرة، فهو الذي يبدأ الخلق ويخلقهم أولا في الدنيا، ثم يعيدهم أحياء بعد الموت. أو هو الذي يبدأ البطش
[ ج 30 ص: 167 ] ويعيده، أي يبطش بالجبابرة في الدنيا والآخرة. وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء إبداء الخلق، وكذبوا بالإعادة.
ثم أكّد اللَّه تعالى الوعد بإيراد خمس صفات لجلاله وكبريائه وهي:
1- 2: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ أي واللَّه سبحانه بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين إذا تابوا وأنابوا إليه، يغفر ذنب من تاب إليه، وخضع لديه، مهما كان الذنب كبيرا أو صغيرا، وهو تعالى بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه، بليغ الوداد، والمراد به: إيصال الثواب لأهل طاعته على الوجه الأتم، فيكون كقوله تعالى:
يُحِبُّهُمْ [المائدة 5/ 54]، أو هو بمعنى مفعول فيكون كقوله: وَيُحِبُّونَهُ [المائدة 5/ 54].
3- 4: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ أي هو تعالى ربّ العرش العظيم العالي على جميع الخلائق، وصاحب الملك والسلطان، والعظيم الجليل المتعالي، صاحب النهاية في الكرم والفضل، وبالغ السمو والعلو.
5- فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ أي صاحب القدرة المطلقة على فعل ما يريد، فمهما أراد فعل شيء، لا معقّب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره، وحكمته وعدله. فإذا أراد إهلاك الظالمين الجاحدين، ونصر المؤمنين الصادقين، فعل دون أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يصرفه عنه صارف.
ثم ذكّر اللَّه تعالى الكفار وغيرهم، وسلّى نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم بقصة فرعون وثمود من متأخري الكفار ومتقدميهم، فقال:
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ: فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ أي هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، والتي جندت جنودها لقتالهم؟ أو هل بلغك ما أحلّ اللَّه بهم من البأس، وأنزل عليهم من النقمة بسبب تماديهم في الكفر
[ ج 30 ص: 168 ] والضلال؟ ومن هؤلاء الجنود وأشهر حديثهم وخبرهم المتعارف: فرعون وجنوده، وقبيلة ثمود من العرب البائدة قوم صالح عليه السلام. والمراد بحديثهم: ما وقع منهم من الكفر والعناد، وما حلّ بهم من العذاب. والمراد بفرعون: هو وجنوده. أما فرعون وأتباعهم فأغرقهم اللَّه في اليمّ: البحر الأحمر، وأما ثمود الذين عقروا ناقة نبيهم صالح، فدمّر اللَّه بلادهم وأهلكهم بالطاغية أي الصيحة المجاوزة للحدّ في الشدة.
ثم أشار اللَّه تعالى إلى أن هذا شأن الكفار وصنيعهم في كل زمان، فقال:
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ أي فالواقع القائم أن هؤلاء المشركين العرب في تكذيب شديد لك أيها النبي، ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وفي هذا إضراب عن التذكير بقصة الجنود إلى التصريح بتكذيب كفار قريش.
وبعد تطييب قلب الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم بحكاية أحوال الأولين وموقفهم من الأنبياء، سلّاه بعد ذلك من وجه آخر، فقال:
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ أي إن اللَّه تعالى قادر على أن ينزل بهم ما أنزل بأولئك، قاهر الجبارين لا يفوتونه ولا يعجزونه، فهو مقتدر عليهم، وهم في قبضته لا يجدون عنها مهربا. وهذا دليل على أنه تعالى عالم بهم فيجازيهم، وعلى أنه لا داعي للجزع من تكذيبهم وإصرارهم على الكفر وعنادهم.
ثم ردّ على تكذيبهم بالقرآن، فقال:
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ أي إن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه وأسلوبه حتى بلغ حدّ الإعجاز، متناه في الشرف والكرم والبركة، وليس هو كما يقولون: إنه شعر وكهانة وسحر. وإنما هو كلام اللَّه
[ ج 30 ص: 169 ] المصون عن التغيير والتحريف، المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهذا كقوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة 56/ 77- 78]. أي أن الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحد.
قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة، فيقرءونه، وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا، أي أن اللوح المحفوظ شيء أخبرنا اللَّه به، فيجب علينا الإيمان به كما أخبر اللَّه، وإن لم نعرف حقيقته.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1- إن عقاب اللَّه وانتقامه، وأخذه الجبابرة والظلمة لشديد قوي، كما قال جلّ ثناؤه: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى، وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود 11/ 102].
2- إن اللَّه تعالى بدأ خلق الناس أولا في الدنيا، ثم يعيدهم عند البعث.
3- للَّه تعالى صفات عليا لا تتحقق في غيره، فهو الغفور الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، الودود المحب لأوليائه، صاحب العرش الأعظم من كل المخلوقات، وصاحب الملك والسلطان المطلق، المجيد البالغ النهاية في الكرم والفضل، السامي القدر المتناهي في علوه، الفعال لما يريد، أي لا يمتنع عليه شيء يريده. قال القفال: فعّال لما يريد على ما يراه، لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة، لا يمنعه منه مانع، ويدخل أعداءه النار، لا ينصرهم منه ناصر، ويمهل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء، ويعذب من شاء منهم في الدنيا وفي الآخرة، يفعل من هذه الأشياء ومن غيرها ما يريد «1».
(1) تفسير الرازي: 31/ 123- 124
[ ج 30 ص: 170 ] 4- قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، وهذا إيناس له وتسلية، والجموع: فرعون وأتباعه وثمود، وذكرا لأن حديثهما مشهور معروف من طريق اليهود في المدينة وغيرهم، فإن ثمود في بلاد العرب، وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك فدلّ اللَّه بهما على أمثالهما في الهلاك.
والواقع أن كفار قريش في تكذيب لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، كدأب من قبلهم.
5- اللَّه يقدر على أن ينزل بكفار مكة في الدنيا ما أنزل بفرعون، واللَّه عالم بهم، فهو يجازيهم في الآخرة.
6- ليس القرآن كما زعم المشركون أنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو كتاب متناه في الشرف والكرم والبركة، وهو بيان ما يحتاج إليه الناس من أحكام الدين والدنيا. وهو مكتوب عند اللَّه في لوح، ومحفوظ عند اللَّه من وصول الشياطين إليه.
قال ابن عباس: أول شيء كتبه اللَّه تعالى في اللوح المحفوظ: «إني أنا اللَّه، لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صدّيقا وبعثته مع الصدّيقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ إلها سواي» «1».
(1) تفسير القرطبي: 19/ 298