فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرࣱۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءࣲ وَكِيلٌ 12
هذا نص كريم في بيان طبيعة النفس التي تخضع للحس دون العقل المدرك الذي يوازن بين الماضي والحاضر ويضبط نفسه ووجدانه، بل يكون هلوعًا عندما يصيبه ما يسوؤه وطموعا أشرا بطرا عندما ينال خيرا ويذهب عنه ما يسوؤه، فإذا أصابه خير بطر، وإذا أصابه سوء جزع.
أما المؤمن المدرك صبور لَا تبطره النعمة، ولا توئسه النقمة، وهو يضبط نفسه، وضبط النفس والصبر متلازمان لَا يفترقان.
﴿وَلَئِن﴾ (اللام) هي الممهدة للقسم، إن حرف شرط ودخول اللام يؤكد فعل الشرط أي أن أذاق الإنسان منه سبحانه رحمة ثم نزعها إنه ليئوس كفور.
وهنا ملاحظات بيانية موضحة ومقربة للنص الكريم:
الملاحظة الأولى: قال سبحانه: ﴿أَذَقْنَا الْإِنسَانَ﴾ أي جعله يذوق ويحس متنعما، وأضاف سبحانه وتعالى ذلك إليه لبيان عظمها وأنها منحة جليلة، وسماها سبحانه رحمة لوجوب شكرها وبيان أنه أعطاها لتكون مصدر خير للناس تعم ولا تخص، فهي ليست له خاصة ولكن ليكون شكرها نفعًا للناس.
الملاحظة الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ يشير إلى التفاوت بين العطاء الكريم والنزع الحكيم، وفيه تفاوت بين العطاء والنزع، وكل ذلك بتقدير العزيز العليم، وفيه بيان أن نعيم الدنيا ليس بدائم بل فيها العطاء والمنع، ونعيم الآخرة دائم غير مجذوذ.
الملاحظة الثالثة: هي الانتقال إلى حال شديد مؤكد في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ بصيغة المبالغة الدالة على الهلع والجزع واليأس من رحمة اللَّه التي لا ييأس منها إلا القوم الكافرون. وكان القول: ﴿كَفُورٌ﴾؛ لأنه لَا يرجو اللَّه ولا يؤمن بما عنده.
الملاحظة الرابعة: جواب القسم في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ فيه تأكيد لعمق يأسه واستيلائه عليه وكفره، وكان التأكيد بصيغة المبالغة وباللام وبالجملة الاسمية وبـ " إن " المؤكدة.
وكل ذلك لأنه مادي لَا يؤمن إلا بالمادة ولا يرجو ما عند اللَّه الذي يعطي ويمنع ويعز ويذل، وهذا حال الإنسان الذي لَا يؤمن إلا بالدنيا، إذا كان المنع بعد العطاء.
أما حاله في النعماء بعد الضراء فقال تعالى فيه:
(الفاء) فاء الإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر، والشرط تحريض على الصبر وتقديره، إذا لم تصبر فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك. أي أنه لَا مناص من الصبر على الأذى والتأني لهم حتى يكون النصر المبين، وإلا فإنك تنزل عند رغباتهم الآثمة. ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ﴾. (لعل) هنا فيها إشارة إلى ما يرجون، فلعلك أنت يا رسول اللَّه إلى خلقه أجمعين تجاريهم في ترك بعض ما يوحى إليك من شرع مرضاة لهم، فتحرم ما يحرمون وتبيح ما يبيحون. تحرم ما يحرمون من طيبات، وتجيز طواف العرايا ثم تنزل في مرضاتهم حتى تسيغ لهم عبادة الأوثان أو يكون السكوت عنهم فيها.
﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى ﴿مَا يُوحَىٰ﴾، ﴿ضَائِق﴾ أي يعرض أمر غريب على نفسك وهو أن يضيق صدرك ببعض ما أنزل عليك وبعثت من أجله وبه اهتديت وبه تهدي.
ليس المعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ضاق صدره أو يضيق، إنما المعنى أنهم يرجون أن تترك بعض ما أوحى إليك وأن يضيق صدرك بإيذائهم فتتركه مضطرا.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن منه شيء من ذلك ولا يفكر في شيء منه ولكن يحرضه اللَّه تعالى على البقاء على الدعوة وتبليغ الرسالة غير ملتفت إلى أحد منهم، ثم قال تعالى: ﴿أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وهذا متعلق بمحذوف " كراهة أن يقولوا لولا " أو نقول إنه متعلق بـ ﴿ضَائِقٌ﴾ ويكون المعنى على هذا:
لعلك تارك بعض ما يوحى إليك بسبب إيذائهم المتوالي وسفاهتهم معك، أو يضيق صدرك في عدم خضوعهم للمعجزة الكبرى وقد تحديتهم فعجزوا، ثم طلبوا معجزات أخرى. وهذا هو الذي نختاره.
وقد أنكروا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فقير ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
وأنكروا أن يكون بشرا منهم رسولا ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
أنكروا الأمرين وطلبوا معجزة واقعة لأحدهما وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾ أي مال مكنوز يفعل فيه مثل الذين يكنزون الذهب والفضة. والمعجزة أن ينزل عليه إنزالا من غير أي سبب من أسباب الكسب فيكون له جبل من ذهب وآخر من فضة، وبذلك يدفع فقره ويكون اتباعه لثروته ولإنزال هذه الثروة والإعجاز بها، أما الأمر الثاني فيدفع بأن يكون معه مَلَك، وتكون الرسالة برسول سماوي لَا برجل يمشي في الأسواق مثلهم، وقد بين اللَّه استحالة ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾.
ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصا على إيمانهم راغبا فيه، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾، أي إنك مقصور على الإنذار بمقتضى الرسالة وليس عملك الهداية، بل التوجيه والتخويف لمن عصى، والتبشير لمن اهتدى، وَوَضع العلامات على الطريق لكيلا يضل أحد ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي إنه جل جلاله حفيظ على كل شيء، فتوكل عليه في دعوتك ولا تأبه لهم، فاللَّه سبحانه حافظك منهم ومن طغواهم وهو سبحانه عالم بكل ما يصنعون، ومعاقبهم عليه، وهم راجعون إليه سبحانه وتعالى، ولن يفلتوا من جزاء ما يفعلون، فتوكل على اللَّه الحي القيوم، وامض فيما أمرك به؛ إنه عليم بذات الصدور.
القرآن هو المعجزة الكبرى
قال تعالى:
أما المؤمن المدرك صبور لَا تبطره النعمة، ولا توئسه النقمة، وهو يضبط نفسه، وضبط النفس والصبر متلازمان لَا يفترقان.
﴿وَلَئِن﴾ (اللام) هي الممهدة للقسم، إن حرف شرط ودخول اللام يؤكد فعل الشرط أي أن أذاق الإنسان منه سبحانه رحمة ثم نزعها إنه ليئوس كفور.
وهنا ملاحظات بيانية موضحة ومقربة للنص الكريم:
الملاحظة الأولى: قال سبحانه: ﴿أَذَقْنَا الْإِنسَانَ﴾ أي جعله يذوق ويحس متنعما، وأضاف سبحانه وتعالى ذلك إليه لبيان عظمها وأنها منحة جليلة، وسماها سبحانه رحمة لوجوب شكرها وبيان أنه أعطاها لتكون مصدر خير للناس تعم ولا تخص، فهي ليست له خاصة ولكن ليكون شكرها نفعًا للناس.
الملاحظة الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ يشير إلى التفاوت بين العطاء الكريم والنزع الحكيم، وفيه تفاوت بين العطاء والنزع، وكل ذلك بتقدير العزيز العليم، وفيه بيان أن نعيم الدنيا ليس بدائم بل فيها العطاء والمنع، ونعيم الآخرة دائم غير مجذوذ.
الملاحظة الثالثة: هي الانتقال إلى حال شديد مؤكد في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ بصيغة المبالغة الدالة على الهلع والجزع واليأس من رحمة اللَّه التي لا ييأس منها إلا القوم الكافرون. وكان القول: ﴿كَفُورٌ﴾؛ لأنه لَا يرجو اللَّه ولا يؤمن بما عنده.
الملاحظة الرابعة: جواب القسم في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ فيه تأكيد لعمق يأسه واستيلائه عليه وكفره، وكان التأكيد بصيغة المبالغة وباللام وبالجملة الاسمية وبـ " إن " المؤكدة.
وكل ذلك لأنه مادي لَا يؤمن إلا بالمادة ولا يرجو ما عند اللَّه الذي يعطي ويمنع ويعز ويذل، وهذا حال الإنسان الذي لَا يؤمن إلا بالدنيا، إذا كان المنع بعد العطاء.
أما حاله في النعماء بعد الضراء فقال تعالى فيه:
(الفاء) فاء الإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر، والشرط تحريض على الصبر وتقديره، إذا لم تصبر فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك. أي أنه لَا مناص من الصبر على الأذى والتأني لهم حتى يكون النصر المبين، وإلا فإنك تنزل عند رغباتهم الآثمة. ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ﴾. (لعل) هنا فيها إشارة إلى ما يرجون، فلعلك أنت يا رسول اللَّه إلى خلقه أجمعين تجاريهم في ترك بعض ما يوحى إليك من شرع مرضاة لهم، فتحرم ما يحرمون وتبيح ما يبيحون. تحرم ما يحرمون من طيبات، وتجيز طواف العرايا ثم تنزل في مرضاتهم حتى تسيغ لهم عبادة الأوثان أو يكون السكوت عنهم فيها.
﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى ﴿مَا يُوحَىٰ﴾، ﴿ضَائِق﴾ أي يعرض أمر غريب على نفسك وهو أن يضيق صدرك ببعض ما أنزل عليك وبعثت من أجله وبه اهتديت وبه تهدي.
ليس المعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ضاق صدره أو يضيق، إنما المعنى أنهم يرجون أن تترك بعض ما أوحى إليك وأن يضيق صدرك بإيذائهم فتتركه مضطرا.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن منه شيء من ذلك ولا يفكر في شيء منه ولكن يحرضه اللَّه تعالى على البقاء على الدعوة وتبليغ الرسالة غير ملتفت إلى أحد منهم، ثم قال تعالى: ﴿أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وهذا متعلق بمحذوف " كراهة أن يقولوا لولا " أو نقول إنه متعلق بـ ﴿ضَائِقٌ﴾ ويكون المعنى على هذا:
لعلك تارك بعض ما يوحى إليك بسبب إيذائهم المتوالي وسفاهتهم معك، أو يضيق صدرك في عدم خضوعهم للمعجزة الكبرى وقد تحديتهم فعجزوا، ثم طلبوا معجزات أخرى. وهذا هو الذي نختاره.
وقد أنكروا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فقير ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
وأنكروا أن يكون بشرا منهم رسولا ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
أنكروا الأمرين وطلبوا معجزة واقعة لأحدهما وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ﴾ أي مال مكنوز يفعل فيه مثل الذين يكنزون الذهب والفضة. والمعجزة أن ينزل عليه إنزالا من غير أي سبب من أسباب الكسب فيكون له جبل من ذهب وآخر من فضة، وبذلك يدفع فقره ويكون اتباعه لثروته ولإنزال هذه الثروة والإعجاز بها، أما الأمر الثاني فيدفع بأن يكون معه مَلَك، وتكون الرسالة برسول سماوي لَا برجل يمشي في الأسواق مثلهم، وقد بين اللَّه استحالة ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾.
ولقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصا على إيمانهم راغبا فيه، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾، أي إنك مقصور على الإنذار بمقتضى الرسالة وليس عملك الهداية، بل التوجيه والتخويف لمن عصى، والتبشير لمن اهتدى، وَوَضع العلامات على الطريق لكيلا يضل أحد ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي إنه جل جلاله حفيظ على كل شيء، فتوكل عليه في دعوتك ولا تأبه لهم، فاللَّه سبحانه حافظك منهم ومن طغواهم وهو سبحانه عالم بكل ما يصنعون، ومعاقبهم عليه، وهم راجعون إليه سبحانه وتعالى، ولن يفلتوا من جزاء ما يفعلون، فتوكل على اللَّه الحي القيوم، وامض فيما أمرك به؛ إنه عليم بذات الصدور.
القرآن هو المعجزة الكبرى
قال تعالى: