وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ 73 وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ 74 وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 75 وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ 76 وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ 77 وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ 78 فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ 79 وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ 80 وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ 81
الصفحة 328

تفسير سورة الأنبياء - الآية 81

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةࣰ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ 81

هذا وصل للكلام السابق من أخبار إبراهيم ولوط والأنبياء من ذرية إبراهيم عليهم السلام، وفي قصصهم عبرة لأولي الألباب، وتسرية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سوء ما يرتكبه معه المشركون من شطط في القول، وإسراف في استهزائهم، والله مستهزئ بهم، قوله:
(وَنوحًا) منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر، أي اذكر نوحا وإيذاء قومه، وقد تشابهت أقوالهم مع أقوال المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، لتشابه القلوب والمقاومة وطرائقها، فالناس أولاد الناس، ﴿إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ نادى ربه مستغيثا بالله وذلك في قوله: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، دعا نوح ربه ذلك الدعاء، أو ناداه ذلك النداء فأجابه سبحانه فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾، " الفاء " للترتيب والتعقيب، والمراد بالتعقيب تأكيد الإجابة، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ الاستجابة شدة الإجابة؛ لأن السين والتاء للطلب، أي أن الطلب طلب الإجابة وأرادها له؛ ولذا كانت التعدية بـ " اللام " مع أن " أجاب " تتعدى بنفسها، ولكن كانت " اللام " لشدة الإجابة؛ لأنها بطلب الله، وتشدده في الطلب لأجل نوح عليه السلام، وأنه إذ استجاب له سبحانه ونجاه وأهله من الكرب العظيم، وقال سبحانه: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ حيث أرادوا إيذاءهم، وحيث كان كرب الطوفان؛ إذ أحاط بهم الماء من كل جانب، وركب في السفينة من أراد الله إنجاءه.

﴿الرِّيحَ﴾ منصوبة بفعل العطف، أي: وسخرنا لسليمان الريح، كما سخرنا لداود الجبال وقلنا ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، وكذلك سخرنا لسليمان الريح أي جعلناها له ذلولا، فأبوه كانت رواسي الجبال مسخرة له، وهو كانت عواصف الرياح مسخرة له، ومذللة له، والريح العاصفة هي الريح الشديدة في هبوبها، بحيث تقوض القائم، وقد وصف الله الريح بهذا الوصف للإشارة إلى أنها في قسوة هبوبها وعصفها لَا تذر شيئا أتت عليه إلا أزالته، زللها الله تعالى لسليمان، فكانت تجري بأمره رخاء، وقال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ مع عنفها تهدأ له، وتسري بأمره ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، وهي هنا مدينة " أورشليم " إذ استردها داود من أيدي التتر، وكان الحاكمَ فيها وجاء من بعده سليمان عليهما السلام، وإن ذلك كله بإرادة الله تعالى وعلمه؛ ولذا قال: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ وقدم الجار والمجرور للاهتمام بعموم علمه سبحانه، والجملة السامية تدل على استمرار علمه سبحانه، وأنه لَا يغيب عنه شيء في السماء ولا في الأرض، ودل على الاستمرار الوصف ﴿عَالِمِينَ﴾ وتقديم الجار والمجرور، الجملة الاسمية المؤكدة، وكان الدالة على الاستمرار.
فهرس الكتاب