إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ 9 وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 10 إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ 11 إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ 12 ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 13 ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ 14 يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ 15 وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 16
الصفحة 178

تفسير سورة الأنفال - الآية 12

إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانࣲ 12

كان النص القرآني السامي يحث المسلمين على أن يطلبوا الجهاد، بطلب الطائفة ذات الشوكة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمامهم يستحثهم ويستوثق منهم، حتى لَا تغلبهم الدنيّة في دينهم، وقد ظهر أنهم يودون غير ذات الشوكة، حتى إذا دنت الواقعة كان مع الاستعداد بالقلوب، والاطمئنان كان لابد من الالتجاء إلى الله تعالى ليكون الغوث، وليكون النصر، فهم مؤمنون، وليسوا مغرورين؛ ولذلك لابد من الالتجاء إلى الله، وخصوصا من الرسول الذي أحس بأن عليه العبء الأكبر، فاستغاث هو ومن معه بالله، وكان هو أظهرهم. قال تعالى:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
والاستغاثة طلب الغوث، و " إذ " ظرف يكون للماضي، وهو هنا للماضي المتصل بالحاضر، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ وجاء المضارع بعدها لتصوير الاستغاثة وأنها كانت التجاءً متجددًا مستمرا لله تعالى.
وقد روت السنّة استغاثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد كانت ضراعة له سبحانه وتعالى، وروى مسلم والإمام أحمد، وغيرهما من الصحاح عن عمر بن الخطاب أنه قال: " لما كان يوم بدر نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - القبلة، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لَا تعبد في الأرض أبدًا " فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك ".
هذه هي استغاثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهي استغاثة من معه، فهو إمام الصلاة استغاثته استغاثة لهم، كما أن الإمام قراءته قراءة للمأمومين، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما اتجه إلى الاستغاثة اتجه إلى القبلة، وكأنها صلاة، يمم وجهه فيها شطر المسجد الحرام.
وقد استجاب الله تعالى لاستغاثة نبيه، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
(الفاء) للعطف الدال على الفورية، أي أن الإجابة كانت فور الدعاء، وكذلك دعاء النبيين ومن معهم من الصديقين والشهداء والصالحين.
والاستجابة يالسين والتاء هي شدة الإجابة كأحسن ما تجاب به الاستغاثة؛ لأنها استغاثة لله تعالى فهي إيمان لأجل قوة الإيمان وعزة المؤمنين، وقرنت الإجابة بما يدل على قوتها، فهي من ربكم الذي يكلؤكم، ويرعاكم، وذكر الاختصاص في قوله سبحانه: ﴿لَكُمْ﴾، أي الإجابة لكم أنتم من ربكم ولا إجابة لغيركم لأنكم على الحق، وتدعون للحق.
وفسر سبحانه وتعالى الاستجابة بقوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ هنا ثلاث قراءات في (ألف)، فقرى بـ (ألْف)، ويكون الإمداد بألف من الملائكة على قدر عدد المشركين، فإنه إذا كان عددكم ثلاثمائة ونيفا وعددهم ألف، فقد أمدكم الله تعالى بألف من الملائكة، فيكون العدد في الحسبة متساويا أو تزيدون.
وهناك قراءة أخرى بـ (آلُف)، جمع ألف، على وزن أفعُل، وبذلك لا يكون العدد محدودا بل بألوف، وذكر الزمخشري قراءة ثالثة وهي (آلاف)، والرسم الإملائي العثمانى القرآني غير المنقوط والمشكول يحتمل القراءات الثلاث.
و" مردفين " أي متتابعين، مشتقة من أردف، وهي لغة في ردف وتقرأ بفتح الدال وهي قراءة، والمعنى أنهم جاءوا وقد أردف بعضهم ببعض.
وهنا تقرر أن الله تعالى أمدهم بألف أو عدد من الألوف، وذلك أمر لا ريب، ولا تناقص بين الإمداد بآلاف، أو بآلاف، فالمراد جنس الألف لَا تعيين العدد.
ولكن كيف كان الإمداد، جاء في روايات لم نرها في صحاح السنة أنهم صوروا بالإنس، وكان بعض الناس يرى سيوفا لَا يرى حاملوها.
ولكن الثابت في الصحاح أنه كان إمداداً من غير أن يتعرض لبيان أنهم كانوا بصور إنسانية أم لم يكونوا، وهذا ما نراه.
وإذا لم تكن ثمة صور أو أجسام إنسانية، فإننا نقرر أنه كان إمدادا روحيا، ومن الإمداد الروحي شحذ العزائم وطمأنينة نفوسهم، وإبعاد الشياطين ومنازع الشيطان، وهذا بلا ريب من إمداد الله بالملائكة، فهو حقيقة ثابتة، وإنه يؤيد أن الإمداد روحي - آمنا بحقيقته وجهلنا كيفيته - قوله تعالى:

موقعة الفرقان هي موقعة الحق أيدها الله، واتخذت كل الأسباب لها، والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء، أيدهم الله تعالى أولا بالمدد من الملائكة الذي كان بشرى واطمئنانا، وأيدهم ثانيا بأن الله مع المؤمنين والملائكة، وأيدهم ثالثا بأن أمر الملائكة بأن يثبتوا الذين آمنوا، وأيدهم رابعا بأن ألقى الرعب في قلوب الكافرين، وأيدهم خامسا بأن كان الضرب فوق أعناقهم، والضرب في الأيدي التي تقتل.
﴿إِذْ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ هي للماضي المتصل بالحاضر، والمضارع للدوام المتجدد، أي اذكر أيها النبي ومن معك، وحي الله تعالى المستمر الذي لَا ينقطع إلى الملائكة أن الله معكم أيها الملائكة في تأييدهم للمؤمنين فهو سبحانه جل جلاله في ملكوته الأعلى معكم في تأييد المؤمنين وتثبيتا قلوبهم، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و " الفاء " هنا للإفصاح عن شرط مقدَّر، والمؤدى: إذا كان الله معكم في هذا التأييد فثبتوا الذين آمنوا، أي قووهم معشر أرواح الله، واملأوهم بروحانيتكم لتمتلئ قلوبهم بروح من عند الله، وإحساس بعظمته، وجبروته وقوته وعزته ليطلبوا العُلا والعزة ولا يذلوا.
وقد التفت سبحانه من خطاب الملائكة إلى خطاب المؤمنين، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ وهذا معناه اضربوا الرءوس، فما فوق العنق هو الرأس، والبنان الأيدي، والمعنى أن اضربوا رءوسهم، فإنها موطن الشيطان، واقطعوا أيديهم، فإنهم يبطشون بها وآذوا المؤمنين وعذبوهم، وفتنوهم عن دينهم.
والمعنى لَا تأخذكم بهم رأفة، فرد الاعتداء يكون بمثله، فاقتلوهم وأضعفوا قواهم يشفِ الله بذلك صدور قوم مؤمنين.
وإن ذلك جزاء بما ارتكبوا، ولمحاربتهم الله ورسوله؛ ولذا قال تعالى:
فهرس الكتاب