سورة الإسراءبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ 1 وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا 2 ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا 3 وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا 4 فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا 5 ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا 6 إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا 7
الصفحة 282

مبهمات الآية 5 من سورة الإسراء

فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادࣰا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسࣲ شَدِيدࣲ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدࣰا مَّفۡعُولࣰا 5

﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآية.
(سه) هم: أهل بابل، وكان عليهم بخت نصّر في المرة الأولى حين كذّبوا أرمياء وجرحوه وحبسوه، وأمّا في المرة الآخرة فقد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم، وأنّ ذلك كان بسبب قتلهم يحيى بن زكريا، وكان قتله ملك من بني إسرائيل يقال له: لاخت، قاله القتبي وقال الطبري: اسمه هيردوس ذكره في التاريخ حمله على قتله امرأة اسمها أزبيل، وكانت قتلت سبعة من الأنبياء، فبقي دم يحيى يغلي حتى قتل منهم سبعون ألفا فسكن الدّم، فقيل إنّ المبعوث عليهم بخت نصر وهذا لا يصح لأنّ قتل يحيى كان بعد رفع عيسى عليه السلام، وبخت نصر كان قبل عيسى بن مريم بزمن طويل، وقيل:
الإسكندر، وبين الإسكندر وعيسى نحو من ثلاثمائة سنة، ولكنّه إن أردنا بالمرة الأخرى حين قتلوا شعيا فقد كان بخت نصر إذ ذاك حيا وهو الذي قتلهم وخرّب بيت المقدس واتّبعهم إلى مصر وأخرجهم منها، وبعض هذا الذي ذكرناه عن الطبري. وقال القتبي: بخت نصر كان كاتبا لملك من ملوك بابل يقال له لنقز، وكان لنقز يعبد الزهرة، وهو الذي غزا الأعرج العبد الصالح واسمه أسا بن أبيا بن رجبعم بن سليمان، فدعى الأعرج [عليه] فقتلت الملائكة [جنوده] ولم ينج إلا لنقز وكاتبه، ثمّ إنّ كاتبه قتله بعد ذلك وصار الملك إليه. وزعم الطبري أنّ الذي غزا أسا لم يكن بإيليا، وإنما كان ملك الهند وكان اسمه زوحا ولم يكن بخت نصر إذ ذاك مخلوقا فالله أعلم.
وزعم الطبري أيضا أنّ بخت نصر ليس من الملوك الأربعة الذين ملكوا الأقاليم كلها كما قال القتبي ومن تقدّمه إلى هذا القول، ولكنّه كان عاملا على العراق للملك المالك للأقاليم في ذلك [الحين] وهو كي لهراسب بن كي أوج وكان كي لهراسب مشتغلا بقتال التّرك، فوجّه بختنصر إلى بني إسرائيل في المرة الأولى، ثم عاش بختنصر إلى زمن بهمن ابن كي يستاسب، وهو والد [اسبيدياذ] قاتل رستم الشيد، ويستاسب هو ابن لهراسب، وهؤلاء الملوك في [أوائل] أسمائهم كي ومعناها: البهاء في أحد الأقوال، ويقال لمدتهم مدة الكينيّة، ثم كانت بعدهم الملوك الأشغانية أيام ملوك الطوائف، وفي أيّامهم بعث عيسى بن مريم عليه السلام، وكانت دولتهم خمس مائة عام، ثم كانت بعدهم الملوك الساسانية، وكل هؤلاء فرس، وعلى هؤلاء قام الإسلام وآخرهم يزدجرد بن شهريار بن أبرويز، ويزدجرد هو المقتول في زمن عثمان.
(عس) ذكر الشيخ قوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا﴾ وقال: إنّ المرة الأولى حين قتلوا أرمياء وكان عليهم بختنصر، وقد قيل: بأنّ المرة الأولى كانت بسبب قتلهم زكريا عليه السلام، وقيل: بسبب قتلهم أشعيا وأنّ المبعوث عليهم عند ذلك ملك من ملوك فارس يقال له سابور ذو الأكتاف، وقيل: جالوت وقيل: سنحاريب. وأمّا المرة الثانية فذكر الشيخ - رضي الله عنه - أنّه قد اختلف فيمن كان المبعوث عليهم وفي أنّ ذلك كان بسبب قتل يحيى بن زكريا عليهما السلام، وحكى الطبري أنّه لا اختلاف بين أهل العلم في أنّ المرة الثانية هي سبب قتلهم يحيى بن زكريا وإن كان اختلفوا في المبعوث عليهم، فالأكثر أنّه بخت نصر، وقال الشيخ - رضي الله عنه - إنّ ذلك لا يصح لأنّ قتل يحيى كان بعد رفع عيسى، وبخت نصر كان قبل عيسى، وقيل الإسكندر، وبين الإسكندر وعيسى نحو من ثلاثمائة سنة.
قال (عس) وقد حكي أنّ بين إسكندر وبين مولد يحيى إحدى وخمسين سنة، وولد يحيى قبل عيسى بستة أشهر، فعلى هذا يقرب ذلك، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكاه الطبري في التفسير أنّ بخت نصر ملك سبعمائة سنة، فعلى هذا أيضا لا يبعد والله أعلم. وحكى الطبري في التاريخ عن ابن إسحاق أنّ المبعوث عليهم في المرة الثانية عند قتل يحيى بن زكريا ملك يقال له خردوس فوجّه إليهم رأسا من جنوده، ويقال له بيورزاذان فتولى قتلهم، ثم بعد ذلك سألهم عن دم يحيى عند ما عاينه يغلي فأخبروه به، فأسلم وكفّ القتل عنهم عند ما سكن الدّم، والله أعلم. وقد روي عن هشام بن محمد الكلبي: إنّ الذي سلّط عليهم في المرة الثانية هو ملك يقال له حوذر بن أشكان، والله أعلم. وبخت نصر هذا هو الذي خرّب بيت المقدس [وأخرج منه سبعين ألفا ومائة ألف عجلة من حليّ ثمّ ردّ بعد ذلك إلى بيت المقدس ] حين استقام بنو إسرائيل، ثمّ استخرجه ملك رومة فهو عندهم إلى أن يردّ في آخر الزمان، وهو وسق ألف سفينة وسبعمائة سفينة روي ذلك في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه الطبري، وكان بخت نصر قد حمل معه إلى بابل من أولاد الأنبياء من بني إسرائيل دانيال وعليا وعزوريا ومشائل وكان أكرمهم عنده دانيال وأقاموا عنده مدّة، ثمّ أراد قتلهم فجعلهم في أخدود، وجعل معهم سبعا ضاريا ليأكلهم فلم يعد عليهم، ووجد معهم رجل آخر كان ملكا من الملائكة فاستدعاه بخت نصر ليسأله فلطمه الملك فتحوّل في الوحش سبع سنين عقوبة له ثم رجع وردّ الله عليه ملكه، وكل ذلك مذكور في كتب الأخبار والتاريخ والله أعلم بالصحيح منه.
فهرس الكتاب