ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ 102 لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ 103 قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ 104 وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 105 ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 106 وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ 107 وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 108 وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 109 وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 110
الصفحة 141

مشكل الآية 103 من سورة الأنعام ودفع ما يوهم التعارض

لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ 103

قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية [الأنعام/ 103].
هذه الآية الكريمة توهم أن اللَّه تعالى لا يرى بالأبصار.
وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه يرى بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة/ 22 - 23]، وكقوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس/ 26]، فالحسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه الكريم.
وكذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق/ 35] على أحد القولين، وكقوله تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين/ 15] يفهم من دليل خطابه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم.
والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن المعنى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام/ 103] أي: في الدنيا. فلا ينافي الرؤية في الآخرة.
الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة. وهذا قريب في المعنى من الأول.
الثالث -وهو الحق-: أن المنفي في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكُنْهِ، أما مطلق الرؤية فلا تدل الآية على نفيه، بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة، واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك.
وحاصل هذا الجواب: أن الإدراك أخص من مطلق الرؤية؛ لأن الإدراك المراد به الإحاطة، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته. فمعنى ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تحيط به، كما أنه تعالى يَعْلَمُه الخلق ولا يحيطون به علمًا.
وقد اتفق العقلاء على أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فانتفاء الإدراك لا يلزم منه انتفاء مطلق الرؤية، مع أن اللَّه تعالى لا يُدْرِكُ كُنْهَه على الحقيقة أحد من الخلق.
والدليل على صحة هذا الوجه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعًا: "حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا، ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقًا.
والحاصل: أن رؤيته تعالى بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة؛ لأن كل موجود يجوز أن يرى عقلًا، ويدل لجوازها عقلًا قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف/ 143]؛ لأنه لا يجهل الجائز في حق اللَّه تعالى عقلًا.
وأما في الشرع: فهي جائزة وواقعة في الآخرة، ممتنعة في الدنيا. ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه مسلم وابن خزيمة مرفوعًا: "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". والأحاديث برؤية المؤمنين له يوم القيامة متواترة. والعلم عند اللَّه تعالى.
فهرس الكتاب