إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ 54 مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ 55 إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 56 فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ 57 وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ 58 وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ 59 وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ 60 ۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ 61 قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ 62
الصفحة 228

توجيه المتشابه اللفظي في الآية 58 من سورة هود

وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودࣰا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةࣲ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظࣲ 58

قد تأخرت عن مكانها من السورة، لأنها سئل عنها بعدما أمليت ما تقدم منها، فذكرناها في آخرها لئلا تغير تراجم المسائل، وترتيب الآي فيها.
فإن قال قائل: قوله تعالى في سورة هود 58 ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا﴾ وفي آخر السورة في قصة شعيب: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا﴾ هود: 94 فعطف لما على ما قبلها بالواو، وقال في قصتي صالح ولوط عليها السلام: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ هود: 66 وقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ هود: 82 نعطف لما بالفاء دون الواو، وما الفرق الذي أوجب اختلاف حرفي العطف في المواضع الأربعة من هذه السورة؟
والجواب أن يقال: إن هذا الحرف في قصة هود بعد خروج من خبر عنه، هو حكاية لقوله إلى ما هو إخبار من الله تعالى عما كان من فعله ألا تراه قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ هود: 54 إلى قوله: ﴿فإن تولوا فقد أبلغتكم مأرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا﴾ هود: 57 أي: يهلككم ويقيم غيركم مقامكم فينزل بكم أكبر الضرر، ولا تضرونه شيئا بعبادتكم غيره، ثم قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ هود: 58 فلم يتقدم تخويف بقرب ما أوعدوا به ليدل على اتصال الثاني بالأول واقتضاء العطف بالفاء، مكان العطف بالواو، وكان الموضع موضع الواو، لأن المراد الجمع بين الخبرين من دون ذكر ما يقلل الزمان بين الفعلين.
وكذلك قصة شيب لم يدل فيها على أنهم أوعدوا بعذاب قد أظلهم، وقرب منهم، وإنما أخبر عز وجل عن شعيب عليه السلام أنه قال لهم ﴿اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ هود: 93 فلم يتوعدهم بالاقتراب، بل دعاهم إلى الارتقاب، فالتخويف قارنه التسويف لقوله تعالى ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فكان الموضع موضع الواو لخروج ما قبله عما يقتضي اتصال الثاني به.
وليست كذلك الموضعان اللذان نسقا على الأول بالفاء، وهما قوله تعالى في قصة صالح: ﴿فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب * فلما جاء أمرنا نجينا صالحا﴾ هود: 65-66 وقوله في قصة لوط: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم احد إلا امرأته إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب* فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها﴾ هود 81-82 فكان ذلك بعقبه غير متراخ فاقتضى الفاء التي تدل على التعقيب واتصال ما بعدها بما قبلها من غير مهلة بينهما.
وكذلك جاء في سورة العنكبوت في قصة لوط في موضعين بالواو، وهما على هذا السبيل:
فالأول قوله بعد قصة لوط وقوله لقومه: (أئنكم لتأتون الفاحشة) العنكبوت: 28 إلى قوله: ﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ العنكبوت:
30 فاستنصر الله تعالى عليهم، ولم يتوعدهم بقرب عذاب منهم، وجاء بعده: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ﴾ العنكبوت: 31 فخرج عما كان بين لوط وبين قومه إلى قصة هي بين إبراهيم عليه السلام والملائكة عليهم السلام لما أتوه بالبشرى، وبإهلاك من في قرية لوط، فنزل لوط فيما كان من محاورتهم لإبراهيم منزلة الغائب عنهم، فكان الموضع موضع الواو لاختلاف القصتين وخلو الأولى عما قرب ما بين الحالين.
وكذلك قوله تعالى بعده: ﴿وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ العنكبوت: 33 خبر عن مجيء رسل الله عز وجل من الملائكة إلى لوط، وارتياعه لهم وفزعه لمجيئهم، وكان مجيئهم إلى ابراهيم عليه السلام مجيء البشرى لما قالوا ﴿سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ الذاريات: 25 فعطف هذه القصة على الأولى بالواو لاختلاف مورديهما، وأنه لم يكن في الأولى منهما ما يقتضي التصاق الثانية بها فتعطف عليها بالفاء.
انقضت سورة هود عليه السلام عن احدى عشرة آية واثنتي عشرة مسألة، فكملت مائة وإحدى وخمسين مسألة والله الموفق.
فهرس الكتاب