يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 6 وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 7 يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 8 وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ 9
الصفحة 108

توجيه المتشابه اللفظي في الآية 9 من سورة المائدة

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةࣱ وَأَجۡرٌ عَظِيمࣱ 9

قوله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ المائدة: 9.
وقال في آخر سورة الفتح 29: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
للسائل أن يسأل فيقول: لم رفع قوله (مغفرة وأجر عظيما). في الآية الأولى، ونصب في الثانية؟
والجواب أن يقال: لقوله تعالى: (لهم) في الأولى، وقوله: (منهم) في الثانية فائدة، وذلك أنه لما قال في الأولى، وقوله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ علم أنهم وعدوا بما هو حق لهم فعدل عن ذكر المفعول إلى جملة تضمنت معناه، والجملة ابتداء وخبر، وهي في موضع مفرد منصوب، كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا مغفرة.
ومثله قول الشاعر:
وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعينا سلسبيلا كأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء وجنات وعينا، فاللام في لهم داخلة على ضمير الصالحين فكأنها داخلة عليهم، وكأنه قال: وجدنا للصالحين جزاء، وعطف على موضع الجملة التي هي جزاء منصوبا، إذ كان موضع الجملة موضع نصب.
وأما الآية الأخرى فإن (منهم) فيها متعلقة ب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ومن تمامها، ولم يكن هناك ما ترتفع (مغفرة) به، فتعدى إليها الفعل الذي هو (وعد) فجرى على الأصل في نصب المفعول به.
فإن قيل: كيف يحتمل أن يبعض، والقوم الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ الفتح: 29 مع سائر ما وصفهم الله تعالى به، وأثنى عليهم بذكره، كلهم وعدوا مغفرة وأجرا عظيما؟
والجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما أن يقال: إن من في هذا المكان ليست للتبغيض، وإنما هي لتبيين الجنس، كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين هم هم، كما قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ الحج: 30، أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان.
والجواب الثاني أن يكون التقييد للتحذير، لأنهم وإن علم الله تعالى منهم الثبات على ما هم عليه من العمل الصالح فإنه لا يخليهم من الأمر والنهي والوعد والوعيد، على معنى: دوموا على ما أنتم عليه: فإن من داوم منكم عليه فقد وعده الله تعالى مغفرة وأجرا عظيما.
فإن قال قائل: فلماذا خصت الآية بأن جعل مفعولها الثاني جملة، والآية الثانية مفعولها مفردا.
قلت: لأن الأولى خطاب لقوم حثهم على توخي العدل فيما يحكمون به، وهو أعم من حث الصحابة الذين ذكرهم في آخر سورة الفتح، وأثنى عليهم بالشدة على الكفار، والرحمة للمؤمنين وملازمة الركوع والسجود وابتغاء رضوان الله، وأن مثلهم ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ إلى آخر الآية، فخص هؤلاء بصريح المغفرة وذكر أنه وعدهم ذلك.
وقال في الآية الأولى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات فكان إخبارا عن وعده إياهم، ثم أتى بخبر ثان فقال: لهم مفغرة على معنى: إن وافوا بذلك ولم يحبطوه بالسيئات، فجوز منهم هذا، ولم يعلق المغفرة بوعد فيعد به إليها.
وفي الآية الثانية حقق المغفرة لهم، وعدى الفعل إليها، وكان كالحكم بأنهم يوافون الآخرة بأعمالهم الصالحة، وقد وعدهم الله تعالى عنها المغفرة والأجر العظيم فلاق بكل آية ما خصت به فاعرفه إن شاء الله تعالى.
فهرس الكتاب