وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا 122 لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا 123 وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا 124 وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا 125 وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا 126 وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا 127
الصفحة 98

أحكام الآية 127 من سورة النساء

وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمࣰا 127

- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية:
اختلف في تأويل هذه الآية، فقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء، وقالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها أدنى من سنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا فيهن فيكملوا الصداق، أمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قالت: ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127]، أي: والذي يتلى عليكم في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ﴾ الآية، قالت عائشة: وقوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127]، رغبة أحدكم عن يتيمته التي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال.
وروي عن مجاهد أن المعنى: وإن تحرجتم من أكل أموال اليتامى فتحرجوا من الزنا وانكحوا النساء نكاحًا طيبًا. وفي تفسير عائشة رضي الله عنها الآية من الفقه ما قال به مالك في صداق المثل، والرد إليه فيما فسد صداقه أو وقع الغبن في مقداره لقولها: من سنة صداقها، فوجب أن يكون الصداق معروفًا لكل طبقة من الناس على قدر أحوالهم. وإذا كان الله تعالى قد نهى عن نكاح اليتيمة حتى تبلغ صداق مثلها، فواجب أن لا يكون نكاح بقبضة تبن ولا بما لا خطر له، كما قال جماعة من العلماء منهم ابن وهب. وفيه أن اليتيمة ذات الوصي لا يجوز أن يزوجها الوصي بأقل من صداق مثلها، وهذا مذهب مالك. خلاف مذهب ابن القاسم في أن ذلك جائز له على وجه النظر: إلا أنه شرط رضاها، وفي ذلك نظر. واختلف في اليتيمة التي لها ولي وليس بوصي هل يجوز رضاها بأقل من صداقها أم لا؟ على قولين منصوصين. والأظهر أن ليس لها ذلك لأنها يتيمة، فهي على تفسير عائشة داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ﴾. وفيه أن المرأة غير اليتيمة جائز أن تنكح بأدنى من صداق مثلها؛ لأنه إنما حرم ذلك في اليتامى وأباحه في غيرهن، كذات الأب لأبيها أن يزوجها بأقل من مهر مثلها، خلافًا للشافعي في قوله: ليس لأبيها ذلك، وكالثيب التي لا حجر عليها، جائزلها أن ترضى بأقل من مهر مثلها، وليس للولي في ذلك قول خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن مهر المثل من الكفاءة. وفيه أن ولي اليتيمة له أن ينكحها من نفسه إذا عدل في صداقها، وهو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما.
وقال الشافعي وغيره: لا يجوز أن يزوجها هو من نفسه، وقد جاء عن مالك الكراهية في أن يزوج الرجل وليته من نفسه أو من ابنه. وقع ذلك في ((الواضحة)). وفي الآية دليل على أن الولي شرط في النكاح، خلافًا لمن يجيز النكاح بغير ولي جملة، دنية كانت المرأة أو شريفة؛ لأن الله تعالى خاطب بإنكاح اليتامى والأولياء، ولولا أن أمر نكاحهم إليهم لما خاطبهم بذلك، ومثل هذا الكتاب العزيز كثير؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: 232]، وقوله: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾ [النور: 32]، وقوله: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: 221]، وقد تقدم. وأما تفرقة أهل الظاهر بين البكر والثيب في ذلك، وقولهم: إن كانت بكرًا فلا بد من ولي، وإن كانت ثيبًا فلا تحتاج إلى ولي فلا وجه له، وهو خلاف ظاهر الآية، لأن الله تعالى لم يخص بالخطاب ولي الثيب دون ولي البكر.
واحتج أبو حنيفة ومحمد بن الحسن بهذه الآية، في أنه يجوز للولي أن يزوج من نفسه اليتيمة التي لم تبلغ. ورأيا أن المراد باليتامى في الآية اللائي هن على تلك الصفة، وهي التي لا أمر لها في صداقها، فأما من هي بالغ فلها الأمر في صداقها، ولها أن تراضي وليها على ما شاءت ثم يتزوجها على ذلك فيكون لها حلالًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾.
وهذا لا يجوز عند مالك والشافعي وغيرهما، ويفسخ هذا النكاح عند مالك قبل الدخول وبعده. ومن الحجة على أبي حنيفة ومن تابعه أنه قد يكون في اليتامى من تجوز حد البلوغ وهي بعد سفيهة، فلا يجوز بيعها ولا شيء من أفعالها؛ فأمر الله تعالى أولياءهن بالإقساط لهن في صدقاتهن، فليس هو أولى بالتأويل ممن عارضه، وتأويل الآية في اليتيمة البالغ السفيهة أو في جميع اليتامى. وقد اختلف في اليتيمة غير البالغ هل يجوز تزويجها قبل البلوغ بغير الأب أم لا؟ فلم يجز ذلك مالك. ورأى أن عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ﴾ مخصص باليتيمة البالغ، وأجازه في رواية أخرى عنه إذا كانت ذات حاجة، وأجازه غيره كيفما كانت، واحتج بعموم هذه الآية.
فيترتب على هذا الخلاف في اليتامى: هل المراد بهن البوالغ خاصة أم لا؟ ومن حجة من خصه بالبالغ أن عائشة قالت: ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾، والصغار لا يسمين نساء، فإن قيل: اليتيم حقيقة في الصغيرة: وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يُتم بعد حلم))، واسم النساء يتناول الصغيرة في قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾، وقوله: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء﴾ [النساء: 22].
فيقال في الجواب عنه: إن اسم النساء في قبيل الإناث كاسم الرجال في قبيل الذكور، واسم الرجال لا يتناول الصغير، واسم النساء والمرأة لا يتناول الصغيرة والصغائر والآيات التي وقع الاستشهاد بها يمكن أن يكون اللفظ لغير الصغيرة، ولكن يثبت مثل ذلك الحكم في الصغيرة بدليل الإجماع واليتم يطلق على البوالغ مجازًا، بدليل أنه ذكر النساء ولا يمكن تعطيل لفظ النساء الذي هو حقيقة في البالغات؛ فإن قيل: فإن كان المراد بذلك البالغ فكيف يتجه قول من يجوز لها النكاح بأقل من مهر المثل برضاها، فالجواب أن يكون معنى الآية أن يستضعفها الولي ويستولي على مالها وهي لا تقدر على مقاومته، وإذا ثبت أن المراد بالآية البالغ لم يكن في كتاب الله تعالى ما يدل على جواز تزويج الصغيرة، وقد صار ابن شبرمة إلى أن تزويج الآباء الصغار لا يجوز وهو مذهب ابن القاسم لا الأصم، لما في ذلك من تفويتها لغير تعجيل مصلحة. وقد استدل قوم على جواز تزويج الصغيرة بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، فحكم بصحة طلاق الصغيرة، والطلاق لا يقع إلا بعد نكاح صحيح، إلا أن يقال: ليس في القرآن ذكر الطلاق وإنما فيه ذكر العدة، والعدة قد تتصور بالنكاح الفاسد أو على حكم الشبهة، أو في حق الأمة تزوجها مولاتها، وهي صغيرة توطأ وللاعتماد على ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تزوج عائشة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين.
فهرس الكتاب