وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا 128 وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 129 وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا 130 وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدٗا 131 وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا 132 إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا 133 مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا 134
الصفحة 99

أحكام الآية 129 من سورة النساء

وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِيمࣰا 129

وقوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾:
هذه الآية على ما قال الضحاك والحسن وغيرهما ناسخة لما كان في الجاهلية، وفي أول الإسلام من أنه كان للرجل أن يتزوج ما شاء له من الحرائر فقصرتهم الآية على أربع، فلا يجوز الجمع بين أكثر من أربع لظاهر هذه الآية، وقد ذهب قوم لا يعبأ بخلافهم إلى أنه يجوز الجمع بين تسع. واحتجوا بأن معنى قوله تعالى: ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ يفيد الجمع بين العدد، بدليل أنه عليه الصلاة والسلام مات عن تسع، ولنا فيه أسوة حسنة. وقال قوم أيضًا، لا يعد خلافهم: يجوز أي عدد كان قليلًا أو كثيرًا، وقالوا: إن معنى الآية أن ينكح اثنتين وثلاثًا وأربعًا إلى ما كان من العدد، واستغنى بذكر بعض الأعداد عن استقصائها، وهذا كما تقول: قرأت: ((أ، ب))... تريد جميع حروف أبجد، ولكن تقتصر على بعضها، وهذا في كلام العرب كثير. وحجة أهل القول الأول أن أهل التفسير اتفقوا في تأويل هذه الآية على أنه أراد التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن ذلك اللفظ المختصر غير الموهم، وهو تسع، إلى لفظ غير مختصر موهم وهو مثنى ثلاث ورباع، فلما كان ذلك علمان أن المعنى مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع؛ فإن التخيير كقوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ مثنى وثلاث ورباع. وأما احتجاجهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان مخصوصًا بذلك كام خص بأن ينكح بغير صداق وأن لا تنكح أزواجه من بعده. وقد روي أن غيلان بن سلمة أسلم عن عشر نسوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اختر منهن أربعة وفارق سائرهن)).
وأما قول من أجاز الجمع بين القليل والكثير، فقول ظاهر الفساد في العربية وترده الآثار، ولولا أن بعض أهل الخلاف ذكر هذين القولين لأعرضت عن ذكرهما، واختلفوا في العبد هل له أن يتزوج أربعًا أم ليس له أن يتزوج إلا اثنتين، فقال أهل الظاهر وجماعة معهم: إن للعبد أن يتزوج أربعًا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يتزوج إلا اثنتين. وعن مالك في ذلك روايتان. ودليل إجازة ذلك قوله: ﴿فانحكوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، فعم واختلف هل للحر أن يتزوج أربع مملوكات إذا خشي العنة أم لا؟
فذهب مالك ومن تابعه إلى جوازه، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يتزوج إلا واحدة. وقال حماد: لا يتزوج إلى اثنتين، ودليل نكاح الأربع قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ فعم.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾]
المراد به العدل في القسم بينهن؛ كما قال: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآية [النساء: 129]. والعدل في القسم بينهن والجور فيما يظهر لهن وهو الذي يملكه الإنسان. وأما الميل بالقلب فشيء لا يملك، فلا يتصور العدل فيه. ودل مضمون هذه الآية على أن لا عدد في ملك اليمين ولا وجوب في القسم والعدل بينهن، وظن وقوم أن المرد به العطف على قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء.... أو ما ملكت أيمانكم﴾.
وهذا يدل عند من قال: هذا على أنه يجوز التزوج بأربع من الإماء كما أجاز التزوج بأربع حرائر، وهذا فيه نظر؛ لأن العطف هل يرجع إلى أقرب مذكور أو يجوز رجوعه إلى أبعد مذكور، فيه نظر، وفيه أيضًا دليل على أن النكاح ليس بواجب كما يقول أهل الظاهر، وإنما هو في الجملة مرغب فيه.
ووجه الدليل من الآية أن ملك اليمين ليس بواجب بالإجماع، وقد خير الله تعالى بين النكاح وبين ملك اليمين، ولا يصح التخيير بين الواجب وما ليس بواجب؛ لأن ذلك مخرج للواجب عن الوجوب. ومن الدليل أيضًا على ذلك قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: 5 - 6]، لأن من حفظ فرجه بملك يمينه واستغنى به عن النكاح توجهت المدحة إليه من الله تعالى.
[ - وقوله: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾]
اختلف في معناه فقيل: معناه أن لا تجوروا عن الحق وتميلوا، وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقيل: معناه أن لا يكثر عيالكم، واستدل به الشافعي على أن على الرجل مؤنة امرأته، قال بعضهم: الشافعي حجة في اللغة.
واعترض قوله من وجهين، أحدهما: أن الله تعالى قد أحل بملك اليمين ما شاء الإنسان من العدل. والثاني: أنه ليس بمعروف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله، وإنما المعروف في ذلك عال يعيل، كذا قال بعضهم: وهي لغة معروفة. قال الكسائي: عال يعول بمعنى كثر عياله، فصيحة سمعتها من العرب.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾]
قيل: النحلة العطية على غير وجه المثوبة، وقيل: معنى النحلة فريضة. وقيل: معناه دينًا أي تعبدًا. وقيل: سميت نحلة لأنه قد كان يجو ألا يعطين شيئًا فنحلهن الله تعالى ذلك. وقيل: لا تكون نحلة إلا فيما طابت به النفس لا فيما أكره عليه. وفي هذه الآية رد لقول من يرى الصداق عوضًا من البضع، وهو قول كثير من الناس.
والله تعالى قد سماه نحلة، والنحلة ما لم يعتض عليه، فهو نحلة من الله تعالى فرضها للزوجات على أزواجهن لا عن عوض الاستمتاع بها؛ لأن كل واحد منهما يستمتع بصاحبه، ولهذا المعنى يفتقر عقد النكاح إلى تسمية صداق. ولهذا استحب بعضهم أن يكتب في الصدقات عوض هذا ما أصدق، هذا ما نحل به فلان زوجه فلانة، ذكره ابن شعبان.
وفي هذه الآية دليل على أن النكاح لا يكون إلا بصداق، وليس الصدقات التي أمر الله تعالى بنحلها غير الأعيان الممتلكة. فأما ما لم يكن عينًا ممتلكًا، وإنما هو منفعة من المنافع التي لا تتملك كالإجارة على أن يحج بها أو نحوها، أو تعليم قرآن وشيء منه خلافًا للشافعي. وذكر اللخمي في النكاح عن الإجارة أو على أن يحج عن المرأة ثلاثة أقوال: الكراهية عن مالك، والإجازة عن أصبغ، والمنع عن ابن القاسم؛ ثم قال: والقول بجواز جميع ذلك حسن؛ لأن الإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى، والصدقات في الآية على قوله: تجمع الأعيان والمنافع.
وقيل: سبب الآية أن الرجل كان يزوج أخته على أن يزوجه الآخر أخته ولا صداق لواحد منهما وهو الشغار، وهو عندي أدل دليل على أن النكاح لا يجوز بالمنافع. واختلف في المخاطبين بهذه الآية، فأكثر العلماء على أن المخاطب بها الأزواج. وقال بعضهم: هي للأولياء؛ لأن الولي كان يأخذ الصداق لنفسه.

وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون، فإن الله كان غفورًا رحيمًا لما لا تملكون متجاوزًا عنه.
وقال الطبري: معنى الآية غفورًا لما سلف منكم من الميل قبل نزول الآية.
فهرس الكتاب