يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 4
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية:
تقديره على القول بأن سبب نزول الآية السؤال عما يحل من الصيد، وصيد ما علمتم من الجوارح، وتقديره على القول بأن سببها السؤال عما يحل من الكلاب، واتخاذ ما علمتم من الجوراح، ففي هذه الآية على هذا القول أن اتخاذ كلب الصيد حلال. ويجري مجرى كلب الصيد في إباحة الاتخاذ كلب الزرع، وكلب الضرع، إذ إنما أباح الله تعالى كلب الصيد لما فيه المنفعة، وهذان الآخران أيضًا فيهما من المنافع ما يعدل منفعة كلب الصيد، فجاز اتخاذهما، ولا خلاف بين الفقهاء في جواز اتخاذ هذه الكلاب لما قدمناه، ولما يعضد ذلك من الحديث مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((من اتخذ كلبًا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراط)).
واختلف هل يجوز اتخاذها لحراسة الدور قياسًا على ما أبيح من ذلك لا؟ وكذلك اختلف العلماء هل يجوز اتخاذ كلب الصيد لمن بصائد أم لا؟ وظاهر الآية أنه يجوز اتخاذها للصيد، ومن لم يكن من أهل الصيد لم يجز له اتخاذها. ودليل وخطاب الآية أن ما عدا الكلاب الثلاثة التي قدمنا إذا لم يجز اتخاذها هل تترك أم تقتل؟ فروي عن مالك أنها تقتل، ومن حجته ظاهر خطاب الآية مع ما قدمنا من أن سبب نزولها قتل الكلاب.
ولما جاء من أنه عليه الصلاة أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو غنم أو ماشية.
وذهب قوم إلى أنها لا يقتل منها إلا الأسود البهيم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((اقتلوا كل أسود بهيم))، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من أنه شيطان، وذهب بعضهم إلى أنه لا يقتل منها شيء إلا أن يضر، وفي عطف قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ على قوله: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ احتمال ظاهر وهو أن المعلم من الجوارح حلال للأكل كالطيبات. قال أبو الحسن: وذلك بعيد فإن الذي يبيح لحم الكلب إن صح ذللك عن مالك لا يخص الإباحة بالمعلم، فعلى هذا في الكلام حذف، وإن كان لا بد من الحذف فالتقدير: وصيد ما علمتهم.
وذكر بعضهم أن الآية تدل على إباحة ما علمناه من الجوارح، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع من الصيد بها والبيع لها، والإجارة ونحو ذلك.
وهذا بعيد، لأن السؤال والجواب إنما يقتضيان منفعة الصيد خاصة.
ومن حجة من قال أنها الحلال أن ضد الطيب الخبيث، والخبيث حرام، فإذًا الطيب حلال، قال الله تعالى: ﴿ويحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث﴾ [الأعراف: 157]، وقال تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: 51]، يعني الحلال.
قال أبو الحسن: ويبعد تفسيره بالحلال لأن التقدير بصير كأنه قال: يسألونك ماذا أحل لهم؟ قال: أحل لكم ما أحل لكم، وهذا لا يليق ببيان صاحب الشريعة، مع أن هذا الحلال إنما جاء مناقضة لليهود فيما حرم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160]. وأخذ الشافعي من هذه الآية جواز أكل الضب والثعلب، قال: لأن العرب كانت تستطيبها، وكل ما تستطيبه العرب فهو حلال وإن كان لا تشتهيه نفوس العجم. وكرههما أبو حنيفة وأجاز مالك أكل الضب، وكره ثعلب. ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى.
[ - قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾]
اختلف في الجوارح التي نعلم ويؤكل صيدها ما هي بعد اتفاقهم على أن الكلب منها. فقال الجمهور: هي التي يصاد بها، وهي الكلاب والفهود والبزاة والصقور وما أشبه ذلك. وصيد هذه كلها حلال إذا علمت.
وقال بعضهم: هي الكلاب خاصة، قالوا: ولا يجوز أكل صيد غير صيد الكلب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. وقال بعضهم: هي الكلاب خاصة ما لم تكن سودًا بهمًا، فصيد السود البهم عندهم لا يجوز، كما لا يجوز صيد غير الكلب. وجوز قوم صيد الكلب والبازي خاصة لحديث عدي بن حاتم إذ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البازي، فقال: ((ما أمسك عليك فكل))، فكانت الجوارح البزاة والكلاب على قول هؤلاء خاصة، والقول الأول أظهر. فأما قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ معناه: معلمين وأصله من التكليب وهو تعليم الكلاب الاصطياد، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل من علم شيئًا من الجوارح مكلبًا، فتكليبها تعليمها الاصطياد.
وقيل: مكلبين أصحاب كلاب. واشتقاق الجوارح من الجرح وهو الكسب.
وقال قوم: من الجوارح فهي على ما شيء من ذلك. وقد اختلف في تعليم الجوارح على أربعة أقوال، أحدها: قول ابن القاسم وأشهب: أن التعليم يصح بوجهين، أحدهما: أن يفهم الإشلاء والزجر. والثاني: أن يصح بوجه واحد وهو الإشلاء. والثاني: الزجر. والثالث: الإجابة عند الدعاء، وهذا القول لابن القاسم أيضًا ذكره عنه ابن الماجشون. والقول الرابع: الفرق بين الطير وغيرها فيراعى من غير الطير ثلاثة أوجه: الإشلاء، والانزجار، والإجابة، يراعى في الطير وجهان: الإجابة والإشلاء. قالوا: ولا يراعى فيها الانزجار لأنه غير ممكن فهو وهو قول ربيعة وابن الماجشون وابن حبيب.
[ - وقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾]
يريد ما طبع في الكبير منا والصغير من إنسادها وتضريتها على الصيد.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾]
ظاهره: أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه. وقال جماعة من أهل العلم: إذا أكلت من الصيد فلا يؤكل، قالوا: وإذا أكلت من الصيد فلم تمسك إلا على نفسها ولم تمسك علينا، والله تعالى إنما أباح لنا ما أمسكت علينا. وقال ناس: أنه لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه، ولم يقولوا ذلك في سائر الجوارح، واحتجوا بحديث عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أكل الكلب فلا تأكل))، فجعل هذا الحديث كأنه مخصص للآية، وهذا الذي احتجوا به يعارضه ما جاء في حديث آخر من أنه قال: ((إذا أكل فكل)) مع ما في ذلك الحديث من أوجه تضعفه. وقال بعضهم في البازي خاصة: إذا أكل فكل ما بقي ولم ير سائر الجوارح كذلك، وهذا أضعف الأقوال. واختلف أيضًا إذا شرب من الدم هل يؤكل صيده أم لا؟ فالجمهور على أكله لما قدمناه من ظاهر عموم الآية، وكرهه قوم منهم الثوري. والذين ذهبوا إلى اعتبار ترك الأكل من صيد الجارح في الكلب يأخذ من الصيد ويمسكه على صاحبه ويؤخذ آخر فيأكل منه. ففي قول أبي حنيفة: لا يؤكل شيء من ذلك، وفي قول الثوري: يؤكل الأول ولا يؤكل الثاني الذي أكل منه. ودليل من يجيز الأكل في ذلك كله عموم الآية قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يفرق. واختلفوا في قدر ما يختبر به الكلب وحينئذ يصح صيده؟ فقال أصحاب أبي حنيفة: إذا صاد الكلب فأمسك ثلاث مرات، فقد حصل منه التعلم. وقال بعضهم: إذا حصل منه ذلك مرة واحدة فهو معلم. وترك الحد في ذلك أجرى على لفظ الآية لمن ذهب مذهبهم فيها. واختلف في الرجل يرسل كلبه أو سهمه على ما رأى وينوي ما لم ير فيصيب ما لم ير هل يؤكل أم لا على قولين، أحدهما: الإجازة؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يخصص. واختلف فيمن أغرى كلبه وقد رأى الصيد ولم يكن في يده فصاد بإغرائه هل يؤكل أم لا؟ فعن مالك فيه روايتان، والحجة للجواز قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
واختلف إذا أدرك الصيد والكلاب تنهشه ولم تنفذ مقاتله وقدر على تخليصه أو لم يقدر فلم يذكه حتى مات هل يؤكل أم لا؟ فذهب قوم: إلى أنه لا يؤكل، وذهب قوم: إلى أنه يؤكل. وذهب مالك: إلى أنه إن قدر على تخليصه وتذكيته فلم يفعل هذا حتى مات فلا يؤكل، وإن لم يقدر على تخليصه وتذكيته حتى مات أكل، ومن حجة من يجيز عموم الآية؛ إذ لم يفرق، وحجة مالك رحمه الله أنه لما رأى الصيد وكان يقدر على تخليصه رآه مثل سائر الحيوان المقدور عليه الذي لا يؤكل إلا بالذكاة المعروفة. واختلف في الكلاب إذا نيبت الصيد ولم تجرحه أو صدمته أو ضربه الرجل بسيفه ولم يدمه، فقال ابن القاسم: ليس بذكي. وقال أشهب: يؤكل وهو مذكى، فأجاز ذلك أشهب؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وهذا إمساك، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي: ((كل ما أمسك عليك كلبك، فإن أخذه ذكاة))، والقول الأول أحسن لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، فالمفهوم منها ما جرح، ولأن الغالب المعتاد فيها أنها تجرح في حين الاصطياد فوجب ما تعليق الحكم بالغالب. واختلف في كلب المجوسي واليهودي والنصراني إذا كانوا قد علموه فصاد به مسلم، فكره ذلك جماعة، وكأنهم رأوا أن الآية لا تقتضي من الكلاب إلا ما علمه المسلمون؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، فالمفهوم خطاب المسلمين. وأجازه فقهاء الأمصار، ورأوا أن المراد بذلك ما علم من الكلاب سواء علمه مسلم أو غيره إذا ولي الصيد به مسلم.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾]
هذا أمر من الله تعالى على الصيد والذبح بمنزلة الصيد، وقد اختلف الناس في التسمية عليهما، فقيل: إن التسمية عند الإرسال وعند الذبح فريضة فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يؤكل الصيد ولا المذبوح، وهذا قول أهل الظاهر. وذهب قوم إلى أن التسمية مندوب إليها، فإن لم يسم الله تعالى عمدًا أو سهوًا عند الإرسال أو الذبح أكل الصيد والمذبوح، وهذا قول الشافعي وإلى نحو هذا ذهب أشهب. وذهب قوم إلى أنه إن تركت التسمية عمدًا لم يؤكل، وإن تركت سهوًا أكل، وهو قول مالك ومن تابعه. واختلف أصحاب مالك في قوله: إن من ترك التسمية عمدًا لم يؤكل هل ذلك على التحريم أم على الكراهة على قولين. فأما أهل الظاهر فحملوا قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أنه على الوجوب، وقالوا: إن المراد بذلك التسمية عند الإرسال. وأما الشافعي ومن تابعه فحملوا ذلك الأمر على الندب، وقال ابن القصار: والدليل على أن التسمية ليست بواجبة، قوله تعالى: فكلوا مما أمسكن عليكم، فامر بأكل ما أمسكن علينا ثم عطف على الأكل قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، والهاء في ((عليه)) ضمير الأكل لأنه أقرب مذكور، فإن قيل: الهاء من ((عليه)) عائدة على الإرسال، قيل: لو كان شرطها لذكرها قبله ولم يذكرها بعده، ولما قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وقال بعدما تقدم الأكل: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، لم يخل أن يريد بالتسمية التسمية على الإمساك الذي حصل قد حصل، فكأنه قال: إذا أمسك علينا فحينئذ نسمي، أو يريد بالتسمية التسمية على الأكل، فبطل أن تراد التسمية بعد الإمساك علينا من غير أكل، لأنه ليس بقول لأحد، لأن الناس على قولين: إما أن تكون التسمية قبل الإرسال أو قبل الإمساك أو يكون المراد بها عند الأكل، وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التي كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها. ولفظ التسمية: باسم الله، والله أكبر.
واختلف هل يذكر معها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فكرهه مالك ومن تابعه، وأجازه آخرون. والحجة لمالك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فخص.
تقديره على القول بأن سبب نزول الآية السؤال عما يحل من الصيد، وصيد ما علمتم من الجوارح، وتقديره على القول بأن سببها السؤال عما يحل من الكلاب، واتخاذ ما علمتم من الجوراح، ففي هذه الآية على هذا القول أن اتخاذ كلب الصيد حلال. ويجري مجرى كلب الصيد في إباحة الاتخاذ كلب الزرع، وكلب الضرع، إذ إنما أباح الله تعالى كلب الصيد لما فيه المنفعة، وهذان الآخران أيضًا فيهما من المنافع ما يعدل منفعة كلب الصيد، فجاز اتخاذهما، ولا خلاف بين الفقهاء في جواز اتخاذ هذه الكلاب لما قدمناه، ولما يعضد ذلك من الحديث مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((من اتخذ كلبًا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراط)).
واختلف هل يجوز اتخاذها لحراسة الدور قياسًا على ما أبيح من ذلك لا؟ وكذلك اختلف العلماء هل يجوز اتخاذ كلب الصيد لمن بصائد أم لا؟ وظاهر الآية أنه يجوز اتخاذها للصيد، ومن لم يكن من أهل الصيد لم يجز له اتخاذها. ودليل وخطاب الآية أن ما عدا الكلاب الثلاثة التي قدمنا إذا لم يجز اتخاذها هل تترك أم تقتل؟ فروي عن مالك أنها تقتل، ومن حجته ظاهر خطاب الآية مع ما قدمنا من أن سبب نزولها قتل الكلاب.
ولما جاء من أنه عليه الصلاة أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو غنم أو ماشية.
وذهب قوم إلى أنها لا يقتل منها إلا الأسود البهيم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((اقتلوا كل أسود بهيم))، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من أنه شيطان، وذهب بعضهم إلى أنه لا يقتل منها شيء إلا أن يضر، وفي عطف قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ على قوله: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ احتمال ظاهر وهو أن المعلم من الجوارح حلال للأكل كالطيبات. قال أبو الحسن: وذلك بعيد فإن الذي يبيح لحم الكلب إن صح ذللك عن مالك لا يخص الإباحة بالمعلم، فعلى هذا في الكلام حذف، وإن كان لا بد من الحذف فالتقدير: وصيد ما علمتهم.
وذكر بعضهم أن الآية تدل على إباحة ما علمناه من الجوارح، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع من الصيد بها والبيع لها، والإجارة ونحو ذلك.
وهذا بعيد، لأن السؤال والجواب إنما يقتضيان منفعة الصيد خاصة.
ومن حجة من قال أنها الحلال أن ضد الطيب الخبيث، والخبيث حرام، فإذًا الطيب حلال، قال الله تعالى: ﴿ويحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث﴾ [الأعراف: 157]، وقال تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: 51]، يعني الحلال.
قال أبو الحسن: ويبعد تفسيره بالحلال لأن التقدير بصير كأنه قال: يسألونك ماذا أحل لهم؟ قال: أحل لكم ما أحل لكم، وهذا لا يليق ببيان صاحب الشريعة، مع أن هذا الحلال إنما جاء مناقضة لليهود فيما حرم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160]. وأخذ الشافعي من هذه الآية جواز أكل الضب والثعلب، قال: لأن العرب كانت تستطيبها، وكل ما تستطيبه العرب فهو حلال وإن كان لا تشتهيه نفوس العجم. وكرههما أبو حنيفة وأجاز مالك أكل الضب، وكره ثعلب. ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى.
[ - قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾]
اختلف في الجوارح التي نعلم ويؤكل صيدها ما هي بعد اتفاقهم على أن الكلب منها. فقال الجمهور: هي التي يصاد بها، وهي الكلاب والفهود والبزاة والصقور وما أشبه ذلك. وصيد هذه كلها حلال إذا علمت.
وقال بعضهم: هي الكلاب خاصة، قالوا: ولا يجوز أكل صيد غير صيد الكلب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. وقال بعضهم: هي الكلاب خاصة ما لم تكن سودًا بهمًا، فصيد السود البهم عندهم لا يجوز، كما لا يجوز صيد غير الكلب. وجوز قوم صيد الكلب والبازي خاصة لحديث عدي بن حاتم إذ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البازي، فقال: ((ما أمسك عليك فكل))، فكانت الجوارح البزاة والكلاب على قول هؤلاء خاصة، والقول الأول أظهر. فأما قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ معناه: معلمين وأصله من التكليب وهو تعليم الكلاب الاصطياد، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل من علم شيئًا من الجوارح مكلبًا، فتكليبها تعليمها الاصطياد.
وقيل: مكلبين أصحاب كلاب. واشتقاق الجوارح من الجرح وهو الكسب.
وقال قوم: من الجوارح فهي على ما شيء من ذلك. وقد اختلف في تعليم الجوارح على أربعة أقوال، أحدها: قول ابن القاسم وأشهب: أن التعليم يصح بوجهين، أحدهما: أن يفهم الإشلاء والزجر. والثاني: أن يصح بوجه واحد وهو الإشلاء. والثاني: الزجر. والثالث: الإجابة عند الدعاء، وهذا القول لابن القاسم أيضًا ذكره عنه ابن الماجشون. والقول الرابع: الفرق بين الطير وغيرها فيراعى من غير الطير ثلاثة أوجه: الإشلاء، والانزجار، والإجابة، يراعى في الطير وجهان: الإجابة والإشلاء. قالوا: ولا يراعى فيها الانزجار لأنه غير ممكن فهو وهو قول ربيعة وابن الماجشون وابن حبيب.
[ - وقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾]
يريد ما طبع في الكبير منا والصغير من إنسادها وتضريتها على الصيد.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾]
ظاهره: أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه. وقال جماعة من أهل العلم: إذا أكلت من الصيد فلا يؤكل، قالوا: وإذا أكلت من الصيد فلم تمسك إلا على نفسها ولم تمسك علينا، والله تعالى إنما أباح لنا ما أمسكت علينا. وقال ناس: أنه لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه، ولم يقولوا ذلك في سائر الجوارح، واحتجوا بحديث عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أكل الكلب فلا تأكل))، فجعل هذا الحديث كأنه مخصص للآية، وهذا الذي احتجوا به يعارضه ما جاء في حديث آخر من أنه قال: ((إذا أكل فكل)) مع ما في ذلك الحديث من أوجه تضعفه. وقال بعضهم في البازي خاصة: إذا أكل فكل ما بقي ولم ير سائر الجوارح كذلك، وهذا أضعف الأقوال. واختلف أيضًا إذا شرب من الدم هل يؤكل صيده أم لا؟ فالجمهور على أكله لما قدمناه من ظاهر عموم الآية، وكرهه قوم منهم الثوري. والذين ذهبوا إلى اعتبار ترك الأكل من صيد الجارح في الكلب يأخذ من الصيد ويمسكه على صاحبه ويؤخذ آخر فيأكل منه. ففي قول أبي حنيفة: لا يؤكل شيء من ذلك، وفي قول الثوري: يؤكل الأول ولا يؤكل الثاني الذي أكل منه. ودليل من يجيز الأكل في ذلك كله عموم الآية قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يفرق. واختلفوا في قدر ما يختبر به الكلب وحينئذ يصح صيده؟ فقال أصحاب أبي حنيفة: إذا صاد الكلب فأمسك ثلاث مرات، فقد حصل منه التعلم. وقال بعضهم: إذا حصل منه ذلك مرة واحدة فهو معلم. وترك الحد في ذلك أجرى على لفظ الآية لمن ذهب مذهبهم فيها. واختلف في الرجل يرسل كلبه أو سهمه على ما رأى وينوي ما لم ير فيصيب ما لم ير هل يؤكل أم لا على قولين، أحدهما: الإجازة؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يخصص. واختلف فيمن أغرى كلبه وقد رأى الصيد ولم يكن في يده فصاد بإغرائه هل يؤكل أم لا؟ فعن مالك فيه روايتان، والحجة للجواز قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
واختلف إذا أدرك الصيد والكلاب تنهشه ولم تنفذ مقاتله وقدر على تخليصه أو لم يقدر فلم يذكه حتى مات هل يؤكل أم لا؟ فذهب قوم: إلى أنه لا يؤكل، وذهب قوم: إلى أنه يؤكل. وذهب مالك: إلى أنه إن قدر على تخليصه وتذكيته فلم يفعل هذا حتى مات فلا يؤكل، وإن لم يقدر على تخليصه وتذكيته حتى مات أكل، ومن حجة من يجيز عموم الآية؛ إذ لم يفرق، وحجة مالك رحمه الله أنه لما رأى الصيد وكان يقدر على تخليصه رآه مثل سائر الحيوان المقدور عليه الذي لا يؤكل إلا بالذكاة المعروفة. واختلف في الكلاب إذا نيبت الصيد ولم تجرحه أو صدمته أو ضربه الرجل بسيفه ولم يدمه، فقال ابن القاسم: ليس بذكي. وقال أشهب: يؤكل وهو مذكى، فأجاز ذلك أشهب؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وهذا إمساك، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي: ((كل ما أمسك عليك كلبك، فإن أخذه ذكاة))، والقول الأول أحسن لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، فالمفهوم منها ما جرح، ولأن الغالب المعتاد فيها أنها تجرح في حين الاصطياد فوجب ما تعليق الحكم بالغالب. واختلف في كلب المجوسي واليهودي والنصراني إذا كانوا قد علموه فصاد به مسلم، فكره ذلك جماعة، وكأنهم رأوا أن الآية لا تقتضي من الكلاب إلا ما علمه المسلمون؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، فالمفهوم خطاب المسلمين. وأجازه فقهاء الأمصار، ورأوا أن المراد بذلك ما علم من الكلاب سواء علمه مسلم أو غيره إذا ولي الصيد به مسلم.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾]
هذا أمر من الله تعالى على الصيد والذبح بمنزلة الصيد، وقد اختلف الناس في التسمية عليهما، فقيل: إن التسمية عند الإرسال وعند الذبح فريضة فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يؤكل الصيد ولا المذبوح، وهذا قول أهل الظاهر. وذهب قوم إلى أن التسمية مندوب إليها، فإن لم يسم الله تعالى عمدًا أو سهوًا عند الإرسال أو الذبح أكل الصيد والمذبوح، وهذا قول الشافعي وإلى نحو هذا ذهب أشهب. وذهب قوم إلى أنه إن تركت التسمية عمدًا لم يؤكل، وإن تركت سهوًا أكل، وهو قول مالك ومن تابعه. واختلف أصحاب مالك في قوله: إن من ترك التسمية عمدًا لم يؤكل هل ذلك على التحريم أم على الكراهة على قولين. فأما أهل الظاهر فحملوا قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أنه على الوجوب، وقالوا: إن المراد بذلك التسمية عند الإرسال. وأما الشافعي ومن تابعه فحملوا ذلك الأمر على الندب، وقال ابن القصار: والدليل على أن التسمية ليست بواجبة، قوله تعالى: فكلوا مما أمسكن عليكم، فامر بأكل ما أمسكن علينا ثم عطف على الأكل قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، والهاء في ((عليه)) ضمير الأكل لأنه أقرب مذكور، فإن قيل: الهاء من ((عليه)) عائدة على الإرسال، قيل: لو كان شرطها لذكرها قبله ولم يذكرها بعده، ولما قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وقال بعدما تقدم الأكل: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، لم يخل أن يريد بالتسمية التسمية على الإمساك الذي حصل قد حصل، فكأنه قال: إذا أمسك علينا فحينئذ نسمي، أو يريد بالتسمية التسمية على الأكل، فبطل أن تراد التسمية بعد الإمساك علينا من غير أكل، لأنه ليس بقول لأحد، لأن الناس على قولين: إما أن تكون التسمية قبل الإرسال أو قبل الإمساك أو يكون المراد بها عند الأكل، وإنما أراد تعالى نسخ أمر الجاهلية التي كانت تذكر اسم طواغيتها على صيدها وذبائحها. ولفظ التسمية: باسم الله، والله أكبر.
واختلف هل يذكر معها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فكرهه مالك ومن تابعه، وأجازه آخرون. والحجة لمالك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فخص.