يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 1
هذه السورة مدنية كلها في قول أكثر العلماء، وقال مقاتل هي مدنية إلا آية واحدة فهي مكية وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 30] وهذه الآية كلها نزلت في قصة وقعت بمكة ويمكن أن تنزل الآية بذلك في المدينة، ولا خلاف أنها نزلت في أمر بدر وأمر غنائمه.
وفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ.
[ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾]
اختلف في السؤال عما هو، فقيل عن حكم الأنفال، وقيل إنما سألوه الأنفال نفسها أ، يعطيهم إياها واحتجوا بما قرأه جماعة من الصحابة والتابعين ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. وقالوا: ((عن)) في القراءة المشهورة بمعنى ((من)). واختلفوا أيضًا في المراد بالأنفال فقيل الغنائم مجملة وهو قول ابن عباس وغيره وذلك أن سبب الآية ما جرى يوم بدر من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم افترقوا ثلاث فرق. ففرقة أقامت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش الذي صنع له وحمته وآنسته. وفرقة أحاطت بعسكر العدو وأسلابهم لما انكشفوا. وفرقة اتبعت العدو فقتلت وأسرت. فلما اجتمع الناس رأت كل فرقة أنها أولى بالمغنم وساءت أخلاقهم في ذلك فنزلت الآية بأن الغنائم لله ولرسوله فكفوا فقسموها حينئذ بالسواء.
وذكر ابن عباس أيضًا في سبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد قال قبل ذلك: ((من قتل قتيلًا أو أسر أسيرًا فله كذا)) فسارع الشباب وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما انجلت الحرب جاء الشباب يطلبون ما جعل لهم ونازعهم الشيوخ فنزلت الآية. ويحتمل عندي على هذا القول إما أن تكون الأنفال الغنائم جملة أو ما ينفله الإمام منها خاصة. ولكن المفسرين ساقوه على أن المراد بالأنفال الغنائم.
وقيل الأنفال في الآية ما يعطيه الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، ويروى هذا القول عن ابن عباس أيضًا. ويروى عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل أقوامًا يوم بدر ولم ينفل آخرين فاختلفوا بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية. وقال ابن وهب نزلت في رجلين أصابا سيفًا فاختصما فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما: ((هو لي وليس لكما)). ويحتمل على هذين السببين أن تكون الأنفال في الآية ما ينفله الإمام أو جملة الغنائم. وقيل الأنفال ما يجيء به السرايا خاصة. وقيل الأنفال في الآية الخمس.
قال مهاجرون لن يخرج منا هذا الخمس فقال الله تعالى هو: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. وقيل الأنفال في الآية ما شرد من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس العابر والعبد الابن ونحو ذلك هو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء وكذلك الإمام يصنع به ما شاء وروي عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة هو لله ولرسوله وروي هذا عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال الأسارى. والذين ذهبوا إلى أن الأنفال الغنائم اختلفوا في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأن الغنائم إنما كانت للرسول خاصة فعلى هذا فقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ إنما جاء على جهة استفتاح الكلام. واللام في قوله: ﴿للرسول﴾ يحتمل أن تكون ملكًا له يصنع فيها ما يشاء ويحتمل أ، لا يكون لام الملك وإنما يريد أنه متوليها حتى يضعها حيث يشاء. قال بعضهم وأراد الله تعالى بجعله ذلك إليه صلى الله عليه وسلم ثم نسخ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: 41] وهو قول ابن عباس وغيره.
وذهب قوم إلى أنها محكمة وإنما أخبر الله تعالى أن الغنائم لله من حيث هي رزقه وملكه، وللرسول من حيث هو المبين حكم الله فيها.
ولا شك في أن جميع الأشياء لله وللرسول. ونزل حكم القسمة خلاف ذلك فلا نسخ في الآية والنفل في لسان العرب هو الزيادة على الواجب كذا قال بعضهم. وقيل النفل العطية ومنه قول الشاعر:
إن تقوى ربنا خير نفل.....................
والأظهر من الأنفال على هذا أنها ما يعطي الإمام للرجل من الغنيمة تحريضًا له على الجهاد أو جزاء على فعل فعله ويحتمل أن تسمى الغنيمة أيضًا نفلًا لأن الغنائم لم تكن مباحة من قبل فكانت كأنها عطية زائدة من الله تعالى. وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم تحل الغنيمة لقوم ود الرؤوس من قبلكم كانت تنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾.
وقد اختلف هل للإمام أن ينفل شيئًا من الغنيمة لمن رآه أهلًا لذلك أم لا. فقالت فرقة لا نفل بعد النبي وكأنهم يرون قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله وللرسول﴾ على القول بأن الأنفال ما ينفله الإمام على ظاهره أي إنما ذلك لله وللرسول خاصة ليس لغيرهما. والجمهور على أن النفل باق إلى يوم القيامة وأن الأئمة كالرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك وأن الله تعالى لم يرد قصرها على ذلك التأويل على الرسول خاصة بل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل إمام. ثم اختلفوا، فقيل لا ينفل إلا من الخمس لأنه مصروف إلى اجتهاد الإمام والأربعة الأخماس إنما هي للغانمين وهو مذهب مالك. وقيل إنه لا ينفل إلا بعد الخمس من الأربعة الأخماس لأن الله تعالى قد صرف الخمس إلى المذكورين في الآية بعد فلا يخرج عنهم منه شيء وهو قول الأوزاعي وغيره. وقيل ينفل من جملة الغنيمة قبل الخمس وهو قول الشافعي وابن حنبل. وقيل ينفل الإمام متى شاء قبل الخمس أو بعده وهو قول النخعي. ومن حجة هذين القولين قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ ولم يخصص قبل خمس أو بعد خمس.
وقيل لا ينفل الإمام إلا من خمس الخمس وهو قول ضعيف. واختلفوا هل يكون النفل قبل الغنيمة فكرهه مالك رحمه الله تعالى، وقالت فرقة إنما ينفل الإمام قبل الغنيمة وأما إذا جمعت الغنائم فلا نفل. وتصوير النفل قبل الغنيمة أن يقول الإمام من فعل كذا فله كذا، ومن قتل قتيلًا فله سلبه، ويقول لسرية إن وصلتم إلى موضع كذا فلكم كذا ومن حجة من لم يكره ذلك عموم قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ على التأويل الذي ذكرناه. وحجة مالك أنه لا يسمى أنفالًا إلا ما قد تعين ونفل. وإذا لم يتعين فليس بنفل مع المخافة على فساد النيات وقد قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: 67]
وقال تعالى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] واختلفوا في الذي ينفله الإمام ذهبًا أو فضة أو لؤلؤًا ونحو ذلك.
، - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
هذه الآية تقتضي ألا يفر المسلمون من الكفار قل عددهم أو كثر دون مراعاة ضعف. وأن الفرار محظور لأنه تعالى قد نهى عنه ثم توعد عليه ولا معنى للمحظور إلا ذلك. ثم إن الله تعالى أراد أن يخفف عن عباده فحد في قدر العدد الذي لا يجوز لهم الفرار منه حدًا. فقال تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 65] فجعل لهم أن لا يفروا من عشرة أمثالهم. واختلف العلماء في هذا هل هو نسخ أو تخصيص عموم. فقيل هو منسوخ وقد كان واجبًا أن لا يفر أحد عن العدو ثم نسخ بهذا. وقال قوم لم يكن قط واجبًا أن يثبت المسلمون لأكثر من عشرة أمثالهم وإنما خرجت الآية مخرج العموم فخصصت بهذه الآية ثم خفف الله تعالى تخفيفًا آخر فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفًا يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ [الأنفال: 66].
واختلف أيضًا في هذا هل هو نسخ أم لا. فقال ابن عباس هو نسخ. وروي عنه أيضًا أنه قال: فرض على المسلمين أن يقاتل الرجل منهم العشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى التخفيف. قال بعضهم فهو تخفيف على هذا لا نسخ. ونظير هذا إفطار الصائم في السفر وإذا قلنا إنه نسخ فوجهه أنه تعالى قد حرم بقوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية الفرار من العشرة أضعاف ثم قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فأحل الفرار من ذلك القدر. هذا وإن لم تعطه الآية بنصها فإن مقتضاها يعطي ذلك ومقتضى هذه الآية الثانية أنه تعالى لم يبح الفرار من الضعف. ولا خلاف أن هذا الحكم كان ثابتًا يوم بدر وإنما اختلفوا في تحريم الفرار بعد يوم بدر. فقيل كان ذلك خاصًا بيوم بدر كان فيه الفرار من الكبائر فأما ما عدا ذلك اليوم فالفرار منه غير محرم وليس من الكبائر. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله تعالى عنهم وقال فيهم يوم حنين: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25] ولم يقع على ذلك تعنيف. وعلى هذا القول تكون الإشارة بقوله تعالى: ((يومئذ)) إلى ((يوم بدر)) وهو قول الحسن وقتادة والضحاك وذهب الجمهور إلى أن ذلك المعنى من الآية محكم باق إلى يوم القيامة وأن الفرار من الزحف من الكبائر، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا فقال: ((اتقوا السبع الموبقات)) وعد فيها الفرار من الزحف. وإلى هذا يذهب مالك وجميع أصحابه وقد قال ابن القاسم لا تجوز شهادة من فر يوم الزحف. وتكون الإشارة بقوله ((يومئذ)) إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله تعالى ﴿إِذَا لَقِيتُمُ﴾ وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في الفرار من الزحف هل هو كبيرة أم لا إنما هو في الفرار من الضعف. فأما الفرار مما زاد عن الضعف فغير كبيرة باتفاق وقد قال قوم إن قوله تعالى: ﴿فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره﴾ الآية عام محكم في الأزمان لا يختص بيوم بدر ولا غيره.
وفي العدد لا يختص بعدد دون عدد وذكره النحاس عن عطاء بن أبي رباح. وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث وقال بعض من قال باعتبار العدد في ثبوت الواحد للاثنين خاصة هذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثنتي عشر ألفًا. فأما إذا بلغوا اثنتي عشر ألفًا فلا يجوز لهم الفرار إن زاد عدد المشركين على الضعف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يغلب اثني عشر ألفًا من قلة)) فخصص هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية وينسب هذا القول لمحمد بن الحسن وروي عن مالك ما يدل على ذلك في مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ سأله هل له سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام إن كان معك اثني عشر ألفًا فليس لك ذلك وهذا الاستدلال ضعيف إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه لا يجوز الفرار من أكثر من الضعف لأن الحديث لا يعطي بيان حكم شرعي وإنما هو بيان لحكم العرف. وإذا لم يكن ذلك فكيف يخصص به عموم الآية. وقد اختلف العلماء في تأويل الضعف الذي ذكره الله تعالى فقيل: هو في العدد، فيلزم المسلمين أن يثبتوا لمثلي عددهم وإن كانوا أشد منهم سلاحًا وأظهر قوة وهو قول لجمهور العلماء. وقيل: هو في الجلد والقوة ويلزم المسلمين أن يثبتوا لأكثر من الضعف إذا كان المسلمون أشد منهم سلاحًا وأكثر منهم قوة ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم. وإن كانوا أقل من الضعف إذا كان المشركون أشد منهم سلاحًا وأكثر منهم قوة وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك.
- والقول الأول أظهر لأن الله تعالى إنما ذكر الضعف في العدد فمن أراد أن يتأوله على القوة كان مخرجًا للآية عن ظاهرها بغير دليل. والتحرف للقتال أن يظهر هربًا وهو منه مكيدة ليكر ونحو ذلك. والتحيز إلى فئة اتفقوا على أنها الجماعة من الناس الحاضرة في الحرب. واختلفوا في المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرًا في الحرب هل التحيز إليه تحيزًا إلى فئة أم لا. ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه إباحة ذلك وأنه تحيز إلى فئة والظاهر أن ذلك ليس بتحيز إلى فئة، بل هو فرار تام ولا يجوز الفرار وإن فر الإمام لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ﴾ فعم ولم يخص. واختلف في الرجل يكون في صف المسلمين يريد أن يحمل على الجيش والعدو وحده محتسبًا بنفسه. فمنهم من أجازه واستحسنه ومنهم من كرهه ويروى عن عمرو بن العاص وإليه ذهب مالك في ظاهر قوله واحتج بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقد قاس ابن شبرمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الآية فجعل تغيير المعاصي كتغيير الكفر وقال: لا يحل للرجل أن يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر من أكثر منهما. وإن أدى تغيير المنكر إلى أن يتقابل الصفان. فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لا بد من إذن الإمام، وقال آخرون: لا يحتاج إلى استئذان الإمام لأنه يخاف فوات التغيير هذا إذا كان المنكر من آحاد الناس. وأما إن كان الوالي فلا يجوز تغييره بالقتال والخروج. الصبر عليه جائز لما في ذلك من إثارة الفتن.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾]
فيه رد على من يقول غن أفعال العباد مخلوقة لهم. وسبب الآية أن الناس لما انصرفوا يوم بدر وجعل كل واحد منهم يعد ما فعل فيقول قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ يريد ما كان النبي فعله يومئذ وذلك أنه أخذ ثلاث قبضات من تراب فرمى بها في وجوه القوم فانهزموا عن آخر رمية.
، - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا يعملون﴾:
اختلف في نزول هذه الآية فقيل بمكة بعد وقعة بدر حكاية عما مضى. وقيل نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ بمكة إلى قوله تعالى: ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ونزل قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب الأليم. ومعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ أن الله تعالى لم يكن ليعذب هذه الأمة وهو فيهم كما لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها. ولا خلاف في هذا بين المفسرين. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ هل هو محكم أو منسوخ. فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا الآية في المشركين أي أنهم لا يعذبون ما استغفروا ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: 34] وهو قول عكرمة والحسن وضعف بعضهم النسخ في هذا لأنه خبر. والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويلها اختلافًا كثيرًا. فقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار يعني أهل مكة، والمؤمنون بينهم يستغفرون. فالضمير في قوله: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ عائد على الكفار. وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ عائد على المؤمنين وأضمرهم ولم يجد لهم ذكر ففيه ضعف وهو قول الضحاك وابن عباس. وقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وهم بحالة توبة واستغفار من كفرهم إذ لو وقع ذلك منهم وهو قول قتادة واختاره الطبري.
وقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وقد علم أن فيهم من يسلم وما لهم ألا يعذبهم إذا أسلم من سبق له الإيمان ويروى هذا عن ابن عباس أيضًا. وقيل المراد بقوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ذرية المشركين يومئذ الذين سبق علم الله تعالى أن يكونوا مؤمنين. فالمعنى وما كان الله ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون. فنسب الاستغفار إليهم إذ ذريتهم منهم، ويروى عن مجاهد. وقيل المعنى يستغفرون يسلمون، ويروى أيضًا عن مجاهد.
وقيل معنى يستغفرون يصلون. وقيل إنهم يقولون في دعائهم: غفرانك ويقولون لبيك لا شريك لك ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار فجعله الله تعالى أمنًا من عذاب الدنيا فالمعنى أن الله لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون وهو المشهور من قول ابن عباس وعلى هذا تركيب قول أبي موسى وابن عباس أن الله تعالى جعل من عذاب الدنيا أمنين كون الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي الاستغفار إلى يوم القيامة. والضميران في ما عدا القول الأول عائدان جميعًا على الكفار فهذه سبعة أقوال في الآية.
[ - -قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين﴾ إلى قوله: ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾]
اختلف في المرتد إذا تاب هل يسقط عنه قضاء ما ترك من الصلاة في ردته أم لا. فعندنا أنه يسقط وقال الشافعي لا يسقط وحجتنا عليه قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ فعم. واختلف أيضًا في المرتدين إذا نصبوا للحرب راية فقتلوا وأتلفوا أموالًا ثم تابوا هل يؤاخذون بشيء من ذلك. وقال الشافعي في أحد قوليه إنهم يؤاخذون، حجتنا عليه قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ولم يفرق فيها بن حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. وأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يضمن أحدًا من أهل الردة.
واختلف في الكافر يسلم بعد وجوب الجزية عليه هل يسقط عنه ما قد وجب عليه منها أم لا؟ فذهب الشافعي إلى أن لا يسقط ويؤخذ به بعد إسلامه. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أن يسقط عنه بعد إسلامه ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: ((الإسلام يجب ما قبله)).
وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَعُودُوا﴾ معناه إلى القتال لا إلى الكفر لأنهم لم يزالوا عليه فكيف يعودون إليه.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾]
فرض الله تعالى بهذه الآية على المؤمنين قتال الكفار. واختلف في الفتنة ما هي. فقيل الشرك وقيل البلاء وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين للفئة الباغية. وعلى القول الآخر يكون مقتول الفتن في فسحة. ومن قال إنها الشرك فالآية عنده يراد بها الخصوص في من لا تقبل منه جزية. قال ابن سلام وهي في مشركي العرب.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾]
وقال في سورة الحشر: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ﴾ [الحشر: 7] فتضمنت هذه الآية حكم أموال الكفار المأخوذة منهم إلا أنه تعالى ذكرها في سورة الأنفال باسم الغنيمة وذكرها في سورة الحشر باسم الفيء وهي قد تؤخذ منهم بقتال وقد تؤخذ بغير قتال وكلا الاسمين قد يجوز أن يطلق في الاستعمال على كل واحد من الوجهين. وقد اضطربت أقوال المفسرين في ذلك اضطرابًا كثيرًا. وتأصيلها أن منهم من قال إن الاسمين جميعًا لمعنى واحد وأن الآيات جاءت في حكم ما أخذ من الكفار بالقتال ثم اختلف هؤلاء.
فقال قوم إن ما في سورة الحشر اقتضى أن يقسم المأخوذ بالقتال على الأصناف المذكورين في السورة دون إخراج الخمس وأن ذلك منسوخ بآية الأنفال وأن الخمس في ذلك هو المقسوم على الأصناف المذكورة خاصة والأربعة الأخماس للغانمين ولم يفرقوا بين الأرض وغيرها وضعف بعضهم هذا القول بالنسخ بأن آية الأنفال نزلت قبل آية الحشر ولا يصح النسخ مع النسخ مع ذلك ومنهم من قال إن ما في الحشر مخصوص في الأرض المغنومة عنوة من الكفار فاقتضى ذلك أنها لا تخمس وأن النظر فيها للإمام ولا يقسم بين الغانمين وأن ما في الأنفال عام في الأرض وغيرها من أموالهم وأن ذلك اقتضى أنها تخمس ويقسم ما بقي بين الغانمين ثم اختلف الذاهبون إلى هذا فقال بعضهم: إن هذا يقتضي تخيير الإمام في إبقاء هذه الأرض وقسمتها بين الغانمين قالوا: وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض خيبر بسبب عموم آية الأنفال. وترك عمر رضي الله تعالى عنه أرض العراق ومصر فلم يقسمها وأنه تأول في ذلك آية الحشر وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] الآية وإلى هذا ذهب أبو عبيد ومنهم من ذهب إلى أن الحشر نسخت آية الأنفال في حكم الأرض خاصة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين بفعله في أرض خيبر أنها على عمومها في الأرض وغيرها فنسخت آية الحشر من ذلك الأرض خاصة فلا تقسم على حال وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي ومنهم من قال إن آية الحشر مبينة أ، المراد بآية الأنفال ما عدا الأرض من الغنائم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قسم أرض خيبر لأن الله عز وجل وعد بها أهل بيعة الرضوان فقال: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه. فأرض خيبر كانت مخصوصة بهذا الحكم دون سائر الأرض المغنومة فلا تقسم الأرض. ومنهم من قال إن آية الأنفال هي الناسخة لآية الحشر فيما اقتضته آية الحشر مع منع القسمة في الأرض فيقسم ولا بد. فتحصل من هذا في الأرض المغنومة بالقتال ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تقسم كسائر الغنائم وهو قول الشافعي.
والثاني: أنها لا تقسم كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وتبقى لأرزاق المسلمين ومصالحهم.
والثالث: أن الإمام مخير فيها بين القسمة والإبقاء وهذان القولان عن مالك رحمه الله تعالى. والذين ذهبوا إلى أنها تقسم على مقتضى آية الأنفال تأولوا فعل عمر رضي الله تعالى عنه من إبقاء سواد العراق على أنه استطاب أنفس الغانمين وأرضاهم عن ذلك.
ومنهم من قال إن آية الحشر نزلت في حكم الخمس خاصة ولم يذكر فيها الخمس فهو المراد بها وأن آية الأنفال موافقة لها إلا أنه صرح فيها بذكر الخمس ولم يصرح في آية الحشر، فهو لفظ عام أريد به شيء خاص.
فليس في كتاب الله تعالى على هذه الأقوال حكم لما أخذ من الكفار بغير قتال وإنما ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. وذهب قوم إلى أن الاسمين أيضًا بمعنى واحد وأن اللغة تقتضي ذلك وأن الآيتين جاءتا في حكم ما أخذ من الكفار بقتال وبغير قتال وأن المالين في الحكم سواء يؤخذ منهما الخمس حتى في حزمة الجماجم وخراج الأرض وهو الذي يأتي على قول الشافعي، فإن ذلك كله يخمس. والنظر في آية الأنفال وآية الحشر على هذا هو النظر المتقدم إما بالنسخ وإما بالبيان ويكون على هذا حكم المالين متلقى من القرآن. وذهب قوم إلى أن الغنيمة والفيء اسمان لمعنيين وأن الغنيمة ما أخذ من الكفار بقتال والفيء ما أخذ منهم بغير قتال وأن الحكم فيهما مختلف على ظاهر الآيتين. فالغنيمة تخمس على نص آية الأنفال والفيء لا يخمس على ظاهر آية الحشر فلا تعارض على هذا بين الآيتين ولا يفرض فيها نسخ ولا بيان ولا يكون على هذا فيما أخذ من أموال الكفار بغير قتال خمس كان مما جلوا عنه آو جزية أو خراج أرض أو نحو ذلك وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه وهو أظهر الأقوال. وذهب قوم -على ما ذكر بعض المتأخرين- إلى عكس هذا القول فزعم أن الغنيمة ما أخذ من الكفار بغير قتال، والفيء ما أخذ منهم بالقتال، قال وهو محتمل في اللسان. وذهب قوم إلى أن آية الحشر وردت في شيء مخصوص بعينه فلا تعارض بينها وبين آية الأنفال وذلك في أموال بني النضير التي أجلوا عنها فجعلها الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيها ما يراه.
وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أحبس جميعها لنفسه ومصالح المسلمين ولم يقسمها، فتكلم في ذلك قوم فأنزل الله تعالى الآية. وقال ابن زيد لما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير المهاجرين تكلم في ذلك بعض الأنصار فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أن في آية الحشر حكمين فقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم ما أوجفتم﴾ [الحشر: 6] الآية نزلت في مال بني النضير الذي هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ﴾ الآية [الحشر: 7] هو في حكم الجزية والخراج بهما للأصناف المذكورين في الآية وروي ذلك عن معمر. وقد اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] أم لا. وقد مر الكلام على ذلك. والقول بانها ناسخة هو قول مجاهد وابن عباس وذلك أن قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ عنهما اقتضى أنه جعل به للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينفل ما أحرزه بالقتال لم يشاء ولم يكن فيه حق لأحد لمن جعله الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك يوم بدر. ويبين ذلك حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر. فقال: ((إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وقد جعله الله تعالى لي وجعلته لك)) وكذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: 69] يقتضي أن تكون الغنيمة للغانمين فينزلون فيها على السواء دون إخراج خمس ولا غيره. إلا أن قوله في هذه الآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ يبين أن ذلك بعد إخراج الخمس وصرفه في الوجوه المذكورة، ففي هذا بيان الأربعة الأخماس للغانمين. وقال بعضهم هذا مثل قوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما الثلث﴾ [النساء: 11] فلما ذكر تعالى أن المحيطين بالميراث الأبوان ثم ذكر أن للأم الثلث دل ذلك على أن الثلثين للأب دلالة قطعية. وهذا النوع من الدلالة يسميه الأصوليون مقتضى الخطاب. وكذلك هذه الآية لما ذكر تعال الغانمين واخطبهم ثم أخرج من الغنيمة الخمس للأصناف المذكورين دل ذلك على البقية للغانمين. وهذا الحكم في الفتنة يجري في كل مغنوم إلا ما خصه الدليل مثل المأكول من الغنيمة فإنه مباح للغانمين أكله إذا احتاجوا إليه في الغزو دون أن يشترط فيه إخراج خمس.
ومن ذلك أموال الرهبان اختلف فيها. فذهب جماعة إلى أنها على حكم الغنائم إلا أنه استحب مالك رحمه الله تعالى أن يترك لهم قدر ما يعيشون به. وذهب غيره إلى أنها شرك لهم ولا تكون مغنومة والحجة على ام قال تلك الآية، والآية أيضًا عامة في الغانمين إلا ما خصه الدليل. وقد اختلف فيما غنمه النساء والصبان إذا انفردوا بالغنيمة هل تخمس أم لا، وكذلك اختلف في العبيد إذا غنموا كان معهم حر أم لا هل يخمس ما أصابوه من الغنيمة أم لا. وحجة من يرى التخميس في ذلك عموم الآية. وحجة من لا يرى التخميس في ذلك كله أنه يراهم غير داخلين في الخطاب إلا بدليل، وفي هذا خلاف بين الأصوليين.
واختلف في الذميين هل يخمس ما غنموه أم لا؟ ففي المذهب أنه يخمس خرجوا بغير إذن الإمام أو بإذنه. وقال بعض أصحاب مالك إن خرجوا بإذن الإمام فلا خمس وإن خرجوا بغير إذنه ففي ما غنموه الخمس. وقال أبو حنيفة لا خمس في ما غنموه جملة حتى يكونوا جماعة لهم منعة ويأذن لهم الإمام. وقال أبو يوسف إذا كانوا تسعة ففيه الخمس. ودليل من رأى الخمس كله في ذلك عموم الآية. واختلف أيضًا في الطائفة تخرج من البلد فتغنم. ففي المذهب أن ما غنمت يخمس، وقال أبو حنيفة لا يخمس. ودليل المذهب عموم الآية، ودليل أبي حنيفة أنهم غزوا بأنفسهم فأشبهوا المتفرد بالقتال على القول بأنه يستحق السلب فلا يخمس وقال بعضهم المأخوذ من الكفار على جهة التلصص اتفق العلماء على أنه لا يخمس. وظاهر القرآن يقتضي تخميس كل مغنوم. وكذلك اختلف في سلب القتيل هل يخمس أم لا. فقيل هو كسائر الغنيمة يخمس ولا ينفرد به القاتل إلا أن يرى الإمام أن يخص به بوجه اجتهاد فله ذلك، ولا يكون إلا من الخمس وهو قول مالك. وقيل السلب للقاتل وهو أحد قولي الشافعي وقيل إن كان السلب يسيرًا فهو للقاتل وإن كان كثيرًا خمس وفعله عمر ابن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله وكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفًا فخمس ذلك وروي في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود. وقيل السلب للقاتل ولكنه يخمس وروي نحوه عن عمر بن الخطاب.
وروى ابن خويزمنداد هذا عن مالك أن الإمام مخير فيه إن شاء خمسه على الاجتهاد كما عمل عمر في حديث البراء وإن شاء لم يخمسه واختاره إسماعيل ابن إسحاق. وحجة الجمهور عن مالك ظاهر الآية وإذا قلنا بمقتضى الآية في أن الأربعة أخماس للغانمين فهل المرأة المقاتلة داخلة في هذا الحكم فيسهم لها أم لا. ذهب الأوزاعي إلى أنه يسهم لها. قال: وقد أسهم لها الرسول صلى الله عليه وسلم بخيبر وأخذ المسلمون بذلك. وذهب مالك والليث والشافعي والثوري والكوفيون إلى أنه لا يسهم لها ولكن يرضخ لها واحتجوا بكتاب ابن عباس إلى نجدة وقوله: إن النساء كن يحضرن القتال فيداوين المرضى ويجنين من الغنيمة ولم يضرب لهن بسهم. وروى ابن وهب عن مالك أنه لا يسهم لهن ولا يرضخ. وهذا أصح لأنهن لسن فيمن أمر بالقتال ولا لهن فيه غناء مذكور فلم يدخلن في الخطاب بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾. وكذلك اختلف في العبيد والصبيان إذا قاتلوا. فقيل: يسهم لهم وقيل يرضخ وقيل لا يرضخ ولا يسهم والحجة لمن لا يرى لهم شيئًا أنهم عنده لا يدخلون في الخطاب في الآية. وظاهر الآية أيضًا إنما يقتضي الاشتراك في الغنيمة قليلها وكثيرها فلا يجوز إخراج شيء منها قبل القسمة إلا أن يدل عليه دليل من السنة. وقد مر الكلام في السلب والنفل هل يكون من رأس الغنيمة أم لا. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له من الغنيمة شيء يصطفيه لنفسه قبل القسمة فرس أو بعير أو عبد أو أمة أو نحو ذلك على قدر الغنيمة، وكانوا يسمونه الصفي.
وذكر أن صفية كانت من الصفي. وأجمع العلماء أن ذلك ليس لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا ثور فإنه حكي عنه ما يخالف هذا الإجماع فقال: الآثار ثابتة في الصفي ولا أعلم شيئًا نسخه قال: فيأخذ الإمام الصفي ويجري مجرى النبي صلى الله عليه وسلم فيه. وهذا القول يرده ظاهر الآية لأن الله تعالى لم يذكر بعد الغنيمة شيئًا إلا القسمة ومع هذا فإنه لم يذكر عن أحد من الخلفاء أنه فعله، وعلى هذا يتركب الخلاف في الغنيمة هل يملكها الغانمون بنفس الغنم أو يملكونها بالقسمة. وعلى هذا يتركب الخلاف في من زنا بأمة من المغنم قبل القسمة هل يحد أم لا. وفيه قولان في المذهب. وذكر تعالى في هذه الآية قسمة الخمس على أصناف كثيرة مخصوصة. وذكر في سورة الحشر قسمة الفيء على تلك الأصناف بعينها فاقتضى ذلك أن حكم الفيء والخمس سواء وه مذهب مالك رحمه الله تعالى. وأما الشافعي فيرى أن خمس الفيء هو الذي يجري مجرى خمس الغنيمة في القسمة من الفيء على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه للمصالح كخمس الخمس، والمصالح هي سد الثغور وعمارة القناطر وأرزاق القضاة ونحو ذلك. والثاني: أن حكمه حكم الخمس من الغنيمة فيكون جملة الفيء مقسومة على خمسة أسهم على ظاهر الكتاب، وهذا القول يقرب من قول مالك رحمه الله تعالى. والثالث: أن يكون للمرتزقة المقاتلين كأربعة أخماس الغنيمة. قال أبو الحسن: إن الله تعالى كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين أضاف الفيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ﴾ الآية [الحشر: 7] فاقتضى ظاهر الآية أ، يجعل بعد إخراج الخمس منه أربعة أخماسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يختص الغانمون بأربعة أخماس الغنيمة بعد إخراج الخمس منها، لأن الله تعالى قد أضافها للغانمين فقال: ﴿مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ وقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: 69] فاقتضى ظاهر هذا أن يكون كل الغنيمة للغانمين، ثم خص منها البعض فبقي الباقي على أصل الإضافة، وهذا حسن بين. قال ومن جملة الفيء مال المرتد إذا قتل عن الردة. وظاهر القرآن في الخمس والفيء أنهما مقسومان على ستة أسهم لأن الله تعالى ذكر ستة أصناف. وقد قال بهذا الظاهر جماعة من أهل العلم وجعلوا أسهم الله تعالى سبل الخير إلا أنهم اختلفوا هل هذه القسمة بالسواء أو بالاجتهاد على قولين. وجعل بعضهم سهم الله تعالى أنه سهم للكعبة فقالوا فيؤخذ سهم الكعبة بالاجتهاد ويقسم الباقي على الخمسة الأصناف الباقين بالسوية وتأول بعضهم الآية على غير ظاهرها فقال: قول الله تعالى المراد به أن يفتتح الكلام بذكر الله تعالى لأن الدنيا وما فيها لله تعالى لا أن لله سهمًا في الغنيمة، قالوا فتبقى القسمة بعد هذا بين خمسة أصناف وهذا قول الشافعي وتأول آخرون أن معنى قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ أن لهما الحكم في ذلك بين من سمي في الآيتين قالوا فتكون القسمة بين أربعة أصناف ولا أكثر من قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم واليتامى والمساكين وابن السبيل وهو قول الشافعي أيضًا. وتأول بعضهم أن هذين المثالين لجميع المسلمين يوضعان في منافعهم ويقسمان عليهم ولا يختص به الأصناف المذكورون في الآيتين لكن خصوا بالذكر تأكيدًا لأمرهم، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى. قال أبو إسحاق الزجاج: وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية [النساء: 215]. وعلى هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما من أحد إلا وله حق في هذا الملا أعطيه أو منعه حتى لو كان راعيًا أو راعية بعدن. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقسم على ثلاثة:
اليتامى والمساكين وابن السبيل فأسقط ذوي القربى. ومن ذهب إلى هذا لم يحرم على قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة. ومن حجة من قال بهذا منع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم لذوي القربى. وقد يقال في الجواب عن هذا أنه لم يثبت المنع بل عورض بنو هاشم لأن قريشًا كلها قربى وقيل لم يكن في زمان أبي بكر مغنم.
والذين ذهبوا إلى أن الأصناف المقسوم عليهم الخمس ثلاثة اختلفوا هل المراد بهم من كان من قريش خاصة أو من كان من جميع الناس على قولين. والأظهر من جميع الناس لعموم الآية. وإذا قلنا بثبوت سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان ثابتًا له في حياته وأما بعد موته فاختلف فيه فقيل هو مردود على أهل الخمس القرابة وغيرهم وقيل مردود على الجيش أصحاب الأربعة أخماس وقيل هو لقرابته بعده صلى الله عليه وسلم. وقال من ذهب إلى أن الأنبياء يورثون أنه موروث عنه. وقيل هو موقوف على مصالح المسلمين كأرزاق الجيش وإعداد الكراع والسلاح وبناء الحصون والقناطر وأرزاق القضاة والأئمة ونحو ذلك وهو الذي اختاره أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وقيل هو في الكراع والسلاح وقيل هو للخليفة بعده وهو قول أبي ثور وفي هذا حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أطعم الله لنبي طعمة فهي للخليفة بعده)). قال ابن عبد البر وهو حديث لا تقوم به حجة.
وإذا قلنا بثبوت سهم ذوي القربى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اختلف فيه بعد موته صلى الله عليه وسلم. فقيل هو ساقط وهو قول أبي حنيفة في أن الخمس يقسم على ثلاثة خاصة. وقيل: هو لقرابة الإمام بعده صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة كان سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حيًا، فلما توفي جعل لولي الأمر بعده. وقيل هو لقرابته صلى الله عليه وسلم موقوف عليهم إلى يوم القيامة وقد بعثه إليهم عمر بن عبد العزيز، وهذا القول أظهر الأقوال لعموم الآية. وذكر الطبري عن الحسن أنه قال اختلف الناس في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هو لقرابته بعد وفاته وساق الخلاف ثم قال: فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين القسمين في الخير والعدة فكان ذلك مدة أبي بكر قال بعضهم ومدة عمر رضي الله تعالى عنه.
واختلف الذين أثبتوا لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمًا من الغنيمة فقال قائلون هو لفقرائهم عوضًا عما حرموا من الصدقة. وقال آخرون هو لفقرائهموأغنيائهم وهو ظاهر عموم الآية. واحتج الذين شرطوا الفقر بذكر اليتامى معهم في الآية وأنه لا يصرف إلى اليتامى إلا إذا كانوا فقراء ولا فرق ثم الذين أثبتوا لهم أسهمًا اختلفوا في كيفية قسمته بينهم. فمنهم من قال يقسم قسمة الغنيمة على السواء ومنهم من قال على قسمة المواريث فإنه مال مستحق بالقرابة. واختلف أيضًا في اعتبار الحاجة مع اليتم فاعتبرها الشافعي في أحد قوليه ولم يعتبرها غيره، وهذا التخصيص من الشافعي لليتيم بالحاجة مثل تخصيص أبي حنيفة للقرابة بالحاجة والمسألة في محل الاجتهاد وسياق الآية محتمل لذلك كله. وعلى هذا أيضًا يتركب الخلاف في ابن لسبيل هل يعتبر فيه الحاجة أم لا وقد مضى القول عليه في آية الصدقة. واختلف في تعيين القرابة الذين ذكرهم الله تعالى في الآية اختلافًا كثيرًا فقال قوم هم بني هاشم وهم الذين تحرم علهم الصدقة وهو قول مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة. وقال آخرون يدخل بنو عبد المطلب مع بني هاشم وهو قول الشافعي والحجة لهم حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القرب لبني هاشم وبني عبد المطلب من الخمس وقال: ((إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد)) وقيل هم بنو هاشم وبنو عبد مناف، زاد بعضهم وبنو قصي وبنو مرة وبنو كعب، زاد بعضهم وبنو لؤي وبنو غالب. قال وهو مذهب أصبغ. وذكر بعضهم عن أصبغ أنه قال آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة عشيرته الأقربون الذين ناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 124] وهم آل عبد المطلب وآل هاشم وآل عبد مناف وآل قصي.
قال أصبغ وقد قيل قريش كلها وهذا مصير إلى التعليل بالقرابة خاصة. ومن خصص ذهب إلى التعليل بالنصرة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدلالًا بحديث جبير بن مطعم. وقد ساق المفسرون في أحكام هذه الآية مسائل لا يقوم على أكثرها دليل من ألفاظ الآية مثل هل يحتاج القاتل في أمر السلب إلى بينة على القتل أم لا. فالجمهور على أنه لا بد من شاهدين وقيل يجزي شاهد واحد وقيل يعطى القاتل السلب بمجرد دعواه ومثل الذي يكون من السلب فلا خلاف أن السلاح من السلب واختلف في الفرس ولا خلاف أن ما وجد في منطقة القتيل أنه - من دنانير أو جواهر أو نحوها- فليس بسلب. واختلف فيما يتزين به للحرب ويهول به كالتاج والسوارين والأقراط والمناطق المثقلة بالذهب والأحجار. وقال سحنون ليس بشيء من ذلك سلبًا إلا المنطقة ومثل لو قال الإمام من قتل قتيلًا فله سلبه فقتل ذمي قتيلًا إلى غير ذلك. وليس غرضنا في هذا الكتاب إلا ما يقوم عليه دليل من الآية ثم يستقر ملك الغانمين على الغنيمة هل بنفس الغنيمة أم بالقسمة على قولين. واحتج الذين يقولون بنفس الغنيمة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ الآية، قالوا: فأضاف الغنيمة إليهم إضافة ملك. وقال أهل القول الثاني ليس معنى غنمتم ملكتم وإنما معناه أخذتم من أيدي الكفار وذلك لا يقتضي ملكًا. وللخلاف في هذا فوائد: فمنها إذا زنا الرجل بأمة من المغنم أو سرق من المغنم فهل يحرم أم لا. فمنهم من رأى للإمام أن يدفعه لمصالح المسلمين إن شاء وله أن يمن به على أهله إن شاء وله أن يتركه للغانمين إن شاء. قالوا وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم مكة لأهلها ورد سبي هوازن عليهم. ومنهم من رأى الغنيمة ملكًا للغانمين بنفس الغنيمة ولم ير للإمام فيها حكمًا سوى القسمة بين الغانمين، وقالوا إنما الإمام كبعض من حضر الوقعة من الناس إلا ما خصه الله به من الخمس، واعتذر أهل هذه المقالة بأن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في سبي هوازن إنما كان بعد استطابة أنفس الغانمين. واختلف في القوم يغنمون ثم يأتيهم مداد لدار الحرب هل يشركونهم أم لا. فعند أصحاب مالك أنهم لا يشركونهم، وقال أبو حنيفة يشركونهم لأن الغنيمة لا تقسم بدار الحرب. ودليل أصحاب مالك الآية لأنه جعل باقي الغنيمة بعد الخمس للغانمين. ومن جاء بعج تقضي الحرب لم يغنم شيئًا. وقد اختلف هل يفضل الفارس على الراجل أم لا. فذهب مالك أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم. وقال أبو حنيفة لا يفضل وإنما للفارس سهمان سهم له وسهم لفرسه. قال أبو الحسن: ليس في الآية دليل على تفضيل الفارس على الراجل بل فيها أنهم سواء ودليل مذهب مالك ما روى ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسهم للخيل: للفرس سهمان ولفارسه سهم. وقوله تعالى: ﴿غَنِمْتُم﴾ يشمل الرقاب والعقار وقد مضى الكلام في العقار، وأما الرقاب فقد جاء فيها من الخيرة للإمام ما جاء، ومال الصدقات الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية، مخالف لمال الفيء عند الشافعي ولهذا أهل عنده فلا يجوز أن تصرف صدقة في أهل الفيء ولا مال الفيء في أهل الصدقة. وأهل الصدقة عنده من لا هجرة له ولا هو من المقاتلة عن المسلمين وأهل الفيء ذوو الهجرة المقاتلون عن المسلمين. وسوى أبو حنيفة بين المالين وجوز صرف كل واحد من المالين في كل واحد من الفريقين. والذي يظهر من قول مالك رحمه الله أن يجوز صرف الفيء في أهل الصدقة ولا يجوز صرف الصدقة في أهل الفيء وهو ظاهر قول عمر رضي الله تعالى عنه: ما من أحد إلا وله حق في هذا المال حتى لو كان راعيًا أو راعية بعدن.
وفيها مواضع من الأحكام والناسخ والمنسوخ.
[ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾]
اختلف في السؤال عما هو، فقيل عن حكم الأنفال، وقيل إنما سألوه الأنفال نفسها أ، يعطيهم إياها واحتجوا بما قرأه جماعة من الصحابة والتابعين ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾. وقالوا: ((عن)) في القراءة المشهورة بمعنى ((من)). واختلفوا أيضًا في المراد بالأنفال فقيل الغنائم مجملة وهو قول ابن عباس وغيره وذلك أن سبب الآية ما جرى يوم بدر من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم افترقوا ثلاث فرق. ففرقة أقامت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش الذي صنع له وحمته وآنسته. وفرقة أحاطت بعسكر العدو وأسلابهم لما انكشفوا. وفرقة اتبعت العدو فقتلت وأسرت. فلما اجتمع الناس رأت كل فرقة أنها أولى بالمغنم وساءت أخلاقهم في ذلك فنزلت الآية بأن الغنائم لله ولرسوله فكفوا فقسموها حينئذ بالسواء.
وذكر ابن عباس أيضًا في سبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد قال قبل ذلك: ((من قتل قتيلًا أو أسر أسيرًا فله كذا)) فسارع الشباب وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما انجلت الحرب جاء الشباب يطلبون ما جعل لهم ونازعهم الشيوخ فنزلت الآية. ويحتمل عندي على هذا القول إما أن تكون الأنفال الغنائم جملة أو ما ينفله الإمام منها خاصة. ولكن المفسرين ساقوه على أن المراد بالأنفال الغنائم.
وقيل الأنفال في الآية ما يعطيه الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، ويروى هذا القول عن ابن عباس أيضًا. ويروى عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل أقوامًا يوم بدر ولم ينفل آخرين فاختلفوا بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية. وقال ابن وهب نزلت في رجلين أصابا سيفًا فاختصما فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهما: ((هو لي وليس لكما)). ويحتمل على هذين السببين أن تكون الأنفال في الآية ما ينفله الإمام أو جملة الغنائم. وقيل الأنفال ما يجيء به السرايا خاصة. وقيل الأنفال في الآية الخمس.
قال مهاجرون لن يخرج منا هذا الخمس فقال الله تعالى هو: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. وقيل الأنفال في الآية ما شرد من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس العابر والعبد الابن ونحو ذلك هو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء وكذلك الإمام يصنع به ما شاء وروي عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة هو لله ولرسوله وروي هذا عن ابن عباس أيضًا. وقيل الأنفال الأسارى. والذين ذهبوا إلى أن الأنفال الغنائم اختلفوا في الآية هل هي منسوخة أو محكمة. فذهب قوم إلى أنها منسوخة وأن الغنائم إنما كانت للرسول خاصة فعلى هذا فقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ إنما جاء على جهة استفتاح الكلام. واللام في قوله: ﴿للرسول﴾ يحتمل أن تكون ملكًا له يصنع فيها ما يشاء ويحتمل أ، لا يكون لام الملك وإنما يريد أنه متوليها حتى يضعها حيث يشاء. قال بعضهم وأراد الله تعالى بجعله ذلك إليه صلى الله عليه وسلم ثم نسخ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: 41] وهو قول ابن عباس وغيره.
وذهب قوم إلى أنها محكمة وإنما أخبر الله تعالى أن الغنائم لله من حيث هي رزقه وملكه، وللرسول من حيث هو المبين حكم الله فيها.
ولا شك في أن جميع الأشياء لله وللرسول. ونزل حكم القسمة خلاف ذلك فلا نسخ في الآية والنفل في لسان العرب هو الزيادة على الواجب كذا قال بعضهم. وقيل النفل العطية ومنه قول الشاعر:
إن تقوى ربنا خير نفل.....................
والأظهر من الأنفال على هذا أنها ما يعطي الإمام للرجل من الغنيمة تحريضًا له على الجهاد أو جزاء على فعل فعله ويحتمل أن تسمى الغنيمة أيضًا نفلًا لأن الغنائم لم تكن مباحة من قبل فكانت كأنها عطية زائدة من الله تعالى. وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لم تحل الغنيمة لقوم ود الرؤوس من قبلكم كانت تنزل نار من السماء فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾.
وقد اختلف هل للإمام أن ينفل شيئًا من الغنيمة لمن رآه أهلًا لذلك أم لا. فقالت فرقة لا نفل بعد النبي وكأنهم يرون قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله وللرسول﴾ على القول بأن الأنفال ما ينفله الإمام على ظاهره أي إنما ذلك لله وللرسول خاصة ليس لغيرهما. والجمهور على أن النفل باق إلى يوم القيامة وأن الأئمة كالرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك وأن الله تعالى لم يرد قصرها على ذلك التأويل على الرسول خاصة بل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل إمام. ثم اختلفوا، فقيل لا ينفل إلا من الخمس لأنه مصروف إلى اجتهاد الإمام والأربعة الأخماس إنما هي للغانمين وهو مذهب مالك. وقيل إنه لا ينفل إلا بعد الخمس من الأربعة الأخماس لأن الله تعالى قد صرف الخمس إلى المذكورين في الآية بعد فلا يخرج عنهم منه شيء وهو قول الأوزاعي وغيره. وقيل ينفل من جملة الغنيمة قبل الخمس وهو قول الشافعي وابن حنبل. وقيل ينفل الإمام متى شاء قبل الخمس أو بعده وهو قول النخعي. ومن حجة هذين القولين قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ ولم يخصص قبل خمس أو بعد خمس.
وقيل لا ينفل الإمام إلا من خمس الخمس وهو قول ضعيف. واختلفوا هل يكون النفل قبل الغنيمة فكرهه مالك رحمه الله تعالى، وقالت فرقة إنما ينفل الإمام قبل الغنيمة وأما إذا جمعت الغنائم فلا نفل. وتصوير النفل قبل الغنيمة أن يقول الإمام من فعل كذا فله كذا، ومن قتل قتيلًا فله سلبه، ويقول لسرية إن وصلتم إلى موضع كذا فلكم كذا ومن حجة من لم يكره ذلك عموم قوله تعالى: ﴿قل الأنفال لله والرسول﴾ على التأويل الذي ذكرناه. وحجة مالك أنه لا يسمى أنفالًا إلا ما قد تعين ونفل. وإذا لم يتعين فليس بنفل مع المخافة على فساد النيات وقد قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: 67]
وقال تعالى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152] واختلفوا في الذي ينفله الإمام ذهبًا أو فضة أو لؤلؤًا ونحو ذلك.
، - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
هذه الآية تقتضي ألا يفر المسلمون من الكفار قل عددهم أو كثر دون مراعاة ضعف. وأن الفرار محظور لأنه تعالى قد نهى عنه ثم توعد عليه ولا معنى للمحظور إلا ذلك. ثم إن الله تعالى أراد أن يخفف عن عباده فحد في قدر العدد الذي لا يجوز لهم الفرار منه حدًا. فقال تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: 65] فجعل لهم أن لا يفروا من عشرة أمثالهم. واختلف العلماء في هذا هل هو نسخ أو تخصيص عموم. فقيل هو منسوخ وقد كان واجبًا أن لا يفر أحد عن العدو ثم نسخ بهذا. وقال قوم لم يكن قط واجبًا أن يثبت المسلمون لأكثر من عشرة أمثالهم وإنما خرجت الآية مخرج العموم فخصصت بهذه الآية ثم خفف الله تعالى تخفيفًا آخر فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفًا يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ [الأنفال: 66].
واختلف أيضًا في هذا هل هو نسخ أم لا. فقال ابن عباس هو نسخ. وروي عنه أيضًا أنه قال: فرض على المسلمين أن يقاتل الرجل منهم العشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى التخفيف. قال بعضهم فهو تخفيف على هذا لا نسخ. ونظير هذا إفطار الصائم في السفر وإذا قلنا إنه نسخ فوجهه أنه تعالى قد حرم بقوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية الفرار من العشرة أضعاف ثم قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فأحل الفرار من ذلك القدر. هذا وإن لم تعطه الآية بنصها فإن مقتضاها يعطي ذلك ومقتضى هذه الآية الثانية أنه تعالى لم يبح الفرار من الضعف. ولا خلاف أن هذا الحكم كان ثابتًا يوم بدر وإنما اختلفوا في تحريم الفرار بعد يوم بدر. فقيل كان ذلك خاصًا بيوم بدر كان فيه الفرار من الكبائر فأما ما عدا ذلك اليوم فالفرار منه غير محرم وليس من الكبائر. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله تعالى عنهم وقال فيهم يوم حنين: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25] ولم يقع على ذلك تعنيف. وعلى هذا القول تكون الإشارة بقوله تعالى: ((يومئذ)) إلى ((يوم بدر)) وهو قول الحسن وقتادة والضحاك وذهب الجمهور إلى أن ذلك المعنى من الآية محكم باق إلى يوم القيامة وأن الفرار من الزحف من الكبائر، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذا فقال: ((اتقوا السبع الموبقات)) وعد فيها الفرار من الزحف. وإلى هذا يذهب مالك وجميع أصحابه وقد قال ابن القاسم لا تجوز شهادة من فر يوم الزحف. وتكون الإشارة بقوله ((يومئذ)) إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله تعالى ﴿إِذَا لَقِيتُمُ﴾ وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في الفرار من الزحف هل هو كبيرة أم لا إنما هو في الفرار من الضعف. فأما الفرار مما زاد عن الضعف فغير كبيرة باتفاق وقد قال قوم إن قوله تعالى: ﴿فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره﴾ الآية عام محكم في الأزمان لا يختص بيوم بدر ولا غيره.
وفي العدد لا يختص بعدد دون عدد وذكره النحاس عن عطاء بن أبي رباح. وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث وقال بعض من قال باعتبار العدد في ثبوت الواحد للاثنين خاصة هذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثنتي عشر ألفًا. فأما إذا بلغوا اثنتي عشر ألفًا فلا يجوز لهم الفرار إن زاد عدد المشركين على الضعف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يغلب اثني عشر ألفًا من قلة)) فخصص هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية وينسب هذا القول لمحمد بن الحسن وروي عن مالك ما يدل على ذلك في مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ سأله هل له سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام إن كان معك اثني عشر ألفًا فليس لك ذلك وهذا الاستدلال ضعيف إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه لا يجوز الفرار من أكثر من الضعف لأن الحديث لا يعطي بيان حكم شرعي وإنما هو بيان لحكم العرف. وإذا لم يكن ذلك فكيف يخصص به عموم الآية. وقد اختلف العلماء في تأويل الضعف الذي ذكره الله تعالى فقيل: هو في العدد، فيلزم المسلمين أن يثبتوا لمثلي عددهم وإن كانوا أشد منهم سلاحًا وأظهر قوة وهو قول لجمهور العلماء. وقيل: هو في الجلد والقوة ويلزم المسلمين أن يثبتوا لأكثر من الضعف إذا كان المسلمون أشد منهم سلاحًا وأكثر منهم قوة ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم. وإن كانوا أقل من الضعف إذا كان المشركون أشد منهم سلاحًا وأكثر منهم قوة وهو قول ابن الماجشون وروايته عن مالك.
- والقول الأول أظهر لأن الله تعالى إنما ذكر الضعف في العدد فمن أراد أن يتأوله على القوة كان مخرجًا للآية عن ظاهرها بغير دليل. والتحرف للقتال أن يظهر هربًا وهو منه مكيدة ليكر ونحو ذلك. والتحيز إلى فئة اتفقوا على أنها الجماعة من الناس الحاضرة في الحرب. واختلفوا في المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضرًا في الحرب هل التحيز إليه تحيزًا إلى فئة أم لا. ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه إباحة ذلك وأنه تحيز إلى فئة والظاهر أن ذلك ليس بتحيز إلى فئة، بل هو فرار تام ولا يجوز الفرار وإن فر الإمام لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ﴾ فعم ولم يخص. واختلف في الرجل يكون في صف المسلمين يريد أن يحمل على الجيش والعدو وحده محتسبًا بنفسه. فمنهم من أجازه واستحسنه ومنهم من كرهه ويروى عن عمرو بن العاص وإليه ذهب مالك في ظاهر قوله واحتج بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقد قاس ابن شبرمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الآية فجعل تغيير المعاصي كتغيير الكفر وقال: لا يحل للرجل أن يفر من اثنين إذا كانا على منكر وله أن يفر من أكثر منهما. وإن أدى تغيير المنكر إلى أن يتقابل الصفان. فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: لا بد من إذن الإمام، وقال آخرون: لا يحتاج إلى استئذان الإمام لأنه يخاف فوات التغيير هذا إذا كان المنكر من آحاد الناس. وأما إن كان الوالي فلا يجوز تغييره بالقتال والخروج. الصبر عليه جائز لما في ذلك من إثارة الفتن.
[ - وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾]
فيه رد على من يقول غن أفعال العباد مخلوقة لهم. وسبب الآية أن الناس لما انصرفوا يوم بدر وجعل كل واحد منهم يعد ما فعل فيقول قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ يريد ما كان النبي فعله يومئذ وذلك أنه أخذ ثلاث قبضات من تراب فرمى بها في وجوه القوم فانهزموا عن آخر رمية.
، - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لا يعملون﴾:
اختلف في نزول هذه الآية فقيل بمكة بعد وقعة بدر حكاية عما مضى. وقيل نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ بمكة إلى قوله تعالى: ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ونزل قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب الأليم. ومعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ أن الله تعالى لم يكن ليعذب هذه الأمة وهو فيهم كما لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها. ولا خلاف في هذا بين المفسرين. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ هل هو محكم أو منسوخ. فالذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا الآية في المشركين أي أنهم لا يعذبون ما استغفروا ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: 34] وهو قول عكرمة والحسن وضعف بعضهم النسخ في هذا لأنه خبر. والذين ذهبوا إلى أنه محكم اختلفوا في تأويلها اختلافًا كثيرًا. فقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار يعني أهل مكة، والمؤمنون بينهم يستغفرون. فالضمير في قوله: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ عائد على الكفار. وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ عائد على المؤمنين وأضمرهم ولم يجد لهم ذكر ففيه ضعف وهو قول الضحاك وابن عباس. وقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وهم بحالة توبة واستغفار من كفرهم إذ لو وقع ذلك منهم وهو قول قتادة واختاره الطبري.
وقيل المعنى ما كان الله ليعذب الكفار وقد علم أن فيهم من يسلم وما لهم ألا يعذبهم إذا أسلم من سبق له الإيمان ويروى هذا عن ابن عباس أيضًا. وقيل المراد بقوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ذرية المشركين يومئذ الذين سبق علم الله تعالى أن يكونوا مؤمنين. فالمعنى وما كان الله ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون. فنسب الاستغفار إليهم إذ ذريتهم منهم، ويروى عن مجاهد. وقيل المعنى يستغفرون يسلمون، ويروى أيضًا عن مجاهد.
وقيل معنى يستغفرون يصلون. وقيل إنهم يقولون في دعائهم: غفرانك ويقولون لبيك لا شريك لك ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار فجعله الله تعالى أمنًا من عذاب الدنيا فالمعنى أن الله لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون وهو المشهور من قول ابن عباس وعلى هذا تركيب قول أبي موسى وابن عباس أن الله تعالى جعل من عذاب الدنيا أمنين كون الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي الاستغفار إلى يوم القيامة. والضميران في ما عدا القول الأول عائدان جميعًا على الكفار فهذه سبعة أقوال في الآية.
[ - -قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين﴾ إلى قوله: ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾]
اختلف في المرتد إذا تاب هل يسقط عنه قضاء ما ترك من الصلاة في ردته أم لا. فعندنا أنه يسقط وقال الشافعي لا يسقط وحجتنا عليه قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ فعم. واختلف أيضًا في المرتدين إذا نصبوا للحرب راية فقتلوا وأتلفوا أموالًا ثم تابوا هل يؤاخذون بشيء من ذلك. وقال الشافعي في أحد قوليه إنهم يؤاخذون، حجتنا عليه قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ولم يفرق فيها بن حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين. وأن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يضمن أحدًا من أهل الردة.
واختلف في الكافر يسلم بعد وجوب الجزية عليه هل يسقط عنه ما قد وجب عليه منها أم لا؟ فذهب الشافعي إلى أن لا يسقط ويؤخذ به بعد إسلامه. وذهب مالك وجميع أصحابه إلى أن يسقط عنه بعد إسلامه ودليل هذا القول قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: ((الإسلام يجب ما قبله)).
وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَعُودُوا﴾ معناه إلى القتال لا إلى الكفر لأنهم لم يزالوا عليه فكيف يعودون إليه.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾]
فرض الله تعالى بهذه الآية على المؤمنين قتال الكفار. واختلف في الفتنة ما هي. فقيل الشرك وقيل البلاء وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين للفئة الباغية. وعلى القول الآخر يكون مقتول الفتن في فسحة. ومن قال إنها الشرك فالآية عنده يراد بها الخصوص في من لا تقبل منه جزية. قال ابن سلام وهي في مشركي العرب.
[ - وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾]
وقال في سورة الحشر: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ﴾ [الحشر: 7] فتضمنت هذه الآية حكم أموال الكفار المأخوذة منهم إلا أنه تعالى ذكرها في سورة الأنفال باسم الغنيمة وذكرها في سورة الحشر باسم الفيء وهي قد تؤخذ منهم بقتال وقد تؤخذ بغير قتال وكلا الاسمين قد يجوز أن يطلق في الاستعمال على كل واحد من الوجهين. وقد اضطربت أقوال المفسرين في ذلك اضطرابًا كثيرًا. وتأصيلها أن منهم من قال إن الاسمين جميعًا لمعنى واحد وأن الآيات جاءت في حكم ما أخذ من الكفار بالقتال ثم اختلف هؤلاء.
فقال قوم إن ما في سورة الحشر اقتضى أن يقسم المأخوذ بالقتال على الأصناف المذكورين في السورة دون إخراج الخمس وأن ذلك منسوخ بآية الأنفال وأن الخمس في ذلك هو المقسوم على الأصناف المذكورة خاصة والأربعة الأخماس للغانمين ولم يفرقوا بين الأرض وغيرها وضعف بعضهم هذا القول بالنسخ بأن آية الأنفال نزلت قبل آية الحشر ولا يصح النسخ مع النسخ مع ذلك ومنهم من قال إن ما في الحشر مخصوص في الأرض المغنومة عنوة من الكفار فاقتضى ذلك أنها لا تخمس وأن النظر فيها للإمام ولا يقسم بين الغانمين وأن ما في الأنفال عام في الأرض وغيرها من أموالهم وأن ذلك اقتضى أنها تخمس ويقسم ما بقي بين الغانمين ثم اختلف الذاهبون إلى هذا فقال بعضهم: إن هذا يقتضي تخيير الإمام في إبقاء هذه الأرض وقسمتها بين الغانمين قالوا: وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض خيبر بسبب عموم آية الأنفال. وترك عمر رضي الله تعالى عنه أرض العراق ومصر فلم يقسمها وأنه تأول في ذلك آية الحشر وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] الآية وإلى هذا ذهب أبو عبيد ومنهم من ذهب إلى أن الحشر نسخت آية الأنفال في حكم الأرض خاصة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين بفعله في أرض خيبر أنها على عمومها في الأرض وغيرها فنسخت آية الحشر من ذلك الأرض خاصة فلا تقسم على حال وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي ومنهم من قال إن آية الحشر مبينة أ، المراد بآية الأنفال ما عدا الأرض من الغنائم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قسم أرض خيبر لأن الله عز وجل وعد بها أهل بيعة الرضوان فقال: وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه. فأرض خيبر كانت مخصوصة بهذا الحكم دون سائر الأرض المغنومة فلا تقسم الأرض. ومنهم من قال إن آية الأنفال هي الناسخة لآية الحشر فيما اقتضته آية الحشر مع منع القسمة في الأرض فيقسم ولا بد. فتحصل من هذا في الأرض المغنومة بالقتال ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تقسم كسائر الغنائم وهو قول الشافعي.
والثاني: أنها لا تقسم كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وتبقى لأرزاق المسلمين ومصالحهم.
والثالث: أن الإمام مخير فيها بين القسمة والإبقاء وهذان القولان عن مالك رحمه الله تعالى. والذين ذهبوا إلى أنها تقسم على مقتضى آية الأنفال تأولوا فعل عمر رضي الله تعالى عنه من إبقاء سواد العراق على أنه استطاب أنفس الغانمين وأرضاهم عن ذلك.
ومنهم من قال إن آية الحشر نزلت في حكم الخمس خاصة ولم يذكر فيها الخمس فهو المراد بها وأن آية الأنفال موافقة لها إلا أنه صرح فيها بذكر الخمس ولم يصرح في آية الحشر، فهو لفظ عام أريد به شيء خاص.
فليس في كتاب الله تعالى على هذه الأقوال حكم لما أخذ من الكفار بغير قتال وإنما ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. وذهب قوم إلى أن الاسمين أيضًا بمعنى واحد وأن اللغة تقتضي ذلك وأن الآيتين جاءتا في حكم ما أخذ من الكفار بقتال وبغير قتال وأن المالين في الحكم سواء يؤخذ منهما الخمس حتى في حزمة الجماجم وخراج الأرض وهو الذي يأتي على قول الشافعي، فإن ذلك كله يخمس. والنظر في آية الأنفال وآية الحشر على هذا هو النظر المتقدم إما بالنسخ وإما بالبيان ويكون على هذا حكم المالين متلقى من القرآن. وذهب قوم إلى أن الغنيمة والفيء اسمان لمعنيين وأن الغنيمة ما أخذ من الكفار بقتال والفيء ما أخذ منهم بغير قتال وأن الحكم فيهما مختلف على ظاهر الآيتين. فالغنيمة تخمس على نص آية الأنفال والفيء لا يخمس على ظاهر آية الحشر فلا تعارض على هذا بين الآيتين ولا يفرض فيها نسخ ولا بيان ولا يكون على هذا فيما أخذ من أموال الكفار بغير قتال خمس كان مما جلوا عنه آو جزية أو خراج أرض أو نحو ذلك وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه وهو أظهر الأقوال. وذهب قوم -على ما ذكر بعض المتأخرين- إلى عكس هذا القول فزعم أن الغنيمة ما أخذ من الكفار بغير قتال، والفيء ما أخذ منهم بالقتال، قال وهو محتمل في اللسان. وذهب قوم إلى أن آية الحشر وردت في شيء مخصوص بعينه فلا تعارض بينها وبين آية الأنفال وذلك في أموال بني النضير التي أجلوا عنها فجعلها الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيها ما يراه.
وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أحبس جميعها لنفسه ومصالح المسلمين ولم يقسمها، فتكلم في ذلك قوم فأنزل الله تعالى الآية. وقال ابن زيد لما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير المهاجرين تكلم في ذلك بعض الأنصار فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أن في آية الحشر حكمين فقوله تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم ما أوجفتم﴾ [الحشر: 6] الآية نزلت في مال بني النضير الذي هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ﴾ الآية [الحشر: 7] هو في حكم الجزية والخراج بهما للأصناف المذكورين في الآية وروي ذلك عن معمر. وقد اختلف في هذه الآية هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] أم لا. وقد مر الكلام على ذلك. والقول بانها ناسخة هو قول مجاهد وابن عباس وذلك أن قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ عنهما اقتضى أنه جعل به للنبي صلى الله عليه وسلم أن ينفل ما أحرزه بالقتال لم يشاء ولم يكن فيه حق لأحد لمن جعله الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك يوم بدر. ويبين ذلك حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر. فقال: ((إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وقد جعله الله تعالى لي وجعلته لك)) وكذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: 69] يقتضي أن تكون الغنيمة للغانمين فينزلون فيها على السواء دون إخراج خمس ولا غيره. إلا أن قوله في هذه الآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ يبين أن ذلك بعد إخراج الخمس وصرفه في الوجوه المذكورة، ففي هذا بيان الأربعة الأخماس للغانمين. وقال بعضهم هذا مثل قوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما الثلث﴾ [النساء: 11] فلما ذكر تعالى أن المحيطين بالميراث الأبوان ثم ذكر أن للأم الثلث دل ذلك على أن الثلثين للأب دلالة قطعية. وهذا النوع من الدلالة يسميه الأصوليون مقتضى الخطاب. وكذلك هذه الآية لما ذكر تعال الغانمين واخطبهم ثم أخرج من الغنيمة الخمس للأصناف المذكورين دل ذلك على البقية للغانمين. وهذا الحكم في الفتنة يجري في كل مغنوم إلا ما خصه الدليل مثل المأكول من الغنيمة فإنه مباح للغانمين أكله إذا احتاجوا إليه في الغزو دون أن يشترط فيه إخراج خمس.
ومن ذلك أموال الرهبان اختلف فيها. فذهب جماعة إلى أنها على حكم الغنائم إلا أنه استحب مالك رحمه الله تعالى أن يترك لهم قدر ما يعيشون به. وذهب غيره إلى أنها شرك لهم ولا تكون مغنومة والحجة على ام قال تلك الآية، والآية أيضًا عامة في الغانمين إلا ما خصه الدليل. وقد اختلف فيما غنمه النساء والصبان إذا انفردوا بالغنيمة هل تخمس أم لا، وكذلك اختلف في العبيد إذا غنموا كان معهم حر أم لا هل يخمس ما أصابوه من الغنيمة أم لا. وحجة من يرى التخميس في ذلك عموم الآية. وحجة من لا يرى التخميس في ذلك كله أنه يراهم غير داخلين في الخطاب إلا بدليل، وفي هذا خلاف بين الأصوليين.
واختلف في الذميين هل يخمس ما غنموه أم لا؟ ففي المذهب أنه يخمس خرجوا بغير إذن الإمام أو بإذنه. وقال بعض أصحاب مالك إن خرجوا بإذن الإمام فلا خمس وإن خرجوا بغير إذنه ففي ما غنموه الخمس. وقال أبو حنيفة لا خمس في ما غنموه جملة حتى يكونوا جماعة لهم منعة ويأذن لهم الإمام. وقال أبو يوسف إذا كانوا تسعة ففيه الخمس. ودليل من رأى الخمس كله في ذلك عموم الآية. واختلف أيضًا في الطائفة تخرج من البلد فتغنم. ففي المذهب أن ما غنمت يخمس، وقال أبو حنيفة لا يخمس. ودليل المذهب عموم الآية، ودليل أبي حنيفة أنهم غزوا بأنفسهم فأشبهوا المتفرد بالقتال على القول بأنه يستحق السلب فلا يخمس وقال بعضهم المأخوذ من الكفار على جهة التلصص اتفق العلماء على أنه لا يخمس. وظاهر القرآن يقتضي تخميس كل مغنوم. وكذلك اختلف في سلب القتيل هل يخمس أم لا. فقيل هو كسائر الغنيمة يخمس ولا ينفرد به القاتل إلا أن يرى الإمام أن يخص به بوجه اجتهاد فله ذلك، ولا يكون إلا من الخمس وهو قول مالك. وقيل السلب للقاتل وهو أحد قولي الشافعي وقيل إن كان السلب يسيرًا فهو للقاتل وإن كان كثيرًا خمس وفعله عمر ابن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله وكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفًا فخمس ذلك وروي في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود. وقيل السلب للقاتل ولكنه يخمس وروي نحوه عن عمر بن الخطاب.
وروى ابن خويزمنداد هذا عن مالك أن الإمام مخير فيه إن شاء خمسه على الاجتهاد كما عمل عمر في حديث البراء وإن شاء لم يخمسه واختاره إسماعيل ابن إسحاق. وحجة الجمهور عن مالك ظاهر الآية وإذا قلنا بمقتضى الآية في أن الأربعة أخماس للغانمين فهل المرأة المقاتلة داخلة في هذا الحكم فيسهم لها أم لا. ذهب الأوزاعي إلى أنه يسهم لها. قال: وقد أسهم لها الرسول صلى الله عليه وسلم بخيبر وأخذ المسلمون بذلك. وذهب مالك والليث والشافعي والثوري والكوفيون إلى أنه لا يسهم لها ولكن يرضخ لها واحتجوا بكتاب ابن عباس إلى نجدة وقوله: إن النساء كن يحضرن القتال فيداوين المرضى ويجنين من الغنيمة ولم يضرب لهن بسهم. وروى ابن وهب عن مالك أنه لا يسهم لهن ولا يرضخ. وهذا أصح لأنهن لسن فيمن أمر بالقتال ولا لهن فيه غناء مذكور فلم يدخلن في الخطاب بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾. وكذلك اختلف في العبيد والصبيان إذا قاتلوا. فقيل: يسهم لهم وقيل يرضخ وقيل لا يرضخ ولا يسهم والحجة لمن لا يرى لهم شيئًا أنهم عنده لا يدخلون في الخطاب في الآية. وظاهر الآية أيضًا إنما يقتضي الاشتراك في الغنيمة قليلها وكثيرها فلا يجوز إخراج شيء منها قبل القسمة إلا أن يدل عليه دليل من السنة. وقد مر الكلام في السلب والنفل هل يكون من رأس الغنيمة أم لا. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له من الغنيمة شيء يصطفيه لنفسه قبل القسمة فرس أو بعير أو عبد أو أمة أو نحو ذلك على قدر الغنيمة، وكانوا يسمونه الصفي.
وذكر أن صفية كانت من الصفي. وأجمع العلماء أن ذلك ليس لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبا ثور فإنه حكي عنه ما يخالف هذا الإجماع فقال: الآثار ثابتة في الصفي ولا أعلم شيئًا نسخه قال: فيأخذ الإمام الصفي ويجري مجرى النبي صلى الله عليه وسلم فيه. وهذا القول يرده ظاهر الآية لأن الله تعالى لم يذكر بعد الغنيمة شيئًا إلا القسمة ومع هذا فإنه لم يذكر عن أحد من الخلفاء أنه فعله، وعلى هذا يتركب الخلاف في الغنيمة هل يملكها الغانمون بنفس الغنم أو يملكونها بالقسمة. وعلى هذا يتركب الخلاف في من زنا بأمة من المغنم قبل القسمة هل يحد أم لا. وفيه قولان في المذهب. وذكر تعالى في هذه الآية قسمة الخمس على أصناف كثيرة مخصوصة. وذكر في سورة الحشر قسمة الفيء على تلك الأصناف بعينها فاقتضى ذلك أن حكم الفيء والخمس سواء وه مذهب مالك رحمه الله تعالى. وأما الشافعي فيرى أن خمس الفيء هو الذي يجري مجرى خمس الغنيمة في القسمة من الفيء على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه للمصالح كخمس الخمس، والمصالح هي سد الثغور وعمارة القناطر وأرزاق القضاة ونحو ذلك. والثاني: أن حكمه حكم الخمس من الغنيمة فيكون جملة الفيء مقسومة على خمسة أسهم على ظاهر الكتاب، وهذا القول يقرب من قول مالك رحمه الله تعالى. والثالث: أن يكون للمرتزقة المقاتلين كأربعة أخماس الغنيمة. قال أبو الحسن: إن الله تعالى كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين أضاف الفيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ﴾ الآية [الحشر: 7] فاقتضى ظاهر الآية أ، يجعل بعد إخراج الخمس منه أربعة أخماسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يختص الغانمون بأربعة أخماس الغنيمة بعد إخراج الخمس منها، لأن الله تعالى قد أضافها للغانمين فقال: ﴿مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ وقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: 69] فاقتضى ظاهر هذا أن يكون كل الغنيمة للغانمين، ثم خص منها البعض فبقي الباقي على أصل الإضافة، وهذا حسن بين. قال ومن جملة الفيء مال المرتد إذا قتل عن الردة. وظاهر القرآن في الخمس والفيء أنهما مقسومان على ستة أسهم لأن الله تعالى ذكر ستة أصناف. وقد قال بهذا الظاهر جماعة من أهل العلم وجعلوا أسهم الله تعالى سبل الخير إلا أنهم اختلفوا هل هذه القسمة بالسواء أو بالاجتهاد على قولين. وجعل بعضهم سهم الله تعالى أنه سهم للكعبة فقالوا فيؤخذ سهم الكعبة بالاجتهاد ويقسم الباقي على الخمسة الأصناف الباقين بالسوية وتأول بعضهم الآية على غير ظاهرها فقال: قول الله تعالى المراد به أن يفتتح الكلام بذكر الله تعالى لأن الدنيا وما فيها لله تعالى لا أن لله سهمًا في الغنيمة، قالوا فتبقى القسمة بعد هذا بين خمسة أصناف وهذا قول الشافعي وتأول آخرون أن معنى قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ أن لهما الحكم في ذلك بين من سمي في الآيتين قالوا فتكون القسمة بين أربعة أصناف ولا أكثر من قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم واليتامى والمساكين وابن السبيل وهو قول الشافعي أيضًا. وتأول بعضهم أن هذين المثالين لجميع المسلمين يوضعان في منافعهم ويقسمان عليهم ولا يختص به الأصناف المذكورون في الآيتين لكن خصوا بالذكر تأكيدًا لأمرهم، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى. قال أبو إسحاق الزجاج: وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية [النساء: 215]. وعلى هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما من أحد إلا وله حق في هذا الملا أعطيه أو منعه حتى لو كان راعيًا أو راعية بعدن. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقسم على ثلاثة:
اليتامى والمساكين وابن السبيل فأسقط ذوي القربى. ومن ذهب إلى هذا لم يحرم على قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة. ومن حجة من قال بهذا منع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم لذوي القربى. وقد يقال في الجواب عن هذا أنه لم يثبت المنع بل عورض بنو هاشم لأن قريشًا كلها قربى وقيل لم يكن في زمان أبي بكر مغنم.
والذين ذهبوا إلى أن الأصناف المقسوم عليهم الخمس ثلاثة اختلفوا هل المراد بهم من كان من قريش خاصة أو من كان من جميع الناس على قولين. والأظهر من جميع الناس لعموم الآية. وإذا قلنا بثبوت سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان ثابتًا له في حياته وأما بعد موته فاختلف فيه فقيل هو مردود على أهل الخمس القرابة وغيرهم وقيل مردود على الجيش أصحاب الأربعة أخماس وقيل هو لقرابته بعده صلى الله عليه وسلم. وقال من ذهب إلى أن الأنبياء يورثون أنه موروث عنه. وقيل هو موقوف على مصالح المسلمين كأرزاق الجيش وإعداد الكراع والسلاح وبناء الحصون والقناطر وأرزاق القضاة والأئمة ونحو ذلك وهو الذي اختاره أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وقيل هو في الكراع والسلاح وقيل هو للخليفة بعده وهو قول أبي ثور وفي هذا حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أطعم الله لنبي طعمة فهي للخليفة بعده)). قال ابن عبد البر وهو حديث لا تقوم به حجة.
وإذا قلنا بثبوت سهم ذوي القربى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اختلف فيه بعد موته صلى الله عليه وسلم. فقيل هو ساقط وهو قول أبي حنيفة في أن الخمس يقسم على ثلاثة خاصة. وقيل: هو لقرابة الإمام بعده صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة كان سهم ذوي القربى طعمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان حيًا، فلما توفي جعل لولي الأمر بعده. وقيل هو لقرابته صلى الله عليه وسلم موقوف عليهم إلى يوم القيامة وقد بعثه إليهم عمر بن عبد العزيز، وهذا القول أظهر الأقوال لعموم الآية. وذكر الطبري عن الحسن أنه قال اختلف الناس في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هل هو لقرابته بعد وفاته وساق الخلاف ثم قال: فاجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين القسمين في الخير والعدة فكان ذلك مدة أبي بكر قال بعضهم ومدة عمر رضي الله تعالى عنه.
واختلف الذين أثبتوا لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمًا من الغنيمة فقال قائلون هو لفقرائهم عوضًا عما حرموا من الصدقة. وقال آخرون هو لفقرائهموأغنيائهم وهو ظاهر عموم الآية. واحتج الذين شرطوا الفقر بذكر اليتامى معهم في الآية وأنه لا يصرف إلى اليتامى إلا إذا كانوا فقراء ولا فرق ثم الذين أثبتوا لهم أسهمًا اختلفوا في كيفية قسمته بينهم. فمنهم من قال يقسم قسمة الغنيمة على السواء ومنهم من قال على قسمة المواريث فإنه مال مستحق بالقرابة. واختلف أيضًا في اعتبار الحاجة مع اليتم فاعتبرها الشافعي في أحد قوليه ولم يعتبرها غيره، وهذا التخصيص من الشافعي لليتيم بالحاجة مثل تخصيص أبي حنيفة للقرابة بالحاجة والمسألة في محل الاجتهاد وسياق الآية محتمل لذلك كله. وعلى هذا أيضًا يتركب الخلاف في ابن لسبيل هل يعتبر فيه الحاجة أم لا وقد مضى القول عليه في آية الصدقة. واختلف في تعيين القرابة الذين ذكرهم الله تعالى في الآية اختلافًا كثيرًا فقال قوم هم بني هاشم وهم الذين تحرم علهم الصدقة وهو قول مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة. وقال آخرون يدخل بنو عبد المطلب مع بني هاشم وهو قول الشافعي والحجة لهم حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القرب لبني هاشم وبني عبد المطلب من الخمس وقال: ((إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد)) وقيل هم بنو هاشم وبنو عبد مناف، زاد بعضهم وبنو قصي وبنو مرة وبنو كعب، زاد بعضهم وبنو لؤي وبنو غالب. قال وهو مذهب أصبغ. وذكر بعضهم عن أصبغ أنه قال آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة عشيرته الأقربون الذين ناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 124] وهم آل عبد المطلب وآل هاشم وآل عبد مناف وآل قصي.
قال أصبغ وقد قيل قريش كلها وهذا مصير إلى التعليل بالقرابة خاصة. ومن خصص ذهب إلى التعليل بالنصرة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واستدلالًا بحديث جبير بن مطعم. وقد ساق المفسرون في أحكام هذه الآية مسائل لا يقوم على أكثرها دليل من ألفاظ الآية مثل هل يحتاج القاتل في أمر السلب إلى بينة على القتل أم لا. فالجمهور على أنه لا بد من شاهدين وقيل يجزي شاهد واحد وقيل يعطى القاتل السلب بمجرد دعواه ومثل الذي يكون من السلب فلا خلاف أن السلاح من السلب واختلف في الفرس ولا خلاف أن ما وجد في منطقة القتيل أنه - من دنانير أو جواهر أو نحوها- فليس بسلب. واختلف فيما يتزين به للحرب ويهول به كالتاج والسوارين والأقراط والمناطق المثقلة بالذهب والأحجار. وقال سحنون ليس بشيء من ذلك سلبًا إلا المنطقة ومثل لو قال الإمام من قتل قتيلًا فله سلبه فقتل ذمي قتيلًا إلى غير ذلك. وليس غرضنا في هذا الكتاب إلا ما يقوم عليه دليل من الآية ثم يستقر ملك الغانمين على الغنيمة هل بنفس الغنيمة أم بالقسمة على قولين. واحتج الذين يقولون بنفس الغنيمة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ الآية، قالوا: فأضاف الغنيمة إليهم إضافة ملك. وقال أهل القول الثاني ليس معنى غنمتم ملكتم وإنما معناه أخذتم من أيدي الكفار وذلك لا يقتضي ملكًا. وللخلاف في هذا فوائد: فمنها إذا زنا الرجل بأمة من المغنم أو سرق من المغنم فهل يحرم أم لا. فمنهم من رأى للإمام أن يدفعه لمصالح المسلمين إن شاء وله أن يمن به على أهله إن شاء وله أن يتركه للغانمين إن شاء. قالوا وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم مكة لأهلها ورد سبي هوازن عليهم. ومنهم من رأى الغنيمة ملكًا للغانمين بنفس الغنيمة ولم ير للإمام فيها حكمًا سوى القسمة بين الغانمين، وقالوا إنما الإمام كبعض من حضر الوقعة من الناس إلا ما خصه الله به من الخمس، واعتذر أهل هذه المقالة بأن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في سبي هوازن إنما كان بعد استطابة أنفس الغانمين. واختلف في القوم يغنمون ثم يأتيهم مداد لدار الحرب هل يشركونهم أم لا. فعند أصحاب مالك أنهم لا يشركونهم، وقال أبو حنيفة يشركونهم لأن الغنيمة لا تقسم بدار الحرب. ودليل أصحاب مالك الآية لأنه جعل باقي الغنيمة بعد الخمس للغانمين. ومن جاء بعج تقضي الحرب لم يغنم شيئًا. وقد اختلف هل يفضل الفارس على الراجل أم لا. فذهب مالك أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم. وقال أبو حنيفة لا يفضل وإنما للفارس سهمان سهم له وسهم لفرسه. قال أبو الحسن: ليس في الآية دليل على تفضيل الفارس على الراجل بل فيها أنهم سواء ودليل مذهب مالك ما روى ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسهم للخيل: للفرس سهمان ولفارسه سهم. وقوله تعالى: ﴿غَنِمْتُم﴾ يشمل الرقاب والعقار وقد مضى الكلام في العقار، وأما الرقاب فقد جاء فيها من الخيرة للإمام ما جاء، ومال الصدقات الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية، مخالف لمال الفيء عند الشافعي ولهذا أهل عنده فلا يجوز أن تصرف صدقة في أهل الفيء ولا مال الفيء في أهل الصدقة. وأهل الصدقة عنده من لا هجرة له ولا هو من المقاتلة عن المسلمين وأهل الفيء ذوو الهجرة المقاتلون عن المسلمين. وسوى أبو حنيفة بين المالين وجوز صرف كل واحد من المالين في كل واحد من الفريقين. والذي يظهر من قول مالك رحمه الله أن يجوز صرف الفيء في أهل الصدقة ولا يجوز صرف الصدقة في أهل الفيء وهو ظاهر قول عمر رضي الله تعالى عنه: ما من أحد إلا وله حق في هذا المال حتى لو كان راعيًا أو راعية بعدن.