ٱنفِرُواْ خِفَافࣰا وَثِقَالࣰا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 41
قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية:
هذا أمر من الله تعالى بالنفير في الغزو. وقد اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فقال بعضهم: هذا أمر عام لجميع الناس تعين به الفرض على الأعيان ثم نسخ بقوله عز وجل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ روي ذلك عن حسن وعكرمة. وقال أكثر العلماء بل هو خاص ورد بلفظ عام والأمر في نفسه موقوف على فرض الكفاية ولم يقصد بالآية فرضه على الأعيان. وقال بعضهم هو عام لجميع الناس ولا نسخ فيه والمراد به وجوب النفور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا إلى الجهاد وأمر به، وهو الأصح. وقال بعضهم هو أمر عام لا نسخ فيه، والمراد نفير الكل عند الحاجة وظهور الكفر. وظاهر الآية يدل أن ذلك على جهة الاستدعاء وفي هذا نظر. إذ يقال كيف يوجب الاستدعاء شيئًا لم يجب قبل الاستدعاء؟ وقد يجاب عن هذا بأن الإمام إذا عين قومًا وخرجهم إلى الجهاد كان النفير عليهم لا لمكان الجهاد لكن طاعة للإمام. وإذا كان في أهل الثغور كفاية فقد قال قوم من أهل العلم أنه يجب على الإمام أن يغزو في الجهات الأربع في كل سنة يظهر بهم النكاية في العدو وإذا حصلت الكفاية بقوم سقط الفرض عن الباقين.
وقوله تعالى: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾: الخفة والثقل مستعاران لمن يسهل عليه الجهاد ومن يصعب عليه وهو له ممكن. وأما من لا يمكنه فهو عن الآية خارج كالأعمى ونحوه. وقد روي أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أعلي أن أنفر؟ فقال له نعم، حتى نزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ﴾ [النور: 61، والفتح: 17] وهذا يدل من فعله عليه الصلاة والسلام على حمل العموم على ظاهره حتى يدل دليل على التخصيص. وهي مسألة نزاع بين العلماء وذد اختلف الناس في تفسير الخفة والثقل بعد أن خصصوها بأشياء، وحقيقة القول فيهاما قدمنا من حمله على العموم. فقيل الخفيف الغني والثقيل الفقير وقيل الخفيف الشاب والثقيل الشيخ وقيل الخفيف النشيط والثقيل الكسلان وقيل المشغول الثقيل ومن لا شغل له هو الخفيف وقيل الذي له ضيعة ثقيل ومن لا ضيعة له خفيف وقيل الشجاع هو الخفيف والجبان هو الثقيل وقد كان بعكس ذلك. وقيل الراجل هو الثقيل والفارس هو الخفيف وقد قيل بعكس ذلك. وهذه الأقوال إنما يصلح أن يؤتى بها على جهة المثال. وقد قال أبو طلحة: ((ما أسمع الله عذر أحدًا وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات)) وقال أبو أيوب: ((ما أجدني أبدًا إلا خفيفًا أو ثقيلًا)) وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلًا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له يا عم: إن الله تعالى قد عذرك. فقال يا ابن أخي إنما قد أمرنا بالنفير خفافًا وثقالًا، وعن المقداد بن الأسود أنه رأى بحمص على تابوت صراف وقد فصل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو. فقال له لقد عذرك الله فقال أتت علينا سورة البعوث: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
[ - - قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾]
نزلت هذه الآية بسبب قوم من المنافقين استأذنوا دون عذر، منهم عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس ومن تبعهم. فمنهم من قال: ائذن لي ولا تفتني. ومنهم من قال: ائذن لي في الإقامة. فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استبقاء وأخذًا بالمساهلة وتوكلًا على الله تعالى. وقال مجاهد إن بعضهم قال: نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإن لم يأذن قعدنا. وهذا الإذن مما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه واجتهاده. واختلف هل في الآية عتاب له على ذلك أم لا؟ وقال بعضهم عتاب له في الإذن ولذلك قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ فيما يلحقه من هذا وقد ذكر العفو، قبل العتاب وإكرامًا له.
وقال عمرو بن ميمون الأودي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر بشيء فيهما: أحدهما هذه وقصة أسارى بدر فعاتبه الله تعالى فيهما وقال بعضهم ليس في الآية عتاب بل قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ استفتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك الله. ولم يكن منه عليه الصلاة والسلام ذنب يعفى عنه فيه لأن أمر الاستنفار وقبول الاعتذار مصروف لاجتهاده وهذا أظهر. لأن هذا إنما هو من أمور الدنيا. ولا خلاف أن له أن يجتهد برأيه في أمور الدنيا كقصة آبار النخل ونحو ذلك. وقد اختلف في هذه الآيات هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى في سورة النور: ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية [النور: 62] لأن في آية النور إباحة الإذن في الانصراف عن الحرب. وفي الآية التي نحن فيها حظره إلا بعذر بين فنسخ ذلك. وقال نحو هذا ابن عباس وعكرمة والحسن. وهذا القول يقتضي أن آية النور نزلت بعد آية التوبة لأن النسخ لا يكون إلا كذلك. وقد زعم قوم من المفسرين أن هذا غلط وأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات فأباح الله تعالى له أن يأذن، فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى. فعلى هذا آية النور نزلت قبل آية التوبة ولا يصح النسخ بذلك.
وذهب جماعة إلى أن الآيات محكمة وأنها تعيين للمنافقين حين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في القعود على الجهاد بغير عذر وعذر الله تعالى المؤمنين فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 62] وهذا القول أصح من الأول ويعضده الاعتراض الذي ذكرناه على الأول.
[ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾]
تحتمل هذه الآية أن يكون معنى التوكل فيها مقرونًا مع السعي والابتغاء لا أنه تعالى يريد توكلًا دون سعي. ويحتمل أن يريد توكلًا خالصًا دون سعي من الإنسان مع ذلك. وقد اختلف العلماء في التوكل في الرزق دون السعي فيه فلم يره أكثر العلماء لأنه وإن كانت الآية عندهم محتملة بالقول الآخر فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قد أذهب ذلك الاحتمال وخلص الاحتمال الآخر لأنه صلى الله عليه وسلم سعى وطول عمره في إظهار أمر الله تعالى. وظاهر يوم أحد بين درعين فهذا منه صلى الله عليه وسلم توكل مع سعي وهذا إن لم يكن في الرزق فقد جاء في الرزق قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25] وقال عليه الصلاة والسلام في الطير: ((تغدو خماصًا وتروح بطانًا)). وقال له رجل أرسل ناقتي وأتوكل قال: ((بل اعقلها وتوكل)) فرأوا لمن يمكنه التحرك في الحلال أن يتحرف ولو أن يحتطب ونحو ذلك. وذهب بعض الناس إلى أن الرجل الجلد إذا بلغ من التوكل إلى أن يدخل دارًا أو بيتًا تجهل فيه حاله ويبقى في ذكر الله تعالى متوكلًا على الله يقول: إن كان لي رزق فسيأتي الله به، وأن كان رزقي قد تم مت، أن ذلك حسن بالغ أعلى الدرجات. ولهذا اختلف في المسألة فأجازها قوم لمن لا يجدها بغيته، وحظرها آخرون إلا لمن اضطر إليها كالميتة وحظرها آخرون جملة ومن حجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تسأل الناس شيئًا)). وأن هذا هو التوكل للحظر، وقد أمر الله تعالى بالتوكل فليكن على وجهه، ومن سأل فلم يتوكل. واختلف الذين رأوا له السعي والتطلب إن اضطر إلى أكل المحرمات كالميتة وسؤال الناس وما أمكنه من ذلك أيهم أفضل صبره عن ذلك وإن مات، أو أخذه منها لإبقاء رمقه، على قولين. وهذا بعد اتفاقهم على أن كل ذلك مباح له. وتأول الآية من يرى الصبر أفضل على أن معنى التوكل فيها هو التوكل مع السعي فيما عدا المحظورات. فأما مع أكل المحظورات فليس ثم توكل. وقول من زعم أن أخذه من ذلك أفضل مبني على القول بأنه واجب على الإنسان إحياء نفسه.
هذا أمر من الله تعالى بالنفير في الغزو. وقد اختلف في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ فقال بعضهم: هذا أمر عام لجميع الناس تعين به الفرض على الأعيان ثم نسخ بقوله عز وجل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ روي ذلك عن حسن وعكرمة. وقال أكثر العلماء بل هو خاص ورد بلفظ عام والأمر في نفسه موقوف على فرض الكفاية ولم يقصد بالآية فرضه على الأعيان. وقال بعضهم هو عام لجميع الناس ولا نسخ فيه والمراد به وجوب النفور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا إلى الجهاد وأمر به، وهو الأصح. وقال بعضهم هو أمر عام لا نسخ فيه، والمراد نفير الكل عند الحاجة وظهور الكفر. وظاهر الآية يدل أن ذلك على جهة الاستدعاء وفي هذا نظر. إذ يقال كيف يوجب الاستدعاء شيئًا لم يجب قبل الاستدعاء؟ وقد يجاب عن هذا بأن الإمام إذا عين قومًا وخرجهم إلى الجهاد كان النفير عليهم لا لمكان الجهاد لكن طاعة للإمام. وإذا كان في أهل الثغور كفاية فقد قال قوم من أهل العلم أنه يجب على الإمام أن يغزو في الجهات الأربع في كل سنة يظهر بهم النكاية في العدو وإذا حصلت الكفاية بقوم سقط الفرض عن الباقين.
وقوله تعالى: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾: الخفة والثقل مستعاران لمن يسهل عليه الجهاد ومن يصعب عليه وهو له ممكن. وأما من لا يمكنه فهو عن الآية خارج كالأعمى ونحوه. وقد روي أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أعلي أن أنفر؟ فقال له نعم، حتى نزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ﴾ [النور: 61، والفتح: 17] وهذا يدل من فعله عليه الصلاة والسلام على حمل العموم على ظاهره حتى يدل دليل على التخصيص. وهي مسألة نزاع بين العلماء وذد اختلف الناس في تفسير الخفة والثقل بعد أن خصصوها بأشياء، وحقيقة القول فيهاما قدمنا من حمله على العموم. فقيل الخفيف الغني والثقيل الفقير وقيل الخفيف الشاب والثقيل الشيخ وقيل الخفيف النشيط والثقيل الكسلان وقيل المشغول الثقيل ومن لا شغل له هو الخفيف وقيل الذي له ضيعة ثقيل ومن لا ضيعة له خفيف وقيل الشجاع هو الخفيف والجبان هو الثقيل وقد كان بعكس ذلك. وقيل الراجل هو الثقيل والفارس هو الخفيف وقد قيل بعكس ذلك. وهذه الأقوال إنما يصلح أن يؤتى بها على جهة المثال. وقد قال أبو طلحة: ((ما أسمع الله عذر أحدًا وخرج إلى الشام فجاهد حتى مات)) وقال أبو أيوب: ((ما أجدني أبدًا إلا خفيفًا أو ثقيلًا)) وروي أن بعض الناس رأى في غزوات الشام رجلًا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له يا عم: إن الله تعالى قد عذرك. فقال يا ابن أخي إنما قد أمرنا بالنفير خفافًا وثقالًا، وعن المقداد بن الأسود أنه رأى بحمص على تابوت صراف وقد فصل على التابوت من سمنه وهو يتجهز للغزو. فقال له لقد عذرك الله فقال أتت علينا سورة البعوث: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
[ - - قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾]
نزلت هذه الآية بسبب قوم من المنافقين استأذنوا دون عذر، منهم عبد الله بن أبي ورفاعة بن التابوت والجد بن قيس ومن تبعهم. فمنهم من قال: ائذن لي ولا تفتني. ومنهم من قال: ائذن لي في الإقامة. فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استبقاء وأخذًا بالمساهلة وتوكلًا على الله تعالى. وقال مجاهد إن بعضهم قال: نستأذنه فإن أذن في القعود قعدنا وإن لم يأذن قعدنا. وهذا الإذن مما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه واجتهاده. واختلف هل في الآية عتاب له على ذلك أم لا؟ وقال بعضهم عتاب له في الإذن ولذلك قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ فيما يلحقه من هذا وقد ذكر العفو، قبل العتاب وإكرامًا له.
وقال عمرو بن ميمون الأودي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدع برأيه في قصتين دون أن يؤمر بشيء فيهما: أحدهما هذه وقصة أسارى بدر فعاتبه الله تعالى فيهما وقال بعضهم ليس في الآية عتاب بل قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ استفتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك الله. ولم يكن منه عليه الصلاة والسلام ذنب يعفى عنه فيه لأن أمر الاستنفار وقبول الاعتذار مصروف لاجتهاده وهذا أظهر. لأن هذا إنما هو من أمور الدنيا. ولا خلاف أن له أن يجتهد برأيه في أمور الدنيا كقصة آبار النخل ونحو ذلك. وقد اختلف في هذه الآيات هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى في سورة النور: ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ الآية [النور: 62] لأن في آية النور إباحة الإذن في الانصراف عن الحرب. وفي الآية التي نحن فيها حظره إلا بعذر بين فنسخ ذلك. وقال نحو هذا ابن عباس وعكرمة والحسن. وهذا القول يقتضي أن آية النور نزلت بعد آية التوبة لأن النسخ لا يكون إلا كذلك. وقد زعم قوم من المفسرين أن هذا غلط وأن آية النور نزلت سنة أربع من الهجرة في غزوة الخندق في استئذان بعض المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في بعض شأنهم في بيوتهم في بعض الأوقات فأباح الله تعالى له أن يأذن، فتباينت الآيتان في الوقت والمعنى. فعلى هذا آية النور نزلت قبل آية التوبة ولا يصح النسخ بذلك.
وذهب جماعة إلى أن الآيات محكمة وأنها تعيين للمنافقين حين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في القعود على الجهاد بغير عذر وعذر الله تعالى المؤمنين فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 62] وهذا القول أصح من الأول ويعضده الاعتراض الذي ذكرناه على الأول.
[ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾]
تحتمل هذه الآية أن يكون معنى التوكل فيها مقرونًا مع السعي والابتغاء لا أنه تعالى يريد توكلًا دون سعي. ويحتمل أن يريد توكلًا خالصًا دون سعي من الإنسان مع ذلك. وقد اختلف العلماء في التوكل في الرزق دون السعي فيه فلم يره أكثر العلماء لأنه وإن كانت الآية عندهم محتملة بالقول الآخر فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قد أذهب ذلك الاحتمال وخلص الاحتمال الآخر لأنه صلى الله عليه وسلم سعى وطول عمره في إظهار أمر الله تعالى. وظاهر يوم أحد بين درعين فهذا منه صلى الله عليه وسلم توكل مع سعي وهذا إن لم يكن في الرزق فقد جاء في الرزق قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25] وقال عليه الصلاة والسلام في الطير: ((تغدو خماصًا وتروح بطانًا)). وقال له رجل أرسل ناقتي وأتوكل قال: ((بل اعقلها وتوكل)) فرأوا لمن يمكنه التحرك في الحلال أن يتحرف ولو أن يحتطب ونحو ذلك. وذهب بعض الناس إلى أن الرجل الجلد إذا بلغ من التوكل إلى أن يدخل دارًا أو بيتًا تجهل فيه حاله ويبقى في ذكر الله تعالى متوكلًا على الله يقول: إن كان لي رزق فسيأتي الله به، وأن كان رزقي قد تم مت، أن ذلك حسن بالغ أعلى الدرجات. ولهذا اختلف في المسألة فأجازها قوم لمن لا يجدها بغيته، وحظرها آخرون إلا لمن اضطر إليها كالميتة وحظرها آخرون جملة ومن حجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تسأل الناس شيئًا)). وأن هذا هو التوكل للحظر، وقد أمر الله تعالى بالتوكل فليكن على وجهه، ومن سأل فلم يتوكل. واختلف الذين رأوا له السعي والتطلب إن اضطر إلى أكل المحرمات كالميتة وسؤال الناس وما أمكنه من ذلك أيهم أفضل صبره عن ذلك وإن مات، أو أخذه منها لإبقاء رمقه، على قولين. وهذا بعد اتفاقهم على أن كل ذلك مباح له. وتأول الآية من يرى الصبر أفضل على أن معنى التوكل فيها هو التوكل مع السعي فيما عدا المحظورات. فأما مع أكل المحظورات فليس ثم توكل. وقول من زعم أن أخذه من ذلك أفضل مبني على القول بأنه واجب على الإنسان إحياء نفسه.