يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا 171 لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا 172 فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا 173 يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا 174 فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا 175
الصفحة 105

شبهات حول الآية 171 من سورة النساء والرد عليها

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحࣱ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرࣰا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهࣱ وَٰحِدࣱۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدࣱۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلࣰا 171

التوحيد والتثليث والأقانيم
اعترضَ الفادي على الآياتِ التي تُبطلُ التثليث، وتُكَفِّرُ النَّصارى القائلين بأَنَّ اللهَ ثالثُ ثَلاثة.
والآياتُ التي ذَكَرَها هى قولُه تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
وقولُه تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾.
تَنهى الآيةُ الأُولى النَّصارى عن الغُلُوِّ في دينِهم، وعن المبالغةِ في النظرِ إِلى عيسى - عليه السلام -، وتَدْعوهُم إِلى عَدَمِ تَأليهه، وعدمِ إِشراكِه مع الله، فإِنْ قالوا: الآلهةُ ثَلاثَة، كانوا كافِرين، وتُخبرُهم عن حقيقةِ عيسى - عليه السلام -، فهو رسولُ الله، وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريم، فَحَمَلَتْ به ووضَعَتْه، وهو روحٌ من عندِ الله، جَعَلَها في جَسَدِه، فصارَ عيسى الرسول البَشَرَ - عليه السلام.
وتُصرحُ الآيةُ الثانيةُ بكفْرِ النَّصارى الذين آمَنوا بالتَّثْليث، وقالوا: إِنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةِ آلِهة، هي: الله وعيسى وأمُّه مريم، أَو: اللهُ وعيسى وجبريل.
وتُخبرُ الآية ُ الثالثةُ عن السؤال الذي سيوجِّهُه اللهُ إِلى عيسى - عليه السلام - يومَ القيامة، حيث سيقول له: أَأَنْتَ قُلْتَ للناس: اتَّخذوني وأُمَيَ إِلهَيْنِ من دونِ الله؟
وسيتبرأُ عيسى - عليه السلام - ممن عَبَدوهُ وأَلَّهُوه.
وتَلتقي الآياتُ مع آياتٍ غيرها على تقريرِ وحدانيةِ الله، ونفيِ وُجودِ شركاءَ معه، وكُفرِ النَّصارى القائلين بالتثليث أَو الثالوث!.
يَعترضُ الفادي على هذه الآيات، وينكرُ كونَ النصارى قائِلين بثلاثةِ آلهة.
قال: " يَتَّضحُ من هذه الآياتِ أَنَّ مُحَمَّداً سمعَ من بعْضِ أَصحابِ البدعِ من النَّصارى أَنه يوجَدُ ثلاثةُ آلهة، هم: اللهُ ومريمُ وعيسى، فَرَدَّ على هذه البدعة، وكَرَّرَ المرةَ بعدَ المرةِ أَنَّ اللهَ إِلهٌ واحد! ".
يعترفُ الفادي في هذه الفقرةِ بوجودِ فرقةٍ من النَّصارى يقولون: اللهُ ثالثُ ثلاثة، هم: اللهُ، ومريمُ، وعيسى، ويَعتبرُ هذه الفرقةَ النصرانيةَ مبتدعَة...
وقد ذَكَرَ القرآنُ ذلك وأَبْطَلَه وكَذَّبَ قائِليه، وهذا ما ظَهَرَ واضحاً صريحاً في الآياتِ السابقة: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ …﴾، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ …﴾، و ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ …﴾.
ويُصرحُ الفادي في عبارتِه بأَنَّ القرآنَ من تأليفِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وليْس من عندِ الله، وذلك في قوله: "..
إن محمداً سمعَ من بعضِ أَصحابِ البدعِ من النَّصارى أَنه يوجَدُ ثلاثةُ آلهة..
فَرَدَّ على هذه البدعة "! فالرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي سمعَ تلك البدعة بأُذُنَيْه، وهو الذي رَدَّ على تلك البدعة، وكَرَّرَ في القرآنِ المرةَ بعد الأُخرى أَنَّ اللهَ إِلهٌ واحد! فالكلامُ كلامُه والرَّدُّ رَدُّه، والقرآنُ من تأليفِه، وليس وحياً من عندِ الله مُنَزَّلاً عليه!!.
مع أَنَّ الآياتِ صريحةٌ في أَنَّ اللهَ هو الذي أَخْبَرَ عن كُفْرِ النَّصارى وتَثْليثهم.
ولنقرأ هذه الآياتِ التي تتحدَّثُ عن نفسِ الموضوع.
قال الله - عز وجل -:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وزَعَمَ الفادي أَنَّ الوحدانيةَ هي أَساسُ الدينِ النصراني، وأَنه لا يوجَدُ نصرانى يَعْبُدُ ثلاثةَ آلهة، قال: " وكُلُّ مَنْ له إِلمامٌ بالتوراةِ والإِنجيلِ يَعرفُ أَنَّ وحدانيةَ اللهِ هي أَساسُ الدينِ المسيحيّ..
فقد قالَت التوراةُ والإِنجيل: " الرَّبُّ إِلهنا رَبّ واحِد "التثنية: 6/ 4.
ومرقس: 29/12، ولم يَقُلْ مسيحيّ حقيقيّ قَطّ إِنَّ العذراءَ مريمَ إِله، مع كلِّ التقديرِ والمحبَّةِ لها ".
وهذه دعوى كبيرةٌ ادَّعاها الفادي، ونَرجو أَنْ تكونَ صحيحةً صادقة، لكنَ واقِعَهم لا يُصَدِّقُها ولا يتوافَقُ معها.
ويَشرحُ الفادي الثالوثَ، ويجعلُه بمعنى التوحيد، ويَزعمُ أَنَّ القرآنَ اتفقَ مع الإِنجيلِ على القولِ به!!.
قال: " المسيحيّون لا يَعبدونَ ثلاثةَ آلِهة، بلْ إِلهاً واحداً في وحدانيةٍ جامعةٍ: هو الآبُ والابنُ والرّوحُْ القُدُس، أَو بعبارةِ القرآن: الله وكلمتُه وروحُه!! والكلُّ في ذاتٍ واحدة ".
النصارى حسبَ زعمِ الفادي يَعْبُدونَ إِلهاً واحداً في وحدانيةٍ جامِعَة، تتعدَّدُ فيها الأَقانيمُ الثلاثة: الآبُ والابنُ والروحُ القُدُس!.
علماً أَنَّ الأَقانيمَ الثلاثةَ هي ثلاثُ ذواتٍ مُنفصلَة، فالآبُ عندهم هو الله، والابنُ عندَهم هو عيسى، والروحُ القُدُسُ هو جبريلُ عليه السلام -، فكيف صارَتْ هذه الذواتُ والشخصياتُ المتباينةُ إِلهاً واحداً جامعاً؟!.
وزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ القرآنَ يقولُ بالثالوث المقَدَّس مثلُ الإِنجيل، والثالوثُ القرآنيُّ هو: اللهُ وكلمتُه وروحُه!!.
وأَينَ وردَتْ هذه الكلماتُ الثلاثُ بهذا اللفظِ في القرآن؟
إِنّ الفادي كاذبٌ مُفْتَرٍ مُدَّع.
قالَ اللهُ في القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾.
لا تتكلمُ الآيةُ عن ثلاثةِ أَقانيم، وإِنما تُبطلُ الأَقانيمَ الثلاثة، وتَذْكُرُ حقيقةَ عيسى ابنِ مريمَ - عليه السلام -.
وتَصِفُه بثلاثِ صِفات:
الأُولى: أَنَّهُ رسولُ الله: جعلَه اللهُ نبيّاً رَسولاً، وأَرسلَه إِلى بني إِسرائيل.
الثانية: أَنَّهُ كلمةُ الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ﴾.
ومعنى كونِ عيسى - عليه السلام - كلمةَ اللهِ: أَنَّ اللهَ خَلَقَه بكلمةِ " كُنْ " الكونيةِ التكوينيّة، التي يَخْلُقُ بها سبحانَه جميعَ المخلوقين.
وهي الكلمةُ التي خَلَقَ بها أَبا البشر آدم - عليه السلام -، وقد أَشارَ لها في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.
أَيْ: أَنَّ اللهَ خَلَقَ عيسى بكلمتِه " كُنْ "، فكانَ كما أَرادَ الله، كما خَلَقَ آدمَ بكلمتِه " كُنْ "، فكانَ كما أَرادَ الله!.
أَلْقى اللهُ العظيمُ كلمتَهُ " كُنْ " إِلى مريم، فكانت المخلوقَ عيسى الرسولَ - عليه السلام -، حيثُ تَخَلَّقَ عيسى في رحمِها، ولما نفخَ اللهُ فيه الروح، وضعَتْه مولوداً بشراً.
وكلُّ المخلوقاتِ يخلُقُها اللهُ العظيمُ بكلمتِه " كن "، التي خَلَقَ بها عيسى - عليه السلام -، وجاءَ هذا صَريحاً في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.
الثالثة: أَنَّهُ روحٌ من عند الله: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾.
أَيْ: أَنَّ اللهَ خَلَقَ روحَ عيسى - عليه السلام -، كما خَلَقَ روحَ أَيِّ إِنسان، سواءٌ كانَ نبيّاً أَو إِنساناً عاديّاً، وأَمَرَ جبريلَ الروحَ القُدُسَ أَنْ يحملَ روحَ عيسى المخلوقة، وأَنْ ينفُخَها في مريمَ العذراءِ البتولِ - عليها السلام -، ففعل، وحملَتْ بعيسى بأَمْرِ الله.
و" مِنْ " في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ بيانيَّة، وليستْ تبعيضيَّة، تُبَيِّنُ أَنَّ روحَ عيسى التي نُفخَتْ في فَرْجِ مريمَ إِنما هي من عندِ الله.
وقد حَرَّفَ الفادي المفترِي صفاتِ عيسى - عليه السلام - الثلاثةَ: " رسولُ اللهِ وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريم وروحٌ منه " لتكونَ أَقانيمَ ثلاثةً يؤمنُ بها النصارى: " اللهُ وكلمتُه وروحُه "، وكَذَبَ المفترِي في قولِه: " والكلُّ في ذاتٍ واحدة ".
فالأَقانيمُ الثلاثةُ: الآبُ والابنُ والروحُ القُدُسُ ثَلاثُ شخصياتٍ منفصلة، وليستْ ذاتاً واحدة.
أَما الصفاتُ الثلاثةُ المذكورةُ في القرآن: " عيسى ابنُ مريم: رسولُ الله، وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريمَ، وروحٌ منه " فهي ثلاثُ صفاتٍ لِذاتِ المسيحِ وشخصِه - عليه السلام.
فالمسيحُ رسولُ الله، وهو نفسُه كلمةُ الله، خُلِقَ بكلمةِ " كُنْ "
الإِلهية، وهو نفسُه روحٌ من الله، الروحُ التي في بَدَنِه من عندِ الله.
وانتقلَ الفادي المفترِي إِلى افتراءٍ آخَرَ يتعلَّقُ بالثالوث، زَعَمَ فيه التقاءَ القرآنِ مع الإِنجيلِ في القولِ بالثالوث!! قال: " وقد اتفقَ القرآنُ مع الكتابِ المقَدَّسِ في إِسنادِ الفعلِ وضميرِ المتكلمِ في صيغةِ الجَمْعِ إِلى الله..
ولم يَرِدْ في الكتابِ المقَدَّسِ ولا في القرآنِ كلامُ مخلوقٍ كائناً مَنْ كان تَكَلَّمَ عن نفسِه بصيغةِ الجَمْع، مما يدلُّ على وحدةِ الجوهرِ مع تَعَدُّدِ الأَقانيمِ في الذاتِ العلية.
فمثلاً وَردَ في سورةِ البقرة: ﴿نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾، بصيغةِ الجمع، وَوَرَدَ في سورةِ الأَعراف: ﴿اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾، بصيغةِ المفرد..
فتُشيرُ الصيغةُ الأُولى إِلى جمعِ الأَقانيم، وتُشيرُ الصيغةُ الثانيةُ إِلى توحيدِ الذات.. ".
يَزعمُ المفترِي الجاهلُ أَنَّ إِسنادَ ضميرِ الجمعِ إِلى الله الأَحَدِ في القرآنِ دليلٌ على " الثالوثِ المقَدَّسِ "، وعلى تَعَدُّدِ الأَقانيم في الذاتِ العليةِ الواحدةِ وِحدَةَ جَوْهَر! وما دَرى الجاهلُ أن هذه النونَ في ﴿نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ لا تُسَمّى نونَ الجمع، وإِنما تُسمى " نونَ العَظَمَة "، فاللهُ المتكلمُ واحدٌ أَحَدٌ، فَرْدٌ صَمَد، وعندما يتكلمُ بضميرِ " نحنُ " - المنفصلِ أَو المتصلِ أَو المستتر - فإِنما يُريدُ أَنْ يُعَظِّمَ نَفْسَه..
وليسَ في الأَمْرِ تَعَدُّدُ أَقانيم أَو شخصياتٍ أَو جواهر أَو إِرادات..
إِنما هو إِلهٌ واحدٌ سبحانه!!.
ويَزعمُ المفترِي أَنَّهُ لم يَرِدْ في القرآنِ كلامُ مخلوقٍ كائناً مَنْ كانَ تكلَّمَ عن نفسِه بصيغةِ الجمع، وهذا زعمٌ باطلٌ منقوض، ويَكفي في تكذيبِه تذكرُ قولِ اللهِ وَجضَّ: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.
لما حَرَّضَ الملأُ من قومِ فرعونَ فرعونَ على محاربةِ موسى، والقضاءِ عليه هو وأَتْباعه، رَدَّ فرعونُ عليهم بضميرِ الجمع، مع أَنه شخصٌ واحد، وأَوردَ في كلامِه أَربعَ كلماتٍ بصيغةِ الجمع: " سَنُقَتِّلُ "، و " نَسْتَحْيي "، و " إِنّا "، و " قاهرون ".
فكيفَ يَدَّعي الفادي المفترِي أَنه لم يتكلمْ فَرْدٌ مخلوق بصيغةِ الجمعِ في القرآن؟!.
وحتى يُقْنِعَنا بأَنَّ التثليثَ توحيدٌ لله، وأَنَّ القرآنَ قالَ بالتثليث، قَدَّمَ كلامَ القرآنِ عن أسماءِ اللهِ الحسنى دليلاً على التثليث، وخَصَّ اسْمَ " الوَدود "
بالذّكْر..
قال: " ومن أَسماءِ الله الحسنى أَنه الوَدود، لقوله - عز وجل -: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ فالوُدُّ صفةٌ من صفاتِه، ومن معرفتِنا أَنَّ هذه الصفةَ أَزلية، نستدلُّ أَنَّ هناكَ تَعَدُّد أَقانيم في الوحدةِ الإِلهية، لتَبادُلِ الوُدِّ بينَها قبلَ أَن يُخْلَقَ شيء..
وإلَّا ففي الأَزَلِ اللَّانهائي كانت صفةُ الوُدِّ عاطلةً عن العمل، وابتدأَتْ تَعمل، فبدأَ اللهُ " يَوَدُّ "، بعدَ أَنْ خَلَقَ الملائكةَ والناس!.
وحاشَ لِلّه أَنْ يكونَ قابلاً للتَّغَيُّر! ".
الوَدودُ من أَسماءِ الله، والوُدُّ من صفاتِ الله، وتَقَومُ هذه الصفةُ على المحَبَّة، فاللهُ وَدود يُحِبُّ عبادَهُ، ويُحسنُ إِليهم ويُنعمُ عليهم.
وعلى هذا تكونُ " وَدود " صفةً مُشَبَّهَة بمعنى اسمِ الفاعل، فهي بمعنى " وادّ "، والوادُّ هو المحِبُّ المنعمُ المحسِنُ.
ويمكنُ أَنْ تَكونَ " ودود " بمعنى اسْمِ المفعول " مَودود ".
أَي: هو سبحانَه المودودُ المحْبوب، يَوَدُّهُ عِبادُه ويُحبونَه، ويَدْعونَه ويَتَقَرَّبونَ إِليه.
ولا يَلزمُ من كونِ اللهِ وَدوداً تَعَدُّدُ الأَقانيم، لأَنَّ الوُدَّ صفةٌ قائمةٌ بالموصوف - عز وجل -، لا تَنفصلُ عنه، ولا تتحوَّلُ إِلى " أُقنومٍ " آخَرَ.
غيرِ الله!.
وهكذا باقي صِفاتِ الله، كالعِلْمِ والرحمةِ والسمعِ والبَصَرِ، فهي صفات متعدّدَةٌ لموصوفٍ واحد، فاللهُ عليم، وهو نفسُه رَحيم، وهو نفسُه سميع بَصير وَدود.
ويُغالطُ الفادي في زَعْمِ الشراكةِ بينَ المؤمنين وربّهم، عندَ إِيمانِهم بصفاتِ الله، تلك الشراكةُ التي تَقودُ للإِيمانِ بالأَقانيم الثلاثة.
قال: " وهل نَستطيعُ أَنْ نُوَفّقَ بينَ الإِيمانِ بصفاتِ اللهِ الأَزليةِ كالسَّمعِ والتكلُّم، دونَ الإِيمانِ بثلاثةِ أَقانيمَ في إِلهٍ واحد؟
ولا نَستطيعُ أَنْ نملأَ الفجوة الهائلةَ بين علاقةِ الإِنسانِ باللهِ على غيرِ قاعدةِ الأُبوة والبُنُوَّة، وحياةِ الشركةِ المعلنةِ في عقيدةِ الثالوثِ القويمة "!!.
ولا أَدري كيفَ يَقودُ الإِيمانُ بأَسماءِ الله وصفاتِه إِلى الإِيمانِ بالأَقانيمِ الثلاثة، إِنَّ اللهَ الواحدَ الأَحَدَ الصمد، هو العليمُ الحكيمُ الحليمُ السميعُ الحيّ القَيوم...
فهو سبحانَه مُتَّصِفٌ بهذه الصفاتِ العظيمةِ الجليلة، ولهذهِ الصفاتِ الجليلةِ آثارٌ عملية، ومظاهِرُ إِيجابية، تتعلَّقُ بحياةِ البشرية، وهذه المظاهِرُ الإِيجابيةُ لا تَعني الأَقانيمَ الثلاثةَ التي يُؤْمِنُ بها النصارى، لأَنَّهُ فَرْقٌ بين الآثارِ العمليةِ لصفاتِ الله، وبين الزعمِ بوجودِ ثلاثةِ كيانات، انبثقَ كلُّ كيانٍ عن الذي قَبْلَه، وكأَننا أَمامَ شخصياتٍ ثلاثة: الآبُ والابنُ والروحُ القُدُس!!.
ويَدْعو الفادي الجاهلُ إِلى مَلْءِ الفجوةِ الهائلةِ بين اللهِ والإِنسانِ بالتثليثِ والشراكة: " ولا نَستطيعُ أَنْ نملَأَ الفجوةَ الهائلةَ بين علاقةِ الإِنسانِ بالله على غيرِ قاعدةِ الأُبُوةِ والبنوةِ، وحياةِ الشركةِ المعلنةِ في عقيدةِ الثالوث القويمة "!!.
وهذا هو أَساسُ الانحرافِ عند النصارى، الذي دَفَعَهم إِلى الإِيمانِ بالأَقانيمِ الثلاثةِ والقولِ بالتثليث: إِنه ملءُ الفجوةِ بينَ اللهِ والإنسان، بحيثُ أَدّى ذلك إِلى اتِّحادِ الخالقِ والمخلوق، وصارتْ حياةُ المخلوقِ انعكاساً للخالق، ومَظْهَراً مادّياً عمليّاً له!.
وهذا هو ما تَمَيَّزَ به الإِسلام، حيثُ حَرَصَتْ نصوصُه على عدمِ مَلْءِ الفجوةِ بين اللهِ والإِنسان، بل التأكيدُ المتواصلُ على الفصلِ الدقيقِ بين الخالقِ والمخلوق، والعابدِ والمعبود، ولذلك قامَت العقيدةُ الإِسلاميةُ على الإِيمانِ بحقيقتَيْن منفصلتَيْن: حقيقةِ الأُلوهية، وحقيقةِ العبودية..
فالرَّبُّ هو اللهُ وحْدَه، وما سواه ليسَ رَبّا ولا إِلهاً ولا مَعْبوداً، إِنما هو عبدٌ مخلوقٌ ضعيفٌ عاجز!!.
ووردَ هذا في آياتٍ عديدةٍ في القرآن، في مقدمتِها سورةُ الإِخلاص:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
ولا يلزمُ من الفصلِ التامِّ بين الخالقِ والمخلوق، والعابدِ والمعبود، واللهِ والإِنسان تعطيلُ صفاتِ الله، أَو السيرُ في الحياةِ بعيداً عن الله، فالمؤمنُ يستحضرُ دائما عظَمةَ الله، ويشعُرُ بمعيَّتِهِ، ويأنَسُ به، ويَعيشُ مظاهرَ صفاتِه الإيجابية، ويَرى آثارَها فيه وفيما حولَه، فيعيشُ بالله ولله وفي الله ومع الله...
لكنْ مع استحضارِه الفرقَ البعيدَ بينَه وبينَ الله، ويَقينه بأَنَّ الله متفردٌ في ذاتِه وصفاتِه واَفعالِه.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وبهذا نعرفُ جهلَ الفادي الجاهلِ وخَطَأَه عندما زَعَمَ أَنَّ عَدَمَ القولِ بالثالوثِ معناهُ الإِيمانُ بالله بدونِ الأُنسِ الروحي به، وهذا إِيمانُ الشياطين.
قال: " إِنَّ الإِيمانَ بالتوحيدِ المجَرَّدِ بدونِ أُنسٍ روحي بالله هو إِيمانُ الشياطين أَنْتَ تؤمنُ أَنَّ اللهَ واحِد؟ حَسَناً تفعل..
والشياطينُ يُؤْمنونَ ويَقْشَعِرّون! ".
إِننا نؤمنُ بالله، ونُوحِّدُ الله، ونعتقدُ أَنه متفرّدٌ في ذاتِه وصفاتِه وأَسمائِه وأَفعالِه، ونُنكرُ الأَقانيمَ التي يؤمنُ بها النَّصارى، ولا نَجعلُ ذواتاً متولّدَةً عن ذاتِه، ولا نجعل أَشخاصاً مُتَفَرّعينَ عن شخصه، ونؤمنُ أَنه سبحانَه خَلَقَ كُلَّ المخلوقاتِ بكلمةِ " كُنْ " التكوينية.
- ونحنُ المسلمونَ أَكثرُ النّاسِ أُنْساً بالله، وسعادةً بذكْرِه، وملاحظةً للآثارِ العمليةِ لصفاتِه العلية، واسْتِحْضاراً لعظمتِه ورعايتِه وقيوميَّتِه سبحانه.
ويُجهدُ الفادي الجاهلُ نَفْسَه في إِقناعِنا بأَنَّ الثالوثَ يَعْني الوحدانية، وأَنَّ التَّثْليثَ يَعْني الوحده، فيقول: " ومثل التثليثِ مثل العقلِ والفكرِ والقولِ، فهذه ثلاثَةُ أَشياءَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ لشيء واحد؟
والنارُ والنورُ والحرارةُ ثلاثةُ أَشياءَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ لشيء واحد! فهل نَستبعدُ وُجودَ ثلاثةِ أَقانيمَ متميزةٍ غيرِ منفصلةٍ في إِلهٍ واحد حسبَ إِعلانِ كتابِه المقَدّس؟ ".
إِنَّ الفادي الجاهلَ يُشَبِّهُ الأَقانيمَ الثلاثةَ: الآبَ والابنَ والروحَ القُدُس، بالعقلِ والفكر والقول، ويُشَبِّهُها بالنار والنورِ والحرارة.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ هو التثليت والتميزُ، وعدمُ الانفصال، والتَّوَحُّد!.
يريدُ الجاهلُ أَنْ يُقْنِعَنا أَنَّ العقلَ والفكرَ والقول، وأَنَّ النارَ والنُّورَ والحرارة، مِثْلُ اللهِ وعيسى وجبريل! صحيحٌ أَنَّ العقلَ والفكرَ والقولَ ثلاثُ صفاتٍ لموصوفٍ واحد، وهو ما يقولُه الإِنسان بعد تفكير، حيثُ يفكِّرُ الإِنسانُ، ثم يُعملُ عَقْلَه، ثم يَنطقُ بما فَكّرَ به، وكأَنَّ القولَ يَمُرُّ بثلاثِ محطات: الفكرِ والعقلِ والفمِ.
لكنَّه شيءٌ واحد، هو القول!!.
وكذلك النارُ والنورُ والحرارة، فهي نارٌ، لكنَّها موصوفةٌ بأَنها نورٌ نظراً لإِضاءَتِها، وموصوفةٌ بالحرارةِ نَظَراً لحرارَتِها، فالنورُ والحرارةُ صفتانِ لموصوفٍ واحدٍ، هو النار.
إِنَّ المثَلَيْن اللذَيْنِ أَوردَهما الفادي يُوَضّحانِ إِيمانَ المؤمنِ بصفاتِ الله، كالعلمِ والحياةِ والسمعِ والبَصَر، فهي صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ هو اللهُ سبحانه، ولا يَلْزَمُ من تَعَدُّدِ الصفاتِ تَعَدُّدُ الذات، كما أَنها ليستْ صفاتٍ متميزة، لأَنَّ كُلَّ صفةٍ تَلْحَظُ معنىً من معاني الذات الإِلهية، فصفةُ العلمِ تَلْحَظُ هذا المعنى، وصفةُ السمعِ تَلْحَظُ هذا المعنى، وهكذا باقي الصفات.
ولا تَمَيُّزَ ولا انفصال بين هذه الصفات، وإِنما بينها تكامُلٌ وتَناسُق، لأَنها كُلَّها تَدُلُّ على ما يَتصفُ به اللهُ من صفاتِ الكمالِ والجلال.
ومَنْ قال: إِنَّ صِفَتَي النورِ والحرارةِ متميزَتان؟
إِنهما صِفَتانِ مُتكامِلَتان للنّارِ المشتعلة، لا يُمكنُ التمييزُ بينهما ولا التفريق، فالنُّورُ في النارِ مُتَداخِلٌ مع الحرارة، إِذْ كُلُّ جُزْءٍ من النّار حارٌّ مضيء، وتَجتمعُ فيه الإِضاءَةُ معَ الحرارة!.
أَما الأَقانيمُ الثلاثةُ التي يؤمنُ بها النصارى فإِنَّها ليستْ صفاتٍ لموصوفٍ واحد، إِنما هي ثلاثَةُ كياناتٍ متميّزة منفصلَة، فالآبُ عندهم هو الله، والابنُ عندهم هو المسيحُ عيسى ابنُ مريم، والروحُ القُدُس عندهم هو جبريل، فهلْ هذه الكياناتُ الثلاثةُ مثلُ: النارِ والنورِ والحرارة، أَو مثلُ الفكرِ والعقلِ والقولِ؟
اللهم لا!!.
مَنْ هم الجاهلونَ إِذَنْ؟
هل هم المسلمون الذين يَقولون: اللهُ أَحَد، اللهُ الصَّمَد، لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ له كُفُواً أَحَد؟
أَم هم النصارى الذين يقولون: الآبُ، والابنُ، والروحُ القُدُس.
ثلاثةُ أَقانيمَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ عن الذات الواحدة؟
مع أَنها منفصلةٌ عن الذاتِ الواحدة!!.
وكَذَبَ المفترِي الفادي في اتِّهامِه للقرآنِ وتخطئتِه له، وصَدَقَ اللهُ القائلُ في القرآن: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾..
وصَدق اللهُ في نصحِه للنصارى قائلاً: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ﴾.

حديث القرآن عن المسيح - عليه السلام - — المسيح روح من الله
أَخبرَ اللهُ أَنَّ المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ - عليه السلام - روحٌ من الله.
قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾.
وَوَقَفَ الفادي المفترِي الخبيثُ أَمامَ الآية، واستدلَّ بها على عقيدتِه الباطلة! قال: " لم تكتفِ الآية ُ بنْعتِ المسيحِ بالرسالة، بل شهدَتْ أَنه كلمةُ الله.
ولكي لا نتوهَّمَ خلافَ المقصودِ باللفظِ " كلمةُ الله "، أَتْبَعَها بما يُزيلُ الشّكّ، وهو " وروحٌ منه "، لنفهمَ أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عادي، بل ابنٌ مرسَلٌ من أَبيه إِلى عالمِ الدُّنيا، كأَشعةِ الشمسِ المنبعثةِ إِلى الأَرضِ من الشمس!!
وما الفرقُ بين القول: إِنَّ المسيحَ نورٌ من نورِ إلهٍ حَقٍّ من إِله حق، والقول:
روحُ الله، أَو: روحٌ من الله؟
أَليسَ أَنَّه من ذاتِ اللهِ ومن جَوْهَرِه؟ ".
يُؤَكِّدُ الفادي على فكرتِه الباطلةِ وعقيدتِه المخالفةِ للحق، التي تقومُ على أَنَّ المسيحَ جزءٌ ماديّ من ذاتِ اللهِ المادية!!.
إِنه يرى أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عاديٍّ! ومعنى هذا أَنه ليسَ رسولاً بَشَراً، كباقي الرسلِ البشر!.
وهذا كلامٌ مرفوضٌ مردود؟
فعيسى - عليه السلام - رسول عاديّ كباقي الرسل، كلُّ ما في الأَمْرِ أَنَّ اللهَ الحكيمَ خَلَقَه بدونِ أَب، وأَنطَقَه وهو في المهد، وهو في هذا يَختلفُ عن باقي الرسل، وفي ما سوى ذلك هو رسول عاديٌّ كباقي الرسل..
وشَبَّهَ القرآنُ خَلْقَ عيسى بخْلقِ آدم - عليه السلام -، ليُزيلَ استغرابَ النصارى من خَلْقِه بدون أَب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
ونَظرةُ الفادي إِلى المسيحِ - عليه السلام - نظرة باطلة، إِنّه يرى أَنه " ابنٌ مرسَل من أَبيه إِلى عالمِ الدنيا ".
أَي أَنه ابْنُ الله، واللهُ أَبوه هو الذي أَرْسَلَه إِلى الدنيا!!
وهذا هو الكفرُ والشركُ بالله! وقد نفى القرآنُ أَنْ يكونَ لله وَلَدٌ.
قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
صلةُ عيسى باللهِ عندَ الفادي كصِلَةِ أَشعةِ الشمسِ بالشمسِ! وانظرْ ما أَسْخَفَ هذا التشبيه، وما أَجهلَ مَنْ ذَكَرَه! أَينَ الشمسُ وأَشعتُها من اللهِ ورسولِه عيسى - عليه السلام -؟
الشمسُ كوكبٌ مخلوق مرئيٌّ في السماء، إِننا نرى الشمسَ المخلوقةَ بعيونِنا، ونرى أَشعَّتَها المنبعثةَ منها.
وفردقٌ بين الشمسِ المخلوقة، وبينَ اللهِ الذي خلَقَها، إِن اللهَ لا يُمكنُ أَنْ يُرى بالعينِ المجردةِ في الدنيا، كما تُرى الشمسُ! وفَرْقٌ بينَ عيسى الذي خَلَقَه الله، وبينَ أَشعةِ الشمسِ المتولدِة عنها والمنبعثةِ منها! لأَنَّ هذه الأَشعةَ منفصلة عن الشمس انفصالاً ماديّاً مُشاهداً، فهل انفصلَ عيسى عن اللهِ انفصال الجزءِ الصغيرِ من الكُل الكبير؟.
إِنّ الفادي الكافرَ يرى أَنَّ عيسى انفصلَ عن اللهِ انفصال الجزءِ عن الكُلِّ! لأَنَّه جُزْءٌ ماديٌّ صَغيرٌ من ذاتِ اللهِ الكبيرة! قال: " أَليسَ أَنه من ذاتِ اللهِ ومن جوهرِه " فهو يؤمنُ أَنَّ للهِ ذاتاً مادية، وجَوْهَراً وجوديّاً، يُمكنُ أَنْ يُحصَرَ وُيجَسَّمَ ويُحَدَّدَ، ويُمكنُ أَنْ يَنفصلَ عنه جزءٌ صغير، فيه روحٌ وحياة، اسْمُه المسيح.
وهذا كُفْرٌ بالله، وتجسيم وتَحديدٌ له، وتَجزئةٌ وتَقسيم له، وفَصلُ جُزْءٍ منْه عَنْه!.
ولقد كانت الآيةُ دقيقةً في الإخبارِ عن المسيحِ - عليه السلام -: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾.
وتكلَّمْنا عن معنى كون عيسى - عليه السلام - كلمةً في المسألةِ السابقة، ونُبَيّنَ هنا معنى قولِه تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾: فقد وَصَفَ اللهُ عيسى - عليه السلام - بأنه روحٌ من الله.
وفَرْق بعيد بين قولِه: روحٌ من الله، وقوله: روحُ الله.
لو قالَ: إِنه روحُ الله لكانَ المعنى أَنَّ لله روحاً مادية، كانَتْ فيه، موجودةً داخِلَه، كما توجَد روحُ أَحَدِنا في كيانِه، ثم أَخرجَ اللهُ روحَه من داخلِه وجَعَلَها عيسى، وهذا الكلامُ لا يَقولُه عاقل!.
عيسى - عليه السلام - "روحٌ من الله".
أَيْ خَلَقَ اللهُ روحَ عيسى - عليه السلام -، كما يَخلقُ روحَ أَيِّ إِنسانٍ آخَر، وهذا معناهُ أَنَّ هذه الروحَ غيرُ الله! وحَرْفُ الجَرِّ " مِنْ "
في الآيةِ للبيان، كما أَنه للابتداء.
أَي: الروحُ التي جعلَها اللهُ في عيسى - عليه السلام - هي روحٌ من عندِ الله.
حَرْفُ الجَرِّ " من " في قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ عند الفادي وأَهْلِ ملَّتِه للتبعيض، أَيْ أَنها جزءٌ وبعفق انفصلَ عن الله ودَخَلَ مريم وصارَ عيسى! بينما هذا الحرفُ عند المسلمين للبيانِ والابتداء، كما وَضَّحْنا!.
فهرس الكتاب