يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمࣰا 1
شبهة: نهي الله عزَّ وجلَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطيع الكافرين.
نص الشبهة
يقولون: إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يرضي قومه، فنهاه الله بقوله: ﴿اأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآيات.
الوجه الثاني: لماذا يُؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتقوى، ويُنهى عن طاعة الكافرين؟.
الوجه الثالث: النبي - صلى الله عليه وسلم - أتقى الناس لربه.
الوجه الرابع: النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحابي أحدًا ولا يجامل أحدًا.
وإليك التفصيل.
الوجه الأول: تفسير الآيات.
قال تعالى: ﴿اأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الأحزاب: 1)، هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا؛ فَلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى، فلا تسمع من الكافرين والمنافقين ولا تستشرهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه؛ فإنه عليم بعواقب الأمور.
وَلا تُطِع الذين يقولون لك: اطرد عنك أتباعك من ضعفاء المؤمنين بك حتى نجالسك ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الذين يظهرون لك الإيمان بالله والنصيحة لك، وهم لا يألونك وأصحابك ودينك خبالًا؛ فلا تقبل منهم رأيًا.
وقال الشوكاني في فتح القدير: لا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: زد من التقوى، لئلا تلتفت إلى شيء سواه، فإنه أهل لأن يرهب لما له من خلال الجلال، والعظمة والكمال، ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الودود، أتبعه النهي عن الالتفات نحو العدو والحسود. فقال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.
وناداه الله عزَّ وجلَّ بالنبي وأمره بالتقوى تعظيمًا له وتفخيمًا لشأن التقوى. والمراد به الأمر بالثبات عليه ليكون مانعًا له عما نهى عنه بقوله ﴿وَلَا تُطِعِ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ مرادف: لا تَتَّق الكافرين والمنافقين؛ فإن الطاعة تقوى. فصار مجموع الجملتين مفيدًا معنى: يأيها النبي لا تتق إلا الله. فعدل عن صيغة القصر وهي أشهر في الكلام البليغ وأوجز إلى ذكر جملتي أمر ونهي لقصد النص، على أنه قصر إضافي أُريد به أن لا يطيع الكافرين والمنافقين؛ لأنه لو اقتصر على أن يُقال: لا تتق إلا الله لما أصاخت إليه الأسماع إصاخة خاصة لأن تقوى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه أمر معلوم.
الوجه الثاني: لماذا يؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتقوى.
أولًا قدّمنا أن معنى قوله تعالى: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: زد من التقوى وداوم عليها وأكثر منها، وأنه أيضًا خطاب له أريد به أمته.
ثانيًا: ولا يجوز حمل هذا الأمر على غفلة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن قوله ﴿النَّبِيُّ﴾ ينافي الغفلة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبير، فلا يكون غافلًا؛ فيجب حمله على خطر الخطب، فقد يتوهم من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ أن الهاء هنا للتنبيه، نعم هناك فرق بين قولك (يا رجل)، وقولك (يا أيها الرجل)، فالأخرى هي لتنبيه الغافل، لكن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الحال مختلف لفضله ومنزلته - صلى الله عليه وسلم -، فهي لمجرد الخطاب والنداء وليست للتنبيه.
ثالثا: وإن كانت التقوى معلومة من حاله، ففي أمره بها ثلاثة أمور:
أحدها: أن المراد بذلك استدامة ما هو علي، والثاني: الإِكثار مما هو فيه، والثالث: هو خطاب المراد به أُمَّتُه.
رابعًا: وفائدة هذا الأمر والنهي التشهير لهم بأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يقبل أقوالهم ليَيْأسوا من ذلك لأنهم كانوا يدبرون مع المشركين المكايد ويظهرون أنهم ينصحون النبي - صلى الله عليه وسلم - ويلحّون عليه بالطلبات نصحًا تظاهرًا بالإسلام.
خامسًا: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به، إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس وللساكت اسكت والنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان متقيًا فما الوجه فيه؟ نقول فيه وجهان: أحدهما: منقول وهو أنه أمر بالمداومة؛ فإنه يصح أن يقول القائل للجالس اجلس هاهنا إلى أن أجيئك، ويقول القائل للساكت قد أصبت فاسكت تسلم، أي دم على ما أنت عليه، والثاني: وهو معقول لطيف، وهو أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه: بعضهم يخاف من عقابه، وبعضهم يخاف من قطع ثوابه، وثالث يخاف من احتجابه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُؤمر بالتقوى بالمعنى الأول ولا بالمعنى الثاني، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا.
وكيف والأمور الدنيوية شاغلة والآدمي في الدنيا تارة مع الله، وأخرى مقبل على ما لابد منه، وإن كان معه الله وإلى هذا إشارة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (فصلت: 6)، يعني يرفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فالأمر بالتقوى يوجب استدامة الحضور.
سادسًا: هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كل لحظة كان يزداد علمه ومرتبته؛ حتى كان حاله فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه تركًا للأفضل، فكان له في كل ساعة تقوى متجددة فقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ على هذا أمر بما ليس فيه وإلى هذا أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "من استوى يوماه فهو مغبون" ولأنه طلب من ربه بأمر الله إياه به زيادة العلم حيث قال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وأيضا إلى هذا وقعت الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة".
سابعًا: والآية لا تدل على عدم تقواه، ومن قال ذلك، فهذا كله كذب لأن النهي عن الشيء لا يدل على وقوعه بل يدل على أنه ممنوع منه لئلا يقع فيما بعد كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فهذا لا يدل على أنه كان يطيعهم.
وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾ فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مشركًا قط، لا سيما بعد النبوة، فالأمة متفقة على أنه معصوم من الشرك بعد النبوة، وقد نهى عن ذلك بعد النبوة ونظائره كثيرة فقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ لا يدل على أن الصديق كان قد حزن لكن من الممكن في العقل أنه يحزن فقد ينهى عن ذلك لئلا يفعله.
ثامنًا: أن هذا خطاب للتحذير والإنذار، والتحذير ليس معناه أن المخاطب وقع في الحذور.
تاسعًا: أن هذا الخطاب أدب من الله - صلى الله عليه وسلم -، وتهديد لغيره.
الوجه الثالث: النبي - صلى الله عليه وسلم - أتقى الناس لربه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (الأحزاب: 39). عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَمَرَهُم، أَمَرَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِالله أَنَا".
وعن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ - رضي الله عنه - أنَّهُ سَأَل رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "سَلْ هَذه لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يصْنَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ يَا رَسولَ الله قَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أَمَا وَالله إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ للهَّ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ.
وعن أنسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْألونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَالله إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ للهَّ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ؛ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي.
وقال ابن حجر: فِيهِ إِشَارَة إِلَى رَدّ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمغْفُور لَهُ لَا يَحْتَاج إِلَى مَزِيد فِي الْعِبَادَة بِخِلَافِ غَيْره؛ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنه يُبَالِغ فِي التَّشْدِيد فِي الْعِبَادَة أَخْشَى لله وَأَتْقَى مِنْ الَّذِينَ يُشَدِّدُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ المشَدِّد لَا يَأْمَن مِنْ المُلَل بِخِلَافِ الْمقْتَصِدَ فَأنّهُ أَمْكَنَ لاسْتِمْرَارِهِ وَخَيْر الْعَمَل مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبه.
الوجه الرابع: النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحابي أحدًا.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52].
قال السعدي: أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة، في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم، وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء، وكلّ له حسابه، وله عمله الحسن، وعمله القبيح، ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد امتثل - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر، أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبَّر نفسَه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقَه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه - رضي الله عنهم -.
ولهذه الآية سبب نزول، فعن المقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ - رضي الله عنه - قال: فِيَّ نَزَلَتْ ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قَالَ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ وَكَانَ المُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ تُدْنِي هَؤُلَاءِ.
وفي رواية: قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: مَا شَاءَ الله أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
فهكذا، نهى الله سبحانه وتعالى نبيه أن يحابي أحدًا من الكافرين أو المسلمين، فكيف تقولون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرضي قومه؛ لأن الله نهاه عن طاعة الكافرين أو المنافقين؟ هذا من السفه في الفهم، وهذا كان دأب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الكافرين والمسلمين، فكان لا يخشى في الله لومة لائم.
وعن عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قالت: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُوميَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ حِبُّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ؛ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحدَّ؟ وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا.
فانظر لحكمه - صلى الله عليه وسلم - مع حلمه ورأفته، إلا أن هذا طالما أنه حد من حدود الله فلا شفاعة لأحد فيه.
وعن عروة قال: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنْ الحرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْماءَ إِلَى جَارِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ الله أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسْ الْماءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجْدْرِ ثُمَّ أَرْسِلْ الْماءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ كَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهما فِيهِ سَعَةٌ، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِه الْآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
قال النووي: فيه الغضب عند انتهاك حرمات الشرع، وإن كان المنتهك متأولًا تأويلًا باطلًا.
وفيه أن النبي لم يجامل هذا الأنصاري، بل لما أخطأ واتهم نبي الله بالظلم عاقبه.
نص الشبهة
يقولون: إن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يرضي قومه، فنهاه الله بقوله: ﴿اأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير الآيات.
الوجه الثاني: لماذا يُؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتقوى، ويُنهى عن طاعة الكافرين؟.
الوجه الثالث: النبي - صلى الله عليه وسلم - أتقى الناس لربه.
الوجه الرابع: النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحابي أحدًا ولا يجامل أحدًا.
وإليك التفصيل.
الوجه الأول: تفسير الآيات.
قال تعالى: ﴿اأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الأحزاب: 1)، هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا؛ فَلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى، فلا تسمع من الكافرين والمنافقين ولا تستشرهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه؛ فإنه عليم بعواقب الأمور.
وَلا تُطِع الذين يقولون لك: اطرد عنك أتباعك من ضعفاء المؤمنين بك حتى نجالسك ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الذين يظهرون لك الإيمان بالله والنصيحة لك، وهم لا يألونك وأصحابك ودينك خبالًا؛ فلا تقبل منهم رأيًا.
وقال الشوكاني في فتح القدير: لا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: زد من التقوى، لئلا تلتفت إلى شيء سواه، فإنه أهل لأن يرهب لما له من خلال الجلال، والعظمة والكمال، ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الودود، أتبعه النهي عن الالتفات نحو العدو والحسود. فقال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.
وناداه الله عزَّ وجلَّ بالنبي وأمره بالتقوى تعظيمًا له وتفخيمًا لشأن التقوى. والمراد به الأمر بالثبات عليه ليكون مانعًا له عما نهى عنه بقوله ﴿وَلَا تُطِعِ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ مرادف: لا تَتَّق الكافرين والمنافقين؛ فإن الطاعة تقوى. فصار مجموع الجملتين مفيدًا معنى: يأيها النبي لا تتق إلا الله. فعدل عن صيغة القصر وهي أشهر في الكلام البليغ وأوجز إلى ذكر جملتي أمر ونهي لقصد النص، على أنه قصر إضافي أُريد به أن لا يطيع الكافرين والمنافقين؛ لأنه لو اقتصر على أن يُقال: لا تتق إلا الله لما أصاخت إليه الأسماع إصاخة خاصة لأن تقوى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه أمر معلوم.
الوجه الثاني: لماذا يؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتقوى.
أولًا قدّمنا أن معنى قوله تعالى: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: زد من التقوى وداوم عليها وأكثر منها، وأنه أيضًا خطاب له أريد به أمته.
ثانيًا: ولا يجوز حمل هذا الأمر على غفلة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن قوله ﴿النَّبِيُّ﴾ ينافي الغفلة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خبير، فلا يكون غافلًا؛ فيجب حمله على خطر الخطب، فقد يتوهم من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ أن الهاء هنا للتنبيه، نعم هناك فرق بين قولك (يا رجل)، وقولك (يا أيها الرجل)، فالأخرى هي لتنبيه الغافل، لكن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الحال مختلف لفضله ومنزلته - صلى الله عليه وسلم -، فهي لمجرد الخطاب والنداء وليست للتنبيه.
ثالثا: وإن كانت التقوى معلومة من حاله، ففي أمره بها ثلاثة أمور:
أحدها: أن المراد بذلك استدامة ما هو علي، والثاني: الإِكثار مما هو فيه، والثالث: هو خطاب المراد به أُمَّتُه.
رابعًا: وفائدة هذا الأمر والنهي التشهير لهم بأن النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يقبل أقوالهم ليَيْأسوا من ذلك لأنهم كانوا يدبرون مع المشركين المكايد ويظهرون أنهم ينصحون النبي - صلى الله عليه وسلم - ويلحّون عليه بالطلبات نصحًا تظاهرًا بالإسلام.
خامسًا: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به، إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس وللساكت اسكت والنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان متقيًا فما الوجه فيه؟ نقول فيه وجهان: أحدهما: منقول وهو أنه أمر بالمداومة؛ فإنه يصح أن يقول القائل للجالس اجلس هاهنا إلى أن أجيئك، ويقول القائل للساكت قد أصبت فاسكت تسلم، أي دم على ما أنت عليه، والثاني: وهو معقول لطيف، وهو أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه: بعضهم يخاف من عقابه، وبعضهم يخاف من قطع ثوابه، وثالث يخاف من احتجابه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُؤمر بالتقوى بالمعنى الأول ولا بالمعنى الثاني، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا.
وكيف والأمور الدنيوية شاغلة والآدمي في الدنيا تارة مع الله، وأخرى مقبل على ما لابد منه، وإن كان معه الله وإلى هذا إشارة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (فصلت: 6)، يعني يرفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فالأمر بالتقوى يوجب استدامة الحضور.
سادسًا: هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كل لحظة كان يزداد علمه ومرتبته؛ حتى كان حاله فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه تركًا للأفضل، فكان له في كل ساعة تقوى متجددة فقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ على هذا أمر بما ليس فيه وإلى هذا أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "من استوى يوماه فهو مغبون" ولأنه طلب من ربه بأمر الله إياه به زيادة العلم حيث قال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وأيضا إلى هذا وقعت الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة".
سابعًا: والآية لا تدل على عدم تقواه، ومن قال ذلك، فهذا كله كذب لأن النهي عن الشيء لا يدل على وقوعه بل يدل على أنه ممنوع منه لئلا يقع فيما بعد كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فهذا لا يدل على أنه كان يطيعهم.
وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾ فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مشركًا قط، لا سيما بعد النبوة، فالأمة متفقة على أنه معصوم من الشرك بعد النبوة، وقد نهى عن ذلك بعد النبوة ونظائره كثيرة فقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ لا يدل على أن الصديق كان قد حزن لكن من الممكن في العقل أنه يحزن فقد ينهى عن ذلك لئلا يفعله.
ثامنًا: أن هذا خطاب للتحذير والإنذار، والتحذير ليس معناه أن المخاطب وقع في الحذور.
تاسعًا: أن هذا الخطاب أدب من الله - صلى الله عليه وسلم -، وتهديد لغيره.
الوجه الثالث: النبي - صلى الله عليه وسلم - أتقى الناس لربه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (الأحزاب: 39). عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَمَرَهُم، أَمَرَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِالله أَنَا".
وعن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ - رضي الله عنه - أنَّهُ سَأَل رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "سَلْ هَذه لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يصْنَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ يَا رَسولَ الله قَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أَمَا وَالله إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ للهَّ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ.
وعن أنسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْألونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَالله إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ للهَّ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ؛ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي.
وقال ابن حجر: فِيهِ إِشَارَة إِلَى رَدّ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمغْفُور لَهُ لَا يَحْتَاج إِلَى مَزِيد فِي الْعِبَادَة بِخِلَافِ غَيْره؛ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنه يُبَالِغ فِي التَّشْدِيد فِي الْعِبَادَة أَخْشَى لله وَأَتْقَى مِنْ الَّذِينَ يُشَدِّدُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ المشَدِّد لَا يَأْمَن مِنْ المُلَل بِخِلَافِ الْمقْتَصِدَ فَأنّهُ أَمْكَنَ لاسْتِمْرَارِهِ وَخَيْر الْعَمَل مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبه.
الوجه الرابع: النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحابي أحدًا.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52].
قال السعدي: أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة، في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم، وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء، وكلّ له حسابه، وله عمله الحسن، وعمله القبيح، ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد امتثل - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر، أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبَّر نفسَه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقَه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه - رضي الله عنهم -.
ولهذه الآية سبب نزول، فعن المقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ - رضي الله عنه - قال: فِيَّ نَزَلَتْ ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قَالَ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ وَكَانَ المُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ تُدْنِي هَؤُلَاءِ.
وفي رواية: قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: مَا شَاءَ الله أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
فهكذا، نهى الله سبحانه وتعالى نبيه أن يحابي أحدًا من الكافرين أو المسلمين، فكيف تقولون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرضي قومه؛ لأن الله نهاه عن طاعة الكافرين أو المنافقين؟ هذا من السفه في الفهم، وهذا كان دأب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الكافرين والمسلمين، فكان لا يخشى في الله لومة لائم.
وعن عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قالت: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُوميَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ حِبُّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ؛ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحدَّ؟ وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا.
فانظر لحكمه - صلى الله عليه وسلم - مع حلمه ورأفته، إلا أن هذا طالما أنه حد من حدود الله فلا شفاعة لأحد فيه.
وعن عروة قال: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنْ الحرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْماءَ إِلَى جَارِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ الله أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسْ الْماءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجْدْرِ ثُمَّ أَرْسِلْ الْماءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ كَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهما فِيهِ سَعَةٌ، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِه الْآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
قال النووي: فيه الغضب عند انتهاك حرمات الشرع، وإن كان المنتهك متأولًا تأويلًا باطلًا.
وفيه أن النبي لم يجامل هذا الأنصاري، بل لما أخطأ واتهم نبي الله بالظلم عاقبه.