۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانࣱ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤࣱ مَّكۡنُونࣱ 24
شبهة: ادعاؤهم أن في الجنة لواط.
نص الشبهة
ادعى هؤلاء بالفهم الخاطئ لما ذكره الله في كتابه من وصف الحور العين بصفات حسنة، وبما ذكره عن طبيعة أعمالهم بطوافهم على أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الطور: 24]، وقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ [الإنسان: 19]، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: 17 - 19]. فقالوا: بأن ذلك مما يبين أنهم كانوا يمارسون اللواط ومما يؤكد ذلك -بزعمهم- التركيز في وصفهم على حسن المنظر والهيئة.
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: كل ما يخالف الفطرة السوية فهو محرم في الدنيا؛ ممنوع وقوعه في الآخرة؛ لأنه شيءٌ خبيث.
الوجه الثاني: الولدان المخلدون من أجل الخدمة لا من أجل الاستمتاع الجنسي.
الوجه الثالث: الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة.
الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ هو وصف للأبرار المنعمين في الجنة وليس وصفًا لخدمهم.
الوجه الخامس: اللواط لم ينتشر في مشركي العرب حتى يغريهم القرآن به، واللواط يعافه الصحابة؛ لأنهم ليسوا بقابعين على الشهوات حتى يغريهم بها.
الوجه السادس: كثرة الولدان المخلدين كرامة من الله عز وجل.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: كل ما يخالف الفطرة السوية فهو محرم في الدنيا؛ ممنوع وقوعه في الآخره، لأنه شيءٌ خبيث.
1 - إن الفطرة السوية تكره الشرك واللواط.
فاللواط يعارض الأخلاق السوية؛ فالأخلاق في الأصل هي فطرية، وما دور الأديان فيها إلا التهذيب والتنمية، والعمل على تفعيلها وتقويتها، كي تكون مستقرة مستمرة.
2 - هذا الشذوذ لا يليق بقدسية الله.
3 - اللواط يعد من الأمراض النفسية، فكل ما فيه انحرافٌ في السلوك يؤثر بطريقة مباشرة في تغيير الحالة النفسية المعتدلة، فإدمان المخدرات -بغض النظر عن أنه مضر بالصحة- إلا أنه يؤثر في السلوك النفسي، لذلك قد يحتاج من يمارس اللواط إلى طبيبٍ نفسيٍّ ليساعده للخروج من الانحراف النفسي الذي مر به، ليصبح إنسانًا سويًّا.
4 - لا يقارن الخمر باللواط، فخمر الآخرة يختلف تمامًا عن خمر الدنيا، فليس لمعترض أن يقول: بأن الخمر عند المسلمين محرمة في الدنيا محللة في الآخرة فكذلك اللواط، فنقول له: هذا قياس مع الفارق كما هو موضح في قواعد القياس.
5 - كره المستقذرات في الدنيا وامتناع تحققها في جنة الآخرة، كأكل القاذورات والنجاسات، فاللواط أقذر من ذلك في الإسلام، فكيف يليق بالجنة أن يوجد بها شيء مستقذر؟
الوجه الثاني: الولدان المخلدون من أجل الخدمة لا من أجل الاستمتاع الجنسي.
قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: 17]، وهم في ذلك تصوروا أن معنى هذه الآية هي معاشرة الولدان، وهذا لا يقوله عاقل يفهم الكلام العربي، لأنهم لو ذكروا كل الآيات لاستقام المعنى.
قال تعالى في سورة الواقعة ذاكرًا ما أعده لعباده الموحدين، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 10 - 40].
فقد وضح المعنى أن الولدان المخلدين ليسوا للمعاشرة الجنسية كما يقولون؛ وإنما هم خدم لأهل الجنة يحملون لهم الأسقية التي خلقها الله تعالى لهم.
وفي سورة الإنسان نفس المعنى، قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: 15 - 22].
فقد وضح المعنى أن الولدان يطوفون على أهل الجنة يحملون الأكواب والأباريق لسقي أهل الجنة.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ أي: يطوف على أهل الجنة للخدْمَة ولدانٌ من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن. ومن فسرهم بأنهم مُخَرّصُونَ في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى بذلك؛ لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير.
وقوله: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن.
قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه.
فسياق الآيات تدل على أنهم يطوفون بالأكواب فهذا هو عملهم، ولم يجمع القرآن بين الحور العين والولدان في آية واحدة، فلو كان حدث ذلك لأمكن لصاحب الشبهة أن يتقول على القرآن بأنه ما جمع بينهما إلا من أجل الإغراء الجنسي بأن الحور العين هي لمن يحب التلذذ بالنساء، والولدان المخلدين لمن يحب التلذذ باللواط.
الوجه الثالث: الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة.
إن الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة لا تضاهيها جريمة، لأنها تخالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وكل ما يخالف الفطرة هو يخالف الإسلام، لأن الإسلام دين الفطرة، ولنقرأ هذه الآيات: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: 165 - 166]، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: 54 - 55]، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: 28 - 29].
وقال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: 54 - 58].
هذا قول الله تعالى، فمن أين أتوا بهذه الأقوال الباطلة؟!
وقال الذهبي في كتاب الكبائر: وأجمع المسلمون على أن التلوط من الكبائر التي حرم الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. أي: مجاوزون من الحلال إلى الحرام.
وعن جَابِر قال: قَال رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ".
الوجه الرابع
قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ هو وصف للأبرار المنعمين في الجنة وليس وصفًا لخدمهم.
وبهذا نرد على من يقول بأن الله يغري من يريد الدخول للجنة بالولدان ذوي الملابس الحريرية وما ذاك إلا بسبب الفهم الخاطئ لقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. فنقول: الأبرار الذين تستطرد الآيات في وصف نعيمهم بدءًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ إلى أن قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ لاحظ التقرير بأن هذا المذكور هو جزاء لهؤلاء الأبرار.
ويتضح المعنى أكثر حينما نعود إلى الآيات القرآنية التي تناولت نفس الموضوع لنرى لمن يكون هذا اللباس؟
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف 30: 31].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: 51 - 53].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: 23].
وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: 32 - 33].
وفي سورة الإنسان نفسها قال عن الأبرار: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 12].
الوجه الخامس: اللواط لم ينتشر في مشركي العرب حتى يغريهم القرآن به، واللواط يعافه الصحابة؛ لأنهم ليسوا بقابعين على الشهوات حتى يغريهم بها.
ولنسأل سؤالًا: هل كان العرب وقت نزول القرآن مشتهرين باللواط؟
لقد فات هؤلاء المفترين أن يدعموا كلامهم ببيان حال العرب وقت نزول القرآن، وهل كانت هذه الفعلة منتشرة بينهم، وأنهم كانوا يستحلونها ويميلون إليها.
قال نمير بن عبد الله الشعناني عن أبيه قال: قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرًا يفعل هذا بذكر.
قال ابن كثير: والمقصود أن مفسدة "اللواط" من أعظم المفاسد وكانت لا تعرف بين العرب قديمًا كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم، فلهذا قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله عز وجل قَصَّ علينا قصة قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا.
الوجه السادس: كثرة الولدان المخلدين كرامة من الله عز وجل.
قال أبو زيد الشافعي: وروي أن أطفال المشركين الذين يموتون دون سن البلوغ يكونون خدمًا لأهل الجنة، وهؤلاء الغلمان ليس لهم وظيفة إلا خدمة أهل الجنة، ولكن قائلًا قد يقول: أو ليس كل ما في الجنة قريبًا مني، والقطوف دانية، والأكواب موضوعة، والنمارق مصفوفة، فما فائدة الخدم؟ فنقول: إن من إكرام الله لأهل الجنة أن خلق لهم خدمًا، فأغلب ملوك الدنيا قد لا يحتاجون لهذه الأعداد الكبيرة من الخدم؛ ولكنه مظهر من مظاهر الترف والتكريم للملك، وهكذا حال خدم أهل الجنة..
نص الشبهة
ادعى هؤلاء بالفهم الخاطئ لما ذكره الله في كتابه من وصف الحور العين بصفات حسنة، وبما ذكره عن طبيعة أعمالهم بطوافهم على أهل الجنة كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الطور: 24]، وقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ [الإنسان: 19]، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: 17 - 19]. فقالوا: بأن ذلك مما يبين أنهم كانوا يمارسون اللواط ومما يؤكد ذلك -بزعمهم- التركيز في وصفهم على حسن المنظر والهيئة.
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: كل ما يخالف الفطرة السوية فهو محرم في الدنيا؛ ممنوع وقوعه في الآخرة؛ لأنه شيءٌ خبيث.
الوجه الثاني: الولدان المخلدون من أجل الخدمة لا من أجل الاستمتاع الجنسي.
الوجه الثالث: الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة.
الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ هو وصف للأبرار المنعمين في الجنة وليس وصفًا لخدمهم.
الوجه الخامس: اللواط لم ينتشر في مشركي العرب حتى يغريهم القرآن به، واللواط يعافه الصحابة؛ لأنهم ليسوا بقابعين على الشهوات حتى يغريهم بها.
الوجه السادس: كثرة الولدان المخلدين كرامة من الله عز وجل.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: كل ما يخالف الفطرة السوية فهو محرم في الدنيا؛ ممنوع وقوعه في الآخره، لأنه شيءٌ خبيث.
1 - إن الفطرة السوية تكره الشرك واللواط.
فاللواط يعارض الأخلاق السوية؛ فالأخلاق في الأصل هي فطرية، وما دور الأديان فيها إلا التهذيب والتنمية، والعمل على تفعيلها وتقويتها، كي تكون مستقرة مستمرة.
2 - هذا الشذوذ لا يليق بقدسية الله.
3 - اللواط يعد من الأمراض النفسية، فكل ما فيه انحرافٌ في السلوك يؤثر بطريقة مباشرة في تغيير الحالة النفسية المعتدلة، فإدمان المخدرات -بغض النظر عن أنه مضر بالصحة- إلا أنه يؤثر في السلوك النفسي، لذلك قد يحتاج من يمارس اللواط إلى طبيبٍ نفسيٍّ ليساعده للخروج من الانحراف النفسي الذي مر به، ليصبح إنسانًا سويًّا.
4 - لا يقارن الخمر باللواط، فخمر الآخرة يختلف تمامًا عن خمر الدنيا، فليس لمعترض أن يقول: بأن الخمر عند المسلمين محرمة في الدنيا محللة في الآخرة فكذلك اللواط، فنقول له: هذا قياس مع الفارق كما هو موضح في قواعد القياس.
5 - كره المستقذرات في الدنيا وامتناع تحققها في جنة الآخرة، كأكل القاذورات والنجاسات، فاللواط أقذر من ذلك في الإسلام، فكيف يليق بالجنة أن يوجد بها شيء مستقذر؟
الوجه الثاني: الولدان المخلدون من أجل الخدمة لا من أجل الاستمتاع الجنسي.
قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: 17]، وهم في ذلك تصوروا أن معنى هذه الآية هي معاشرة الولدان، وهذا لا يقوله عاقل يفهم الكلام العربي، لأنهم لو ذكروا كل الآيات لاستقام المعنى.
قال تعالى في سورة الواقعة ذاكرًا ما أعده لعباده الموحدين، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 10 - 40].
فقد وضح المعنى أن الولدان المخلدين ليسوا للمعاشرة الجنسية كما يقولون؛ وإنما هم خدم لأهل الجنة يحملون لهم الأسقية التي خلقها الله تعالى لهم.
وفي سورة الإنسان نفس المعنى، قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: 15 - 22].
فقد وضح المعنى أن الولدان يطوفون على أهل الجنة يحملون الأكواب والأباريق لسقي أهل الجنة.
قال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ أي: يطوف على أهل الجنة للخدْمَة ولدانٌ من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن. ومن فسرهم بأنهم مُخَرّصُونَ في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى بذلك؛ لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير.
وقوله: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾ أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن.
قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه.
فسياق الآيات تدل على أنهم يطوفون بالأكواب فهذا هو عملهم، ولم يجمع القرآن بين الحور العين والولدان في آية واحدة، فلو كان حدث ذلك لأمكن لصاحب الشبهة أن يتقول على القرآن بأنه ما جمع بينهما إلا من أجل الإغراء الجنسي بأن الحور العين هي لمن يحب التلذذ بالنساء، والولدان المخلدين لمن يحب التلذذ باللواط.
الوجه الثالث: الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة.
إن الإسلام يعتبر الشذوذ جريمة لا تضاهيها جريمة، لأنها تخالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وكل ما يخالف الفطرة هو يخالف الإسلام، لأن الإسلام دين الفطرة، ولنقرأ هذه الآيات: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: 165 - 166]، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: 54 - 55]، وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: 28 - 29].
وقال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: 54 - 58].
هذا قول الله تعالى، فمن أين أتوا بهذه الأقوال الباطلة؟!
وقال الذهبي في كتاب الكبائر: وأجمع المسلمون على أن التلوط من الكبائر التي حرم الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. أي: مجاوزون من الحلال إلى الحرام.
وعن جَابِر قال: قَال رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ".
الوجه الرابع
قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ هو وصف للأبرار المنعمين في الجنة وليس وصفًا لخدمهم.
وبهذا نرد على من يقول بأن الله يغري من يريد الدخول للجنة بالولدان ذوي الملابس الحريرية وما ذاك إلا بسبب الفهم الخاطئ لقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. فنقول: الأبرار الذين تستطرد الآيات في وصف نعيمهم بدءًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ إلى أن قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ لاحظ التقرير بأن هذا المذكور هو جزاء لهؤلاء الأبرار.
ويتضح المعنى أكثر حينما نعود إلى الآيات القرآنية التي تناولت نفس الموضوع لنرى لمن يكون هذا اللباس؟
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف 30: 31].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: 51 - 53].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: 23].
وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: 32 - 33].
وفي سورة الإنسان نفسها قال عن الأبرار: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 12].
الوجه الخامس: اللواط لم ينتشر في مشركي العرب حتى يغريهم القرآن به، واللواط يعافه الصحابة؛ لأنهم ليسوا بقابعين على الشهوات حتى يغريهم بها.
ولنسأل سؤالًا: هل كان العرب وقت نزول القرآن مشتهرين باللواط؟
لقد فات هؤلاء المفترين أن يدعموا كلامهم ببيان حال العرب وقت نزول القرآن، وهل كانت هذه الفعلة منتشرة بينهم، وأنهم كانوا يستحلونها ويميلون إليها.
قال نمير بن عبد الله الشعناني عن أبيه قال: قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرًا يفعل هذا بذكر.
قال ابن كثير: والمقصود أن مفسدة "اللواط" من أعظم المفاسد وكانت لا تعرف بين العرب قديمًا كما قد ذكر ذلك غير واحد منهم، فلهذا قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله عز وجل قَصَّ علينا قصة قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا.
الوجه السادس: كثرة الولدان المخلدين كرامة من الله عز وجل.
قال أبو زيد الشافعي: وروي أن أطفال المشركين الذين يموتون دون سن البلوغ يكونون خدمًا لأهل الجنة، وهؤلاء الغلمان ليس لهم وظيفة إلا خدمة أهل الجنة، ولكن قائلًا قد يقول: أو ليس كل ما في الجنة قريبًا مني، والقطوف دانية، والأكواب موضوعة، والنمارق مصفوفة، فما فائدة الخدم؟ فنقول: إن من إكرام الله لأهل الجنة أن خلق لهم خدمًا، فأغلب ملوك الدنيا قد لا يحتاجون لهذه الأعداد الكبيرة من الخدم؛ ولكنه مظهر من مظاهر الترف والتكريم للملك، وهكذا حال خدم أهل الجنة..