وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ 45 مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ 46 وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ 47 وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ 48 وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعۡرَىٰ 49 وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ 50 وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ 51 وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ 52 وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ 53 فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ 54 فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ 55 هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ 56 أَزِفَتِ ٱلۡأٓزِفَةُ 57 لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ 58 أَفَمِنۡ هَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ تَعۡجَبُونَ 59 وَتَضۡحَكُونَ وَلَا تَبۡكُونَ 60 وَأَنتُمۡ سَٰمِدُونَ 61 فَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ وَٱعۡبُدُواْ۩ 62 سورة القمربِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ 1 وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ 2 وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ 3 وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ 4 حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ 5 فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ 6
الصفحة 528

شبهات حول الآية 1 من سورة القمر والرد عليها

ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ 1

شبهة: إنكار معجزة انشقاق القمر.
نص الشبهة
إنكار وقوع معجزة انشقاق القمر لهذه الأدلة:
1 - أن معنى آية: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أي سينشق يوم القيامة كما قال بعض المفسرين.
2 - أن في روايات ابن مسعود تَعارُض مع روايات الذين لم يعاصروا هذه المعجزة، فكيف تقبل روايتهم؟.
3 - تعارض هذه المعجزة مع آية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59].
4 - لو وقعت ما أهملها تاريخ الأمم الأخرى.
5 - أن هذا مغاير لطبيعة الأفلاك السماوية.
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: القرآن أثبت وقوع معجزة انشقاق القمر في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ دليل على وقوع هذه المعجزة.
الوجه الثالث: تواتر هذه المعجزة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الرابع: الإجماع على وقوع هذه المعجزة.
الوجه الخامس: ذكر المعجزة في القرآن دليل على ثبوتها.
الوجه السادس: ذكر الكتاب المقدس لأحداث لم يذكرها التاريخ.
الوجه السابع: ماذا عن المعجزات ومعجزات يسوع كما في الكتاب المقدس؟.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: القرآن أثبت وقوع معجزة انشقاق القمر في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: 1, 2].
قال الطبري: وقوله: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ يقول جلّ ثناؤه: وانفلق القمر، وكان ذلك فيما ذُكر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة، قبل هجرته إلى المدينة، وذلك أن كفار أهل مكة سألوه آية، فأراهم - صلى الله عليه وسلم - انشقاق القمر، آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوّته؛ فلما أراهم أعرضوا وكذبوا، وقالوا: هذا سحر مستمرّ، سحرنا محمد، فقال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾.
الوجه الثاني
قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ دليل على وقوع هذه المعجزة.
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ هذا يدل على أنهم رأوا انشقاق القمر.
الوجه الثالث: تواتر هذه المعجزة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شقين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اشهدوا".
وفي لفظ آخر للبخاري عن عبد الله رضي الله عنه قال: انشق القمر ونحن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى فقال: "اشهدوا"، وذهبت فرقة نحو الجبل.
وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله انشق بمكة وتابعه محمد بن مسلم عن ابن نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله - عن ابن عمر قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقتين فستر الجبل فلقة وكانت فلقة فوق الجبل فقال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم اشهد".
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر.
عن ابن عباس: أن القمر انشق في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قَالَ ابْن عَبْد الْبَر: قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث جَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ الصَّحَابَة، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُمْ أَمْثَالهمْ مِنْ التَّابِعِينَ، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْجَمّ الْغَفِير إِلَى أَنْ اِنْتَهَى إِلَيْنَا.
قَال القاضي عياض: بعد ما ذكر أن كثيرًا من الآيات المأثورة عنه - معلومة بالقطع - ما نصه: أما انشقاق القمر؛ فالقرآن نص بوقوعه، وأخبر بوجوده، ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة، فلا يوهن عزمنا خلاف أخرق منحل عرى الدين، ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك في قلوب ضعفاء المؤمنين، بل نرغم بهذا أنفه، وننبذ بالعراء سخفه.
الوجه الرابع: الإجماع على وقوع هذه المعجزة.
وقد روى حديث الانشقاق جماعةٌ، منهم: عبد الله بن عمر، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعلى هذا جميع المفسرين، إلّا أن قومًا شذُّوا فقالوا: سيَنْشَقُّ يوم القيامة، وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع.
وقال ابن حجر: أجمع المفسرون وأهل السير على وقوعه.
الوجه الخامس: ذكر المعجزة في القرآن دليل على ثبوتها.
فلو أن القرآن سجل شيئًا لم يقع، أي: لو أن القمر لم ينشق لكانت الفرصة لكفار قريش ليقولوا: محمد يزعم أن القمر قد انشق وأننا رأيناه، وأننا قد قلنا هذا سحر وما وقع من ذلك شيء، أما المسلمون فكان منهم من سيرتد عن الإسلام إذ كيف يكذب عليهم ويقول وقع انشقاق ولم يقع؟.
ولكن ما الذي حدث؟ الذي حدث أن ثبت المسلمون على إسلامهم واستمروا على إيمانهم وازدادوا إيمانًا، وتحول الكفار من الكفر إلى الإسلام وأصبحوا بعد ذلك من جيش الإسلام.
أما عن قولهم أن المراد بقوله: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أي: سينشق يوم القيامة:
قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾: قد كان هذا في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر.
وهذا أمر متفق عليه بين العلماء - أي انشقاق القمر - قد وقع في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.
قال ابن الجوزي: وعلى هذا جميع المفسرين - أي انشقاق القمر -، إلّا أن قومًا شذُّوا فقالوا: سيَنْشَقُّ يوم القيامة. وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك، وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع، ولأن قوله: ﴿وَانشَقَّ﴾ لفظ ماض، وحَمْلُ لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل، وليس ذلك موجودًا. وفي قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ دليل على أنه قد كان ذلك.
قال الشوكاني: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أي: وقد انشقّ القمر، وكذا قرأ حذيفة بزيادة ﴿قَدْ﴾، والمراد الانشقاق الواقع في أيام النبوّة معجزة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف. قال الواحدى: وجماعة المفسرين على هذا إلّا ما روى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال: المعنى: سينشقّ القمر، والعلماء كلهم على خلافه. قال: وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نبوّة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ونبوّته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة.... ثم قال - أي الشوكاني - قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله (أن القمر ينشق يوم القيامة)، والأمر بين في الغلط وإجماع أهل العلم على قوله: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة، ولم يأت من خالف الجمهور وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلا بمجرد استبعاد فقال: لأنه لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء.
ويجاب عنه: بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، ومع هذا فقد نقل إلينا بطريق التواتر وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد ويضرب به في وجه قائله.
والحاصل: أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله فقد أخبرنا بأنه انشق ولم يخبرنا بأنه سينشق وإن نظرنا إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ واستبعاد من استبعد.
أما عن ادعائهم التعارض في روايتي ابن مسعود - رضي الله عنه - بقوله انشق القمر ونحن بمنى والأخرى قال فيها بمكة، أو مع غيرها من الروايات الأخرى وباقى الصحابة لم يعاصروا هذه المعجزة! أما عن الأولى فأجاب ابن حجر عن ذلك قائلًا: والجمع بين قول ابن مسعود (تارة بمنى وتارة بمكة) إما باعتبار التعدد إن ثبت، وإما بالحمل على أنه كان بمنى، ومن قال: كان بمكة لا ينافيه؛ لأن من كان بمنى كان بمكة من غير عكس، ويؤيده أن الرواية التي فيها بمنى قال فيها: (ونحن بمنى)، والرواية التي فيها بمكة لم يقل فيها (ونحن)، وإنما قال: (انشق القمر بمكة) يعني أن الإنشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وبهذا تندفع دعوى الداوودي أن بين الخبرين تضادا، والله أعلم.
وقال: وقد وقع عند ابن مردويه بيان المراد فأخرجه من وجه آخر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن بمكة قبل أن نصير إلى المدينة فوضح أن مراده بذكر مكة الإشارة إلى أن ذلك وقع قبل الهجرة، ويجوز أن ذلك وقع وهم ليلتئذ بمنى.
ورواية (رأيت القمر على الجبل وقد انشق، فأبصرت الجبل بين فرجتي القمر) ورواية (فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما)، لا تعارض بينهما البتة، وكذا رواية (انشق القمر فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه) فإنها قريبة من معناهما.
فلم يبق إلا ما ظاهره التعارض بين هاتين الروايتين (رأيت القمر منشقًا شقتين؛ شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء)، ورواية (فانشق القمر نصفين؛ نصفًا على الصفا، ونصفًا على المروة، وهذا ليس فيه إشكال؛ فإن نظر الإنسان يختلف بحسب الزاوية التي ينظر منها، فمرة يرى القمر فوق أبي قبيس، ثم إذا تحرك رآه على الصفا وهكذا، أو هو بحسب اختلاف جهة الناظرين، فبعضهم يراه من زاوية والآخرين من زواية أخرى.
وقال ابن حجر: (رَأَيْت الْقَمَر مُنْشَقًّا شقَّتَيْنِ): شقَّة عَلَى أَبِي قُبَيْس، وَشُقَّة عَلَى السُّوَيْدَاء - وَالسُّوَيْدَاء بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِير نَاحِيَة خَارِجَة مَكَّة عِنْدهَا جَبَل -، وَقَوْل اِبْن مَسْعُود: عَلَى أَبِي قُبَيْس. يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَآهُ كَذَلِكَ وَهُوَ بِمِنًى، كَأَنْ يَكُون عَلَى مَكَان مُرْتَفِع بِحَيْثُ رَأَى طَرَف جَبَل أَبِي قُبَيْس، ويَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَمَر اِسْتَمَرَّ مُنْشَقًّا حَتَّى رَجَعَ اِبْن مَسْعُود مِنْ مِنًى إِلَى مَكَّة، فَرَآهُ كَذَلِكَ وَفِيهِ بُعْد، وَالَّذِي يَقْتَضِيه غَالِب الرِّوَايَات أَنَّ الِانْشِقَاق كَانَ قُرْب غُرُوبه، وَيُؤَيِّد ذَلِكَ إِسْنَادهمْ الرُّؤْيَة إِلَى جِهَة الْجَبَل، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِانْشِقَاق وَقَعَ أَوَّل طُلُوعه؛ فَإِنَّ فِي بَعْض الرِّوَايَات أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَة الْبَدْر، أَوْ التَّعْبِير بِأَبِي قُبَيْس مِنْ تَغْيِير بَعْض الرُّوَاة؛ لِأَنَّ الْغَرَض ثُبُوت رُؤْيَته مُنْشَقًّا، إِحْدَى الشِّقَتَيْنِ عَلَى جَبَل، وَالْأُخْرَى عَلَى جَبَل آخَر، وَلَا يُغَايِر ذَلِكَ قَوْل الرَّاوِي الْآخَر: رَأَيْت الْجَبَل بَيْنهمَا. أَيْ بَيْن الْفِرْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ذَهَبَتْ فِرْقَة عَنْ يَمِين الْجَبَل، وَفِرْقَة عَنْ يَسَاره مِثْلًا صَدَقَ أَنَّهُ بَيْنهمَا، وَأَيّ جَبَل آخَر كَانَ مِنْ جِهَة يَمِينه أَوْ يَسَاره صَدَقَ أَنَّهَا عَلَيْهِ أَيْضًا.
ولو سلمنا التعارض التام بين هاتين اللفظتين من كل جهة، فهذا لا يضر في أصل الحديث، وأقصى ما فيه أن ابن مسعود - رضي الله عنه -، أو أحد الرواة عنه كان يهم في اسم الجبلين، فتارة يقول: (شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء)، وتارة (فانشق القمر نصفين، نصفًا على الصفا، ونصفًا المروة)، وأما أصل الحديث وهو الشاهد منه، أن القمر انشق فليس فيها أي اضطراب أو نسيان أو وهم.
أما عن قولهم إن باقي الصحابة لم يعاصروا وقوع هذه المعجزة وهذه من المراسيل.
قال ابن الصلاح: ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله - ولم يسمعوه منه -؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند.
قال ابن كثير: وقد حكى بعضهم الإجماع على قبول مراسيل الصحابة.
ثم لو سلمنا بعدم قبول رواية مرسل الصحابي، فقد رواه ابن مسعود مشاهدة، وهو ليس بمرسل في حقه، وكذلك رواه ورآه علي بن أبي طالب، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر.
أما عن قولهم إن حدوث هذه المعجزة يتعارض مع آية:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
والجواب على ذلك بما يلى:
1 - لقد طلبت قريش من النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - آية بعينها فلم تنزل حتى لا يقع العذاب عليهم:
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ في الكلام حذف والتقدير: وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلا أن يكذبوا بها فيهلكوا كما فعل بمن كان قبلهم قال معناه قتادة وابن جريج وغيرهما فأخر الله تعالى العذاب عن كفار قريش لعلمه أن فيهم من يؤمن وفيهم من يولد مؤمنًا، وقد تقدم في الأنعام وغيرها أنهم طلبوا أن يحول الله لهم الصفا ذهبًا وتتنحى الجبالى عنهم فنزل جبريل وقال: إن شئت كان ما سأل قومك ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا إن شئت استأنيت بهم فقال: "لا بل استأن بهم"، وأن الأولى في محل نصب بوقوع المنع عليهم، وأن الثانية في محل رفع، والباء في بالآيات زائدة ومجاز الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين، والله تعالى لا يكون ممنوعًا عن شيء فالمعنى: المبالغة في أنه لا يفعل؛ فكأنه قد منع عنه ثم بين ما فعل بمن سأل الآيات فلم يؤمن بها.
2 - أنزل الله الآيات كانشقاق القمر، وطلبوا آيات أخرى فلما لم يؤمنوا منع الله إرسال الآيات.
لما أنزل الله الآيات كانشقاق القمر، اجتمع إليه المشركون بعد مدة فسألوه أن يأتي إليهم بالله والملائكة قبيلًا، وسألوه أن يرد لهم أجدادهم الماضين، ويكون فيهم قصي بن كلاب ليسألوه أحق ما أتي به أم لا؟.
وطلبوا منه أن يزحزح عنهم جبال مكة، ويفجر لهم في بطحائها أنهارًا، وسألوه أن يسقط عليهم من السماء كسفًا، وأن يكون له بيت من زخرف ويرقي في السماء، ويأتيهم بكتاب مع الملائكة يشهدون، وهذا كله منصوص في السورة السابعة عشر من القرآن فقال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 93]؛ وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ يعني هذه الآيات التي طلبوها منه، ثم قال: ﴿إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59] يشير إلي تكذيبهم بانشقاق القمر قبل ذلك. وتكذيب الأنبياء من قبله.
وأما انشقاق القمر فإنه آية لم يطلبها المشركون بعينها؛ وإنما طلبوا آية دون تحديد فانشق القمر، كما في صحيح البخاري عن أنس - رضي الله عنه - قال: سأل أهل مكة أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر.
وبهذا يتبين أنه لا تعارض يبن انشقاق القمر ومضمون الآية الكريمة ولله الحمد والمنة.
أما عن قولهم لو وقع ذلك لرآها كثير من الناس وما أهمله أهل التاريخ وتواتر عندهم:
والرد على هذا من وجوه:
الوجه الأول: يكفينا ثبوتها في القرآن وتواترها في سنة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد سبق بيان ذلك في أول البحث.
الوجه الثاني: قال الحافظ ابن حجر إنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَيْلًا وَأَكْثَر النَّاس نِيَام وَالْأَبْوَاب مُغَلَّقَة، وَقَلَّ مَنْ يُرَاصِد السَّمَاء إِلَّا النَّادِر، وَقَدْ يَقَع بِالْمُشَاهَدَةِ فِي الْعَادَة أَنْ يَنْكَسِف الْقَمَر، وَتَبْدُو الْكَوَاكِب الْعِظَام وَغَيْر ذَلِكَ فِي اللَّيْل وَلَا يُشَاهِدهَا إِلَّا الْآحَاد، فَكَذَلِكَ الِانْشِقَاق كَانَ آيَة وَقَعَتْ فِي اللَّيْل لِقَوْم سَأَلُوا وَاقْتَرَحُوا فَلَمْ يَتَأَهَّب غَيْرهمْ لَهَا، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْقَمَر لَيْلَتئِذٍ كَانَ فِي بَعْض الْمَنَازِل الَّتِي تَظْهَر لِبَعْضِ أَهْل الْآفَاق دُون بَعْض كَمَا يَظْهَر الْكُسُوف لِقَوْمٍ دُون قَوْم. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: اِنْشِقَاق الْقَمَر آيَة عَظِيمَة لَا يَكَاد يَعْدِلهَا شَيْء مِنْ آيَات الْأَنْبِيَاء، وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَهَرَ فِي مَلَكُوت السَّمَاء خَارِجًا مِنْ جُمْلَة طِبَاع مَا فِي هَذَا الْعَالَم الْمُرَكَّب مِنْ الطَّبَائِع، فَلَيْسَ مِمَّا يُطْمَع فِي الْوُصُول إِلَيْهِ بِحِيلَةٍ، فَلِذَلِكَ صَارَ الْبُرْهَان بِهِ أَظْهَر، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضهمْ فَقَالَ: لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجُز أَنْ يَخْفَى أَمْره عَلَى عَوَامّ النَّاس لِأَنَّهُ أَمْر صَدَرَ عَنْ حِسّ وَمُشَاهَدَة فَالنَّاس فِيهِ شُرَكَاء وَالدَّوَاعِي مُتَوَفِّرَة عَلَى رُؤْيَة كُلّ غَرِيب وَنَقْل مَا لَمْ يُعْهَد، فَلَوْ كَانَ لِذَلِكَ أَصْل لَخُلِّدَ فِي كُتُب أَهْل التَّسْيِير وَالتَّنْجِيم، إِذْ لَا يَجُوز إِطْبَاقهمْ عَلَى تَرْكه وَإِغْفَاله مَعَ جَلَالَة شَأْنه وَوُضُوح أَمْره. وَالْجَوَاب عَنْ ذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّة خَرَجَتْ عَنْ بَقِيَّة الْأُمور الَّتِي ذَكَرُوهَا لِأَنَّهُ شَيْء طَلَبه خَاصة مِنْ النَّاس فَوَقَعَ لَيْلًا لِأَنَّ الْقَمَر لَا سُلْطَان لَهُ بِالنَّهَارِ وَمِنْ شَأْن اللَّيْل أَنْ يَكُون أَكْثَر النَّاس فِيهِ نِيَامًا وَمُسْتَكِنِّينَ بِالْأَبْنِيَةِ، وَالْبَارِز بِالصَّحْرَاءِ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ يَقْظَان يَحْتَمِل أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْت مَشْغُولًا بِمَا يُلْهِيه مِنْ سَمَر وَغَيْره، وَمنْ الْمُسْتَبْعَد أَنْ يَقْصِدُوا إِلَى مَرَاصِد مَرْكَز الْقَمَر نَاظِرِينَ إِلَيْهِ لَا يَغْفُلُونَ عَنْهُ، فَقَدْ يَجُوز أَنَّهُ وَقَعَ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَكْثَر النَّاس، وَإِنَّمَا رَآهُ مَنْ تَصَدَّى لِرُؤْيَتِهِ مِمَّنْ اِقْتَرَحَ وُقُوعه، وَلَعَلَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي قَدْر اللَّحْظَة الَّتِي هِيَ مَدَرك الْبَصَر.
الوجه الثالث: جائز أن يستره الله عنهم بغيم أو يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور لضرب من التدبير ولئلا يدعيه بعض المتنبئين في الآفاق لنفسه فأظهره للحاضرين عند دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياهم واحتجاجه عليهم.
الوجه الرابع: أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ نَفَاهُ، وَهَذَا كَافٍ، فَإِنَّ الْحُجَّة فِيمَنْ أَثْبَتَ لَا فِيمَنْ يُوجَد عَنْهُ صَرِيح النَّفْي، حَتَّى إِنَّ مَنْ وُجِدَ عَنْهُ صَرِيح النَّفْي يُقَدَّم عَلَيْهِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ صَرِيح الْإِثْبَات.
الوجه الخامس: إِنَّ زَمَن الِانْشِقَاق لَمْ يَطُلْ وَلَمْ تَتَوَفَّر الدَّوَاعِي عَلَى الِاعْتِنَاء بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَعَثَ أَهْل مَكَّة إِلَى آفَاق مَكَّة يَسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَتْ السِّفَار وَأَخْبَرُوا بِأَنَّهُمْ عَايَنُوا ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَافِرِينَ فِي اللَّيْل غَالِبًا يَكُونُونَ سَائِرِينَ فِي ضَوْء الْقَمَر وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.
الوجه السادس: أنها لم تكن متوقع الحصول لأهل العلم لينظروها في وقتها ويروها كما أنهم يرون هلال رمضان والعيدين والكسوف والخسوف في أوقاتها غالبًا لأجل كونها متوقع الحصول، ولا يكون نظر كل واحد إلى السماء في كل جزء من أجزاء النهار أيضًا فضلًا عن الليل. فلذلك رأى الذين كانوا طالبين لهذه المعجزة وكذلك من وقع نظره في هذا الوقت إلى السماء كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الكفار لما رأوها قالوا: سحركم ابن أبي كبشة فقال أبو جهل: هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا رأوا ذلك أم لا؟ فأخبر أهل آفاق مكة أنهم رأوه منشقًا، وذلك لأن العرب يسافرون في الليل غالبًا ويقيمون بالنهار فقالوا: هذا سحر مستمر. وفي المقالة الحادية عشر من تاريخ "فرشته" أن أهل مليبار من إقليم الهند رأوه أيضًا، وأسلم والي تلك الديار التي كانت من مجوس الهند بعد ما تحقق له هذا الأمر.
وقد نقل الحافظ المزى عن ابن تيمية أن بعض المسافرين ذكر أنه وجد في بلاد الهند بناءً قديمًا مكتوبًا عليه: (بني ليلة انشق القمر).
الوجه السابع: أنه قد يحول في بعض الأمكنة وفي بعض الأوقات بين الرائي والقمر، سحاب غليظ أو جبل، ويوجد التفاوت الفاحش في بعض الأوقات في الديار التي ينزل فيها المطر كثيرًا، بأنه يكون في بعض الأمكنة سحاب غليظ ونزول المطر بحيث لا يرى الناظر في النهار الشمس ولا هذا اللون الأزرق إلى ساعات متعددة، وكذا لا يرى في الليل القمر والكواكب ولا اللون المذكور. وفي بعض أمكنة أخرى لا أثر للسحاب ولا للمطر وتكون المسافة بين تلك الأمكنة والأمكنة الأولى قليلة، وأهل البلاد الشمالية كالروم والفرنج في موسم نزول الثلج والمطر لا يرون الشمس إلى أيام، فضلًا عن القمر.
الوجه الثامن: أن القمر لاختلاف مطالعه ليس في حد واحد لجميع أهل الأرض، فقد يطلع على قوم قبل أن يطلع على آخرين، فيظهر في بعض الآفاق وبعض المنازل على أهل بعض البلاد دون بعض، ولذلك نجد الخسوف في بعض البلاد دون بعض، ونجده في بعض البلاد باعتبار بعض أجزاء القمر، وفي بعضها مستوفيًا أطرافه كلها، وفي بعضها لا يعرفها إلا الحاذقون في علم النجوم، وكثيرًا ما يحدث الثقات من العلماء بالهيئة الفلكية بعجائب يشاهدونها من أنوار ظاهرة ونجوم طالعة عظيمة تظهر في بعض الأوقات أو الساعات من الليل، ولا علم لأحد بها من غيرهم.
الوجه التاسع: أنه قلما يقع أن يبلغ عدد ناظري أمثال هذه الحوادث النادرة الوقوع إلى حد يفيد اليقين، وأخبار بعض العوام لا يكون معتبرًا عند المؤرخين في الوقائع العظيمة، نعم يعتبر أخبارهم أيضًا في الحوادث التي يبقى أثرها بعد وقوعها، كالريح الشديد، ونزول الثلج الكثير، والبرد. فيجوز أن مؤرخي بعض الديار لم يعتبروا أخبار بعض العوام في هذه الحادثة، وحملوه على تخطئة أبصار المخبرين العوام، وظنوا أنها تكون نحوًا من الخسوف.
الوجه العاشر: أن المؤرخين كثيرًا ما يكتبون الحوادث الأرضية ولا يتعرضون للحودث السماوية إلا قليلًا، لا سيما مؤرخي السلف، وكان في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - في ديار إنكلترة وفرانس شيوع الجهل، واشتهارها بالصنائع والعلوم إنما هو بعد زمانه - صلى الله عليه وسلم - بمدة طويلة.
الوجه الحادي عشر: أن المنكر إذا علم أن الأمر الفلاني معجزة أو كرامة للشخص الذي ينكره تصدى لإخفائها، ولا يرضى بذكرها وكتابتها غالبًا.
الوجه السادس: ذكر الكتاب المقدس لأحداث لم يذكرها التاريخ.
وأخيرًا: سلمنا جدلًا أن التاريخ قد أهمل ذكر معجزة انشقاق القمر فلماذا أهمل التاريخ ذكر هذه الحوادث المزعومة في الكتاب المقدس.
أ - أن حادثة طوفان نوح - عليه السلام - كانت ممتدة إلى سنة، وفنى فيه كل ذي حياة من الطيور والبهائم والحشرات والإنسان غير أهل السفينة، وما نجا من الإنسان غير ثمانية أشخاص على ما هو مصرح به في الباب السابع والثامن من سفر التكوين.
وفي الآية العشرين من الباب الثالث من الرسالة الأولى لبطرس هكذا: (إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ).
والآية الخامسة من الباب الثاني من رسالته الثانية هكذا: (وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، بَلْ إِنَّمَا حَفِظَ نُوحًا ثَامِنًا كَارِزًا لِلْبِرِّ، إِذْ جَلَبَ طُوفَانًا عَلَى عَالَمِ الْفُجَّارِ). وما مضت على هذه الحادثة مدة إلى هذا اليوم على زعم أهل الكتاب إلا مقدار أربعة آلاف ومائتين واثنتي عشرة سنة شمسية ولا يوجد هذا الحال في تواريخ مشركي الهند وكتبهم. وهم ينكرون هذا الأمر إنكارًا بليغًا ويستهزئ به علماؤهم كافة ويقولون: لو قطع النظر عن الزمان السالف ونظر إلى زمان كرشن الأوتار، الذي كان قبل هذا اليوم بمقدار أربعة آلاف وتسعمائة وستين سنة على شهادة كتبهم، لا مجال لصحة هذه الحادثة العامة لأن الأمصار العظيمة الكثيرة من ذلك العهد إلى هذا الحين مغمورة وثبت بشهادة تواريخهم أنه يوجد من ذلك العهد إلى هذا الحين في إقليم الهند مليونات كثيرة في كل زمان من الأزمنة، ويدعون أن حال زمان كرشن لوجود كثرة التواريخ كحال أمس.
وقال ابن خلدون في المجلد الثاني من تاريخه: واعلم أن الفرس والهند لا يعرفون الطوفان وبعض الفرس يقولون كان ببابل فقط. انتهى كلامه بلفظه. وقال العلامة تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزي في المجلد الأول من كتابه المسمى بكتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: (الفرس وسائر المجوس والكلدانيون أهل بابل والهند وأهل الصين وأصناف الأمم المشرقية ينكرون الطوفان، وأقر به بعض الفرس لكنهم قالوا لم يكن الطوفان بسوى الشام والمغرب ولم يعم العمران كله ولا غرق إلا بعض الناس ولم يجاوز عقبة حلوان ولا بلغ إلى ممالك المشرق) انتهى كلامه بلفظه.
وأبناء صف القسيسين ينكرون هذا الطوفان ويستهزئون به. وأنقل كلام جان كلارك الملحد عن رسالته الثالثة المندرجة في كتابه المطبوع سنة 1839 في ليدس فقال في الصفحة 54: (هذا) يعني الطوفان، غير صحيح على شهادة علم الفلسفة وأنا أتعجب! أمات الحيتان في ماء هذا الطوفان؟.
ولما كان بحكم الآية الخامسة من الباب السادس من سفر التكوين أفكار قلوب الإنسان ذميمة فلماذا أبقى الله ثمانية أشخاص. لِمَ لَمْ يخلق الإنسان مرة أخرى بعد إهلاك الكل؟ ولماذا أبقى بضاعته القديمة التي بقيت الأفكار الذميمة باقية بسببها؟ لأن الشجرة الرديئة لا تثمر ثمرة جيدة كما قال متى في الآية السادسة عشر من الباب السابع، هل يجتنون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا؟. ونوح كان شارب الخمر وبهيمة وظالمًا (والعياذ بالله). كما يفهم من الآية 21 و 25 من الباب التاسع من سفر التكوين فكيف يرجى منه أن يكون نسله صالحًا.
وانظروا أنه لم يكن صالحًا كما يظهر من الآية الثانية من الباب الثاني من رسالة بولس إلى أهل أفسيس والآية الثالثة من الباب الثالث من رسالته إلى تيطس والآية الثالثة من الباب الرابع من الرسالة الأولى لبطرس والآية (ص 190) الخامسة من الزبور الحادي والخمسين) انتهى كلامه. ثم استهزأ في هذه الصفحة 93 استهزاءً بليغًا جاوز الحد في إساءة الأدب، فلا أرضى بنقل كلامه القبيح.
ب - أن حادثة وقوف الشمس يومًا كاملًا ليوشع (يشوع بن نون) مذكورة في سفر يشوع 10/ 12 - 13، وذكر مؤرخو أهل الكتاب ومفسروهم بأنها دامت إلى أربع وعشرين ساعة، فهذه الحادثة العظيمة التي وقعت سنة 1450 ق. م يجب أن يراها سكان الأرض كلهم؛ لأن السحاب الغليظ لا يمنع العلم بها في المناطق التي كان عليها النهار، وأما سكان المناطق التي كان عليها الليل فلا بد أن يعلموا بهذه الحادثة لامتداد ليلهم بمقدار أربع وعشرين ساعة، ومع ذلك فإن مشركي الهند والفرس وأهل الصين ينكرونها ولم تذكر في تواريخهم، وملاحدة أوروبا يستهزئون بها ويوردون عليها اعتراضات، فهل يقبل القسيسون بإنكار الأمم المشرقية لهذه الحادثة وباعتراضات أبنائهم الملاحدة؟!
ج - أن متى روى في إنجيله 27/ 51 - 53 عدة حوادث عظيمة وقعت بعد حادثة الصلب مباشرة، وهي: انشقاق حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل، وتزلزل الأرض، وتشقق الصخور، وتفتح القبور، وقيام كثير من أجساد القديسين الموتى، وخروجهم من القبور، ودخولهم القدس، وظهورهم لكثيرين، وهذه الحوادث كاذبة يقينًا لكن نقول: إن هذه الحوادث العظيمة غير مذكورة في كتب الرومان ولا في كتب اليهود، بل لم يذكرها إنجيل يوحنا، وإما إنجيل مرقس وإنجيل لوقا فذكرا انشقاق حجاب الهيكل فقط ولم يذكرا باقي الأمور العظيمة، علمًا أن ذكرها أولى من ذكر صراخ المصلوب وأمور أخرى لا قيمة لها اتفقا على ذكرها، وعلمًا أن بعض الأمور يبقى أثرها بعد الوقوع كتشقق الصخور وتفتح القبور، والعجب من متى أنه لم يذكر أن هؤلاء القديسين بعد خروجهم من قبورهم أحياء أين ذهبوا؟! هل بقوا على قيد الحياة أم رجعوا إلى قبورهم؟! ولذلك استهزأ بعضهم بهذه المبالغات الشنيعة فقال: لعل متى رآها في المنام. ويفهم من عبارة إنجيل لوقا أن انشقاق حجاب الهيكل كان قبل وفاة المصلوب، بينما يفهم من عبارتي متى ومرقس أنه بعد وفاة المصلوب. فكيف يعالج القسيسون هذه المعضلات؟!
د - أنه ورد في إنجيل متى (3/ 16 - 17) وإنجيل مرقس (1/ 10 - 11) وإنجيل لوقا (3/ 21 - 22) أن يحيى عمد عيسى - عليه السلام - في نهر الأردن، وفي وقت صعود عيسى من الماء، انشقت السماوات وانفتحت ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسيمة في شكل حمامة، وقال صوت من السماوات: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت.
فانشقاق السماوات لم كان في النهار فلا بد أن يراه أكثر أهل العالم، وكذا رؤية الحمامة المجسمة وسماع الصوت لا يختص بواحد دون غيره من الحاضرين، ومع ذلك لم يكتب أحد من مؤرخي ذلك الزمان هذه الحادثة غير الإنجيليين الثلاثة، ولذلك صارت سببًا لاستهزاء ملاحدة أوروبا فقالوا: لماذا أبقانا متى محرومين من معرفة الأبواب التي انفتحت في السماوات هل هي أبوابها الكبيرة أم المتوسطة أم الصغيرة؟! وفي أي جانب منها كانت هذه الأبواب؟!
وقساوستنا يضربون رؤوسهم متحيرين في تعيين ذلك. ولماذا لم يخبرنا متى عن الحمامة هل أخذها أحد وحبسها في القفص أم رأوها راجعة إلى السماوات؟!
وإذا رجعت إلى السماوات فهل بقيت أبوابها مفتوحة كل هذه المدة؟! وهل رأوا باطن السماوات بوجه حسن؟! فماذا يقول القسيسون في هذه التساؤلات؟! إذن فالاعتراض على معجزة انشقاق القمر لمحمد - صلى الله عليه وسلم - اعتراض باطل ولا قيمة له.
أما عن قولهم بأن ذلك مغاير للأفلاك،
إضافة إلى ما سبق بيانه من إثبات وقوع هذه المعجزة نقول:
الله أكبر، مَن الذي خلق الأفلاك السماوية أليس الله؟ بلى، إذن هو قادر على أن يغيرها ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، فانشقاق القمر انشقاق حسي، انفلق فرقتين، ورآه الناس وشاهدوه، ولكن المكابر المعاند لا يقبل شيئًا، ولهذا قال: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ ﴿آيَةً﴾ نكرة في سياق الشرط، أي آية يرونها يعرضون عنها ولا يقبلونها.
ونحن نؤمن بأن القادر على أن يطوي السماوات بيمينه كطي السجل للكتب، قادر على أن يفرق القمر فرقتين، ولا شيء يعجزه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: 44]، ولهذا لا وجه لإنكار من أنكر ذلك.
وأخيرًا: إليكم هذا النبأ الهام من وكالة ناسا الفضائية
أما في عصرنا الراهن فنجد في موقع وكالة ناسا الفضائية الأمريكية على شبكة (الإنترنت) صورة لصدع طولي رهيب على سطح القمر يظهر بوضوح من الصورة في أعلى المقال يمتد لمئات الكيلومترات، عبارة عن حزام من الصخور المتحولة، وكاتب المقال يتساءل:
What could cause along crack on tha moon?
أي ما الذي يمكن أن يحدث شقًا بهذا الطول في القمر؟
والكيفية التي طرح بها السؤال تبين بجلاء حيرة العلماء في تفسير تكون هذا الشق، وهو ما ينم عن حدث عظيم تعرض له القمر ترك هذا الأثر المحيّر، ولو كان سببه زلزالًا عاديًا أو بركانًا لما استغلق على العلماء فهمه كل هذه المدة إذ إنه اكتشف منذ أكثر من 200 عام كما يذكر موقع وكالة ناسا.
والطريف في الأمر أن هؤلاء العلماء ليسوا مسلمين ولا علم لهم بنسبة هذه المعجزة لنبينا - صلى الله عليه وسلم -؛ فصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: 6].
وإليكم صورة انشقاق القمر كما نقلت إلينا:
الوجه السابع: ماذا عن المعجزات ومعجزات يسوع كما في الكتاب المقدس؟
المعجزات ليست دليل ألوهية:
(متى 24/ 24): لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا.
المسيح لم يقدر أن يصنع معجزات:
(مرقس 5/ 5): وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَ هُنَاكَ وَلَا قُوَّةً وَاحِدَةً، غَيْرَ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَرْضَى قَلِيلِينَ فَشَفَاهُمْ.
يسوع ينكر معجزاته:
(متى 12/ 39): وَقَالَ لهُمْ: "جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلَا تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلَّا آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ.
(متى 11/ 27): كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبُ إِلَّا الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.
(يوحنا 3/ 35): الآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ.
(يوحنا 5/ 30): أَنَا لَا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفسِي شَيْئًا. كَما أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لَا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.
(يوحنا 7/ 28): فَنَادَى يَسُوعُ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ قَائِلًا: "تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا، وَمِنْ نَفْسِي لَمْ آتِ، بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَق، الَّذِي أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ.
(يوحنا 8/ 28): فَقَالَ لهُمْ يَسُوعُ: مَتَى رَفعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي.
(يوحنا 8/ 42): فَقَالَ لهُمْ يَسُوعُ: "لَوْ كَانَ الله أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ الله وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي.
معجزات المسيح من الله:
(متى 11/ 27): كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.
(متى 8/ 9): فَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا الله الَّذِي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا مِثْلَ هذَا.
(يوحنا 10/ 29): بِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي.

شبهة: اقتباس القرآن من الشعر.
نص الشبهة
ادعى مَنْ عادى الإسلام أن القرآنَ الكريم اقتبس من شعر امرئ القيس عدة فقرات، وضَمَّنَهَا آياتِه، ولم يحدث هذا في آية أو آيتين، بل في عدة آيات، وإذا كان الأمر كذلك، لم يكن لما يُدندن حوله المسلمون من بلاغة القرآن وإعجازه مكان؛ بل هو في ذلك معتمد على بلاغة من سبقه من فحول الشعراء وأساطين البلاغة. ومثال ذلك: ما قاله المناوي: "وقد تكلم امرؤ القيس بالقرآن قبل أن ينزل، فقال:
يتمنى المرء في الصيف الشتاء... حتى إذا جاء الشتاء أنكره
فهو لا يرضى بحال واحد... قتل الإنسان ما أكفره
وقال:
إذا زلزلت الأرض زلزالها... وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها... ليوم الحساب ترى حالها
وقال بعضهم إن امرئ القيس قال:
دنت الساعة وانشق القمر... غزال صاد قلبي ونفر
مر يوم العيد بي في زينة... فرماني فتعاطى فعقر
بسهام من لحاظ فاتك... فرعني كهشيم المحتظر
وإذا ما غاب عني ساع... كانت الساعة أدهى وأمر.
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1, 2]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، وقوله تعالى ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾.
والرد من وجوه:
الوجه الأول: تحدي القرآن للعرب، وعجز فصحائهم عن الإتيان بمثل القرآن، وإقرارهم بأنه ليس من قبيل الشعر.
الوجه الثاني: موقف القرآن والسنة من الشعر والشعراء.
الوجه الثالث: سيرته - صلى الله عليه وسلم - تشهد على قلة معرفته للشعر، واستحالة تأليفه له.
الوجه الرابع: اتخاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - شعراء يردون على أعدائه دليل أنه لم يكن شاعرًا.
الوجه الخامس: إن امرؤ القيس وغيره من الشعراء قد نُحلت عليهم العديد من القصائد فضلًا عن الأبيات.
الوجه السادس: ولأن الأبيات من الشعر المولد؛ فإن صاحبها اقتبس كلماتها من القرآن الكريم.
الوجه السابع: أن المتقدمين من أهل اللغة والأدب كانوا يذكرون في كتبهم قضية اقتباس الشعراء من كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الثامن: لو افترضنا صحة نسبة الأبيات إلى امرئ القيس، فإن ذلك يشهد للقرآن بالفصاحة والبلاغة والبيان.
الوجه التاسع: منافاة أسلوب القرآن لأسلوب الشعر عامة.
الوجه العاشر: إن فساد معاني الأبيات بما لا يقتضيه واقع العرب وعقيدتها الجاهلية يفضح كذب ادعائها على الشعر الجاهلي كله.
الوجه الحادي عشر: مخالفة الشبهة لمقتضى العقل وانعدام المنهج العلمي في تقريرها.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تحدي القرآن للعرب وعجز فصحائهم عن الإتيان بمثل القرآن، وإقرارهم بأنه ليس من قبيل الشعر.
لو كان هناك مطعن في القرآن من حيث لغته ودلالته، أو بيانه وبلاغته، أو ألفاظه ومعانيه، لكان أعداء القرآن من مشركي العرب أتوا به قبل أن يتحداهم القرآن... إذ قد اجتمع في كفار قريش أقوى عامِلَين للتشكيك في القرآن الكريم.
العامل الأول: كونهم أهل اللغة، وفصحائها، وفيهم فطاحل الشعراء والخطباء.
العامل الثاني: رغبتهم الجامحة في إطفاء نور الله تعالى، والحرص على جحده وتكذيبه بعد أن عاب آلهتهم، وسفه أديانهم وأحلامهم. بل زاد الأمر عليهم حين تحداهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة أو آية من ممثله، فلم يأتوا بشيء.
قال تعالى - أول ما تحداهم -: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: 33, 34]، فلما انقطعوا قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: 13, 14]، فلما عجزوا هذه المرة أيضًا طاولهم مرة أخرى وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 23, 24].
يقول القاضي عياض: فلم يزل يقرعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد التقريع، ويوبخهم غاية التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم، ويذم آلهتهم وإياهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب والإغراء بالافتراء، وقولهم: إن هذا إلا قول البشر، إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر وإفك افتراه، وأساطير الأولين،...، وقد قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾ فعلوا ولا قدروا، ومَنْ تعاطَى ذلك من سُخَفَائِهِم كمسيلمة كُشِفَ عَوَارُهُ لِجَمِيْعِهم.
ويقول: تحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع، وهو أبلغ في التعجيز، وأحرى بالتقريع، والاحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم، وهو أبهر آية، وأقمع دلالة، وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال بل صبروا على الجلاء والقتل، وتجرعوا كاسات الصغار والذل، وكانوا من شموخ الأنف، وإباءة الضيم بحيث لا يؤثرون ذلك اختيارا، ولا يرضونه إلا اضطرارا، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم والشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم وهم ممن لهم قدرة على الكلام وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام.
ويقول ابن عاشور: الله تعالى تحدى بلغاءهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يتعرض واحد إلى معارضته، اعترافا بالحق وربئا بأنفسهم عن التعريض بالنفس إلى الافتضاح، مع أنهم أهل القدرة في أفانين الكلام نظما ونثرا، وترغيبا وزجرا، قد خُصوا من بين الأمم بقوة الذهن، وشدة الحافظة، وفصاحة اللسان، وتبيان المعاني، فلا يستصعب عليهم سابق من المعاني، ولا يجمح بهم عسير من المقامات.
وقال مالك بن نبي: لم يذكر التاريخ أن أحدًا قد أجاب على هذا التحدي، وبهذا يمكن أن نستخلص أنه قد ظل دون تعقيب وإن إعجازه الأدبي قد أفحم فعلا عبقرية ذلك العصر. فكان عجزُهم بعد ذلك أشنعَ وأبشعَ وسَجَّلَ الله عليهم الهزيمة أبد الدهر فلم يفعلوا ولن يفعلوا فافتضح أمرهم.
فكفار قريش الذين عجزوا كانوا أعلم الناس بأشعار العرب وأحفظهم له، وأعرفهم بمداخله ومخارجه، وقد كانوا مع ذلك أحرص الناس على بيان كذب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه ما هو إلا ساحر أو كاهن أو شاعر، والله تعالى ردَّ عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: 41]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: 69, 70]، فلم يستطيعوا تكذيب كلام الله تعالى، ولم يقدروا على أن يأتوا بدليل على كلامهم من كونه شاعرا إلا التهويش والتكذيب، ثم لو كان اقتبس في القرآن من ذلك الشعر المنسوب لامرئ القيس، لكان كفار قريش - وهم الحفاظ لشعره - أولَ من يستعين بذلك في رد كلام الله تعالى.
بل ولم يستطيعوا أن يخفوا أو ينكروا إعجاز القرآن وبلاغته وقوته، كما سيأتي بعد قليل. وإن من أعجب العجب أن يخرج علينا الأعجمي الذي لم يرضع اللسان العربي والذي لا يطيق الإبانة عن نفسه بلسان عربي، فيُخَطِّئُ - ما عجزت عنه العرب قاطبة - أحْكَمَ القَولِ وأبلغَهُ، يخطِّئُ الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، بلسان عربي مبين.
إن هؤلاء الأعاجم الأغتام أخذوا يفتعلون الأسباب لتنقص القرآن وإلحاق المعابة به، أنه لم يكن سابقًا في بلاغته؛ بل اعتمد على بلاغة مَن سبقه من الشعراء والفصحاء كامرئ القيس وغيره، وأرادوا بذلك نفي أنه كلام الله وأنه صنع بشري يستعين بمَن سبق.
قال السيوطي: لما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه؛ على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء، نادى عليهم بإظهار العجز، فقال: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88] هذا وهم الفصحاء اللد، وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره، وإخفاء أمره فلو كان في مقدرتهم معارضته، لعدلوا إليها قطعا للحجة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه؛ بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى،...، ثم رضوا بتحكيم السيف في أعناقهم، وسبي ذراريهم وحرمهم، واستباحة أموالهم وقد كانوا آنف شيء وأشده حمية، فلو علموا أن الإتيان بمثله في قدرتهم لبادروا إليه؛ لأنه كان أهون عليهم.
وقال أيضًا: قال الجاحظ: بعث الله محمدا أكثر ما كانت العرب شاعرًا وخطيبًا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، فدعاهم بالحجة فلما قطع العذر، وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة، حملهم على حظهم بالسيف فنصب لهم الحرب، ونصبوا له، وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحًا ومساءً إلى أن يعارضوه إن كان كاذبًا بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديًا لهم بها وتقريعا لعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستورًا، وظهر منه ما كان خفيًّا، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوها مفتريات فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكايد فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى عَلَى مَنْ هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر الجليل المنفعة؟ وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه.
بل حدث منهم نقيض ذلك، فكان العرب الفصحاء يدركون هذا التمايز في الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب، فالوليد بن المغيرة شهد على نفسه وقومه من قبل بأن القرآن الكريم ليس من جنس شعر العرب، فضلًا عن أن يكون مقتبسًا منه.
وكما روى إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عباس: أن الوليدَ بنَ المغيرة جَاءَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَرأَ عليه القرآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جهل فأتاه فقال: "يا عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لِمَ؟ قال: ليعطوكه؛ فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برَجَزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا﴾.
وروى البخاري من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - ومسلم عن عبد الله بن الصامت واللفظ لمسلم: أن أنيسًا أخا أبي ذرٍّ، قال لأبي ذرٍّ: لقيت رجلًا بمكة على دينك. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أَقْرَاءِ الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدى أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
وفي رواية البخاري: فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلاما ما هو بالشعر.
وروى مسلم أن ضماد بن ثعلبة الأزدي قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر.
وفي قصة عتبة بن ربيعة حين جاء يفاوض النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يترك دعوته، ويعرض عليه المال والملك والسلطان، فقرأ عليه - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من القرآن، فلما رجع إلى قومه وجلسوا إليه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله قد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه، ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تُصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم.
بل إن العرب عجزت والتزمت الصمت وما انبست لها شفة، ولا قالوا مثلا: قد كان يمكن لفصحائنا القدماء أن يأتوا بمثل هذا القرآن إنما علموا أن ذلك ليس من قبيل الكلام المعروف.
يقول الجاحظ: وهو يذكر إعجازَ القرآن: ولو أن رجلًا قرأ على رجلٍ منْ خُطبائِهم وبلغائِهم سورةً قصيرةً أو طويلةً؛ لتبيَّنَ له في نظامِها ومَخْرجها منْ لفظِها وطابَعِها أنه عاجزٌ عن مثلِها، ولو تَحدَّى بها أَبْلَغَ العربِ لأظهرَ عجزَه عنها.
ويقول عبد القاهر الجرجاني: المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف، وطبائعهم التي لا تَتبَدَّل، أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة وهم يجدون سبيلًا إلى دفعها، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم كيف، وإن الشاعر أو الخطيب أو الكاتب يبلغه أنَّ بأقصى الإقليم الذي هو فيه من يَبْأَى بنفسه، ويُدِلُّ بشعرٍ يقوله، أو خطبة يقوم بها، أو رسالة يعملها، فيدخله من الأنفة والحمية ما يدعوه إلى معارضته، وإلى أن يُظْهِر ما عنده من الفضل، ويبذُلَ ما لديه من المُنَّة، حتى إنه ليتوصَّل إلى أن يكتب إليه، وأن يعرض كلامه عليه، ببعض العِلَل وبنوع من التَّمَحُّل، هذا وهو لم ير ذلك الإنسان قط، ولم يكن منه إليه ما يَهُزُّ ويُحَرِّك ويَهيجُ على تلك المعارضة، ويدعو إلى ذلك التَعَرُّض.
وإن كان المُدَّعِي بمرأى منه ومسمع، كان ذلك أَدعى له إلى مُباراته، وإلى إظهار ما عنده، وإلى أن يعرف الناس أنه لا يُقَصِّر عنه، أو أنَّه منه أفضلُ.
فإن انضافَ إلى ذلك أن يَدْعُوَه الرجلُ إلى مُمَاتَنَتِه، ويُحَرِّكه لمُقاوَلته، فذلك الذي يُسهر ليله ويَسلُبُه القرار، حتى يستفرغ مجهوده في جوابه، ويبلغ أقصى الحدِّ في مناقضته.
وإذا كان هذا واجبًا بين نَفْسين لا يَرُومُ أحدُهما من مُباهاةِ صاحبه إلا ما يَجْرِي على الألسُن من ذِكْرِه بالفضل فقط، فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب، وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبيَّة والهمم العليَّة، والأنَفَة والحمية مَنْ يدَّعي النبوة، ويخبر أنه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق كَافَّة، وأنه بشير بالجنة ونذير بالنار، وأنه قد نَسَخَ به كل شريعةٍ تقدَّمته، ودِينٍ دان به الناس شَرْقًا وغربًا، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، إلى سائر ما صدع به - صلى الله عليه وسلم -، ثم يقول: وحجتي أن الله تعالى قد أنزل كتابًا عربيًا مبينًا، تعرفون ألفاظه، وتفهمون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة، ولو جَهدتم جَهْدكم، واجتمع معكم الجن والإنس ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه، ويُبَيِّنوا سَرَفَه في دعواه، مع إمكان ذلك، ومع أنهم لم يسمعوا إلا ما عندهم مثله أو قريب منه؟ أم هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رياسة، ولهم دين ونِحلة، فَيُؤَلِّبَ عليهم الناس، ويُدَبِّرَ في إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وفي قَتْلِ صناديدهم وكبارهم، وسَبْي ذراريهم وأولادهم، وعُمْدتُه التي يجد بها السبيل إلى تَأَلُّفِ مَنْ يَتَأَلَّفُهُ، ودُعاءِ من يدعوه، دَعْوى له في تلك الدعوى، ولا يُشْتَغَل بإبطالها، مع إمكان ذلك، ومع أنه ليس بمتعذِّر ولا ممتنع؟.
من ثَمَّ فإن أي تشكيك بعدهم في بلاغة القرآن الكريم وإعجازه، إنما هو ضرب من الهذيان، إذ إن أولى الناس بهذا التشكيك كفارَ قريش، فقد وقفوا حائرين أمام عبارات القرآن وآياته، وكان حالهم على نحو ما ذكر عبد القاهر منذ قليل.
الوجه الثاني: موقف القرآن والسنة من الشعر والشعراء.
الإسلام وقف من الشعر موقف الحذر، فالشعر جائز إذا خلا عن الكذب والرياء وهجو ما لا يجوز هجوه، وعن ذكر الفسق ومدحه والتغني به، وأن يخلو من آفات المدح مع عدم الاستكثار منه، والتجرد له حتى يشغله عن بعض الواجبات والسنن، وقلما يخلو الشعر عن هذه الآفات.
فإذا كانت حال الشعر بهذه المثابة، والإسلام يبيح منه قسما، ويُحَرِّمُ آخر فكيف يستقيم أن يقتبس منه في كتابه الكريم الخالد؟ بل وكيف يقتبس من الشعر الجاهلي الذي قبله وأغراضه معلومة؟
وللبيان نقول ما هو الشعر؟
الشعر في اللغة: واحد الأشعار، وهو في اصطلاح الأدباء كما قال ابن خلدون: "الكلام الموزون المقفى، ومعناه الذي تتكون أوزانه كلها على رويٍّ واحد وهو القافية".
وقال: "وأساليب الشعر تناسبها خلط الجد بالهزل، والإطناب في الأوصاف، وضرب الأمثال، وكثرة التشبيهات والاستعارات".
ويقول صديق حسن: الشعر: هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به.
بدء الشعر عند العرب
الشعر من أعظم ما جادت به ألسنة العرب، وهو عنوان لغتها وبلاغتها، وسجل حوادثها وتاريخها، وترجمان أخلاقها وعاداتها، وكان أحب إليهم من غيره، وأرفع قدرًا وأعظم شأنًا، والشعر عند العرب صفة قديمة لهم ولا يمكن تحديد بدء ظهوره.
يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات: ومما يدل على أن الشعر قديم العهد قول امرئ القيس:
عودا على الطلل القديم لعلنا... نبكي الديار كما بكى ابن حزام
وقول عنترة: هل غادر الشعراء من متردّم
الشعر والشعراء في القرآن
قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 224 - 227].
يقول ابن كثير: قال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان، فينتصر لهذا فِئَامٌ من الناس، ولهذا فئَامٌ من الناس، فأنزل الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: في كل لغو يخوضون. وقال الحسن البصري: قد والله رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مرة في شتمة فلان، ومرة في مدحة فلان. وقال قتادة: الشاعر يمدح قومًا بباطل، ويذم قومًا بباطل.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: كان رجلان على عهد رسول الله، أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فقال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه.
وهذا الذي قاله ابن عباس - رضي الله عنه - هو الواقع في نفس الأمر؛ فإن الشعراء يتَبجَّحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم.
قال الماوردي: قال أهل التأويل: يريد بالشعراء، الذين إذا قالوا كذبوا، وإذا غضبوا سبوا.
موقف السنة من الشعر والشعراء
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحا يَرِيِه خير من أن يمتلئ شعرًا".
وفي رواية مسلم عن أبي سعيد قال: "بينما نحن نسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرج إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله: "خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا".
فهذا الحديث في ظاهره يدل على التنفير من الشعر والحث على هجره واجتنابه؛ بل على تحريم تعاطيه. وصدّر البخاري ترجمته بقوله: باب ما يكره أن يكون الغالبُ على الإنسان الشعر حتى يصُدّهُ عن ذكر الله والقرآن.
قال ابن الأثير: هو مَوْرِيٌّ إذا أصاب جوفه الداء.
قال الأزهري: الوَرْيُ مثَال الرَّمْي: دَاء يُداخل الجَوف. يقال: رَجُلٌ مَوْرِيٌّ غَير مهموز. وقال الفرّاء: هُو الوَرَى بفتح الراء. وقال ثَعْلب: هو بالسُّكون: المَصْدَرُ وبالفَتْح: الاسم. وقال الجوهري: وَرَى القَيْحُ جَوْفَهُ يَرِيه وَرْيًا: أكَلَه.
وقال النووي: قالوا؛ بل الصواب أن المراد أن يكون الشعر غالبًا عليه، مستوليًا عليه، بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى، وهذا مذموم من أي شعر كان، فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا لأن جوفه ليس ممتلئا شعرا والله أعلم.
ويقول ابن الجوزي: هذا الحديث محمول على من جعل جميع شغله الشعر، فلم يحفظ شيئًا من القرآن ولا من العلم؛ لأنه إذا امتلأ الجوف بالشيء لم يبق فيه سعة لغيره. وقال أحمد بن حنبل: أكره من الشعر الهجاء والرقيقَ الذي يشبب بالنساء، فأما الكلام الجاهلي فما أنفعه!
ويقول ابن عبد البر: أحسن ما قيل في تأويل هذا الحديث والله أعلم، أنه الذي قد غلب الشعر عليه، فامتلأ صدره منه دون علم سواه، ولا شيء من الذكر غيره، ممن يخوض به في الباطل ويسلك به مسالك لا تحمد له، كالمكثر من الهذر واللغط والغيبة وقبيح القول ولا يذكر الله كثيرا. وهذا كله مما اجتمع العلماء على معنى ما قلت منه؛ ولهذا قلنا فيما روي عن ابن سيرين والشعبي ومن قال بقولهما من العلماء: الشعر كلام؛ فحسنه حسن وقبيحه قبيح أنه قول صحيح، وبالله التوفيق.
وبَعد ما ذُكِرَ نعلم أن التحقيق أن الحديث الصحيح المصرّح بأن امتلاء الجوف من القيح المفسد له خير من امتلائه من الشعر، محمول على من أقبل على الشعر، واشتغل به عن الذكر، وتلاوة القرآن، وطاعة الله تعالى، وعلى الشعر القبيح المتضمّن للكذب والباطل، كذكر الخمر ومحاسن النساء الأجنبيّات، ونحو ذلك.
يقول ابن بطال: الشعر والرَجَز والحُداء كسائر الكلام، فما كان فيه ذكر تعظيم لله ووحدانيته وقدرته وإيثار طاعته وتصغير الدنيا والاستسلام له تعالى، فهو حسن مرغب فيه، وهو الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: "إن من الشعر حكمة"، وما كان منه كذبًا وفحشًا فهو الذي ذمه الله ورسوله".
ما يرخص فيه من الشعر:
ما ورد في ذم الشعر والشعراء في القرآن أو في السنة، فإنما يُذَمُّ مَنْ أَسَرَفَ وكَذَبَ، فالغالب أن الشعراء يقولون الكذب، فيقذفون المحصنات، ويهجون الأبرياء، فوقع الذم على الأغلب، واستثنى الله منهم من لا يفعل ذلك، كما في آيات سورة الشعراء. وما ورد في السنة من ذم حفظ الشعر فالمقصود به الإكثار من ذلك حتى يشغله عن القرآن والسنة والتفقه في الدين، أو ما كان فيه تشبيب بالنساء ونحوه.
أما الشعر الذي فيه نصر للحق وأهله، ودفاع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشرعه، ففيه تنزل نصوص مدح الشعر والشعراء، ومنها دعائه - صلى الله عليه وسلم - لحسان: "يا حسان! أجب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اللهم أيده بروح القدس".
ودليل ذلك أيضًا ما أخرجه الإمام البخاري عن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن من الشعر حكمة.
قال ابن حجر: قوله: إن من الشعر حكمة؛ أي قولًا صادقًا مطابقًا للحق، وقيل: أصل الحكمة المنع، فالمعنى: أن من الشعر كلاما نافعا يمنع من السفه.
وقال السندي: (من) تبعيضية يريد أن الشعر لا دخل له في الحسن والقبح، ولا يعتبر به حال المعاني في الحسن والقبح، والمدار إنما هو على المعاني لا على كون الكلام نثرًا أو نظمًا، فإنهما كيفيتان لأداء المعنى وطريقان إليه، ولكن المعنى: إن كان حسنًا وحكمة فذلك الشعر حكمة، وإذا كان قبيحًا فذلك الشعر كذلك، وإنما يذم الشعر شرعًا بناء على أنه غالبًا يكون مدحًا لمن لا يستحقه وغير ذلك.
وروى البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام".
وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تقول: الشعر منه حسن ومنه قبيح؛ خذ بالحسن ودع القبيح. ولقد رُويت من شعر كعب بن مالك أشعارًا منها القصيدة فيها أربعون بيتا ودون ذلك.
وقد أنشد كثير من الصحابة الشعر بحضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فروى مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ رَدِفْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا فَقَالَ: "هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِى الصَّلْتِ شَيْئًا". قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: "هِيهِ". فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: "هِيهِ". ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: "هِيهِ". حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ".
وأخرج بن أبي شيبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منحرفين ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الأشعار في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم فإذا أريد أحدهم على شيء من دينه دارت حماليق عينيه.
وقال الماوردي: وقد استشهد عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - فيما سأله نافع بن الأزرق في معاني القرآن بأشعار العرب، ودل به على معانيه وقال: الشعر ديوان العرب، فما أنكره أحد منهم من الصحابة والتابعين.
وقال ابن الجوزي: قال حبيب بن أبي ثابت: كان ابن عباس يعجبه شعر زهير ويقضي له، وكان معاوية يعجبه شعر عدي ويقضي له، وكان ابن الزبير يعجبه شعر عنترة ويقضي له، قال: وإنما اختار ابن عباس شعر زهير؛ لأنه كان يختار من الشعر أكثره أمثالًا وأدله على العلم والخير، واختار معاوية شعر عدي؛ لأنه كان كثير الأخبار، واختار ابن الزبير شعر عنترة لشجاعته.
قال الماوردي: قال الشافعي: والشعر حكمه كلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه.
وقال ابن تيمية: إن الأمثلة المنظومة والمنثورة إذا كانت حقا مطابقا فهي من الشعر الذي هو حكمة، وإن كان فيها تشبيهات شديدة وتخيلات عظيمة أفادت تأليفا وتنفيرًا.
قال ابن قدامة: وليس في إباحة الشعر خلاف، وقد قاله الصحابة والعلماء، والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة العربية والاستشهاد به في التفسير، وتعرف معاني كلام تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويستدل به أيضًا على النسب والتاريخ وأيام العرب.
فالشعر أنواع: فما كان فيه حكمة، أو موعظة حسنة، أو دفاع عن حق، أو إبطال لباطل، أو نحو ذلك من وجوه الخير فهو خير وهو مشروع. وما كان فيه كذب، أو شرك، أو لهو، أو مجون، أو إغراء بشرٍّ أو نصر لباطل، أو إبطال لحق، أو ثناء على أهل الشر، أو ذم لأهل الخير، أو نحو ذلك فهو شر وهو ممنوع، وبالجملة فحكمه حكم ما اشتمل عليه.
يقول ابن حجر: الذي يتحصل من كلام العلماء في حد الشعر الجائز أنه إذا لم يكثر منه في المسجد، وخلا عن هجوٍ وعن الإغراق في المدح والكذب المحض والتغزل بمعين لا يحل، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك.
الوجه الثالث: سيرته - صلى الله عليه وسلم - تشهد على قلة معرفته للشعر، واستحالة تأليفه له.
من أين للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعرف الشعر أو أن يقوله؟ والله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 69]. ويقول: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 224 - 226].
قَالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَشاعرٌ، وقالوا: إن القرآنُ شِعْرٌ؛ فأنزَلَ الله تَعالى هذهِ الآيةَ الكريمةَ يرُدُّ بها على افْتِرَائِهِمْ هَذا، ويقولُ لهمْ: إنَّ القرآنَ فيما حَوَاه من حِكَمٍ وأحْكَامٍ، وفي أُسْلُوبِه يَتَنَاقَضُ مع الشِّعْرِ. وإنَّ حَالَ مُحَمَّدٍ يَتَنَافَى مَعَ حَالِ الشُّعْراءِ، فهوَ لا يَنْطِقُ إلا بالحَقِّ والحِكْمَةِ، والصِّدْقِ، ويَتَّبِعُهُ الصَّادِقُونَ المُخْلِصُونَ. والشُّعَراءُ يقولونَ الباطِلَ والزُّورَ، ولا يَتَّبِعُهُمْ إلا الضَّالُّونَ.
والشُّعَرَاءُ يَخُوضونَ في كُلِّ لغْوٍ، ألم تر أنهم في كل واد من أودية القول يهيمون على وجوههم، في كلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الكَلَامِ، فلا يهتدون إلى الحق؟ فَهُمْ يَخُوضُونَ مرةً فِي شَتيمةِ فلانٍ، ومَرةً في مَدِيحِ فُلانٍ، فلا يَهْتَدُونَ إلى الحقِّ.
والشُّعْرَاءُ يقُولُونَ مَا لَا يَلْتَزِمُونَ بهِ في عَمَلِهِمْ، وَيتبَجَّحُونَ بأقْوَالٍ وأَفْعَالٍ لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُمْ ولا مِنْهُمْ، فَيتكَثَّرُونَ بِمَا ليسَ لهُمْ، والرَّسُولُ الذي أُنْزِلَ عليهِ القُرآنُ ليسَ بِكَاهِنٍ، ولا شَاعِرٍ لأنَّ حالَهُ مُنَافٍ لِحَالِ الشُّعَراءِ مِنْ وُجُوهٍ ظَاهِرَةٍ فهو ينطق بالحكمة، وهم ينطقون بالزور.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ يظهر منه أن الله تولى الدفاع عن حبيبه ونبيه - صلى الله عليه وسلم -، وقوله تعالى: ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾ [النجم: 2] نفي لقولهم هو شاعر إذ الشعراء يتبعهم الغاوون.
يقول محمد الأمين الشنقيطي: أما دعواهم أنه - صلى الله عليه وسلم - شاعر، فقد ذكره تعالى في قوله عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: 5]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ [الصافات: 36]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: 30]. وأمّا تكذيب الله لهم في ذلك، فقد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: 41]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: 36, 37]؛ لأن قوله تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾، تكذيب لهم في قولهم إنه شاعر مجنون.
يقول ابن كثير عن آية سورة (يس): يقول تعالى مخبرًا عن نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: أنه ما علمه الشعر، ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ أي: وما هو في طبعه، فلا يحسنه ولا يحبه، ولا تقتضيه جِبِلَّته؛ ولهذا وَرَدَ أنه، عليه الصلاة والسلام، كان لا يحفظ بيتًا على وزنٍ منتظم، بل إن أنشده زَحَّفه أو لم يتمه.
ويقول: قال أبو زُرْعة الرازي: حُدِّثت عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي أنه قال: ما وَلَد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشِّعر، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وروى الإمام أحمد عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استراث الخبر، تمثل فيه ببيت طَرَفَة: ويَأْتِيكَ بالأخْبار مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن عائشة: كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله. فقال أبو بكر ليس هكذا، فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي".
ومع فصاحته - صلى الله عليه وسلم - كان يبغض الشعر، روى الإمام أحمد عن أبي نوفل قال: سألتُ عائشة: أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتسامع عنده الشعر؟ فقالت: كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك.
يقول ابن عاشور: تقدير المعنى: نحن علمناه القرآن وما علمناه الشعر، فالقرآن موحىً إليه بتعليم من الله والذي أوحى به إليه ليس بشعر، وإذن فالمعنى: أن القرآن ليس من الشعر في شيء. ودل على أن هذا هو المقصود من قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ قوله عقبه ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾، أي ليس الذي علمناه إياه إلا ذكرًا وقرآنا وما هو بشعر. والتعليم هنا بمعنى الوحي، أي وما أوحينا إليه الشعر فقد أطلق التعليم على الوحي في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: 4, 5] وقال ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113].
يقول: وقوله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ جملة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين أي ما يتأتّى له الشعر، قُصِدَ منها اتباع نفي أن يكون القرآن الموحَى به للنبي - صلى الله عليه وسلم - شعرًا بنفي أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - شاعرًا فيما يقوله من غير ما أوحى به إليه، أي فطر الله النبي - صلى الله عليه وسلم - على النفرة بين ملكته الكلامية والملكة الشاعرية، أي لم يجعل له ملكة أصحاب قرض الشعر؛ لأنه أراد أن يقطع من نفوس المكذّبين دابر أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - شاعرا وأن يكون قرآنه شعرًا؛ ليتضح بهتانهم عند من له أدنى مسكة من تمييز للكلام.
ومعنى كون الشعر لا ينبغي له: أن قول الشعر لا ينبغي له؛ لأن الشعر صنف من القول له موازين وقوافٍ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - منزّه عن قرض الشعر وتأليفه، أي ليست مِن طباع ملكته إقامة الموازين الشعرية، وليس المراد أنه لا ينشد الشعر؛ لأن إنشاد الشعر غير تعلّمه، وكم من راوية للأشعار ومن نَقَّادٍ للشعر لا يستطيع قول الشعر، وكذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد انتقد الشعر، ونبه على بعض مزايا فيه، وفضّل بعض الشعراء على بعض، وهو مع ذلك لا يقرض شعرًا. وربما أنشد البيت فغفل عن ترتيب كلماته فربما اختلّ وزنه في إنشاده، وذلك من تمام المنافرة بين ملكة بلاغته وملكة الشعراء، ومنها جانب قوام الشعر ومعانيه فإن للشعر طرائق من الأغراض كالغزل والنسيب والهجاء والمديح والمُلَح، وطرائق من المعاني كالمبالغة البالغة حدّ الإِغراق وكادّعاء الشاعر أحوالًا لنفسه في غرام أو سير أو شجاعة هو خِلوٌ من حقائقها فهو كذب مغتفر في صناعة الشعر. وذلك لا يليق بأرفع مقام لكمالات النفس، وهو مقام أعظم الرسل صلوات الله عليه وعليهم فلو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَرَضَ الشعر، ولم يأت في شعره بأفانين الشعراء لَعُدَّ غضاضة في شعره، وكانت تلك الغضاضة داعية للتناول من حُرمة كماله في أَنْفُسِ قومه يستوي فيها العدوّ والصديق. على أن الشعراء في ذلك الزمان كانت أحوالهم غير مرضية عند أهل المروءة والشرف لما فيهم من الخلاعة والإِقبال على السُكر والميسر والنساء، فلو جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالشعر أو قاله لرمقه الناس بالعين التي لا يرمق بها قدره الجليل وشرفه النبيل، فتنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول الشعر من قبيل حياطة معجزة القرآن وحياطة مقام الرسالة مثل تنزيهه عن معرفة الكتابة.
وممن شهد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ضماد الأزدي كما في صحيح مسلم عن ابن عباس: (أَنَّ ضمادًا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال لو أنى رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح وإن الله يشفى على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله أما بعد". قال: فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات، قال: فقال لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر. قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام. قال: فبايعه.
يقول الأستاذ محمود محمد شاكر: كلمات قلائل تذوقها ضماد - رضي الله عنه -، ولم يصبر حتى يتلى عليه بعض ما نزل من القرآن يومئذ بمكة وقطع الحديث ليستعيد ما سمع، ونحن اليوم نسمعها من كل منبر في كل يوم جمعة ونحن في غفلة عن تذوقها تذوق ضماد. كانت هذه الكلمات التي سمعها ضماد يومئذ هي وحدها دليله على نبوة صديقه الذي كان يعرفه ويعرف كلامه بالأمس في الجاهلية؛ لأنه وصل بتذوقها إلي صميم الفرق بين كلام صاحبه بالأمس وكلامه في هذا اليوم، وأسرعت به إلى البيعة على الإسلام قبل أن يسمع كلام الله! فأي دقة في التذوق!! وأي رجال كان هؤلاء الذين فوض إليهم التفريق بين كلام رب العالمين وكلام عبيده من البشر؟!.
الوجه الرابع: اتخاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - شعراء يردون على أعدائه دليل أنه لم يكن شاعرًا.
وقد كان المقتضى أن يقوم هو بالرد على الأعداء؛ فيكون ذلك أبلغ في النكاية بالقوم، وحتى لا يقولوا عجز عن الرد، فاستعان بهؤلاء النفر من أصحابه، ولكن كما سبق ما له وللشعر - صلى الله عليه وسلم - وكان على الشعر العبء الأكبر في تأجيج نار الخصومة والمجاهرة بها، فقام الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الدور.
قال الماوردي: وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - شعراء، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وكانوا ينشدون الشعر تارة ابتداء ويأمرهم به أخرى ليردوا على من هجاه.
فهم وأمثالهم من الذين استثناهم الله تعالى من الشعراء بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].
وهم الشعراء الذين أغلب أحوالهم تحري الحق والصدق ممن دافعوا عن الرسالة والرسول ونافحوا عن الإسلام، ودافعوا عن القيم الفاضلة، فدخلوا في حزب المؤمنين، فعملوا بأعمالهم الصالحة وذكرُوا الله كَثِيرًا في أشعارهم ﴿وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أراد بذلك الانتصار لله، ولرسوله، ولدين الله، وللمؤمنين. فذلك عمل صالح، وعُدَّةٌ من عُدَدِ الحرب، وقوام الدين.
كما كان يقع من شعراء النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم كانوا يهجون من يهجوه، ويحمون عنه ويذبون عن عرضه، ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم.
قال ابن سيرين: كان كعب بن مالك يخوفهم الحرب، وكان حسان يقبل على الأنساب، وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر.
أما حسان فهو: ابن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. شاعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاش مائة وعشرين سنة: ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام.
روى البخاري: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة أنشدك الله هل سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول يا حسان أجب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم أيده بروح القدس؟ قال أبو هريرة: نعم.
وقال - صلى الله عليه وسلم - لحسان بن ثابت "اهجهم يعني قريشًا فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام، في غلس الظلام، اهجهم ومعك جبريل روح القدس، والق أبا بكر يعلمك تلك الهنات.
وعَنْ الْبَرَاءِ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِحسَّانَ: اهْجُهُمْ، أَوْ قَالَ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ.
وروى البخاري ومسلم: عن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اهْجُوا قُرَيْشًا فإنه أَشَدُّ عليها من رَشْقٍ بِالنَّبْلِ، فَأَرْسَلَ إلى بن رَوَاحَةَ فقال: اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ فلم يُرْضِ، فَأَرْسَلَ إلى كَعْبِ بن مَالِكٍ ثُمَّ أَرْسَلَ إلى حَسَّانَ بن ثَابِتٍ فلما دخل عليه قال حَسَّانُ: قد آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إلى هذا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ ادلع لِسَانَهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ فقال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيمِ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَا تَعْجَلْ؛ فإن أَبَا بَكْرٍ أعلم قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وإن لي فِيهِمْ نَسَبًا حتى يُلَخِّصَ لك نَسَبِي، فأتاه حَسَّانُ ثُمَّ رَجَعَ فقال: يا رَسُولَ الله قد لَخَّصَ لي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعْرَةُ من الْعَجِينِ. قالت عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لِحَسَّانَ إن رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ ما نَافَحْتَ عن الله وَرَسُولِهِ. وَقَالَتْ سمعت رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى"، قال حَسَّانُ:
هجوتَ محمدًا، فأجبتُ عنهُ... وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ... فَشَرُّكُما لَخَيْرِكُمَا الفِداءُ
هجوتَ مباركًا، برًا، حنيفًا... أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنْكُمْ... ويمدحهُ، وينصرهُ سواءُ
فَإنّ أبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضي... لعرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ
لساني صارمٌ لا عيبَ فيهِ،... وَبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الدّلاءُ
قال ابن حجر: قال أبو عبيدة: فُضِّلَ حسان بن ثابت على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية وشاعر النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام النبوة وشاعر اليمن كلها في الإسلام.
أما ابن رواحة فهو: عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي يكنى أبا محمد، وهو أحد النقباء، شهد العقبةَ وبدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وعمرة القضاء، والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعدها؛ لأنه قتل يوم مؤتة شهيدا، وهو أحد الأمراء في غزاة مؤتة، وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ يَعْنِي بِذَاكَ ابْنَ رَوَاحَةَ قَالَ:
وَفِينَا رَسُولُ الله يَتْلُو كِتَابَهُ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنْ الْفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ... مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ.
وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة، ولكن تبعًا لقول أصحابه، فإنهم يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون:
اللهمَّ لوْلا أنت مَا اهْتَدَيْنَا... وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا
فَأَنزلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا... وَثَبِّت الأقْدَامَ إنْ لاقَيْنَا
إنّ الألى قَدْ بَغَوا عَليْنَا... إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا.
ويرفع صوته بقوله: "أبينا" ويمدها.
أما كعب فهو: كعب بن مالك ابن أبي كعب، واسم أبي كعب: عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب ابن سلمة الأنصاري، الخزرجي العقبي الأحدي. أحد شعراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين كانوا يردون الأذى عنه، وكان مجودًا مطبوعًا قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر، وعرف به ثم أسلم وشهد العقبة ولم يشهد بدرًا وشهد أحدًا والمشاهد كلها حاشا تبوك، فإنه تخلَّف عنها. وقد قيل: إنه شهد بدرًا فالله تعالى أعلم. وهو أحد الثلاثة الأنصار الذين قال الله فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ [التوبة: 118].
عن ابن المنكدر، عن جابر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن مالك: "ما نسي ربك لك - وما كان ربك نسيًا - بيتًا قلته". قال: ما هو؟ قال: "أنشده يا أبا بكر"، فقال:
زعمت سُخينة أنْ ستغلب ربها... وليُغلَبَنَّ مغالب الغلاب
وله أشعار حسان جدًا في المغازي وغيرها.
قال ابن سيرين: فبلغني أن دوسا إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك:
قضينا من تهامة كل وتر... وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت... قواطعهن: دوسا أو ثقيفا
فقالت دوس: انطلقوا فخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف.
ومن شعراء النبي - صلى الله عليه وسلم -: كعب بن زهير، والأعشى أعشى بني مازن اسمه عبد الله بن الأعور ويقال عبد الله بن عمرو من بني تميم، وغيرهم الكثير وما ذُكر إشارة على اتخاذه - صلى الله عليه وسلم - للشعراء.
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يستعين بهم، ويوظفهم في مقاومته أهلَ مكَّةَ وشعرائها، الذين هجوه وآذوا دعوته وصدوا عنها فهو - صلى الله عليه وسلم - استخدم أسلحة قريش في الرد عليهم، حيث استعمل الأنساب والأيام والمثالب، والشعر الذي دار في الهجاء بين شعراء المسلمين والمشركين يمثل الصورة.
يقول الشيخ عبد الحي الكتاني: قال الشهاب البربير في كتاب الشرح الجلي: الصحابة كانوا معدن الشعر ومنبعه منهم: النابغة الجعدي، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، والزبرقان، والعباس بن مرداس، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن رواحة، وضرار بن الخطاب، والعباس عمه - صلى الله عليه وسلم -، وابنه عبد الله بن عباس، ولبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبوه أبو سفيان، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم.
قلت: الشعراء من الصحابة الذين مدحوه - صلى الله عليه وسلم - بين رجال ونساء جمعهم الحافظ فتح الدين محمد بن محمد الأندلسي المعروف بابن سيد الناس المتوفى عام 734 في قصيدة ميمية ثم شرحها في مجلد سماه: "منح المدح أو فتح المدح" ورتبهم على حروف المعجم قارب بهم المائتين.
ومن الوجوه المفحمة في رد هذه الفرية: إبطال نسبة هذه الأبيات إلى عصر الجاهلية من عدة وجوه، وما هي إلا أبيات مولدة في العصور الإسلامية اقتبس صاحبها بعض الأساليب والكلمات من القرآن الكريم على ما درج عليه أهل الأدب قديما وحديثا فلا شبهة في هذا ولا اقتباس وإليك الكلام مفصلًا في:
الوجه الخامس: إن امرئ القيس وغيره من الشعراء قد نحلت عليهم العديد من القصائد فضلا عن الأبيات.
بل نُحل على بعضهم قصص كاملة لا خطم لها ولا أزمة، وقضية نحل الشعر ونسبته لقدماء الشعراء أمر معروف لا يستطيع أحد إنكاره.
النحل في اللغة: قال ابن منظور: انْتَحَل فلانٌ شِعْر فلانٍ إِذا ادّعاه أَنه قائلُه. وتَنَحَّلَه: ادَّعاه وهو لغيره، ويقال: نُحِل الشاعرُ قصيدةً إِذا نُسِبَت إِليه وهي من قِيلِ غيره.
وقال الرازي: نَحَلَهُ القول من باب قطع أي أضاف إليه قولًا قاله غيره وادَّعاه عليه، وانْتَحَل فُلان شِعْر غيره، أو قوله غيره إذا ادَّعاه لنفسه، وتَنَحّل مثله وفُلان يَنْتَحِلُ مذهب كذا وقبيلة كذا إذا انتسب إليه.
يقول محمد بن سلام الجمحي: وفى الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير، لا خير فيه ولا حجة في عربيةٍ ولا أدب يستفاد، ولا معنى يستخرج، ولا مثل يضرب، ولا مديح رائع، ولا هجاء مقذع، ولا فخر معجب، ولا نسيب مستطرف. وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب لم يأخذوه عن أهل البادية ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه أن يقبل من صحيفة ولا يروى عن صحفي.
وقد اختلف العلماء بعدُ في بعض الشعر كما اختلفت في سائر الأشياء فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه.
ويقول: فلما راجَعَتِ العَرَبُ رِوَايةَ الشِّعْرِ وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قومٌ قَلَّتِ وقائعُهم وأشعارُهم فأرادوا أن يَلْحَقوا بمن له الوقائع والأشعار، فقالوا على ألسنة شعرائهم، ثم كانت الرواة بعد فزادوا في الأشعار التي قيلت. وليس يُشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون.
وقال: وكان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حماد الراوية، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار.
وسبب ذلك ما يقول الأستاذ محمود محمد شاكر: الشعر الجاهلي المحض له مشكلة قائمة برأسها، يشركه في بعضها الشعر في صدر الإسلام. وكلاهما يعتمد اعتمادًا يكاد يكون تامًّا على الرواية المتسلسلة في بوادي الجاهلية وحواضرها، ثم في بوادي الإسلام وحواضره إلى أن يصل إلى عهد رواية العلماء، وتقييد ما يَرْوُونَه كتابة في بعض الأحيان أو إملاءً على أصحابهم وتلاميذهم أحيانًا أخرى. وهذه الفترة واقعة ما بين سنة 150 قبل الهجرة تقريبا إلى نحو سنة ثمانين بعد الهجرة. وهذه فترة طويلة جدا، مئتان وثلاثون سنة أو تزيد تُعَرِّضُ الرواية المتنقلة عن طريق السماع والحفظ، لعيوب لا يمكن اتقاؤها.
وثمة عوامل خلال هذه السنين تُعَرِّض هذا المنقول للنسيان أو الزيادة والنقصان أو التحريف والتبديل.
يقول الأستاذ شاكر: جاء عصر الرواة العلماء، وجعلوا همهم تتبع الشعر والشعراء في قبيلة بعد قبيلة وحي بعد حتى لقوا في رحلتهم عوارض في تلقِّي الشعر: فقُرب عهد الشاعر أو بُعدُه من زمان العلماء الرواة له أثر في الرواية، وكذلك طول القصيدة أو قصرها له أثر آخر، وشهرة الشاعر لها أثر، كما عرضت للعلماء أنفسهم عوارض فيما سمعوه فحفظوه أو قيدوه من نسيانٍ لبعض ما حفظ، ومن لحوق الضياع أو التلف ببعض ما قيدوه وكتبوه، ومن تباعد الأيام أو تدانيها من وقت روايتهم، ثم إن القصيدة الواحدة قد رواها عدد مختلف من العلماء الرواة القدماء عن رواة مختلفين من رواة البادية في أماكن مختلفة من بلاد العرب، وفي أحوال يختلف بعضها عن بعض فإذا قدرنا العوارض التي ذكرناها آنفا لم نجد مناصًا من أن يلحق هذه القصيدة ضرب أو ضروب من الاختلاف، فيختلف عدد أبياتها تقديمًا وتأخيرًا، وتختلف نسبتها أحيانًا، فتنسب إلى شاعرين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، من قبيلة واحدة أو من قبائل مختلفة. بل ربما دخلت في بعض روايتها أبيات لشاعر آخر على وزنها وقافيتها من قبيلته أو غير قبيلته، على قدر ما يتميز به كل راو من الدقة والضبط أو الغفلة والنسيان.
قال ابن عبد ربه: وكان خَلفٌ الأحمرُ أَروَى الناسِ للشِّعرِ وَأَعْلَمَهُمْ بِجَيِّدِه.... وكان خلف مع روايته وحِفظه يقول الشعر فيُحسن، وينَحله الشعراء... وكذلك كان يفعل حمّادٌ الرواية، يَخلط الشعر القديم بأبيات له، قال حماد: ما مِن شاعر إلا قد زِدْتُ في شعره أبياتًا فجازت عليه إلا الأعشى، أعشى بكر، فإني لم أزد في شعره قطُّ غيرَ بيت فأفسدتُ عليه الشعر، قيل له: وما البيتُ الذي أدخلته في شعر الأعشى؟ فقال:
وأنكرتْني وما كان الذي نَكِرتْ... من الحوادث إلا الشَّيبَ والصلعَا
وقال السيوطي: قال ابنُ فارس:... عن الخليل قال: إن النَّحَارير ربَّما أدخلوا على الناس ما ليس من كلام العرب إرادة اللَّبس والتَّعنيت.
وقال أبو الطيب في مراتب النحويين: أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا محمد بن يزيد قال: كان خلف الأحمر يُضْرَب به المثلُ في عَمل الشعر، وكان يعمل على ألْسنة الناس فيشبه كلَّ شعر يقوله بشعر الذي يضَعُه عليه، ثم نَسَك فكان يختم القرآن في كلّ يوم وليلة، فلما نَسك خرج إلى أهل الكوفة فعرَّفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس فقالوا له: أنتَ كنتَ عندنا في ذلك الوقت أوثقَ منك الساعة فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم.
وقال الصفدي: خلف الأحمر الشاعر صاحب البراعة في الآداب، حمل عنه ديوانه أبو نواس، وتوفي في حدود الثمانين ومائة. وكان راوية ثقة علّامة، لم يكن فيه ما يعاب به إلا أنه كان يعمل القصيدة يسلك فيها ألفاظ العرب القدماء، وينحلها أعيان الشعراء، كـ أبي داود، والإيادي، وتأبَّط شرًا، والشنفرى وغيرهم، فلا يفرَّق بين ألفاظه وألفاظهم، ويرويها جلَّة العلماء لذلك الشاعر الذي نحله إيّاها، فمّما نحله الشّنفرى القصيدة المعروفة بلامية العرب:
أقيموا بني أمي صدور مطيِّكم... فإني إلى قومٍ سواكم لأميل.
وقال أبو الحسن الجرجاني: وهو يناقش من يعترض عليه بأن شعر المتقدمين كان فيه من متانة الكلام، وجزالة المنطق وفخامة الشعر، ما يصعب معه أن ينسج على منواله، ولو حاول أحد أن يقول قصيدة أو يقرضَ بيتًا يُقارب شعر امرئ القيس وزهير، في فخامته، وقوة أسْره، وصلابة معجَمه لوجده أبعد من العيّوق مُتناولًا، وأصعبَ من الكبريت الأحمر مطلبًا!
فرد على المعترض قائلًا: أحلتك على ما قالت العلماء في حمّاد وخلَف وابن دأْب وأضرابِهم، ممن نحلَ القدماءَ شعره فاندمج في أثناء شعرهم، وغلب في أضعافه، وصعُب على أهل العناية إفرادُه، وتعسّر، مع شدة الصعوبة حتى تكلّف فلْي الدواوين، واستقراءُ القصائد فنُفِي منها ما لعلّه أمتن وأفخم، وأجمع لوجوه الجوْدة وأسباب الاختيار مما أثبت وقُبِل.
إن هذه النقولات تثبت أن وقوع النحل في شعر العرب أمر حاصل، وقد مرَّ كلامُ المتقدمين، الذين عرفوا كلام العرب وأشعارهم، وسبقوا المُحْدَثِينَ والمستشرقين.
ومما جاء في إنكار بعض أبيات الشبهة المفتراة صراحة ما قال محمود الآلوسي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17] قال الإمام: إن الجملة الأولى تدلى على استحقاقهم أعظم أنواع العقاب عرفًا، والثانية تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعا، ولم يسمع ذلك قبل نزول القرآن، وما نسب إلى امرئ القيس "قتل الإنسان ما أكفره" فلا أصل له، ومن له أدنى معرفة بكلام العرب لا يجهل أن قائل ذلك مولد أراد الاقتباس لا جاهلي.
فهذا كلام من ذاق أشعار العرب، وأَلِف أساليبهم، حيث لم يخف عليه ركاكة الألفاظ وضعف السبك.
وإنَّ امرأَ القيس خاصة لما له من قِدَم السبق والإجادة في ميدان الشعر والبيان تمَّ نحله الكثير من الشعر.
قال الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم: استفاضت أخباره على ألسنة الرواة، وزخرت بها كتب الأدب والتراجم والتاريخ، ونسجت حول سيرته القصص، وصيغت الأساطير، واختلط فيها الصحيح بالزائف، وامتزج الحق بالباطل، وتناول المؤرخون والأدباء بالبحث والنقد والتحليل، وخاصة في العصر الحديث... وفي جميع أطوار حياته منذ حداثته وطراءة سنه، إلى آخر أيامه، قال الشعر وصاغ القريض... وأصبح عند الناس قدر وافر من قصيده، فنحلوه كل شعر جُهِلَ قَائِلُهُ، أو خَمُلَ صَاحِبُهُ، من جيد يعسر تمييزه عن شعره، ورديء سفساف مهلهل النسج، سقيم المعنى.
وللعلماء من القدماء حول هذا الشعر وتحقيق نسبته إليه أقوال معروفة مشهورة.
وإنه إذا نُسِبَت الأبيات موضع الشبهة إلى امرئ القيس أو إلى ديوانه دون سند أو برهان، فلا شك حينئذ في أنها منحولة ومكذوبة عليه، ومع ذلك فإنه حتى في المنحول الذي يذكره مَنْ جَمَعَ شِعْرَ امْرِئِ القَيْسِ وَمَا نُحِلَ عَلَيهِ لَا يَذْكُرُها.
بل إن بعض أبيات الشبهة جاء منسوبا بالفعل إلى غير امرئ القيس، وغاية ما ذكر في كتب بعض المتقدمين بيتان فقط منسوبان لامرئ القيس وافقت ألفاظهما لفظ القرآن الكريم:
قال الإمام الذهبي: قال ابن النّجّار: كان كاتبًا سديدًا بليغًا وحيدًا، فاضلًا، أديبًا، مقتدرا على الارتجال... وله يد باسطة في النّحو واللّغة، إلى أن قال: أنشدني عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري، أخبرنا عليّ بن ظافر الأزدي، أنشدني الوزير مؤيّد الدّين القمّي النائب في الوزارة الناصرية لنفسه:
يشتهي الإنسان في الصّيف الشّتا... فإذا ما جاءه أنكره
فهو لا يرضى بعيشٍ واحد... قتل الإنسان ما أكفره.
فهذا الذهبي يروي البيتين منسوبين للوزير محمد القمي.
وكذلك فعل التيفاشي (ت 651 هـ) أيضًا: فنَسَبَ البيتين إلى يحيى بن صاعد.
فهذان إمامان متقدمان على المناوي قد نسبا البيتين إلى غير امرئ القيس.
ومن أبيات الشبهة التي جاءت منسوبة إلى امرئ القيس:
أنا منْ قومٍ كرامٍ يطعمونَ الطيباتِ... بجفانٍ كالجوابي وقدورٍ راسياتِ
فهذان البيتان فقط ذكرهما بعض الأدباء منسوبين إلى امرئ القيس، ومع ذلك فقد أنكروهما وشككوا في صحة نسبتهما إليه، فذكر ابن أبي الأصبع عندما تكلم عن الإيداع أو التضمين، وما قيل من وقوع ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: 13] قال: على أن بعض الرواة ذكر أنه وضعه بعض الزنادقة، وتكلم على الآية الكريمة، وأن امرأ القيس لم يصح أنه تلفظ به.
ونقل عبد الرحيم العباس قول ابن أبي الأصبع، وأقره ثم أعقبه بقوله: "قلت: وقد تصفحت ديوانه على اختلاف رُواته، فلم أجد فيه قصيدة على هذا الوزن والرويّ".
فهذه كتب الأدباء والعلماء، وأساطين اللغة والشعر الذي اطلعوا على أشعار العرب ودواوين امرئ القيس حتى نهاية القرن العاشر الهجري، لا ينسبون إلى امرئ القيس أي شيء من هذا القبيل، ولو اطلعوا على غيرها من الأبيات لذكروه، سواء صحت نسبته أم لم تصح.
لذا فإن اعتماد هؤلاء المرجفين على أشعار "فيض القدير" للمناوي مغالطة كبيرة؛ إذ إن المناوي رحمه الله، كان اهتمامه في كتابه شرح أحاديث "الجامع الصغير" فلم يعتن بجمع الشعر، أو تمحيص رواياته، وكتابه (فيض القدير) ليس كتابًا معتمدًا في نقل الشعر أو نسبته، هذا فضلًا عن كونه من المتأخرين، حيث توفي سنة 1029 هـ، فكيف يصبح كلامه مقدمًا على كلام من سبقه من أساطين اللغة، وعلماء الأدب والبيان، خاصة وأنه لم يذكر لهذه الأبيات سندًا ولا مصدرًا.
بل كيف يسوق أبياتًا مكسورة؟! فالبيت الأول في (دنت الساعة وانشق القمر) غير مستقيم من ناحية الوزن الشعري، فالشطر الأول مكسور، إلا لو أبدلنا (اقتربت) بـ (دنت)، وعلى ذلك بقية الأبيات، وحينئذ يتبين أن المناوي لم يكن له عناية في كتابه بذكر الشعر أو تحقيقه.
الوجه السادس: ولأن الأبيات من الشعر المولد؛ فإن صاحبها اقتبس كلماتها من القرآن الكريم.
إنه ليس لأحد من الناس أن يدعي قولًا وينسبه لرجل مات بلا برهان ولا بينة، وسبيلُ نسبة قولٍ لشاعرٍ جاهلي، معرق في القدم كامرئ القيس أن يكون هذا القول مأخوذًا من ديوان شعره أو من روايات هذا الديوان المتعددة والمتكاثرة المطبوعة، أو يذكر هذا القول منسوبًا لامرئ القيس في كتب التراث الأدبي من المجاميع الشعرية "كالكامل" و"الفاضل" و"الوحشيات" جميعها للمبرد، أو كالأغاني لأبي الفرج الأصفهاني أو "
الأمالي" لأبي علي القالي أو الحماسة لأبي تمام أو كتب مختارات الأدباء والشعراء أو كتب تراجم الأدباء إلى آخر ما هنالك من قضايا تحقيق نسبة الشعر لأصحابه.
وإن أي باحث في الأدب العربي يعلم أن شعر امرئ القيس قد وجد عناية خاصة، وتضافرت جهود القدماء والمحدثين على جمعه وروايته ونشره، وهناك العديد من النسخ المشهورة لديوانه كنسخة الأعلم الشنتمري، ونسخة الطوسي، ونسخة السكري، ونسخة البطليوسي، ونسخة ابن النحاس وغيرها، ولا يوجد أي ذكر لهذه الأبيات في هذه النسخ، على الرُّغْم من أنها تذكر ما نُحِلَ عليه لتنقده، وكذلك كان أمر الدراسات المعاصرة التي عنيت بشعر امرئ القيس وما نسب إليه وخبر دواوينه، لم تذكر شيئًا من هذه الأبيات لا على أنها من قوله، ولا على أنها مما نحل عليه. ومنها دراسة للأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم في أكثر من خمسمائة صفحة حول امرئ القيس وشعره، وقد ذكر فيه ما صحت نسبته إليه وما لم يصح، وما نحل عليه ومَن نحله، ولم يذكر مع ذلك بيتًا واحدًا من هذه الأبيات السابقة.
فهل كان الأعاجم أصحاب هذه الشبهات أعلمَ بامرئ القيس وشعره من هؤلاء جميعًا الذين عنوا بجمعه وتمحصيه ونقده؟!!
الوجه السابع: أن المتقدمين من أهل اللغة والأدب كانوا يذكرون في كتبهم قضية اقتباس الشعراء من كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وعلى عكس كلامهم في اقتباس القرآن، فإن ابن داود الظاهري الأصفهاني (ت: 227 هـ) عقد في كتابه (الزهرة) فصلًا لما استعانت به الشعراء من كلام الله تعالى، وكان مما ذكر عن قوله سبحانه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ أن الخنساء ضمنته في أبيات لها فقالت:
أبعدَ ابن عمرو من آل الشّريد... حلَّتْ به الأرضُ أثقالها
فخر الشّوامِخُ من فَقْدِه... وزُلزلتِ الأرضُ زلزالها.
وهذا مما يدل على أن أول من نطق بهذه العبارة هو القرآن الكريم؛ لأنه لو كان امرؤ القيس قد قالها قبل القرآن الكريم، لما كان للفصل الذي عقده فائدة، ولكانت الخنساء قد ضمنت أبيات امرئ القيس في شعرها، لا آيات القرآن الكريم، ولكان القرآن الكريم نفسه قد ضمن أبيات امريء القيس. وثَمَّ أمر مهم وهو أن هذه الأبيات المفتراة لو بلغت علماءنا المتقدمين، فلماذا لم يثيروا قضية التشابه بين القرآن الكريم وشعر امرئ القيس؟
الوجه الثامن: لو افترضنا صحة نسبة الأبيات إلى امرئ القيس - وهو أمر مستحيل - وافترضنا أن هناك تشابه في الكلمات بين ألفاظ القرآن وهذه الأشعار فإن ذلك يشهد للقرآن بالفصاحة والبلاغة والبيان.
إذ إن كلاهما باللسان العربي والكلمات المشتركة جاءت في القرآن على أفصح ما يكون الكلام وأبلغه، بينما هي في الأبيات المكذوبة جاءت في غاية السخافة والسفول، ثم إنه لا غضاضة في أن يحصل تشابهٌ في بعض الكلمات، وجاء القرآن بما تعهده العرب في كلامها من أمثلة واستعارات وغير ذلك من ضروب البلاغة.
ثم إن القرآن الكريم نزل ليتحدى كفار قريش، قائلًا لهم: إنكم تنطقون بهذه الأحرف، وتقولون تلك الكلمات، لكنكم مع ذلك عاجزون عن أن تأتوا بمثل القرآن من جهة القوة والإحكام والإتقان، هذا ومعلوم أن التشابه في بعض الكلمات والتراكيب لا يعني الاقتباس والنقل.
وسوف يترتب على فرض صحة نسبة الأبيات للجاهلية؛ تساؤل هو: لماذا لم يواجه فصحاء قريش النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا التشابه وهم أحفظ للشعر من مستشرقي عصرنا؟ ولماذا عندما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل آية منه لم يقتبسوا من هذه الأشعار كما اقتبس هو؟
يقول أبو بكر الباقلاني: الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن، لو كانوا يعتقدونه شعرًا ولم يروه خارجا عن أساليب كلامهم - لبادروا إلى معارضته؛ لأن الشعر مُسخَّر لهم مُسهَّل عليهم، ولهم فيه ما علمت من التصرف العجيب والاقتدار اللطيف؛ فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك ولا عولوا عليه - علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئا مما يقدره الضعفاء في الصنعة، والمرمدون في هذا الشأن، وإن استدراك من يجيء الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم وزعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن، وقد ذهب أولئك النفر عنه، وخفي عليهم مع شدة حاجتهم عندهم إلى الطعن في القرآن، والغض منه، والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه، فلن يجوز أن يخفي على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن وهو بالجهل حقيق.
فالقرآن لم يخرج عن معهود لغة العرب؛ فمن حروفهم ركبت كلماته، ومن كلماتهم ألفت جمله وآياته، وهذا من إعجاز القرآن وإفحامه للعالمين أجمعين؛ إذ حروف اللغة وكلماتها موجودة ملك الجميع لكن من ذا الذي يؤلف بينها؟.
يقول عبد الله دراز: صنعةُ البيان مثلُ صنعةِ البنيان، فالمهندسون البَنَّاءون لا يخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض، ولا يعدو ما يصنعونه أن يكون جدرانًا مرفوعًا، وسقفًا موضوعةً، ولكنهم تتفاضل صناعاتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد وأَكَنِّها للناس من الحَرِّ والقَرِّ وفي الانتفاع بالساحة اليسيرة في المرافق الكثيرة، فمنهم من يفي بذلك، ومنهم من يخل بشيء منه، كذلك ترى أهل اللغة الواحدة يؤدون الغرض الواحد على طرائق شتى يتفاوت حظها في الحسن والقبول، وما من كلمة من كلامهم ولا وضع من أوضاعهم بخارج عن مواد اللغة وقواعدها في الجملة، وليست كل هذه الطرائق تجمل في كل موطن أو تقبح في كل موطن إذًا لأصبحت البلاغة في لسان الناس طعمًا واحدًا... والناس ليسوا سواء في استعراض هذه الطرائق فضلًا عن حسن الاختيار فيها إلى أن يتكون الأسلوب الخاص بكل إنسان وعلى حسب ذلك يقع التفاوت في درجات الكلام.
فالجديد في لغة القرآن، أنه في كل شأن يتناوله من شئون القول يتخير أشرف المواد، وأمسها بالمعنى المراد، وأجمعها للشوارد، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها وهي أحق به: بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلا مرآته الناصعة وصورته الكاملة ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين، وقراره المكين، لا يومًا أو بعض يوم؛ بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور، فلا المكان يريد بساكنه بدلًا، ولا الساكن يبغي عن منزله حولًا.... وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان.... فإن أحببت أن تعرف للقرآن الكريم سبقه وأنت بعد لم ترزق قوة الفصل بين درجات الكلام، فسبيلك أن تأخذ الحكم مسلمًا عن أهله، وتقنع فيه بشهادة العارفين به، فها هو الوليد بن المغيرة لما سمع القرآن رقَّ له، فقال رَادًّا على أبي جهل: وماذا أقول؟! والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه، مشرق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته.
هذا وإن بيان وبلاغة آيات القرآن الكريم تأبى وتتنافى ودعوى الأخذ من هذه الأشعار المتكلفة الضعيفة.
كما أنا لو سلمنا جدلًا بأن القرآن اقتبس في عشر آيات منه، من عشرة أبيات، فمن أين أتى القرآن بأكثر من ستة آلاف آية أخرى؟!
الوجه التاسع: منافاة أسلوب القرآن لأسلوب الشعر عامة.
ولو تنزلنا مرة أخرى مع القوم حسب عقولهم، وافترضنا صحة نسبة الأبيات إلى امرئ القيس؛ فإننا جميعًا سوف نصطدم بالاختلاف البائن بين أسلوب القرآن الكريم كلام رب العالمين وبين هذه الأشعار كلام المخلوقين.
وقد بوَّب الإمام البيهقي قبل رواية حديث الوليد الآنف الذكر فقال: باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله تعالى من الإعجاز، وأنه لا يشبه شيئًا من لغاتهم مع كونهم من أهل اللغة وأرباب اللسان.
ويقول القاضي عياض: من إعجاز القرآن صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب، المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ووقفت مقاطع آية، وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه؛ بل حارت فيه عقولهم، وتدلَّهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر،...، وإنه مما جُمع في قوة جزالته، ونصاعة ألفاظه، وحسن نظمه وإيجازه وأسلوبه لا يصح أن يكون في مقدور البشر، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن أقدار الخلق عليها كإحياء الموتى، وقلب العصا، وتسبيح الحصا.
ويقول ابن حزم: إن القرآن ليس من نوع بلاغة الناس.
ويقول: وأنه ليس من نوع كلام المخلوقين، لا من أعلاه ولا من أدناه ولا من أوسطه، وأنَّ آية ذلك الأقسام التي في أوائل السور، والحروف المقطعة التي لا يعرف أحد معناها، قال: وبرهان هذا أن إنسانا لو أدخل في رسالة له أو خطبة أو تأليف أو موعظة حروف الهجاء المقطعة لكان خارجًا عن البلاغة المعهودة بلا شك، فصح أنه ليس من نوع بلاغة الناس أصلًا.
هذا وإن البون شاسع بين القرآن والشعر والفروق بينهما كثيرة، ودليل ذلك في الأمور التالية:
الأول: لم ينزل القرآن الكريم على النمط المألوف من كلام العرب، فلم يأت على أسلوب الخطابة ولا الوصية ولا المثل ولا المنافرة ولا المفاخرة ولا المحاورة ولا نظم القصيد، فأسلوب وطريقة الشعر معروفة في الشكل العمودي للقصيدة العربية مع اتحاد القافية وتساوي الأشطر واتحاد بحر القصيدة، وليس شئ من هذا في القرآن فهو لم يكن شعرًا ولا نثرًا مرسلًا ولا سجعًا ولا مزاوجةً بل جاء على مذهب خارج عن المعهود من نظام كلام العرب ومبائن للمألوف من مناهج كلامهم، ينصرف على وجوه مختلفة، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأمثال، وترغيب وترهيب وأمر ونهي ووعد ووعيد وتبشير وتخويف وهو أثناء ذلك يتردد بين الإيجاز والإطناب، فما أجملَ القرآنَ فيما اشتمل عليه من دقة التصوير، وجمال الوصف، مع سمو التعبير، وعظمة التأثير، وروعة الإيجاز وبلاغة التكرار، وليس الشعر يبلغ في هذا فتيلًا.
قال أبو بكر العربي: القرآن خرج عن أنواع كلام العرب، وخصوصا عن وزن الشعر؛ ولذلك قال أخو أبي ذر لأبي ذر: "لقد وضعتُ قوله على أقوال الشعراء فلم يكن عليها"، ولا دخل في بحور العروض الخمسة عشر، ولا في زيادات المتأخرين عليها؛ لأن تلك البحور تخرج من خمس دوائر: إحداها دائرة المختلف ينفك منها ثلاثة أبحر: وهي الطويل، والمديد، والبسيط؛ ثم تتشعب عليها زيادات كلها منفكة. الدائرة الثانية دائرة المؤتلف ينفك منها بحر الوافر، والكامل، ثم يزيد عليها زيادات لا تخرج عنها... وهكذا الدوائر الخمس ولقد اجتهد المجتهدون في أن يُجروا القرآن أو شيئا منه على وزن من هذه الأوزان فلم يقدروا، فظهر عند الولي والعدو أنه ليس بشعر.
يقول الطاهر بن عاشور: كيف يكون القرآن شعرًا والشعر كلام موزون مقفّى له معان مناسبة لأغراضه التي أكثرها هزل وفكاهة؟ فأين الوزن في القرآن، وأين التقفية، وأين المعاني التي ينتجها الشعراء، وأين نظم كلامهم من نظمه، وأساليبهم من أساليبه؟
وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهلُ الصناعة منهم وكُلُّ مَنْ زَاولَ مَبَادِئَ القَافية مِنَ المولدين، ولا أحسبهم دَعوهُ شعرًا إلا تعجلًا في الإِبطال، أو تمويهًا على الإِغفال، فأشاعوا في العرب أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - شاعر، وأن كلامه شعر.
الثاني: إن الأشعار الشهيرة ومنها المعلقات - فخر العرب - تخلو من كل قيمة فكرية أو إنسانية أو روحية أو أمر أو نهي أو إرشادٍ إلى خير بخلاف القرآن العظيم، فالأوامر فيه تصل إلى الألف آية وكذلك النواهي، ويحض على فعل كل خير وينهى عن كل شرِّ، ويرشد ويهدي إلى كل صلاح ونفع في الدنيا والآخرة.
وقد ذكر أبو بكر الباقلاني فصلًا جيدًا عن الشعر الحسن الذي يحلو لفظه وتقل فوائده.
وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه في كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
فالقرآن الكريم حوى علمَ الأولينَ والآخرين فهو أصل العلوم كلها، فعلم الكلام من القرآن، وعلم الفقه وأصول الفقه وعلم النحو واللغة، وعلوم مثل التاريخ والطب والجدل وأصول الصنائع وغيرها الكثير. واشتمل على علم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة ومنها أهوال يوم القيامة وأحوال الناس فيه، كما يفصل أخبار مآلهم ففريق في الجنة وفريق في السعير، ثم ينتقل إلى وصف الجنة ونعيم أهلها وإلى وصف النار وجحيم أهلها إلى ما هنالك مما لا يعلم إلا عن طريق الوحي وهذا كثير جدا في القرآن.
يقول القاضي عياض: ومن إعجازه جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ولا محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل نبوته خاصة بمعرفتها ولا القيام بها، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والرد على فِرَق الأمم ببراهين قوية، وأدلة بينة سهلة الألفاظ، موجزة المقاصد، رام المتحذلقون بعدُ أن ينصبوا أدلة مثلها فلم يقدروا عليها كقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: 81] وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] إلى ما حواه من علوم السير، وأنباء الأمم والمواعظ والحكم، وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب والشيم، قال الله جل اسمه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]. وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: 27].
بل إن من خصائص القرآن الإخبار عن مستقبل الناس في الدنيا، وما سيحدث لهم من انتصار وتمكين لبعضهم، أو خزي وذلٍّ لبعض آخر، إلى آخر ما هو ليس في طوق البشر. ومَن تعاطى ذلك من المتنبئين والشعراء افْتُضِحَ فِي حِيْنِه، وما جاء في القرآن كان هو الحق المبين، فَمَنْ أصدقُ مِنَ الله حَدِيثًا. ومن إخبار القرآن عن ذلك وهو كثير قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1 - 5].
وهذا القرآن قد جاء بما حدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير من بدء الخليقة إلى حين بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كونه - صلى الله عليه وسلم - أميا لا يعرف شيئا من كتب السابقين وأنبائهم.
فالقرآن ليس كتاب قصص، وليس كتاب متعة وتسلية على نحو دواوين الشعراء فهو ليس شعرا أو أدبا أو حكمة أو تاريخًا أو اجتماعا، إنما هو خلاصة لكل ما في الحياة من حقائق ومعارف وعلوم وثقافات، ومنهج كامل لكل جانب من جوانب الحياة الروحية والعقلية والاجتماعية والسياسية، فهو كتاب الإنسانية كلها، وصحيفة البشرية قاطبة.
يقول السيوطي: قد اشتمل كتاب الله العزيز على كل شيء؛ أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدل عليها.
وظهر أثر هذا الأمر في القرآن في المجتمعات التي سلَّمت له وآمنت به، كيف أثَّر فيها وغير من الأخلاق الرديئة، وأرسى الأخلاق الحميدة مع الدعوة إلى الحق والعدل والعلم، ورسم المثل الإنسانية العليا وأهداف الأفراد والشعوب وتحديد الفلاح في الدنيا والآخرة.
الثالث: هذه القصائد الجاهلية العالية الحبْك والصياغة، لا تخلو من أخطاء تندُّ عن الشاعر، ومن ذلك ما ذكره أبو بكر الباقلاني إذ درس في كتابه معلقة امرئ القيس المشهورة فأبان ما اشتملت عليه من أخطاء لغوية وفنية وغيرها.
قال ابن عطية: فالله تعالى قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحاط بالكلام كله علما، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن قط محيطا، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة،...، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا، ثم تعطي لآخر نظيره فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل، كتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد. ونحن تبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام.
الرابع: فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات، مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم.
الخامس: أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق، وتنزه عن الكذب في جميعه، وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيدًا، ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي، فالشعر يعتمد على المبالغة والتهويل حتى قالوا أعذب الشعر أكذبه، وليس شيء من هذا في القرآن الكريم، وكيف يكون ذلك وهو كلام الله وحده لا كلام مخلوق سواه؟!
يقول القلقشندي: لم ينزل الله القرآن على صفة نظم الشعر؛ بل نزهه عنه بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: 41] وحرم نظمه على نبيه محمد؛ تشريفا لمحله وتنزيها لمقامه منبها على ذلك بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]؛ وذلك أن مقاصد الشعر لا تخلو من الكذب، والتحويل على الأمور المستحيلة، والصفات المجاوزة للحد، والنعوت الخارجة عن العادة، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، وقول البهتان، وسب الأعراض، وغير ذلك مما يجب التنزه عنه لآحاد الناس، فكيف بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا سيما الشعر الجاهلي الذي هو أقوى الشعر وأفحله؟.
وقال الراغب: قال بعض الكفار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه شاعر! فقيل: لِما وقع في القرآن من الكلمات الموزونة والقوافي، وقيل: أرادوا أنه كاذب، لأنه أكثر ما يأتي به الشاعر كذب، ومِنْ ثَمَّ سموا الأدلة الكاذبة شعرا، وقيل في الشعر: أحسنه أكذبه ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.
السادس: إن الكلام الفصيح البليغ إنما يتفق في القصيدة: في البيت والبيتين والباقي لا يكون، وليس كذلك القرآن؛ لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته.
يذكر الباقلاني فصاحة القرآن فيقول: ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والفوائد الغزيرة والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف، وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به فقال عز من قائل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت وبأن عليه الاختلال.
ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور، فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين، ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل أو سير الليل أو وصف الحرب أو وصف الروض أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام ولذلك ضُرِبَ المَثَلُ بِامرِئِ القَيسِ إِذَا رَكِبَ والنابغةِ إذا رَهِبَ وبِزُهَيرٍ إذا رَغِبَ ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام.
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها فيأتي بالغاية في البراعة في معنى فإذا جاء إلى غيره قَصُرَ عنه ووَقَفَ دُونَه،...، ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصد أصلًا ومنهم من ينظم القصيد ولكن يقصر تقصيرًا عجيبًا،...، ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قَصَّرَ وَنَقَصَ نُقْصَانا بَيِّنا ومنهم من يوجد بضد ذلك.
وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة؛ فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا بينًا ويختلف اختلافًا كبيرًا، ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة؛ فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت؛ بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة؛ فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر.
يقول عبد القاهر الجرجاني: يقول ابنُ مسعودٍ في صفةِ القرآن: "لا يَتْفَهُ ولا يَتَشانُّ" وقال: "إِذا وقعتُ في آلِ حم وقعتُ في رَوضات دَمِثاتٍ أتأنَّقُ فيهم" أي أَتتبَّع محاسنَهن. قال ذلك من أجلِ أوزان الكلمات ومن أجل الفواصلِ في أواخرِ الآيات.
السابع: أن كل من قال شعرًا فصيحًا في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول، وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة بل ولم يظهر التفاوت أصلًا.
الثامن: أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة؛ لذا يبتعد الشعر عنها وتقل في الشعر الجاهلي خاصةً.
التاسع: مما يقوله القاضي عياض: ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته، وهي على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورًا، ويودون انقطاعه لكراهتهم له، وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته تُولِيه انجذابًا ليل قلبه إليه وتصديقه به، قال الله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23] وقال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21] ويدل على أن هذا شيء خُصَّ القرآن به أنه يَعْتَرِي مَنْ لا يفهم معانيه ولا يعلم تفاسيره، كما روى عن نصراني أنه مر بقارئ، فوقف يبكى. فقيل له: مم بكيت؟ قال: للشجا والنظم.
وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده فمنهم من أسلم لها لأول وَهْلَةٍ، ومنهم من كفر، فَحُكِيَ في الصحيح عن جبير بن مطعم قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وإلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير للإسلام.
وعن عتبة بن ربيعة أنه كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به من خلاف قومه فتلا عليهم: ﴿حم﴾ فصلت إلى قوله: ﴿صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسك عتبة بيده على فِي النبي - صلى الله عليه وسلم - وناشده الرحم أن يكف، وفي رواية: فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام عتبة لا يدرى بم يراجعه، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم، وقال: والله لقد كلمني بكلام، والله ما سمعت أذناى بمثله قط فما دريت ما أقول له.
وقال مالك بن نبي: وهناك شهادات سجلتها لنا السيرة في ذلك العصر، تقدم لنا معلومات واسعة عن التأثير الغلاب الذي كان لآيات القرآن على النفس البدوية.
فعمر - رضي الله عنه - يتحول إلى الإسلام بفعل هذا التأثير، على حين قد عبر الوليد بن المغيرة الذي كان مثالا في الفصاحة والفخر الأدبي عن رأيه في (سحر القرآن) بقول: والله،...، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه.
هذه اللغة التي لم تعبر حتى تلك اللحظة - قبيل الرسالة - إلا عن ذكاء بدو الصحراء، تحتاج بقدر ما أن تثري لكي تشبع رغبات عقل واجهته - منذ ذلك الحين - المشاكل الغيبية والشرعية والاجتماعية بل العلمية أيضًا.
العاشر: مما يقوله القاضي عياض: ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضا، وحسن ائتلاف أنواعها والتئام أقسامها، وحسن التخلص من قصة إلى أخرى، والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه، وانقسام السورة الواحدة إلى أمر ونهى، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد، وإثبات نبوة وتوحيد وتفريد، وترغيب وترهيب إلى غير ذلك من فوائده دون خلل يتخلل فصوله. والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته، ولانت جزالته، وقل رونقه، وتقلقلت ألفاظه؛ فتأمل أول (ص) وما جمع فيها من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، وما ذكر من تكذيبهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وتعجبهم مما أتى به والخبر عن اجتماع ملئهم على الكفر، وما ظهر من الحسد في كلامهم وتعجيزهم وتوهينهم ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة، وتكذيب الأمم قبلهم، وإهلاك الله لهم، ووعيد هؤلاء مثل مصابهم، وتصبير النبي - صلى الله عليه وسلم - على أذاهم وتسليته بكل ما تقدم ذكره، ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء، كل هذا في أوجز كلام وأحسن نظام.
الحادي عشر: مما يقوله أبو بكر الباقلاني: كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل، والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع، ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وُصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه؛ حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري مع جودة نظمه وحسن وصفه في الخروج من النسيب إلى المديح، وأطبقوا على أنه لا يحسنه، ولا يأتي فيه بشيء، وإنما اتفق له في مواضع معدودة خُروجٌ يُرْتَضَى، وتَنَقُّلٌ يُسْتَحْسَنُ، أما القرآن فإنه على اختلاف فنونه، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد، وهذا أمر عجيب تبين به الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة ويتجاوز العرف.
الثاني عشر: إنه لا يزال الناس قديما وحديثا إذا سُرُّوا مِن كلامٍ أو أسلوبٍ وأعجبهم جماله حَاكُوه وقَلَّدُوه.
يقول الباقلاني: الناس إذا استحسنوا شيئًا اتبعوه، وتنافسوا في محاكاته بباعث الجبلة. وكذلك رأينا أصحاب هذا الصناعة يتبع بعضهم بعضا فيما يستجيدونه من الأساليب، وربما أدركَ اللَّاحِقُ السَّابِقَ وأَرْبَى عليه، كما صنع ابن العميد بأسلوب الجاحظ، وكما يصنع الكتاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض. وما أساليب الناس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلا مناهل مورودة، ومسالك معبدة، تؤخذ بالتعلم، وتراض الألسنة والأقلام عليها بالمرانة، كسائر الصناعات.
فما الذي منع الناس أن يخضعوا أسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم، وهم شرع في استحسان طريقته، وأكثرهم الطالبون لإبطال حجته؟
وما ذاك إلا لأن فيه من غريب تأليفه في بنيته، وما اتخذه في رصف حروفه وكلماته وجُمله وآياته، من نظام له سمتٌ وحده، وطابع خاص به، خرج فيه عن هيئة كل نظام تعاطاه الناس أو يتعاطونه. فلا جرم لم يجدوا له مثالًا يحاذونه به، ولا سبيلًا يسلكونه إلى تذليل منهجه. يقول ابن عطية: لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد.
وآية ذلك أن أحدًا لو حاول أن يدخل عليه شيئًا من كلام الناس من السابقين منهم أو اللاحقين، من الحكماء أو البلغاء أو النبيين والمرسلين؛ لأفسد بذلك مزاجه في فم كل قارئ، ويجعل نظامه يضطرب في أذن كل سامع، وإذًا لنادى الداخل على نفسه بأنه واغل دخيل، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكير خبث الحديد ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].
الثالث عشر: أن الشعر قاله ويقوله الناس - منذ أن نطق الإنسان - المجيدون منهم الآلاف بل يزيدون، فضلا عن غيرهم، بل إن الشعراء المجيدين يفاضل الناس بينهم فيقولون: فلان أَشْعَرَ من فلان أو فلان أشعر الناس في الهجاء، وفلان أشعر الشعراء في الوصف، وآخر في الرثاء إلى غير ذلك.
وليس شيء من هذا في القرآن في دبير أو نفير، فإذا كان امرؤ القيس أشعر الشعراء؛ فإن ذلك لم يكن مسلما به حتى في زمانه.
يقول عبد القاهر الجرجاني: في حديث علقمة الفحل أنه لما قال له امرؤ القيس، وقد تناشدا: أَيُّنَا أَشعرُ؟، قال: أنا، غيرَ مُكْتَرِثٍ ولا مُبالٍ، حتى قال امرؤ القيس: فقُلْ وَانْعَتْ فَرَسَكَ وناقتَك، وأقولُ وأَنْعَتُ فرسي وناقتي.
فقال علقمة: إني فاعل، والحكَمُ بَيْني وبَينك المرأةُ من ورائك، يعني أُمَّ جُنْدُب امرأة امرئ القيس، فقال امرؤ القيس:
خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدَبِ... نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ
وقال عَلْقمة:
ذَهَبْتَ مِنَ الهِجْرَانِ في كُلِّ مَذْهَبِ... وَلَمْ يَكُ حَقًّا كُلُّ هَذَا التَّجَنُّبِ
وتحاكما إلى المرأة، ففَضَّلَت علقَمة.
ويقول عبد القاهر: وقالوا: كان الأوائل لا يفضلون على زهير أحدا في الشعر ويقولون: "قد ظلمه حقَّه من جعله كالنابغة". قالوا: "وعامة أهل الحجاز على ذلك".
ورُوِيَ عن أبي عبيدة أنه قال: أشعرُ الناس ثلاثةٌ: امرؤ القيس بن حجر، وزهير بن أَبي سُلْمَى، والنابغة الذبياني، ثم اختلفوا فيهم.
ورُوي عن يحيى بن سليمان الكاتب أنه قال: بَعَثني المنصور إلى حَمّادٍ الراوية أسأله عن أشعر الناس، فأتيتُه وقلت: إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس.
فقال: ذاك الأعشى صَنَّاجُها.
ويقول: ويزيد الأمر بيانًا أنا رأيناهم حين طبَّقوا الشعراءَ جعلوا امرأَ القيس بنَ حجر، وزهيرًا، والنابغة والأعشى في طبقة، فأعلموا بذلك أنهم أَكفاءٌ ونُظَراء، وأن فضلًا إن كان لواحدٍ منهم، فليس بالذي يُوئِسُ الباقين من مُدَاناتِه، ومن أن يستطيعوا التعلق به والجري في مَيْدَانه ويمنعهم أن يدَّعوا لأنفسهم أو يُدَّعَى لهم أنهم ساوَوهُ في كثير مما قالوه أو دَنَوْا منه، وأنهم جَرَوا إلى غايَتِه أو كادوا، وإذا كان هذا صورة الأمر، كان من العَمَى التعلُّقُ به، ومن الخَسَار الوُقوعُ في الشُّبْهَة.
ونحن أمام قرآن عظيم ما قال بمثله ولا بمثل سورة منه إنس ولا جان فهو ليس كالشعر الذي يقوله الكثير، ثم يُفاضل بينهم.
الوجه العاشر: إن فساد معاني الأبيات بما لا يقتضيه واقع العرب وعقيدتها الجاهلية يفضح كذب ادعائها على الشعر الجاهلي كله.
ولنتساءل كيف تكون تلك الأبيات لامرئ القيس المشهور؟! ثم يأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكلام مسروق من شعره يعرضه على قريشٍ التي هي أفصح العرب وأحفظهم لشعر الشعراء، وبلغ منهم أن عظَّموا القصائد وعلقوها على الكعبة، ولا يخرج رجل واحد منهم حافظ للشعر، ويقول له: أنت يا محمد نقلت تلك الأبيات من امرؤ القيس، ثم يأت فلان العجمي بعد ألف وأربعمائة سنة ليقول لنا: خذوا تلك أبيات امرؤ القيس التي نقلها نبيكم في القرآن!.
هذا ما يخالف العقل من جوانبه، ولو افترضنا مرة أخرى ثبوت الأبيات، فإن أي نقد يوجه إليها يوضح ضعف سبكها، وسقم معناها، وسخف بعض التراكيب فيها بما لا يتناسب مع شاعر جزل كامرئ القيس؛ بل يشعر المرءُ بمجرد قراءة تلك الأبيات أنها أقرب إلى النظم المفتعل الذي وضع صاحبه أمام عينيه آيات القرآن الكريم وأَخَذَ يجتهدُ في تضمينها أبياته، فالكلامُ مهلهلٌ، وغير مستوٍ، وفيه فجوات يملؤها الناظم كيفما اتفق.
فمن الأبيات التي ذكرها المناوي قوله:
إذا زلزلت الأرض زلزالها... وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها... ليوم الحساب ترى حالها
وهي أبيات لا يمكن أن تصدر عن امرئ القيس، فليست هي من معهود شعره، كما أن أهل الجاهلية لم يكونوا يؤمنوا بالبعث، فضلًا عن أن يذكروا تفاصيل إخراج الأرض لأثقالها، وقيام الأنام لربهم، مع حضور الرسل ليوم الحساب، إضافة إلى مشهد حساب الله تعالى للخلائق، إلا ما نقل عن الحنفاء الذين عرف اتصالهم بأهل الكتاب، ووجد في شعرهم شيء من ذلك كزيد بن عمرو بن نفيل، وامرؤ القيس ليس منهم قطعًا.
والبيت الأول لا يستقيم في ميزان الشعر ألبتة، فالتاء زائدة وكاسرة للوزن، وليس هناك رواية مكذوبة أخرى لتصحح هذا الخلل، مما يدلك على أن أصل نسبة تلك الأبيات خطأ محض.
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد: وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء المتخبطين في أمر اللغة العربية قبل الإسلام وعلاقتها بلغة القرآن الكريم، أنهم يحسبون أن العلماء المسلمين يجدون في بحث تلك الأبيات وصبًا واصبًا لينكروا نسبتها إلى الجاهلية، ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة كافية لليقين بدحض نسبتها إلى امرئ القيس أو غيره من شعراء الجاهلية.
وردَّ عليهم العلامة محمد رشيد رضا: لولا أن في القراء بعض العوام، لما كنتَ في حاجة إلى التنبيه على أن هذه القصيدة يستحيل أن تكون لعربي، فهي في ركاكة أسلوبها، وضعف موضوعها بريئة من شعر العرب فكيف يصح أن تكون لحامل لوائهم، وأبلغ بلغائهم؟!
فما معنى: "دنت الساعة" في البيت؟ إن كان المراد بالساعة يوم القيامة، فالجاهليون لم يكونوا يؤمنوا بالمعاد، فضلًا عن أن يذكروه في أشعارهم أو يضعوه في قصائدهم، وإن كان المراد ساعة لقاء الحبيبة كما قد يُفهم، فما المراد حينئذ بقوله (وانشق القمر)؟ فإن كان المراد انشقاق القمر فعلًا، فهذا كذب، إذ لم ينشق القمر في عهدهم أبدًا؛ بل انشق على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في القرآن والروايات، وإن كان المراد بالقمر ذكر المحبوبة، فليس من عادة العرب التعبير عن جمال المحبوبة بانشقاق القمر، وما وجه الحسن في انشقاقه ليشبه به المحبوبة، وقد دأب العرب على تشبيه حسن النساء بالبدر حين اكتماله، لا بانشقاق القمر، فأي ركاكة في أسلوب هذا البيت؟!
هذا التفسير العقلي المبسط يجعلنا نفهم أن قوله: (دنت الساعة وانشق القمر) قد ألصق إلصاقا بالقصيدة فأدى إلى معنًى مستشنع يدلُّ على أنه غريب عن بقية الأبيات،...، تماما الحال بالنسبة لبقية الأبيات المشبهة بآيات القرآن.
والبيت الذي فيه:
مَرَّ يوم العيد بي في زينة... فرماني فتعاطى فعقر
فأَيُّ عيد كان عند الجاهلية يمر فيه الغلمان متزينين؟ وأليس يوم العيد احتفالًا إسلاميًا؟ فكيف يكون هذا كلام امرئ القيس الجاهلي وَيَذْكُرُ فيه يوم العيد وهو من مات قبل مولد نبينا - صلى الله عليه وسلم - بثلاثين عامًا أو أكثر، فهل هذا الشعر جاهليًا؟
وهل يسمح لك ذوقك بأن تصدق أن امرأ القيس يقول ذلك؟ كما يظهر من ركاكة الأسلوب، قوله: (فتعاطى) إذ جاء بعد قوله: (فرماني) فإذا كان قد رماه، فأي شيء تعاطاه، والتعاطي هو تناول الشيء، فلماذا يتعاطى شيئا بعد أن رماه! وكان المفترض أن يتعاطى شيئًا، ثم يرميه به، وليس في القرآن (فرماني فتعاطى فعقر) ومعناه في الآية: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾ [القمر: 29] أنه تناول رمحًا، أو خنجرًا، فعقر الناقة به، والإبل تعقر في نحورها، والعُشَّاق إنما يرمون باللحاظ في قلوبهم، فهل يقول العربي بعد ما قال إن محبوبه رماه: إنه تعاطى بعد ذلك فعقر؟ وقد جاء بعد هذا قوله: (بسهام من لحاظ) أي: أنه قد رماه بسهام من سهام العيون، وإذا كان الأمر كذلك، فما فائدة قوله: فتعاطى فعقر. إلا الزيادة في قبح الأسلوب ورداءة المعنى؟
الوجه الحادي عشر: مخالفة الشبهة لمقتضى العقل وانعدام المنهج العلمي في تقريرها.
هذا القرآن العظيم الحكيم الذي أعجز الخلق أجمعين في كل شيء من خصائصه ما كان يمنع محمدًا أن ينسبه إلي نفسه إن كان يبغي سيطرةً وسلطانًا وهو من جمعه وأَلَّفَهُ مِنْ شِعر مَن سبقه، ثم هو - صلى الله عليه وسلم - ينسبه لغيره، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [يونس: 15].
يقول الدكتور عبد الله دراز: والذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء يسْطُون على آثار غيرهم فيسرقونها أو يسرقون منها ما خَفَّ حملُه، وغَلَت قِيمتُه، وأُمِنَتْ تُهْمَتُه حتى أن منهم من يَنبِشُ قبور الموتى ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينةٍ من تلك الأثواب المستعارة. أما أن أحدًا يَنْسِبُ لغيره أَنْفَسَ آثارِ عَقْلِهِ وأغلى ما تجود به قريحته فهذا مَا لَم يَلِدْهُ الدَّهْرُ بعد.
ويقول: أيُّ مصلحة للعاقل الذي يدّعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، نقول: أيُّ مصلحةٍ له في أن ينسب بضاعته لغيره وينسلخ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعة وفخامة شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها لنفسه.
هذا وإن العرب مع حرصهم الشديد على معارضة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكثرة تحديه الدائم لهم لم يطق أحد منهم أن يعارض القرآن، ولا يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغ من العبقرية مبلغا بحيث لم يستطع أحد أن يأتي بمثل ما قال؛ لأنه يمكن للمخالفين أن يجتمعوا فيألفوا قرآنا، ومعلوم أن الجماعة تبدع وتبتكر أكثر من الإنسان الواحد.
ولنا أن نتسائل كيف يكون القرآن الكريم قد أخذ من الشعر؟ فمن هو الآخذ، ومن هو الشاعر المأخوذ من شعره، وأين هذا المأخوذ، وكيف كان الأخذ ومتى حدث؟
بل يستحيل في العقل وفي العادة أن يكون على فرض أولئك الأقوام أن يكون الله تعالى خالق الكون والإنس والجن ولغاتهم هو الآخذ، فهم لا يعنون بذلك إلا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أخذ من شعر العرب الجاهليين الأميين، والقرآن حاوي العلوم جميعها فلا يكون الجهل مصدرا للعلم أبدا ومن هو المأخوذ منه؟ يقولون: امرؤ القيس فيكون بعد ذلك يقول فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: هو حامل لواء الشعراء إلى النار. وكيف هي المؤهلات التي عند امرئ القيس وشعره حتى يؤخذ منه القرآن وإن شعره مليء بالغريب والأخطاء الفنية والأدبية على نحو ما ذكر الباقلاني في إعجاز القرآن، بل قد مَرَّ في الوجه التاسع أنَّ اقتباسَ القرآن من الشعر يستحيل للبعد الشاسع بينهما في الموضوعات والمعاني والأسلوب وفي كل شيء.
ثم أين هو شعر امرئ القيس؟ يقول الأصمعي: كل شيء في أيدينا من شعر امرئ القيس فهو عن حماد الراوية إلا نتفًا سمعتها من الأعراب وأبي عمرو بن العلاء.
فما نحل عليه كثير وكل الذي نحل عليه هو مما صنعه المولدون في عصور الإسلام فاقتبسوا في الشعر المنحول بعض آيات وكلمات القرآن الكريم.
ولو قلنا إن غرض هؤلاء الملفقين لهذه الشبهات التحري والوصول إلى الحقيقة خدمة للإنسانية ووقع لهم أن هذه الأبيات لامرئ القيس، فَلِمَ جزموا أنها للشاعر الجاهلي والقرآن كلام رب العالمين قد أخذ منها ولم يسألوا أنفسهم أنها ربما كانت لشاعر إسلامي اسمه (امرئ القيس) قد أخذ واقتبس في أبياته ألفاظ القرآن الكريم على عادة كثير من الشعراء الإسلاميين.
فكم عدد الشعراء اللذين تَسَمَّوا بامرئ القيس؟ فيكون الجواب أنهم كُثْرٌ، فأَيُّهُم صاحب تلك الأبيات لو قلنا أنها لامرئ القيس؟
وهل وجد شاعر منهم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ الأمر الذي يعني أن هذا الشاعر هو مَن اقتبس مِن القرآن الكريم، لقد كان المنهج العلمي والتحري في معرفة الحقائق يتطلب منهم هذه المباحث فنقول لهم الشعراء الذين تَسَمَّوا بامرئ القيس كالآتي:
الأول: امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، الشاعر الجاهلي، وأشهر الشعراء على الإطلاق، وهو أَوَّلُ مَن قَصَّدَ القَصَائِدَ، وذكر الوقائع، ولم يكن لأوائل العرب إلا أبياتا يقولها الرجل في حاجته وتعزيته وتاريخه وغير ذلك. عاش من سنة 130 قبل الهجرة إلى سنة 80 قبل الهجرة وهو الذي قصده المستشرقون الحاقدون.
الثاني: امرؤ القيس بن جبلة السكوني وهو جاهلي، مِمَّنْ لم يصلنا الكثير من شعره.
الثالث: امرؤ القيس الكلبي وهو امرؤ القيس بن حمام بن مالك بن عبيدة بن عبد الله وهو شاعر جاهلي عاصر المهلهل بن ربيعة.
الرابع: امرؤ القيس الزهيري وهو امرؤ القيس بن بحر الزهيري شاعر جاهلي أيضًا وهو ممن وصلنا القليل من شعره.
الخامس: امرؤ القيس بن عابس بن المنذر بن امرئ القيس، وفد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلم وثبت على إسلامه، ولم يكن فيمن ارتد من كندة، وكان شاعرًا نزل الكوفة، وهو الذي خاصم الحضرمي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال للحضرمي: بينتك وإلا فيمينه. قال: يا رسول الله، إن حلف ذهب بأرضي. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مالًا لقي الله وهو عليه غضبان. فقال امرؤ القيس: يا رسول الله ما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال: الجنة" قال: فأشهدك أني قد تركتها له.
ومن شعر امرئ القيس هذا:
قف بالديار وقوف حابس... وتأن إنك غير آيس
لعبت بهن العاصفات... الرائحات من الروامس
ماذا عليك من الوقوف... بهالك الطللين دارس
فلو قلنا: إن الأبيات التي توافق سورة القمر ليست من شعر الإسلاميين فلنقل إنها لهذا الشاعر، ونَظَمَ تلك الأبيات واقتبس فيها من القرآن الكريم حبًا في كلام الله أن يضع منه في قصائده وليس كفرًا منه أو تحديًا.
فالجزم أن امرأ القيس الشاعر الجاهلي المشهور، الذي بُعِثَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته بما يصل إلى سبعين سنة، هو صاحب تلك الأبيات افتراء لا مرية في ذلك.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - باعتراف خصومه: كما ولد أميا نشأ أميًا وعاش أميًا فما كان يتلو من قبل القرآن من كتاب ولا يخطه بيمينه فكيف يأخذ من شعر السابقين؟ فلا بد أن يكون المعلم له حيا يعلمه عن طريق التلقين لا عن طريق الكتابة والتدوين فمن هو ذلك المعلم؟ سَمُّوهُ لَنَا.
يقول دراز - ردا على من قال أنه يُعلِّمه بشر -:
يقال له كما قيل للذين يخلقون لله شركاء لا وجود لهم في الخيال والوهم ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: 33]
بل نقول هل ولد هذا النبي في المريخ، أو نشأ في مكان قصي عن العالم فلم يهبط على قومه إلا بعد أن بلغ أشده واستوى ثم كانوا بعد ذلك لا يرونه إلا لمامًا؟ ألم يولد في حجورهم؟ ألم يكن يمشي بين أظهرهم ويصبحهم ويمسيهم؟ ألم يكونوا يرونه بأعينهم في حله ورحيله؟ ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69]. طوعت لهم أنفسهم أن يقولوا ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103]، ولكن هل تراهم كانوا في هذه الكلمة جادين؟ كان كل همهم أن يدرءوا عن أنفسهم معرة السكوت والإفحام بأي صورة تتفق لهم من صور الكلام بالصدق أو بالكذب؟ ومن هو ذلك البشر الذي قالوا أنه يعلمه؟
ما اجترءوا أن ينسبوا هذا التعليم لواحد منهم؟ كلا فقد رأوا أنفسهم أوضح جهل من أن يعلموا رجلًا جاءهم بما لم يعرفوا ولا آباؤهم... وجدوا أنفسهم مضطرين أن يلتمسوا شخصًا يتحقق فيه شرطان: أحدهما: أن يكون من سكان مكة نفسها لتروج عنهم دعوى أنه يلاقيه ويملي عليه بكرةً وأصيلًا.
وثانيهما: أن يكون من غير جلدتهم وملتهم ليمكن أن يقال إن عنده علم ما لم يعلموا. وقد التمسوا هذه الأوصاف فوجدوها، أتدري أين وجدوها؟.. في حداد رومي!!
نعم وجدوا في مكة غلامًا تعرفه الحوانيت والأسواق، ولا تعرفه تلك العلوم في قليل ولا كثير. غير أنه لم يكن أميًا ولا وثنيًا مثلهم، بل كان نصرانيًا يقرأ ويكتب. فكان من أجل ذلك خليقًا في زعمهم أن يكون أستاذًا لمحمد، وبالتالي لعلماء اليهود والنصارى والعالم أجمعين، ولئن سألتهم هل كان ذلك الغلام فارغًا لدراسة الكتب وتمحيص أصيلها من دخيلها، ورد متشابهها إلي محكمها؟ وهل كان مزودًا في عقله ولسانه بوسائل الفهم والتفهيم؟... لعرفت أنه كان حدادًا منهمكًا في مطرقته وسندانه، وأنه كان عامي الفؤاد لا يعلم الكتاب إلا أماني، أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة لا يعرفها محمد ولا أحد من قومه. لكن ذلك كله لم يكن ليحول بينه وبين لقب الأستاذية الذي منحوه إياه على رغم أنف الحاسدين! وهكذا فمن ضاقت به دائرة الجد، لم يسعه إلا فضاء الهزل، وهكذا أمعنوا في هزلهم حتى خرجوا عن وقار العقل، فكان مثلهم كمثل من يقول: إن العلم يستقي من الجهل، وإن الإنسان يتعلم كلامه من الببغاء! وكفى بهذا هزيمة وفضيحة لقائله ﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103].
ويقول دراز: هؤلاء قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - وهم كانوا أحرص الناس على خصومة، وأدرى الناس بأسفاره ورحلاته، وأحصاهم لحركاته وسكناته، قد عجزوا كما ترى أن يعقدوا صلة علمية بينه وبين أهل العلم في عصره. فما للملحدين اليوم وقد مضى نيف وثلاثة عشر قرنًا انفضت فيها سوق الحوادث، وجفت الأقلام، وطويت الصحف، لا يزالون يبحثون عن تلك الصلة في قمامات التاريخ، وفي الناحية التي أنف قومه أن ينبشوها؟
ألا فليريحوا أنفسهم من عناء البحث، فقد كفتهم قريش مئونته. وليشتغلوا بغير هذه الناحية التي قضى التاريخ والمنطق على كل محاولة فيها بالفشل. فإن أبوا فليعلموا أن كل شبهة تقام في وجه الحق الواضح سيحيلها الحق حجة لنفسه يضمها إلى حججه وبيناته.
فهرس الكتاب