الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ 1
قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ وفى سورة لقمان ﴿الم تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ وفى مطلع يوسف: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ فافتتحت تلك السور الثلاث بعد الحروف المقطعة فى مطالعها بالاشارة إلى الكتاب المذكر به والمنبه بآياه فقيل: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ثم وصفه فى السورتين بالحكيم وفى سورة يوسف بالمبين فيسأل عن ذلك؟
والجواب والله أعلم ان سورتى يونس ولقمان تردد فيهما من الآيات المعتبر بها المطلعة على عظيم حكمته تعالى واتقانه للأشياء ما لم يرد فى سورة يوسف كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وخلق السماوات والأرض وما انطوت عليه من أعظم المعتبرات قال تعالى: ﴿لخلق السماوت والأرض أكبر من خلق الناس﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد تبع الآية المذكورة من سورة يونس ما يجاريها فى التنبيه بما به الاعتبار كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿إن فى اختلاف اليل والنهر وما خلق الله فى السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون إن الذين لا يرجون لقاءنا﴾ لم يتخللها ما يخرج عن باب الاعتبار من حكم أو غيره ولا من القصص الا ما تضمن اعتبارا كالوارد من قصة نوح من قومه لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي﴾ الآية إلى قوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾، والمراد من هذا الكلام تعجيزهم وقطعهم عما كانوا يرومون من الكفر به عليه السلام وإرادة إهلاكه وقد قطع عليه السلام بنصرة الله إياه عليهم وقطعهم دون ما يرومونه وإن تألبوا واجتمعوا وذكر عليه السلام شركاءهم وأن يكونوا معهم تهكما بهم وتوبيخا على اعتمادهم على مالا يعقل ولا يضر ولا ينفع وفى هذا كله أعظم معتبرة ثم ذكر تعالى نجاة نوح عليه السلام منهم فى الفلك هو ومن آمن معه وجعلهم خلائف وإغراق أعدائهم من المكذبين ولم يغن عنهم كيدهم.
ولم يرد هذا الضرب المقتضب من قصة نوح عليه السلام على هذه الصفة فى غير هذه السورة لما قدمنا ذكره ولم يكن ليناسب ما بنيت عيه السورة غير هذا الوارد.
ومن نحو هذا ما ورد فيها من قصة موسى عليه السلام ودعائه فى قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ﴾فكان ذلك حسب ما دعاه إلى ذكر إغراق فرعون وملئه وطمعه فى الإيمان حين أدركه الغرق فقال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ فلم ينفعه ذلك لفوات وقته فاقتصر أيضا على هذا القدر من قصة موسى عليه السلام لما تقدم من مناسبة هذه السورة.
وأما سورة لقمان فورد فيها قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض بغير عمد ترونها﴾ إلى قوله: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ وبعد ذلك قوله تعالى: ﴿ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ وقوله: "إن الله غنده علم الساعة... " الآية وفى هذه السورة أيضا ما منح لقمان من الحكمة وما انطوت عليه قصته من حكمة وما صدر عنه فى وصيته ولم تخرج آى هذه السورة عن هذا فهذا وجه وصف الكتاب فى هاتين السورتين بالحكيم.
وأما سورة يوسف عليه السلام فلم تنطو على غير قصته وبسط التعريف بقضيته وبيان ما جرى له مع أبيه من فراقه وامتحانه بإلقائه فى الجب والبيع والتعرض له بالفتنة وتخلصه بسابق اصطفائه مما كيد به وابتلائه بالسجن وجمعه بأخيه واشتمال شملة بأبيه عليهما السلام واخوته ولم تخرج آية من آى هذه السورة عن هذا من بسط هذه القصة فلهذا اتبع الكتاب بالوصف بالمبين.
فقد وضح ورود كل من الموضعين على ما يجب ويناسب والله أعلم.
فإن قيل فما وجه ورود الميم فى سورة لقمان مكان الراء فى قوله تعالى: " الر "فى السورتين فقيل فى مطلع لقمان: "الم " مع موافقتها سورة يونس عليه السلام فيما تمهد ثم خالفتها فى هذه فقيل: "الم " فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟
والجواب عن ذلك - والله أعلم - ان سورة لقمان تضمنت من التنبيه والتحريك والاعتبار إفصاحا وإيماء للمؤمن والكافر مالم تتضمن سورة يونس على طولها وان كانت آيها كلها آى اعتبار الا انها ليست كالوارد من ذلك فى سورة لقمان فمن التنبيه المتضمن تقريع من عبد غيره سبحانه قوله تعالى بعد ذكر خلق السماوات بغير عمد وارساء الأرض بالجبال وذكر ما بث فيها من الدواب وانزال الماء من السماء وذكر ما أنبت سبحانه به من كل زوج بهيج فقال تعالى: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ولا نجد مثل هذا حيث تراد المبالغة فى توبيخ من عبد اله غيره.
ويجارى هذا فى هذا القصد الا أنه أرفق فى التعنيف قوله تعالى فى سورة يونس: "قل هل من شراكائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده..
"الآيات الا انها ليست كآية لقمان ولا ختمت بمثل ما ختمت به وقد تكرر هذا فى آيات وآية لقمان من أشدها وعيدا ولعظيم ما انطوت عليها اتبعها تعالى بتأنيس نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قصة لقمان بقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ وبإخباره انهم لو سئلوا من خلق السماوات والأرض لم يجدوا مصرفا غير الاعتراف فقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ليعلم عليه السلام أن ذلك من حالهم جار عليهم بقدر الله وما سبق فى علمه وهو الحكيم فى أفعاله.
ومن التنبيه للمؤمنين ولغيرهم - ممن سبقت له السعادة - قوله مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: ﴿ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ وقوله تعالى: "ألم تر أن الله يولج الليل فى النهار.
... " الآية وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ الآية فورد هذا التنبيه بهمزة التقرير ولم الجازمة وهى الأداة المتكررة فى آى التنبيه فتكررت فى هذه السورة فى ثلاث آيات ولم تقع متكررة فى شئ مما أتى بعدها من السور إلى آخر القرآن ولا فى سورة مما قبلها مما يماثلها فى عدد كلمها ولا فيما هو على الضعف منها الا فى سورة فاطر وهى أطول من سورة لقمان فتناسب ذلك مع ما فى هذه السورة من التنبيه فى مطلعها بوقوع الميم مكان الراء الواردة فى مطلع سورة يونس.
وأما سورة يونس فمبنية على التعريف بربوبيته تعالى وقصره وقد ابتدأت ثالثة آيها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ثم تكرر فيها اسمه الرب سبحانه فى بضعة عشر موضعا أولها هذا وآخرها قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ ولم يرد من هذا فى سورة لقمان غير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ الآية ثم إنه تكرر فى سورة يونس من الكلم الواقع فيها الراء مائتا وعشرون كلمة أو نحوها وأقرب السور إليها مما يليها بعدها من غير المفتتحة بالحروف المقطعة من سورة النحل وهى أطول منها والوارد فيها مما تركب على الراء من كلمها مئتا كلمة مع زيادتها فى الطول عليها فلمجموع ما ذكرنا وردت فى الحروف المقطعة الراء مكان الميم الواردة فى لقمان وجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
الآية الثانية من سورة يونس قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم﴾ وقال فى الأنبياء: ﴿قال أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾ وقال فى سورة الفرقان: ﴿ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم﴾ فقدم فى سورة يونس ما أخر فى سورة الأنبياء والفرقان فيسأل عن ذلك؟
والجواب عنه - والله أعلم - ان الموجب لتأخير ﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ فى سورة يونس ما وصل به من قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ فكأن قد قيل: ويعدبون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويزعمون أن ذلك ينفعهم لوم يكن ليناسب لو قيل: ﴿ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ تناسب الوارد من متصل قوله: ﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ فلما كان الاتصال فيما ذكر أنسب وردت الآية بحسب ذلك.
أما آية الفرقان فإن قبلها ذكر دلائل وشواهد من مصنوعاته تعالى يهتدى المعتبر بالنظر فيها تخلصه من ورطات الشكوك ويستقيم له دينه وذلم أعظم النفع وأجله وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ إلى قوله: ﴿وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان بك قديرا﴾ فلما تقدم التنبيه بهذه الآيات الواضحات الموقظات من سنات الغفلات والمحصلات أعظم النفع فى امتثال الواجبات والنجاة من الضلالات ناسبها تقديم ما قدم فى الآية من قوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يتفعهم ولا يضرهم﴾ وصار الكلام بقوته مجاوبا لقوله: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ وورد كل على ما يجب والله أعلم.
الآية الثالثة من سورة يونس: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وفى سورة سبأ: ﴿قل من يرزقكم من السماوت والأرض﴾ فأفرد لفظ السماء فى الأولى وجمع فى الثانية مع اتحاد المعنى والتساوى فى ألفاظ الآية غير ما ذكر فيسال عن ذلك؟
والجواب عنه ان الافراد الوارد فى آية يونس محصل للمعنى مع الإيجاز فورد هنا على ما يجب وأما الوارد فى سورة سبأ على الجمع فروعى فيه ما تقدم من قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شركاء وماله من ظهير﴾ والمراد بذلك نفى الشركاء له تعالى ثم عاد الكلام إلى ذلك أيضا فقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ على الجمع مناسبة إذ الآية قبل وهذه فى قضية واحدة وهى نفى الشركاء والأنداد فجاءت على ما يناسب التى قبلها.
فإن قيل: فلم ورد الجمع فى قوله فى الأولى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقد كان لفظ الافراد يحرز هذا المعنى مع أنه أوجز؟ فالجواب ان ما قصد من قطه توهمهم أن شركاءهم ينفعونهم أو يملكون شيئا وان قل والتصرف فى شئ مما قصد من هذا يقتضى تعميم النفع وتأكيد هذا الغرض بأعم ما يعبر به ذلك فناسب ذلك جمع السماوات ولم يكن الافراد ليناسب ثم نوسب بين هذه الآى التى بعدها فى الجمع ولم يكن فى آية يونس ما يستدعى ذلك فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
الآية الرابعة من سورة يونس قوله تعالى: "كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لايؤمنون " وقال فى سورة الؤمن: ﴿وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾، للسائل أن يسأل هنا عن قوله فى الأولى "كذلك " بغير حرف عطف وفى الثانية "وكذلك " وعن قوله فى الأولى: ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ وفى الثانية: ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وعن قوله فى الأولى: "أنهم لايؤمنون " وقوله فى الثانية: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾؟ فتلك ثلاث مسائل.
والجواب: أنه لما تقدم فى سورة يونس قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ فذكر سبحانه عباده بما لا يجدون محيصا عن إضافة ذلك كله وإسناده إليه سبحانه إذ الرزق كالخلق وقد كانوا يقرون بإسناد الخلق إليه سبحانه قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وأخبر هنا سبحانه باعترافهم بإسناد ما قرروا عليه إليه بقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ قيل لهم: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أى عجبا لكم كيف تجمعون بين الاقرار بهذا كله ثم لا تخافون من إليه ذلك كله وتتخذون وقاية من عذابه على مخالفتكم ثم قيل لهم: ﴿فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ أى مالك ذلك كله والمنفرد بتدبيره هو ربكم الحق فكيف تنصرفون عنه ثم أخبر تعالى أن كلمته التى لا مبدل لها حقت على من انصرف عن الحق وتركه بعد بيانه بحسب ما قدر له فى الأزل ولم يقلع عن ذلك أنه لا يؤمن أبدا ﴿إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية﴾ ولما لم يتقدم قبل هذه الآيات فيما اتصل بها مقال من ذكر ممن حقت عليه كلمة العذاب أتى قوله: ﴿كَذَٰلِكَ حَقَّتْ﴾ فصورة الاستئناف غير معطوفة إذ لم يتقدم ما يعطف عليه وقيل "فسقوا " لأن بما تقدم مما قرروا عليه مع ما جعل لهم من الاسماع والابصار والافئدة مكنوا من النظر بما خلق لهم من الادوات ووضوح المنظور فيه فبمجموع هذا كله كانوا بمنزلة من تحصل الأجر وكأنه قج اتصف به وتمكنت حاله فيه ثم تركه وخرج عنه ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أولئك ال ذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ فلاءم هذا الحال وسمهم بالفسق فقيل: ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ فاستحقوا على فسقهم بقدر الله عليه أن منعوا التصديق وهو الإيمان فأضلهم الله على علم.
أما آية غافر فإنه تقدم قبلها قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثم أعقب بذكر قوم نوح والأحزاب وهم كل أمة منهم برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذهم الله وأهلكهم بما حق عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾ وأهلها فكيف يصح منهم الإيمان وقد حقت عليهم الكلمة: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ فلما تقدم فى هذه السورة ذكر من حقت عليه كلمة العذاب عطف عليه: ﴿وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ﴾ ولم يتقدم ذلك فى يونس ولما تقدم قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يتقدم بسط دلالات مما به الاعتبار لم يكن هؤلاء بمنزلة المذكورين فى يونس وإن كانت الدلالات عنده فى حق الكل ولكن مراعاة النظم أمر ملتزم والافصاح بالذكر كما أفصح فى آية يونس لم يقع هنا فلما تكن هذه الآية كتلك فيما ذكر وسم هؤلاء بالكفر وقيل ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يقل "فسقوا " إذ لم يتقدم هنا ما تقدم هناك ما يتقدم معه ذكر الفسق وأيضا فقد تقدم فى غافر قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فناسبه ﴿وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا﴾ وإذا كانوا كافرين فهم أصحاب النار فأما الفاسق فإن كان فسقه يخرجه من الإيمان كان كافرا وان كان بالخروج إلى المعصية دون الكفر لم يكن كافرا إلا أن المراد بفسوق من ذكر فى سورة يونس إنما هو ترك الاعتبار الحامل على الإيمان إذا وفق المعتبر فالتارك لذلك خارج عن التصديق فكان كافرا فقد حصل الجواب عن السؤالات الثلاث ووضح مجئ كل على ما يناسب وإن الوارد فى سورة يونس لا يناسبه ما تقدم قبل الآية فى سورة غافر ولا الوارد فى سورة غافر يناسب ما تقدم فى سورة يونس والله أعلم.
والجواب والله أعلم ان سورتى يونس ولقمان تردد فيهما من الآيات المعتبر بها المطلعة على عظيم حكمته تعالى واتقانه للأشياء ما لم يرد فى سورة يوسف كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وخلق السماوات والأرض وما انطوت عليه من أعظم المعتبرات قال تعالى: ﴿لخلق السماوت والأرض أكبر من خلق الناس﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد تبع الآية المذكورة من سورة يونس ما يجاريها فى التنبيه بما به الاعتبار كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿إن فى اختلاف اليل والنهر وما خلق الله فى السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون إن الذين لا يرجون لقاءنا﴾ لم يتخللها ما يخرج عن باب الاعتبار من حكم أو غيره ولا من القصص الا ما تضمن اعتبارا كالوارد من قصة نوح من قومه لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي﴾ الآية إلى قوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾، والمراد من هذا الكلام تعجيزهم وقطعهم عما كانوا يرومون من الكفر به عليه السلام وإرادة إهلاكه وقد قطع عليه السلام بنصرة الله إياه عليهم وقطعهم دون ما يرومونه وإن تألبوا واجتمعوا وذكر عليه السلام شركاءهم وأن يكونوا معهم تهكما بهم وتوبيخا على اعتمادهم على مالا يعقل ولا يضر ولا ينفع وفى هذا كله أعظم معتبرة ثم ذكر تعالى نجاة نوح عليه السلام منهم فى الفلك هو ومن آمن معه وجعلهم خلائف وإغراق أعدائهم من المكذبين ولم يغن عنهم كيدهم.
ولم يرد هذا الضرب المقتضب من قصة نوح عليه السلام على هذه الصفة فى غير هذه السورة لما قدمنا ذكره ولم يكن ليناسب ما بنيت عيه السورة غير هذا الوارد.
ومن نحو هذا ما ورد فيها من قصة موسى عليه السلام ودعائه فى قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ﴾فكان ذلك حسب ما دعاه إلى ذكر إغراق فرعون وملئه وطمعه فى الإيمان حين أدركه الغرق فقال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ فلم ينفعه ذلك لفوات وقته فاقتصر أيضا على هذا القدر من قصة موسى عليه السلام لما تقدم من مناسبة هذه السورة.
وأما سورة لقمان فورد فيها قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض بغير عمد ترونها﴾ إلى قوله: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ وبعد ذلك قوله تعالى: ﴿ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات والأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ وقوله: "إن الله غنده علم الساعة... " الآية وفى هذه السورة أيضا ما منح لقمان من الحكمة وما انطوت عليه قصته من حكمة وما صدر عنه فى وصيته ولم تخرج آى هذه السورة عن هذا فهذا وجه وصف الكتاب فى هاتين السورتين بالحكيم.
وأما سورة يوسف عليه السلام فلم تنطو على غير قصته وبسط التعريف بقضيته وبيان ما جرى له مع أبيه من فراقه وامتحانه بإلقائه فى الجب والبيع والتعرض له بالفتنة وتخلصه بسابق اصطفائه مما كيد به وابتلائه بالسجن وجمعه بأخيه واشتمال شملة بأبيه عليهما السلام واخوته ولم تخرج آية من آى هذه السورة عن هذا من بسط هذه القصة فلهذا اتبع الكتاب بالوصف بالمبين.
فقد وضح ورود كل من الموضعين على ما يجب ويناسب والله أعلم.
فإن قيل فما وجه ورود الميم فى سورة لقمان مكان الراء فى قوله تعالى: " الر "فى السورتين فقيل فى مطلع لقمان: "الم " مع موافقتها سورة يونس عليه السلام فيما تمهد ثم خالفتها فى هذه فقيل: "الم " فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك؟
والجواب عن ذلك - والله أعلم - ان سورة لقمان تضمنت من التنبيه والتحريك والاعتبار إفصاحا وإيماء للمؤمن والكافر مالم تتضمن سورة يونس على طولها وان كانت آيها كلها آى اعتبار الا انها ليست كالوارد من ذلك فى سورة لقمان فمن التنبيه المتضمن تقريع من عبد غيره سبحانه قوله تعالى بعد ذكر خلق السماوات بغير عمد وارساء الأرض بالجبال وذكر ما بث فيها من الدواب وانزال الماء من السماء وذكر ما أنبت سبحانه به من كل زوج بهيج فقال تعالى: ﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ولا نجد مثل هذا حيث تراد المبالغة فى توبيخ من عبد اله غيره.
ويجارى هذا فى هذا القصد الا أنه أرفق فى التعنيف قوله تعالى فى سورة يونس: "قل هل من شراكائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده..
"الآيات الا انها ليست كآية لقمان ولا ختمت بمثل ما ختمت به وقد تكرر هذا فى آيات وآية لقمان من أشدها وعيدا ولعظيم ما انطوت عليها اتبعها تعالى بتأنيس نبيه صلى الله عليه وسلم بعد قصة لقمان بقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ وبإخباره انهم لو سئلوا من خلق السماوات والأرض لم يجدوا مصرفا غير الاعتراف فقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ليعلم عليه السلام أن ذلك من حالهم جار عليهم بقدر الله وما سبق فى علمه وهو الحكيم فى أفعاله.
ومن التنبيه للمؤمنين ولغيرهم - ممن سبقت له السعادة - قوله مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: ﴿ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ وقوله تعالى: "ألم تر أن الله يولج الليل فى النهار.
... " الآية وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ الآية فورد هذا التنبيه بهمزة التقرير ولم الجازمة وهى الأداة المتكررة فى آى التنبيه فتكررت فى هذه السورة فى ثلاث آيات ولم تقع متكررة فى شئ مما أتى بعدها من السور إلى آخر القرآن ولا فى سورة مما قبلها مما يماثلها فى عدد كلمها ولا فيما هو على الضعف منها الا فى سورة فاطر وهى أطول من سورة لقمان فتناسب ذلك مع ما فى هذه السورة من التنبيه فى مطلعها بوقوع الميم مكان الراء الواردة فى مطلع سورة يونس.
وأما سورة يونس فمبنية على التعريف بربوبيته تعالى وقصره وقد ابتدأت ثالثة آيها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ثم تكرر فيها اسمه الرب سبحانه فى بضعة عشر موضعا أولها هذا وآخرها قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ ولم يرد من هذا فى سورة لقمان غير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ الآية ثم إنه تكرر فى سورة يونس من الكلم الواقع فيها الراء مائتا وعشرون كلمة أو نحوها وأقرب السور إليها مما يليها بعدها من غير المفتتحة بالحروف المقطعة من سورة النحل وهى أطول منها والوارد فيها مما تركب على الراء من كلمها مئتا كلمة مع زيادتها فى الطول عليها فلمجموع ما ذكرنا وردت فى الحروف المقطعة الراء مكان الميم الواردة فى لقمان وجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
الآية الثانية من سورة يونس قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم﴾ وقال فى الأنبياء: ﴿قال أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾ وقال فى سورة الفرقان: ﴿ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم﴾ فقدم فى سورة يونس ما أخر فى سورة الأنبياء والفرقان فيسأل عن ذلك؟
والجواب عنه - والله أعلم - ان الموجب لتأخير ﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ فى سورة يونس ما وصل به من قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ فكأن قد قيل: ويعدبون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويزعمون أن ذلك ينفعهم لوم يكن ليناسب لو قيل: ﴿ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ تناسب الوارد من متصل قوله: ﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ فلما كان الاتصال فيما ذكر أنسب وردت الآية بحسب ذلك.
أما آية الفرقان فإن قبلها ذكر دلائل وشواهد من مصنوعاته تعالى يهتدى المعتبر بالنظر فيها تخلصه من ورطات الشكوك ويستقيم له دينه وذلم أعظم النفع وأجله وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ إلى قوله: ﴿وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان بك قديرا﴾ فلما تقدم التنبيه بهذه الآيات الواضحات الموقظات من سنات الغفلات والمحصلات أعظم النفع فى امتثال الواجبات والنجاة من الضلالات ناسبها تقديم ما قدم فى الآية من قوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يتفعهم ولا يضرهم﴾ وصار الكلام بقوته مجاوبا لقوله: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ وورد كل على ما يجب والله أعلم.
الآية الثالثة من سورة يونس: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وفى سورة سبأ: ﴿قل من يرزقكم من السماوت والأرض﴾ فأفرد لفظ السماء فى الأولى وجمع فى الثانية مع اتحاد المعنى والتساوى فى ألفاظ الآية غير ما ذكر فيسال عن ذلك؟
والجواب عنه ان الافراد الوارد فى آية يونس محصل للمعنى مع الإيجاز فورد هنا على ما يجب وأما الوارد فى سورة سبأ على الجمع فروعى فيه ما تقدم من قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الأرض وما لهم فيهما من شركاء وماله من ظهير﴾ والمراد بذلك نفى الشركاء له تعالى ثم عاد الكلام إلى ذلك أيضا فقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ على الجمع مناسبة إذ الآية قبل وهذه فى قضية واحدة وهى نفى الشركاء والأنداد فجاءت على ما يناسب التى قبلها.
فإن قيل: فلم ورد الجمع فى قوله فى الأولى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقد كان لفظ الافراد يحرز هذا المعنى مع أنه أوجز؟ فالجواب ان ما قصد من قطه توهمهم أن شركاءهم ينفعونهم أو يملكون شيئا وان قل والتصرف فى شئ مما قصد من هذا يقتضى تعميم النفع وتأكيد هذا الغرض بأعم ما يعبر به ذلك فناسب ذلك جمع السماوات ولم يكن الافراد ليناسب ثم نوسب بين هذه الآى التى بعدها فى الجمع ولم يكن فى آية يونس ما يستدعى ذلك فجاء كل على ما يجب ويناسب والله أعلم.
الآية الرابعة من سورة يونس قوله تعالى: "كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لايؤمنون " وقال فى سورة الؤمن: ﴿وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾، للسائل أن يسأل هنا عن قوله فى الأولى "كذلك " بغير حرف عطف وفى الثانية "وكذلك " وعن قوله فى الأولى: ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ وفى الثانية: ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وعن قوله فى الأولى: "أنهم لايؤمنون " وقوله فى الثانية: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾؟ فتلك ثلاث مسائل.
والجواب: أنه لما تقدم فى سورة يونس قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ فذكر سبحانه عباده بما لا يجدون محيصا عن إضافة ذلك كله وإسناده إليه سبحانه إذ الرزق كالخلق وقد كانوا يقرون بإسناد الخلق إليه سبحانه قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وأخبر هنا سبحانه باعترافهم بإسناد ما قرروا عليه إليه بقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ قيل لهم: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أى عجبا لكم كيف تجمعون بين الاقرار بهذا كله ثم لا تخافون من إليه ذلك كله وتتخذون وقاية من عذابه على مخالفتكم ثم قيل لهم: ﴿فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ أى مالك ذلك كله والمنفرد بتدبيره هو ربكم الحق فكيف تنصرفون عنه ثم أخبر تعالى أن كلمته التى لا مبدل لها حقت على من انصرف عن الحق وتركه بعد بيانه بحسب ما قدر له فى الأزل ولم يقلع عن ذلك أنه لا يؤمن أبدا ﴿إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية﴾ ولما لم يتقدم قبل هذه الآيات فيما اتصل بها مقال من ذكر ممن حقت عليه كلمة العذاب أتى قوله: ﴿كَذَٰلِكَ حَقَّتْ﴾ فصورة الاستئناف غير معطوفة إذ لم يتقدم ما يعطف عليه وقيل "فسقوا " لأن بما تقدم مما قرروا عليه مع ما جعل لهم من الاسماع والابصار والافئدة مكنوا من النظر بما خلق لهم من الادوات ووضوح المنظور فيه فبمجموع هذا كله كانوا بمنزلة من تحصل الأجر وكأنه قج اتصف به وتمكنت حاله فيه ثم تركه وخرج عنه ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أولئك ال ذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ فلاءم هذا الحال وسمهم بالفسق فقيل: ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ فاستحقوا على فسقهم بقدر الله عليه أن منعوا التصديق وهو الإيمان فأضلهم الله على علم.
أما آية غافر فإنه تقدم قبلها قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثم أعقب بذكر قوم نوح والأحزاب وهم كل أمة منهم برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذهم الله وأهلكهم بما حق عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾ وأهلها فكيف يصح منهم الإيمان وقد حقت عليهم الكلمة: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ فلما تقدم فى هذه السورة ذكر من حقت عليه كلمة العذاب عطف عليه: ﴿وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ﴾ ولم يتقدم ذلك فى يونس ولما تقدم قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يتقدم بسط دلالات مما به الاعتبار لم يكن هؤلاء بمنزلة المذكورين فى يونس وإن كانت الدلالات عنده فى حق الكل ولكن مراعاة النظم أمر ملتزم والافصاح بالذكر كما أفصح فى آية يونس لم يقع هنا فلما تكن هذه الآية كتلك فيما ذكر وسم هؤلاء بالكفر وقيل ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يقل "فسقوا " إذ لم يتقدم هنا ما تقدم هناك ما يتقدم معه ذكر الفسق وأيضا فقد تقدم فى غافر قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فناسبه ﴿وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا﴾ وإذا كانوا كافرين فهم أصحاب النار فأما الفاسق فإن كان فسقه يخرجه من الإيمان كان كافرا وان كان بالخروج إلى المعصية دون الكفر لم يكن كافرا إلا أن المراد بفسوق من ذكر فى سورة يونس إنما هو ترك الاعتبار الحامل على الإيمان إذا وفق المعتبر فالتارك لذلك خارج عن التصديق فكان كافرا فقد حصل الجواب عن السؤالات الثلاث ووضح مجئ كل على ما يناسب وإن الوارد فى سورة يونس لا يناسبه ما تقدم قبل الآية فى سورة غافر ولا الوارد فى سورة غافر يناسب ما تقدم فى سورة يونس والله أعلم.