وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرࣲّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرࣲ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءࣲ قَدِيرࣱ 17
قوله تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير﴾ وفى سورة يونس: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فورد جواب الشرط الثانى فى الآية الأولى بقوله: ﴿فهو على كل شئ قدير﴾ وفى الثانية بقوله: ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقال فى الأولى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ﴾ وفى آية يونس: ﴿وَإِن يُرِدْكَ﴾ وأعقبت آية يونس بقوله: "وهو الغفور الرحيم " فخص هاتين الصفتين العليتين من صفاته تعالى فهذه ثلاث أسئلة فللسائل أن يسأل عن توجيهها وموجب ما ورد عليه ما ذكر؟
والجواب عن الأول والله أعلم أن مدار الأية الأولى وهى آية الأنعام على أنه سبحانه المنفرد بالخلق والاختراع والمتصرف فى عباده بما يشاء والقدير على كل شئ ونفى هذه الصفات عمن سواه سبحانه وتنزيل هذا عل ما افتتحت به السورة من قوله تعالى: "الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " وقوله: "هو الذى خلقكم من طين " وقوله "وهو الله فى السماوات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم " وقوله فيمن أهلكه من القرون بكفرهم: "مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا.... "الآية وقوله: "قل لمن ما فى السماوات والأرض... "الآية وقوله: "قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض... "الآية فدارت هذه الآى كلها على التعريف بوحدانيته تعالى وانفراده بخلق الأشياء وملكها وقهرها ولم يقع فيها تعرض إلى أن أحدا من خلقه يمنع أو يدفع أو يتعاطى استبدادا بشئ وإن كان قد يفهم بعض ذلك من الجارى أثناء الكلام كقوله: "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " وقوله: "قل أغير الله أتخذ وليا... "الآية بل فى قوة الجارى فى هذه الآى أن المشار إليهم بمخالفة مقتضاها أخلدوا إلى ترك التغير واشبهوا البهائم فى البعد عن النظر وكأنهم يرون أن الأفعال وما يتجرد فى العالم من المدركات المشاهدات من الأجسام والأعراض على كثرة تنوعها واختلاف شيآتها وأشكالها زجدت بأنفسها لا عن فاعل تقدمها أوجدها بالقدرة والاختيار بل تكونت بأنفسها فقوبل مرتكبهم بالتعريف بقدرته تعالى على كل شئ وأنه الموجد لما فى العالم العلوى والسفلى وقيل له عليه السلام: "وإن يمسسك الله بضر.. "الآية إعلاما بأن ما يكون من هذا فمنه تعالى لأنه المنفرد بالخلق والقدير على كل شئ فهذا حاصل ما تقتضيه آية الأنعام.
وأما آية يونس فقد ذكر قبلها حال من ظن أن غيره تعالى يضر أو ينفع قال تعالى:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ فقد نسبوا لهم النفع بالشفاعة وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾الآية
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾الآية
وقال تعالى: ﴿قل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ فدارت هذه الآيات على أنهم توهموا نفع ما اتخذوه معبودا من شركائهم فبطل توهمهم واضمحل باطلهم واتبع ما تقدم بقوله جل وتعالى لنبيه عليه السلام: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ ثم بقوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وحصل من هذا أن كل ما عبد دونه سبحانه وتوهم أنه يضر أو ينفع ليس كما ظنوه قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ فناسب ما تقدم من التنصيص على انفراده تعالى بالخلق والأمر.
والجواب عن السؤال الثانى والله أعلم: أن قوله تعالى هنا: ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ ولم يقل: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ كما فى آية الأنعام أنه تقدم قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت كلمة ربك لا يؤمنون...﴾الآية فهو إعلام منه سبحانه بجرى الخلائق على ما قدر لهم أزلا وسبق به حكمه تعالى ثم أعقب بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ فهذا تأكيد للغرض المذكور من جرى العباد على ما قدر لهم وما شاءه سبحانه فيهم وإن ذلك لا يرده راد ولا يعارضه معارض فناسب هذا قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أتم مناسبة ثم وقع بعد هذا قوله تعالى: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وإصابته سبحانه من يشاء بالخير هو المراد بقوله فى آية الأنعام: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ فاجتمع فى آية يونس الأمران معا وكأن قد قيل: وإن يمسسك بخير ويردك به فلا راد لما أصابك به وأراده لك ففى هذه الآية من إمعان المقصود وتأكيده ما ليس فى آية الأنعام ليطابق هذا التأكيد والإمعان ما تقدم من قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ولم يتقدم فى آية الأنعام مثل هذا فوقع الاكتفاء هناك بقوله: ﴿وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير﴾ فجاء كل على من هذا على أتم مناسبة وأوضح ملاءمة والله أعلم.
والجواب عن السؤال الثالث أنه لما تقدم هذه الآية من مؤثرات الخوف والجهل ومهيجات الرهب واالخشية ما اقتضاه الاخبار بغيبة للقدر وجهل للمشيئة فى قوله: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك...﴾الآية وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ وعظم موقع ذلك على المؤمنين وكان مع ذلك للوفاء بمزدلفات الأعمال مما لا يحصل بالآمال أنسهم سبحانه بذكر الصفتين العليتين فقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فناسب ورود الوصفين ما تقدم والله أعلم بما أراد.
والجواب عن الأول والله أعلم أن مدار الأية الأولى وهى آية الأنعام على أنه سبحانه المنفرد بالخلق والاختراع والمتصرف فى عباده بما يشاء والقدير على كل شئ ونفى هذه الصفات عمن سواه سبحانه وتنزيل هذا عل ما افتتحت به السورة من قوله تعالى: "الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور " وقوله: "هو الذى خلقكم من طين " وقوله "وهو الله فى السماوات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم " وقوله فيمن أهلكه من القرون بكفرهم: "مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا.... "الآية وقوله: "قل لمن ما فى السماوات والأرض... "الآية وقوله: "قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض... "الآية فدارت هذه الآى كلها على التعريف بوحدانيته تعالى وانفراده بخلق الأشياء وملكها وقهرها ولم يقع فيها تعرض إلى أن أحدا من خلقه يمنع أو يدفع أو يتعاطى استبدادا بشئ وإن كان قد يفهم بعض ذلك من الجارى أثناء الكلام كقوله: "ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " وقوله: "قل أغير الله أتخذ وليا... "الآية بل فى قوة الجارى فى هذه الآى أن المشار إليهم بمخالفة مقتضاها أخلدوا إلى ترك التغير واشبهوا البهائم فى البعد عن النظر وكأنهم يرون أن الأفعال وما يتجرد فى العالم من المدركات المشاهدات من الأجسام والأعراض على كثرة تنوعها واختلاف شيآتها وأشكالها زجدت بأنفسها لا عن فاعل تقدمها أوجدها بالقدرة والاختيار بل تكونت بأنفسها فقوبل مرتكبهم بالتعريف بقدرته تعالى على كل شئ وأنه الموجد لما فى العالم العلوى والسفلى وقيل له عليه السلام: "وإن يمسسك الله بضر.. "الآية إعلاما بأن ما يكون من هذا فمنه تعالى لأنه المنفرد بالخلق والقدير على كل شئ فهذا حاصل ما تقتضيه آية الأنعام.
وأما آية يونس فقد ذكر قبلها حال من ظن أن غيره تعالى يضر أو ينفع قال تعالى:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ فقد نسبوا لهم النفع بالشفاعة وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾الآية
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾الآية
وقال تعالى: ﴿قل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ فدارت هذه الآيات على أنهم توهموا نفع ما اتخذوه معبودا من شركائهم فبطل توهمهم واضمحل باطلهم واتبع ما تقدم بقوله جل وتعالى لنبيه عليه السلام: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ ثم بقوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وحصل من هذا أن كل ما عبد دونه سبحانه وتوهم أنه يضر أو ينفع ليس كما ظنوه قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ فناسب ما تقدم من التنصيص على انفراده تعالى بالخلق والأمر.
والجواب عن السؤال الثانى والله أعلم: أن قوله تعالى هنا: ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ ولم يقل: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ كما فى آية الأنعام أنه تقدم قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت كلمة ربك لا يؤمنون...﴾الآية فهو إعلام منه سبحانه بجرى الخلائق على ما قدر لهم أزلا وسبق به حكمه تعالى ثم أعقب بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ فهذا تأكيد للغرض المذكور من جرى العباد على ما قدر لهم وما شاءه سبحانه فيهم وإن ذلك لا يرده راد ولا يعارضه معارض فناسب هذا قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أتم مناسبة ثم وقع بعد هذا قوله تعالى: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وإصابته سبحانه من يشاء بالخير هو المراد بقوله فى آية الأنعام: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ فاجتمع فى آية يونس الأمران معا وكأن قد قيل: وإن يمسسك بخير ويردك به فلا راد لما أصابك به وأراده لك ففى هذه الآية من إمعان المقصود وتأكيده ما ليس فى آية الأنعام ليطابق هذا التأكيد والإمعان ما تقدم من قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ ولم يتقدم فى آية الأنعام مثل هذا فوقع الاكتفاء هناك بقوله: ﴿وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير﴾ فجاء كل على من هذا على أتم مناسبة وأوضح ملاءمة والله أعلم.
والجواب عن السؤال الثالث أنه لما تقدم هذه الآية من مؤثرات الخوف والجهل ومهيجات الرهب واالخشية ما اقتضاه الاخبار بغيبة للقدر وجهل للمشيئة فى قوله: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك...﴾الآية وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ وعظم موقع ذلك على المؤمنين وكان مع ذلك للوفاء بمزدلفات الأعمال مما لا يحصل بالآمال أنسهم سبحانه بذكر الصفتين العليتين فقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فناسب ورود الوصفين ما تقدم والله أعلم بما أراد.