قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ 85
﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، [ ص: 126 ] مَعْنى ”تاللَّهِ“: ”واللَّهِ“، و”لا“، مُضْمَرَةٌ، المَعْنى: ”واللَّهِ لا تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ“، أيْ: ”لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ“، ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، و”اَلْحَرَضُ“: اَلْفاسِدُ في جِسْمِهِ، أيْ: ”حَتّى تَكُونَ مُدْنَفًا مَرِيضًا“، و”اَلْحَرَضُ“: اَلْفاسِدُ في أخْلاقِهِ، وقَوْلُهُمْ: ”حَرَّضْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ“، تَأْوِيلُهُ: أفْسَدْتُهُ عَلَيْهِ.
وَإنَّما جازَ إضْمارُ ”لا“، في قَوْلِهِ: ”تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ“، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في القَسَمِ ”تاللَّهِ تَفْعَلُ“، حَتّى تَقُولَ ”لَتَفْعَلَنَّ“، أوْ ”لا تَفْعَلْ“، والقَسَمُ لا يَجُوزُ لِلنّاسِ إلّا بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لا يَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِأبِيهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَحْلِفَ بِالأنْبِياءِ، ولا يَحْلِفْ إلّا بِاللَّهِ، ويُرْوى «عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ: ”لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، ومَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ“» .
فَإنْ قالَ القائِلُ: فَما مَجازُ القَسَمِ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: 1]، ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: 1]، ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: 1]، وما أشْبَهَ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ - جَلَّ جَلالُهُ - في كِتابِهِ؟ فَفِيها أوْجُهٌ، كُلُّها قَدْ ذَكَرَها البَصْرِيُّونَ، فَقالُوا: جائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أقْسَمَ بِها لِأنَّ فِيها كُلَّها دَلِيلًا عَلَيْهِ، وآياتٍ بَيِّناتٍ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: 164]، إلَخْ، اَلْآيَةَ.
وَقالَ: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ﴾ [الجاثية: 4]، فَكانَ القَسَمُ بِهَذا يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْناها: ”وَرَبِّ الشَّمْسِ وضُحاها“، ”وَرَبِّ التِّينِ والزَّيْتُونِ“، كَما قالَ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: 1]، وقالَ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: 6]
[ ص: 127 ] وَقالَ: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23]، وقالُوا أيْضًا: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”وَخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ“، ”وَخَلْقِ التِّينِ والزَّيْتُونِ“، وقالُوا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِما كانَ مَعْنى القَسَمِ مَعْنى التَّحْقِيقِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها حَقٌّ كُلُّها، وكَذَلِكَ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ حَقٌّ، فالمَعْنى: ”كَما أنَّ التِّينَ والزَّيْتُونَ حَقٌّ، لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ“، وأجْوَدُ هَذِهِ الأقْوالِ ما بَدَأْنا بِهِ في أوَّلِها.
وَإنَّما جازَ إضْمارُ ”لا“، في قَوْلِهِ: ”تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ“، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في القَسَمِ ”تاللَّهِ تَفْعَلُ“، حَتّى تَقُولَ ”لَتَفْعَلَنَّ“، أوْ ”لا تَفْعَلْ“، والقَسَمُ لا يَجُوزُ لِلنّاسِ إلّا بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لا يَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِأبِيهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَحْلِفَ بِالأنْبِياءِ، ولا يَحْلِفْ إلّا بِاللَّهِ، ويُرْوى «عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ: ”لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، ومَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ“» .
فَإنْ قالَ القائِلُ: فَما مَجازُ القَسَمِ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: 1]، ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: 1]، ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: 1]، وما أشْبَهَ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ - جَلَّ جَلالُهُ - في كِتابِهِ؟ فَفِيها أوْجُهٌ، كُلُّها قَدْ ذَكَرَها البَصْرِيُّونَ، فَقالُوا: جائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أقْسَمَ بِها لِأنَّ فِيها كُلَّها دَلِيلًا عَلَيْهِ، وآياتٍ بَيِّناتٍ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: 164]، إلَخْ، اَلْآيَةَ.
وَقالَ: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ﴾ [الجاثية: 4]، فَكانَ القَسَمُ بِهَذا يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْناها: ”وَرَبِّ الشَّمْسِ وضُحاها“، ”وَرَبِّ التِّينِ والزَّيْتُونِ“، كَما قالَ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: 1]، وقالَ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: 6]
[ ص: 127 ] وَقالَ: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23]، وقالُوا أيْضًا: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”وَخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ“، ”وَخَلْقِ التِّينِ والزَّيْتُونِ“، وقالُوا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِما كانَ مَعْنى القَسَمِ مَعْنى التَّحْقِيقِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها حَقٌّ كُلُّها، وكَذَلِكَ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ حَقٌّ، فالمَعْنى: ”كَما أنَّ التِّينَ والزَّيْتُونَ حَقٌّ، لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ“، وأجْوَدُ هَذِهِ الأقْوالِ ما بَدَأْنا بِهِ في أوَّلِها.