وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 46 قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ 47 وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ 48 وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 49 وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 50 إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ 51 ۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ 52
الصفحة 56

معاني وغريب سورة آل عمران - الآية 48

وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ 48

﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾، أيْ: يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ وحْيًا وإلْهامًا، ونُصِبَ ﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [آل عمران: 49]، عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: ”وَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ“، والِاخْتِيارُ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَيُكَلِّمُ النّاسَ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ“، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 49]، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَيُكَلِّمُهم رَسُولًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”إنِّي قَدْ جِئْتُكم“، بِالكَسْرِ، كانَ صَوابًا، المَعْنى: ”إنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ، أيْ: بِعَلامَةٍ تُثْبِتُ رِسالَتِي“ .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران: 49]، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا، ورَفْعًا، فالخَفْضُ عَلى البَدَلِ مِن ”آيَةٍ“، اَلْمَعْنى: ”جِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ”إنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ“، يُخْبِرُهم بِهَذِهِ الآيَةِ ما هِيَ، أيْ: ”أقُولُ لَكُمْ: إنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ“، يُقالُ: إنَّهُ صَنَعَ كَهَيْئَةِ الخُفّاشِ، ونَفَخَ فِيهِ فَصارَ طَيْرًا، وجازَ أنْ يَكُونَ ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: 49]، لِلَفْظِ الطِّينِ، وقالَ - في مَوْضِعٍ آخَرَ -: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ [المائدة: 110]، لِلَفْظِ الهَيْئَةِ.
﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 49]، [ ص: 414 ] ”اَلْأكْمَهُ“: اَلَّذِي يُولَدُ أعْمى، قالَ الرّاجِزُ:
؎هَرَّجْتُ فارْتَدَّ ارْتِدادَ الأكْمَهِ
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ [آل عمران: 49]، أيْ: أُخْبِرُكم بِمَأْكُولِكُمْ، فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ ”ما“، هَهُنا، في مَوْضِعِ ”اَلَّذِي“، والمَعْنى: ”أُنَبِّئُكم بِالَّذِي تَأْكُلُونَهُ وتَدَّخِرُونَهُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، وما وقَعَ بَعْدَها بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ، المَعْنى: ”أُنَبِّئُكم بِأكْلِكم وادِّخارِكم“، والأوَّلُ أجْوَدُ.
وَمَعْنى ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ [آل عمران: 49] جاءَ في التَّفْسِيرِ: ما تَأْكُلُونَ في غُدُوِّكُمْ، و”تَدَّخِرُونَ“، بِالدّالِ، والذّالِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّما اخْتِيرَ ”تَدَّخِرُونَ“، لِأنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الذّالِ، نَحْوَ ”تَذَّكَّرُونَ“، فَكَرِهُوا ”تَذَّخِرُونَ“، لِأنَّهُ لا يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَطَلَبُوا حَرْفًا بَيْنَ التّاءِ والذّالِ، فَكانَ ذَلِكَ الحَرْفُ الدّالَ، وهَذا يَحْتاجُ صاحِبُهُ إلى أنْ يَعْرِفَ الحُرُوفَ المَجْهُورَةَ والمَهْمُوسَةَ، وهي - فِيما زَعَمَ الخَلِيلُ - ضَرْبانِ، فالمَهْجُورَةُ حَرْفٌ أشْبَعَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ في مَوْضِعِهِ، ومَنَعَ النَّفَسَ أنْ يَجْرِيَ مَعَهُ، والمَهْمُوسُ حَرْفٌ أضْعَفَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ في مَوْضِعِهِ، وجَرى مَعَهُ النَّفَسُ، وإنَّما قِيلَ: ”تَدَّخِرُونَ“، وأصْلُهُ ”تَذَّخِرُونَ“: أيْ: ”يَفْتَعِلُونَ“، مِن ”اَلذُّخْرُ“، لِأنَّ الذّالَ حَرْفٌ مَجْهُورٌ، لا يُمْكِنُ النَّفَسَ أنْ يَجْرِيَ مَعَهُ، لِشِدَّةِ اعْتِمادِهِ في مَكانِهِ، والتّاءَ مَهْمُوسَةٌ، فَأُبْدِلَ مِن مَخْرَجِ التّاءِ حَرْفٌ مَجْهُورٌ، يُشْبِهُ الذّالَ في جَهْرِها، وهو الدّالُ، فَصارَ ”تَذْدَخِرُون“، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ، وهَذا أصْلُ الإدْغامِ، أنْ تُدْغِمَ الأوَّلَ في الثّانِي، و”تَذَّخِرُونَ“، جائِزٌ، فَأمّا ما قالَ في المَلْبَسِ فَلَيْسَ ”تَذَّخِرُونَ مَلْبَسًا“، بِشَيْءٍ.
فهرس الكتاب