وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلࣱ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 20
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾، هَذا رَجُلٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ في غارٍ في جَبَلٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِالمُرْسَلِينَ جاءَ يَسْعى، أيْ: يَعْدُو إلَيْهِمْ، فَقالَ: ”أتُرِيدُونَ أجْرًا عَلى ما جِئْتُمْ بِهِ؟“، فَقالَ المُرْسَلُونَ: ”لا“، وكانَ يُقالُ لِهَذا الرَّجُلِ - فِيما رُوِيَ -: ”حَبِيبٌ النَّجّارُ“، [ ص: 283 ] فَأقْبَلَ عَلى قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ [يس: 21]، إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْمَعُونِ﴾ [يس: 25]، فَأشْهَدَ الرُّسُلَ عَلى إيمانِهِ، قالَ قَتادَةُ: ”هَذا رَجُلٌ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ ومَحَّضَهُمُ النَّصِيحَةَ، فَقَتَلُوهُ عَلى ذَلِكَ، وأقْبَلُوا يَرْجُمُونَهُ، وهو يَقُولُ: اَللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي“، فَأدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، فَهو حَيٌّ فِيها يُرْزَقُ، والمَعْنى: ”فَلَمّا عَذَّبَهُ قَوْمُهُ، قِيلَ:“ اُدْخُلِ الجَنَّةَ ”، فَلَمّا شاهَدَها قالَ: ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 26] ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: 27]، أيْ: بِمَغْفِرَةِ رَبِّي لِي،“ مِنَ المُكْرَمِينَ ”، أيْ: مِنَ المُدْخَلِينَ الجَنَّةَ، وقِيلَ أيْضًا:“ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي ”، أيْ: لَيْتَهم يَعْلَمُونَ بِالعَمَلِ والإيمانِ الَّذِي غَفَرَ لِي بِهِ رَبِّي، ويَجُوزُ“ بِمَ غَفَرَ لِي رَبِّي ”، عَلى مَعْنى:“ بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي ”، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ بِما ”، في هَذا المَعْنى بِإثْباتِ الألِفِ، تَقُولُ:“ قَدْ عَلِمْتُ بِما صَنَعْتَ هَذا ”، وقَدْ عَلِمْتُ بِمَ صَنَعْتَ هَذا“، أيْ: ”قَدْ عَلِمْتُ بِأيِّ شَيْءٍ صَنَعْتَ هَذا“، وحَذْفُ الألِفِ في هَذا المَعْنى أجْوَدُ.