لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءࣰا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيࣰّا وَلَا نَصِيرࣰا 123
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾، اِسْمُ ”لَيْسَ“، مُضْمَرٌ، المَعْنى: لَيْسَ ثَوابُ اللَّهِ بِأمانِيِّكُمْ، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ جَرى ما يَدُلُّ عَلى إضْمارِ الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: 122]، أيْ: إنَّما يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، لَيْسَ كَما يَتَمَنّى أهْلُ الكِتابِ، لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ، وأحِبّاؤُهُ، وقالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ وثَوابَ اللَّهِ عَلى الحَسَناتِ، والسَّيِّئاتِ، لَيْسَ بِالأمانِيِّ، ولَكِنَّهُ بِالأعْمالِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: [ ص: 112 ] ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، أيْ: لا يَنْفَعُهُ تَمَنِّيهِ، ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ﴾ [النساء: 124]، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ عامِلَ السُّوءِ لا يَنْفَعُهُ تَمَنِّيهِ، ولا يَتَوَلّاهُ مُتَوَلٍّ، ولا يَنْصُرُهُ ناصِرٌ، وقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ مِن أصْحابِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾، فَزَعَمُوا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن عَمِلَ السُّوءَ جُزِيَ بِهِ، وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ لِمَن يَشاءُ، فَعامِلُ السُّوءِ - ما لَمْ يَكُنْ كافِرًا - مَرْجُوٌّ لَهُ العَفْوُ، والرَّحْمَةُ، والنَّبِيُّ ﷺ شافِعٌ لِأُمَّتِهِ، يُشَفَّعُ فِيهِمْ، ومَعْنى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124]، ”اَلنَّقِيرُ“: اَلنُّقْطَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وهي مَنبَتُ النَّخْلَةِ، والمَعْنى: ولا يُظْلَمُونَ مِقْدارَ ذَلِكَ.