التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهتالجزء 1 · ص 67 - 84

مؤلف كتاب التصاريف وراويه

مؤلف كتاب التصاريف وراويه

يحيى بن سلام

اسمه:

أبو زكرياء يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة التَّيمي تيم ربيعة مولاهم. هكذا ورد ضبط اسمه في معالم الإيمان في طبعته الحديثة.

67

وقد ذكر الدَّباغ أنّ أبَاه من الكوفة، ثم انتقل إلى البصرة. لذلك اتَّفقت المصادر على تلقيب يحيى بن سلام بالبصري. ولم نصادف من لقَّبه إلى جانب البصري بلقب ثان سوى ابن حجر حيث ذكر اسم يحيى بن سلاّم، نقلا عن سعيد بن عمرو البردعي، متْبُوعًا بـ "المغربي"، إشارة ولا شك، إلى انتقاله إلى إفريقية الَّتي استقر بها.

حياته:

تكاد تكون جميع كتب التَّراجم عالة على أبي العرب، والمالكي، فيما أوردته عن ابن سلاّم. لذلك لا نعتبر محظوظين فيما لدينا من معلومات عن هذا الرّجل، خاصة وأنّ أبا العرب لم ينهج منهج الإطالة فيما كتب، فقد علَّق عند حديثه عن ابن سلاّم بقوله: "وله مناقب كثيرة تركتها كراهة التَّطويل".

وربما عثرنا على شيء من التَّفصيل في كتاب المالكي، غير أنَّنا لا نظفر فيه بطلبتنا فيما يخصّ بعض المسائل التي بقيت غامضة إلى اليوم.

كانت ولادة يحيى بن سلاّم بالكوفة سنة (124/741 - 742) . ثم انتقل به أبوه ليسكن البصرة.

ويظهر أنّ ابن سلاّم قد اشتغل بتحصيل العلم. فقد ذكر المالكي أن يحيى كان يقول: "أحصيت بقلبي من لقيت من العلماء فعددت ثلثمائة وثلاثة وستين عالما سوى التَّابعين، وهم أربعة وعشرون، وامرأة تحدث عن عائشة رضي الله تعالى عنها".

وَالذي ينظر فيما وصلنا من تآليف ابن سلاّم يمكن أن يطمئن إل صحَّة هذا الخبر.

متى قدم يحيى إلى إفريقية؟

لقد رحل ابن سلاّم الرّحلة التَّقليديَّة في طلب العلم؛ فقد جاء أنَّه روى عن مالك. ويظهر أنه التقى به وله نصيب من العلم والمعرفة. فقد ذكر أنّ مالكا

69

كتب عنه ثمانية عشر حديثا. وهذه شهادة على منزلة ابن سلاّم العلميَّة. إذ أنّ مالكا لا يأخذ سوى عن ثقة.

ثم تذكر كتب التراجم أنَّه قدم مصر، ثم صار إلى إفريقيَّة وسكن القيروان دهرا. لكنَّها لم تحدّد الفترة التي قدم فيها، ولا الأسباب التى دفعته إلى الإستقرار بها. وقد رأى الأستاذ صمّود الذي حقق قطعة من تفسير يحيى بن سلام بأن مجيئه إلى مصر لا يمكن أن يكون بعد 174/790. لأن ابن سلاّم قد روى مباشرة عن ابن لهيعة. وقد توفي هذا المحدث المصري سنة 174/790 بمصر "ولا نعلم لابن لهيعة رحلة إلى البصرة".

إنّ هذا الاستنتاج، وإن كان منطقيًّا، لا يمكن أن نقتنع به إذا راعينا بعض الملاحظات الأخرى.

رأينا أنّ ابن سلاّم قد رحل إلى المدينة للقاء مالك، فلعلَّه قد التقى عند مالك بابن لهيعة، وروى عنه.

كما يجوز أن يكون يحيى قد التقى بابن لهيعة بمصر في رحلته العلمية. فيكون قد زار مصر أثناء هذه الرّحلة، ثمّ زارها عند تحوّله نهائيًّا إلى إفريقية.

ويؤيد ما ذهبنا إليه، ما ذكره ابن حجر في اللسان، من أنّ ابن سلاّم قد حدّث عن سعيد بن أبي عروبة بالمغرب. وقد توفي ابن أبي عروبة سنة 156/772. وبالجمع بين هذا الخبر والخبر السَّابق، يتبيَّن أن ابن سلاّم قد قام برحلته قبل 156/772، حيث كان له من العمر ما يخوّل له أن يجعل مالكا يثق به في علمه ويروي عنه. ولا يمكن أن يكون قدومه بعد 156 هـ لوفاة ابن أبي عروبة في تلك السنة.

ونذكر دليلا ثانيا على استبعاد أن يكون أقصى تاريخ لتحول يحيى بن سلاّم إلى إفريقيَّة نهائيا، هو سنة 174/790 ما يستنتج من معالم الإيمان من أن محمد بن يحيى بن سلاّم، ولد بالبصرة حوالي سنة 180/796، فلا يمكن أن يكون تحوّل ابن سلاّم نهائيا إلى إفريقيَّة إذن قبل هذا التاريخ فهو التاريخ الأدنى لإمكانية قدومه. أمَّا أقصى تاريخ لقدومه إفريقية فيبدو لي أنَّه سنة 183/799، ذلك أنّ ابن سلاّم قد

70

سمع من البهلول بن راشد، وقد توفِّي البهلول 183/799 ولم يسمع منه يحيى سوى حديث واحد. معنى ذلك أنه لم تطل صحبته له.

فيحصل من هذا كله أن ابن سلاّم قدم إفريقيَّة بين 180/796 - و183/799 ويكون حينذاك قد دخل في العقد السَّادس من عمره.

ما هي أسباب هجرة يحيى إلى إفريقية؟

لا سبيل إلى تقديم إجابة دقيقة حول هذا السؤال. فإن المصادر لا تعيننا على ذلك.

ولا أعتقد بأن المناخ السِّياسي بإفريقيَّة، في الفترة الَّتي دخلها ابن سلاّم هو الَّذي شجَّعه على القدوم إليها. فقد صادف دخوله الَّذي رجَّحنا أن يكون قد تمّ بين (180-183هـ) انقضاء إمارة المهالبة بسبب ثورة أهل تونس على المغيرة، عامل الفضل بن روح بن حاتم عليها سنة 178/794.

كما صادف ولاية محمد بن مقاتل العكِّي على إفريقيَّة سنة 181/797. ومعلوم أنه قد وقعت الثورة عليه من طرف عامله بتونس: تمَّام بن تميم التَّميمي لجوره. وانتهى الأمر بعزل العكي وتولية إبراهيم بن الأغلب (184/800) . فإن لم يكن الجوّ السياسي هو الذي قد دعا ابن سلاّم إلى دخول افريقية، فلعلّ الجانب العلمي هو الَّذي دفعه إليها. ولا نقصد أن القيروان قد أصبحت في هذه الفترة المبكرة من التاريخ محطّ أنظار طلاّب العلم، يرحلون إليها للأخذ عن علمائها فإن ذلك لم يحصل بعد، إنَّما الذي نقصده ربَّما كان عمليَّة عكسيَّة.

فقد قصد رجال القيروان في القرن الثَّاني بلاد المشرق طلبا للعلم. وبرز في تلك الفترة، من تلاميذ مالك الأفارقة، عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري (ت161/

72

777) الَّذي روى عنه جلَّة المشارقة كسفيان الثوري، وعبد الله بن لهيعة، وعبد الله ابن وهب.

وعبد الله بن فرّوح (ت176-792) الذي يروي عنه يحيى بن سلام. وقد كان ذا مكانة عند مالك.

وأبو يزيد رباح بن يزيد اللخمي (ت 172/788) .

والبهلول بن راشد (ت183/799) وغيرهم.

والذي نتصوره أن يحيى بن سلام قد التقى ببعضهم، وأخذ عن البعض منهم أو عمَّن روى عنهم.

فلعلّ إعجابا بهؤلاء دفع ابن سلاّم إلى اللَّحاق بهم في بلادهم، وهو المولع بالرواية. كما يمكن أن نتصور تحوّل ابن سلاّم إلى إفريقيَّة، ناتجا عن رغبته في بث علمه بتلك المنطقة النائية، سالكًا في ذلك مسلك غيره من المشارقة الذين قدموا إفريقية لهذا الغرض أو لغيره، خاصّة أيَّام أمراء المهالبة الَّذين أحسنوا وفادة العلماء.

شيوخ يحيى بن سلاّم:

لقد تعرضت المصادر إلى ذكر بعض الشيوخ الَّذين روى عنهم يحيى بن سلاّم. وهؤلاء الذين ذكرتهم المصادر، أمثال الحسن بن دينار وحماد بن سلمة (ت 167/783)، وهمَّام بن يحيى (ت164/780)، وسعيد ابن أبي عروبة (ت156/772)، والبهلول بن راشد (ت 183/799)، وعبد الله بن فرّوخ (ت176 وقيل 175/792)، قلَّة من وفرة.

73

وقد أخبر يحيى أنَّه لقي ثلثمائة وثلاثة وستين عالما، سوى التَّابعين، وهم أربعة وعشرون وامرأة تحدّث عن عائشة.

ولا نعتقد أن في هذا الخبر مبالغة، فإنّ من ينظر في التَّفسير الَّذي ألَّفه يحيى ابن سلاّم يتبيَّن مدى صدقه.

ولعلّ هذا التَّعدّد في الشّيوخ يرجع إلى ناحيتين:

1- كثرة ترحال ابن سلاّم. فكلّ بلد دخله روى عن شيوخه. فقد روى عن شيوخ من الكوفة، مثل يونس بن أبي إسحاق (ت 159/775) .

ومن البصرة، مثل أبي الأشهب (ت165/781) .

ومن الشام، مثل عبد الرحمن بن يزيد (ت153/770) .

ومن مكة، وعلى رأسهم مالك بن أنس (ت179/795) .

ومن مصر، مثل عبد الله بن لهيعة (ت174/790) .

ومن إفريقيَّة، مثل عبد الله بن فرّوح (ت176/792) .

2- عدم تقيّده بشروط اشترطها فيمن روى عنهم. فهو يروي عن الثِّقة الَّذي لا مغمز فيه، كسفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث. ويروي عن الضعفاء كالحارث بن نبهان (ت بين 150 - 160/ 767 - 776)، وبحر بن كنيز السَّقَّا (ت160/779) الذي اتَّفق علماء الحديث على ضعفه. كما يروي عن أصحاب الأهواء والمتَّهمين أمثال إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى (ت184/800) الذي سئل عنه مالك أكان ثقة؟ فقال: "لا، ولا ثقة في دينه". وكان قدريا معتزليّا جهميا كلّ بلاء فيه.

74

وحمَّاد بن أبي سلمة (ت120/737) وقد ألحّ علماء الحديث على إرجائه ونافع بن الأزرق الخارجي (ت65/685) .

والكلبي (ت146/763) وهو كما نعلم متَّهم بالكذب. وقد أكثر يحيى من الرواية عنه.

فاجتمع له بذلك الوفرة في عدد الشيوخ مع التَّنوّع.

ولا تحدّثنا المصادر عن الشّيوخ الذين تأثَّر بهم يحيى بن سلاّم أكثر من غيرهم، ولا يستطيع الباحث أن يعلم ذلك، بالوقوف على ما وصلنا من تآليف يحيى، غاية ما يمكن ملاحظته، أنّ هنالك أسماء ربَّما وردت أكثر من غيرها في التَّفسير، مثل قتادة، والحسن البصري، والحسن بن دينار، والسّدّي، وابن عباس. ولا تخفى شهرة هؤلاء في ميدان التَّفسير. فلعلّ ذلك هو السَّبب الذي جعله يكثر من الرواية عنهم، مثلما فعل غيره من المفسّرين الذين يعتمدون الرّواية في التَّفسير.

وخلاصة القول، أنّ ابن سلاّم قد أكثر في كتبه من الرّواية عن الشيّوخ، ولم يتخيَّر عمَّن يروي.

ونوَدّ أن نشير إلى أنَّنا لم نعثر في مرويات يحيى عن مقاتل بن سليمان، صاحب الأشباه والنظائر في القرآن، رغم اشتهار هذا في ميدان التفسير وعلوم القرآن.

تلاميذ يحيى بن سلاّم:

ذكرت المصادر عددا من تلاميذ يحيى بن سلاّم، أو من رووا عنه، وأغلب من ذكر، وهم في مجموعهم قلَّة، أفارقة. وهذا أمر طبيعيّ ما دام ابن سلام قد استقرّ بالقيروان.

وقد أخبر ابن سلاّم أنّ مالك بن أنسٍ، روى عنه أربعة وعشرين حديثا. وكان يقول: "كلّ من رويت عنه العلم روى عنِّي إلاّ القليل".

كما روى عنه أصبغ بن الفرج (ت225 أو 224/838) من أهل مصر. وقد كان كاتبا لابن وهب، صدوقا، ثقة، حجَّة في مذهب مالك.

ونخصّ بالذّكر تلميذين له من إفريقيَّة هما: ابنه محمد (ت262/875)، وأبو داود أحمد بن موسى بن جرير الأزدي العطَّار (ت274/887)، لأنَّهما

75

اللَّذان وصل إلينا تفسير ابن سلاّم عن طريقهما، بروايتهما له عن يحيى بن سلاّم المؤلف، وذلك ما نجده في قطع تفسير ابن سلام وفي فهرست ابن خير.

محمد بن يحيى بن سلاّم:

قد ترجم لمحمد بن يحيى بن سلام الدَّبَّاغ في معالمه، ولم يفعل ذلك أبو العرب الَّذي اكتفى بالإشارة إليه ضمن ترجمة أبيه.

ولا تفيدنا هذه الترجمة كثيرًا عن حياة هذا الشيخ.

فقد ذكر فيها أنَّه ولد بالبصرة. ويظهر أنَّه قد اشتغل بتحصيل العلم مثل أبيه. فقد ذكر الدَّبَّاغ أنَّه كان "فقيها، حافظا، له عناية كاملة بالحديث، ونقله وروايته، وضبطه، ومعرفة رجاله وحملته".

ويظهر أن تكوين محمد بن يحيى قد تمّ بإفريقيَّة، إذ قد رجَّحنا أن يكون قدوم يحيى بن سلاّم إلى إفريقيَّة بين 180/183هـ. وقد ولد محمد 180هـ. ولم نعثر على ذكر لشيوخ محمد، إلاّ ما نعْلمه من تلمذته لأبيه يحيى عن طريق روايته للتَّفسير عنه.

لكنَّنا لا نشكّ في كونه قد تفقَّه برجال القيروان، ما دام قد نشأ بها. ولا نعلم لمحمد رحلة سوى ما ذكره من مرافقته لأبيه في سفرته للحجّ. وقد خرج يحيى ابن سلاّم للحجّ سنة 200هـ وتوفي في تلك السنة، فيكون عمر محمد عند خروجه مع أبيه عشرين سنة.

وقد عثرنا على بعض تلاميذ محمد بن يحيى. فمنهم:

- أبو عبد الله محمد بن أبي داود العطار (ت300/912)، الَّذي سمع أيضا من أبيه، أحمد بن موسى، الرّاوي الثَّاني لتفسير يحيى بن سلاّم.

- وأبو العرب، محمد بن أحمد بن تميم التميمي (ت333/944) .

76

وقد كان سبب طلبه للعلم إعجابه بما شاهده في دار محمد بن يحيى بن سلاّم من طلبة وما كانوا عليه، فأصبح يقصد بدوره ابن سلاّم ويكتب ما يقوله.

- ويحيى بن محمد بن يحيى بن سلاّم (ت280/893) الَّذي روى تفسير جده عن أبيه.

وقد ذكر أبو العرب أن محمَّدا كان ثقة، نبيلا. ويظهر أنه كان على السّنَّة مقاوما للبدعة. فقد ذكر أبو العرب، نقلا عن يحيى الحفيد، أنّ أباه عاتب عباسا السدري، وأنكر عليه رأيه السّوء. ولا نعلم أيّ الأهواء كان عليها أبو الفضل. كما يبدو أنّه ذو خلق كريم حبَّبه إلى النَّاس.

أمَّا نشاطه العلمي فيتمثَّل في جلوسه للإلقاء. ومرّ بنا خبر أبي العرب في ذلك. كما تعرّفنا أيضًا على بعض تلاميذه.

وقد روى محمد تفسير أبيه فأخذه عنه الناس. وذكر ابن خير منهم أربعة بين افارقة وأندلسيين.

ولا نعلم لمحمد بن يحيى تأليفا سوى ما ذكره ابن خير، من كونه قد زاد على تفسير أبيه يحيى. وقد حدّث بتلك الزيادة أبو الحسن علي بن الحسن المُرّي البَجَّاني (ت274/887) عن يحيى بن محمد بن يحيى بن سلاّم.

أبو داود العطار:

هو أحمد بن موسى بن جرير الأزدي العطار. كان من بيت علم "أقامت لهم الرئاسة وسؤدد العلم نحو مائة وثمانين سنة".

ولد سنة 183/799 وأخذ في طلب العلم منذ حداثة سنه، إذ كان أبوه، أبو أحمد موسى بن جرير، يصطحبه معه؛ فسمع بسبب ذلك من جلَّة شيوخ القيروان.

77

فأخذ عن سحنون، ويحيى بن سلاّم، ومعاوية الصّمادحي، وأسد بن الفرات. كما أخذ عن أبيه موسى.

ويظهر أن موسى، والد أبي داود، قد ألقى تفسير ابن سلاّم. وسمعه منه عيسى بن مسكين. فلا يستبعد أن يكون أبو داود قد أخذ ذلك التفسير عن والده. لكن الأمر الذي لا شك فيه، أن أبا داود قد أخذ التفسير مباشرة عن مؤلفه يحيى بن سلاّم، كما ورد في فهرست ابن خير، وفي قطع التفسير القيروانية.

وقد أخذ تفسير ابن سلاّم عن أبي داود عدد كبير من الناس، من القيروان ومن الأندلس.

وكان أبو داود ثقة. وذكر أن في كتبه خطأ وتصحيفا، ولم يذكر نوعه. وقد توفي أبو داود في ذي الحجَّة 274/888 وهو ابن 91 سنة.

تهمة يحيى بن سلاّم بالأرجاء

يقف النَّاظر في كتاب أبي العرب، وفي كتاب المالكي عند ترجمة يحيى بن سلاّم على خبر تهمته بالإرجاء. وتدلّ عبارة أبي العرب، في قوله: "ورمي بالإرجاء"، وما ذكره من تبرئة يحيى نفسه من هذه التهمة، وموقفه الدّفاعي عنه عندما علَّق على كلام حفيد يحيى الَّذي برّأ جدّه من التّهمة بقوله: "وكان يحيى ثقة، صدوقا، لا يقول عن جدّه إلاّ الحقّ"، يدلّ هذا كلّه على الرّغبة الملحَّة في تبرئة يحيى ممَّا نسب إليه.

وهذه الرَّغبة نلمسها أيضا عند المالكي، حين أورد مقالة عون بن يوسف الخزاعي في مجلس ابن وهب، وقد أمر ابو وهب باطِّراح قول ابن سلاّم لقوله بالإرجاء.

78

وإن اختلفت صورة خبر عون في كتاب أبي العرب وكتاب المالكي، فإن جوهره فيهما واحد. ومفاده: أنّ ابن سلام ليس من المرجئة، إنَّما انجرّت إليه التّهمة بسبب سوء تفاهم وقع بين موسى بن معاوية الصّمادحي وسحنون حول المسألة.

ولا يمكن أن نتبيّن حقيقة مذهب ابن سلاّم بالاكتفاء بما ورد في هذين المصدرين، خاصة وأن مقالة أبي العرب متأثرة بما ورد عن حفيد ابن سلاّم، وإن كان موثّقا.

فالأسلم أن نبحث في التَّفسير، هل نجد فيه أثرا لهذا المذهب.

ماذا نجد في التّفسير؟

نجد فيه ذمّا للأهواء والبدع، ودعوة إلى اتِّباع السّنَّة. فقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ﴾ ما يلي: "قال النَّضر، وسمعت أبا قلابة يقول لأيّوب: يا أَيّوب، احفَظ منِّي ثلاثا: لا تقاعد أهل الأهواء، ولا تستمع منهم ... ".

وروى يحيى حديثا عن مكحول، قال، قال رسول الله ﷺ: "السّنَّة سنَّتان، سنة في فريضة، الأخذ بها هدى، وتركها ضلالة، وسنَّة في غير فريضة، الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة".

ونجد في التَّفسير تأكيدا على التَّوحيد، ومبالغة في ذمّ الشرك. روى يحيى عن سفيان الثوري أن رسول الله صلى عليه وسلم، سئل عم الموجبتين، فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنَّة، ومن مات يشرك بالله دخل النَّار".

ونجد فيه أيضا إشادة بالأعمال. روى يحيى عن جعفر بن برقان الجزري عن أبي الدرداء، قال: "ويل لمن لا يعلم مرّة، ويل لمن يعلم ثمّ لا يعمل سبع مرات".

فالجزاء مرتبط بالأعمال: "خلق الله تبارك وتعالى السماوات والأرض للقيامة ليجزي الناس بأعمالهم".

79

وبالأعمال تتفاوت الدّرجات. جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾، المؤمنون والمُشركون، للمؤمنين درجات في الجنَّة، عل قدر أَعمالهم، وللمشركين درجات في النار، على قدر أعمالهم".

والطَّاعات، كفَّارات للصغائر. يقول في تفسير الآية: 7 من العنكبوت، قال رسول الله ﷺ: "ألا إن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفَّارات لما بينهنّ، ما اجتنبت الكبائر".

ويذكر ابن سلاّم صورة حيَّة عن أهميَّة الأعمال بالنِّسبة لحياة الإنسان الأخروية، في حديث طويل تظهر فيه الزّكاة، والصّلاة، والدّور الذي تلعبانه في تحديد مصير الإنسان.

فهذا الذي ذكرناه لا نلمس فيه إرجاء مطلقا، ما دام هنالك اهتمام وتأكيد على الأعمال إلى جانب الإيمان.

لكنَّه وردت في التَّفسير إشارات أخرى، تجعل الباحث يقف وقفة تردّد. فقد جاء عند تفسيره لسورة التحريم، نقلا عن سفيان الثوري: "التَّائب من الذنب كمن لا ذنب له". ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين﴾ . فإذا أحبّ عبدا لم يضرّه ذنب.

وذكر أثناء تفسيره لسورة مريم حديثا يقول فيه الرسول ﷺ: "خمس صلوات كتبهنّ الله على عباده، من جاء بهنّ تامَّات، فإن له عند الله عهدا أن يدخله الجنَّة، ومن لم يأتي بهنّ تامَّات، فليس له عند الله عهد، إن ساء عذّبه وإن شاء غفر له".

وهذه مقالة أخرى جاءت في التَّفسير، فيها إشارة إلى مبدإ أساسي من مبادئ الإِرجاء، وهو الإمساك عن القول في الصّحابة. وقد نشأ هذا المبدأ إثر وقوع الفتنة أيّام عثمان، رضي الله عنه، واستمرّ القول به في عهد الدولة الأموية، يقول يحيى بن سلاّم، قال النَّضر: وسمعت أبا قلابة يقول لأيوب: يا أيوب، احفظ

80

منِّي ثلاثا: لا تقاعد أهل الأهواء، ولا تستمع منهم، ولا تفسِّرَنّ القرآن برأيك فإنَّك لست من ذلك في شيء، وانظر هؤلاء الرّهط من أصحاب النبي، فلا تذكره إلا بخير". وفي رواية أخرى: "ثلاث ارفضوهن: مجِادلة أصحاب الأهواء، وشتم أصحاب رسول الله، والنظر في النجوم ... ".

وقد وقفت في تفسير ابن أبي زمنين (4399/1009)، وهو مختصر لتفسير يحيى بن سلاّم، على نصوص معبِّرة منها:

"يحيى بن عمار الدهني ... عن الحسن قال، قال رسول الله ﷺ: "بني الإسلام على ثلاث: الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه إلى آخر فئة من المسلمين، تكون هي التي تقاتل الدّجَّال، لا ينقصه جور من جار، والكفّ على أهل لا إله إلا الله أن يكفروهم بذنب، والمقادير خيرها وشرها من الله".

وجاء في موضع آخر: "يحيى عن عاصم بن حكيم ... . عن عليّ قال: "لا تنزلوا العارفين المحدثين الجنَّة ولا النَّار حتَّى يكون الله هو الذي يقضي فيهم يوم القيامة".

فهذه الملاحظات، التي بدت فيها مبادئ الإرجاء ومصطلحاته كعبارة: الذنب لا يضر، وعدم التكفير بالذّنب، وإرجاء الحكم لله في العفو والعقاب، وفي الصحابة، تجعل الباحث يعود ليتساءل أن كان يحيى بن سلام من المرجئة.

إنّ الأقرب إلى الذّهن أن نقول: كان ابن سلاّم من مرجئة أهل السّنَّة لا من مرجئة البدعة.

فلقد قسم العلماء المرجئة إلى هذين القسمين الكبيرين. ومنهم من أدخل في القسم الأول أبا حنيفة، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن سليمان. فإنّ هؤلاء جميعا لا يكفرون بالذَّنب، ويرجئون الحكم لله في الجزاء، ويتوقَّفون عن الكلام في الصَّحابة، رضي الله عنهم. وهذا هو ما ذهب إليه ابن سلاّم.

فإن صحَّت نسبة الإرجاء إلى ابن سلاّم فلا يمكن اعتباره من مرجئة البدعة الَّذين لا يحفلون بالأعمال، ما دام قد أكدَّ عليها كما رأينا ذلك. أمَّا ما ورد عنده من أحاديث تؤكد على أهميَّة الإيمان، وذمّ الشرك، فإنَّه لم يخالف بإيراده لذلك، أهل السّنَّة والجماعة.

81

ولعلّ شيوع التهمة عليه، إنَّما تمّ للسَّبب الذي ذكره أبو العرب. وهو أنّ موسى بن معاوية الصّمادحي، نقل إلى سحنون خبرا عن ابن سلاّم، فيه مقالة أناس بالشّرق، مذهبهم أن الإيمان قول، فظنّ سحنون أنه نقل بذلك عقيدة ابن سلاّم فقال: هذا مرجئي.

ولا يخفى أن سحنونا (ت 240/854) كان متصدّيا للبدع بالقيروان. وهو أوّل من شتَّت حلقات المبتدعة من المساجد. فهو بالمرصاد لكلّ الشّبه يقطعها من أصلها.

ويظهر أن موسى بن معاوية الصّمادحي (ت 225/839) كان بدوره مقاوما للبدع. فقد عثرت على قطعة بالمكتبة الأثرية بالقيروان، جاء في عنوانها: "كتاب فيه أحاديث في السَّنَّة والنهي عن البدعة، ممَّا حدثني به أحمد بن أحمد بن أحمد بن يزيد المعلم، عن موسى بن معاوية الصمادحي وغيره".

وفي القطعة تشديد كبير على أهل البدع. فقد وردت فيها أحاديث حول القول بكفر من قال بخلق القرآن، وأحاديث حول القدرية، والجمهيَّة، والمرجئة. وقد ورد في شأن المرجئة أنَّهم الخبثاء.

ويمكن أن نضيف إلى هذا، أن ابن سلاّم كان حسب ما ورد في تفسيره ميَّالا إلى مذهب السَّلف، وإلى العامَّة.

زد إلى ذلك أن تهمة الإرجاء لا نجدها في مؤلَّفات المشارقة الذين تحدَّثوا عن يحيى بن سلاّم، وربَّما وجدنا فيها ما يثبت عكس التهمة. فقد ذكر ابن الجزري مثلا أنّ ابن سلام كان صاحب سنَّة.

82

مؤلفات يحيى بن سلاّم:

إن الإجمال الذي رأيناه محيطا بحياة يحيى بن سلاّم، نجده ايضا فيما يتعلَّق بتآليفه. فقد ذكر أبو العرب أنّ له مصنَّفات كثيرة في فنون العلم، ولم يشر إلى أيّ واحد منها، سوى ملاحظة عابرة، ذكرها حول التَّفسير في ترجمة أبي أحمد موسى بن جرير العطَّار.

ولعلَّ أوّل من اهتمّ بذكر تفسير ابن سلاّم، هو ابن خير في الفهرست حيث أورد عدّة أسانيد رُوي بها ذلك التفسير.

ثمّ تظافرت المصادر على ذكره والتَّنويه بشأنه. فقد قال فيه ابن الجزري: "وليس لأحد من المتقدّمين مثله".

ولا زال هذا التفسير مخطوطا. وقد وقعت العناية بتحقيق عدد من أجزائه. ولم تنشر هذه الأعمال بعد.

ونسخ هذا التفسير متعدّدة، ولا زالت مشتَّتة تحتاج إلى الضبط.

وتغلب على التفسير نزعة الرّواية، دون أن يغفل المؤلف التذكير برأيه إن اقتضى الأمر ذلك، أو أن يستعين على الشرح بالرّجوع إلى اللّغة، أو النَّحو، أو غيرهما من العلوم القرآنية السائدة في عصره.

وأشار ابن الجزري إلى كتاب الجامع. ولم أعثر عليه، ولعلَّه حسب عنوانه، في الحديث.

وذكر الدَّبَّاغ، أن لابن سلاّم اختيارات في الفقه، ولم أعثر عليه أيضا. غير أنه يوجد بالمكتبة الأثريَّة بالقيروان ورقة بها تمزيق، بدا لي من موضوعها ومن ذكر يحيى فيها، أنَّها من اختياراته الفقهيَّة. فهي تتحدث في الطَّلاق، وفي الخُلْع. وممَّا ورد فيها: "سعيد عن قتادة قال: إنما يبعث الحكمان ليصلحا، فإن أعياهما أن يصلحا شهد على الظالم بظلمه، وليس بأيديهما الفرقة، ولا يملكان ذلك. وبه يأخذ يحيى. الخ ... ". وهذه العبارة تكررت في التفسير مرارا.

83

كما عثرت بنفس المكتبة على بقية من ورقة جاء فيها:

مقابل بكتاب محمد بن يحيى بن سلام

ب الأشربة

سلام حدثني به يحيى بن محمد

ابن السلام عن أبيه عن جده

بن أحمد بن تميم

في سنة ثلث وسبعين ومائتين

ذلك في سنة خمس وسبعين ومائتين

ويتعلَّق النَّصّ الوارد في ظهر الورقة بتفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ . فذكر مراحل تحريمهما، وتاريخه، ووصف ردّ فعل الصّحابة رضي الله عنهم عند سماعهم بخبر تحريم الخمر، ثم ذكر حكم شارب الخمر في الدّين: "فطر عن يونس بن خبَّاب ... .. قال رسول الله ﷺ: "من شرب الخمر لم يقبل الله منه صلاة سبعة أيام، ومن انتشى منها، لم يقبل منه أربعين ليلة، وإن مات فيها، مات كافرا ... الخ ... ".

ويدلّ هذا الحديث على شدّة اهتمام يحيى بالأعمال بالنِّسبة لمصير الإنسان.

مقالة العلماء في يحيى بن سلاّم - شهرته:

اتَّفقت المصادر الإفريقيَّة والشَّرقيَّة على توثيق يحيى بن سلاّم في علمه. فقد شهد له بالثقة أبو العرب، وأضاف الدَّبَّاغ: "ومحلّه من العلم معلوم". ولقَّبه ابن الجزري بالإمام. ورغم كون الدارقطني قد ضعَّفه، فقد ذكر بأن حديثه يكتب. ووصفه ابن أبي حاتم الرازي بأنه صدوق.

84