سنن سعيد بن منصورالمقدمة · ص 112 - 128

المبحث الأول التعريف بالمؤلف (6 من 6)

ووصفه بالحفظ يحيى بن حسّان وأبو زرعة الدمشقي، وقال ابن حبّان: (من المتقنين الأثبات)، وسبق نقل قول الذهبي: (من نظر سنن سعيد بن منصور، عرف حفظ الرجل وجلالته).

فإن قيل: ليس الكلام في كونه أخطأ من عدمه، وإنما في كونه لا يرجع عما في كتابه من الخطأ.

فالجواب: أن سعيدًا لم يَسْتَجِزْ- والله أعلم- العدول عما هو موجود في كتاب رأى أنه قد ضبطه وجوّده. ولو أن الراوي عدل عن الوجه الذي تَلَقَّى عليه ذلك الحديث إلى الوجه الذي يراه صوابًا، لاضطربت وجوه الترجيح بين الروايات التي فيها اختلاف، وازداد الإشكال في اختلاف الأحاديث.

ب- ومن جملة ما تُكُلِّم به في سعيد بن منصور: ما ذكره سلمة بن شبيب، قال: (وقد كنت أسمع سليمان بن حرب- وهو بمكة- ينكر عليه الشيء بعد الشيء، وكذلك كان الحميدي، لم يكن الذي بينه وبين الحميدي حسنًا، فكان الحميدي يُخَطِّئه في الشيء بعد الشيء من رواية ما يروي عن سفيان) (^1).

وهذا الكلام لم يلتفت إليه أحد، ولذا لم يذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (^2)، والسبب أن سليمان بن حرب وعبد الله بن الزبير الحميدي قرينان لسعيد بن منصور، وثلاثتهم من سكان مكة، وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة من أبرز شيوخ سعيد كما تقدم، ويعتبر سليمان بن حرب راوية لحماد بن زيد، والحميدي راوية لسفيان بن عيينة، فلا عجب أن يكون بينهما وبين سعيد ما يكون بين الأقران غالبًا،

  • (^1) المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (2/ 178).
    (^2) انظر ميزان الاعتدال (2/ 159 رقم 3277).
112

وكلام الأقران بعضهم في بعض لا يلتفت إليه، بل يُطْوَى ولا يُرْوَى.

هذا مع أن ما بينهم لم يبلغ حدّ القدح والحطّ من أحدهم على الآخر، بل نلمس منهم اعتراف بعضهم بفضل الآخر، وهذه صفة أهل الإخلاص. فانظر إلى تواضع سعيد ولين جانبه ولُطْف عبارته حين يقول: (لا تسألوني عن حديث حماد بن زيد، فإن أبا أيوب (^1) يجعلنا على طَبَق، ولا تسألوني عن حديث سفيان، فإن هذا الحميدي يجعلنا على طَبَق) (^2).

وفي نظري أن سلمة بن شبيب رحمه الله بالغ بقوله: (لم يكن الذي بينه وبين الحميدي حسنًا)، إذ لو كان ذلك كذلك، لما كان الحميدي يحضر في مجالس الحديث التي كان يعقدها سعيد بن منصور (^3)، ولم يكن إذا ظفر بشيء من غرائب العلم يحرص على إطلاع سعيد عليه (^4)، فمؤدَّى عبارة سلمة هذه: أن بينهما ما يمنع من هذا كله، وقد عرفتَ ما فيه.

ومع هذا فلا ننفي أن يكون دخل في النفوس شيء من جرَّاء ما يجري بينهما حال مذاكرة الحديث ورجحان وجهة نظر أحدهما على الآخر (^5)، إلا أن هذا لم يبلغ دينهما (^6)، بل هما كباقي العلماء الذين إذا جدّ الجِدّ رأيت منهم العجب.

  • (^1) هي كنية سليمان بن حرب، وفي تكنية سعيد بن منصور له هكذا ما يدل على ما له من مكانة عنده، فتنبَّه!.
    (^2) المعرفة والتاريخ (2/ 178).
    (^3، 5) انظر القصة المتقدمة (ص 80 / ق).
    (^4) انظر القصة الآتية (ص 121 / ق - 122 / ق).
    (^6) ومما يحسن إيراده هنا: ما أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت (ص 353 رقم 248) بإسناد صحيح- كما قال محقق الكتاب- عن طارق بن شهاب رضي الله =
113

فهذا وكيع بن الجراح رحمه الله كان بينه وبين قرينه سفيان بن عيينة تباعد، وفي سنة أربع أو خمس وثمانين ومائة جاء وكيع إلى مكة، وحدَّث عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عن عبد الله البَهِيّ، أن أبا بكر الصديق جاء إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بعد وفاته، فأكبَّ عليه، فقبَّله، وقال: بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك!.

ثم قال البَهِيُّ: وكان تُرك يومًا وليلة حتى رَبَا بطنه ﷺ، وانْثَنَتْ خِنْصِرَاه.

فلما حدَّث وكيع بهذا، اجتمعت قريش، ورفع أمره إلى العثماني والي مكة، فأرسل إليه، وحبسه، وعزم على قتله وصَلْبه، وأمر بخشبة أن تنصب خارج الحرم. وبلغ وكيعًا ذلك وهو في الحبس، فقال للحارث بن الصديق: ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل واحتجنا إليه- يعني سفيان بن عيينة-، فقال له الحارث: يا أبا سفيان، دع هذا عنك، فإن لم يُدْرِكْكَ قُتِلْتَ. فأرسل إلى سفيان، ففزع إليه، ودخل على العثماني، فكلَّمه فيه، والعثماني يَأْبَى، وكان من جملة ما قال سفيان: الله الله، هذا فقيه أهل العراق وابن فقيهه، وهذا حديث معروف.

قال سفيان: ولم أكن سمعته، إلا أني أردت تخليص وكيع. ومن جملة ما قال سفيان أيضًا للعثماني: إني لك ناصح، إن هذا رجل من أهل العلم، وله عشيرة، فإن أنت أقدمت عليه، أقل ما يكون: أن تقوم عليك عشيرته وولده بباب أمير المؤمنين، فيشخصك لمناظرتهم. فَعَمِلَ فيه كلام سفيان، وأمر بإطلاقه من الحبس، فأُخرج وكيع من الحبس، وركب حمارًا، وحُمِلَ متاعه عليه، وسافر متوجهًا إلى المدينة.

  • = عنه قال: كان بين سعد- يعني ابن أبي وقاص- وخالد- يعني ابن الوليد- كلام، فذهب رجل يقع في خالد عند سعد، فقال- أي سعد-: مَهْ! إن ما بيننا لم يبلغ دينَنَا.
114

قال سعيد بن منصور: كنا بالمدينة، فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع وابن عيينة والعثماني، وقالوا: إذا قدم عليكم، فلا تَتَّكلوا على الوالي، وارجموه بالحجارة حتى تقتلوه. فعزموا على ذلك، وبَلَغَنَا الذي هم عليه، فبعثنا بريدًا إلى وكيع: أن لا يأتي إلى المدينة، ويمضي من طريق الرَّبَذَة (^1)، وكان قد جاوز مفرق الطريقين، فلما أتاه البريد، رجع راجعًا إلى الرَّبَذَة، ومضى إلى الكوفة (^2).

فهذه القصة مَثَلٌ من عدّة أمثلة تحكي مواقف السلف في مثل هذه الأحوال والخطوب، وموقف سعيد بن منصور فيها موقف العالم الناصح المشفق.

وأما ما يتعلق بالحديث ورواية وكيع له، فيقول الذهبي في ذلك: (فهذه زَلَّة عالم، فما لوكيع ولرواية هذا الخبر المنكر المنقطع الإسناد؟ كادت نفسه أن تذهب غلطًا …)، ثم أخذ في الاعتذار عنه وتوجيه الرواية وجهة صحيحة، ثم قال: (وهذا بحث معترض في الاعتذار عن إمام من أئمة المسلمين، وقد قام في الدفع عنه مثل إمام الحجاز سفيان بن عيينة) (^3).

10 - عقيدته:

شهدت الفترة التي عاشها سعيد بن منصور ظهور عدة اتجاهات مباينة لمعتقد أهل السنة والجماعة (^4)، فاستشعر أهل السنة خطر هذه

  • (^1) الرَّبَذَةُ: من قرى المدينة، على ثلاثة أيام منها، قريبة من ذات عرق، وبها قبر أبي ذر ﵁. معجم البلدان (3/ 24).
    (^2) انظر القصة بكاملها في المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (1/ 175 - 176)، وسير أعلام النبلاء (9/ 159 - 165).
    (^3) سير أعلام النبلاء (9/ 160، 162).
    (^4) انظر المبحث المتقدم (ص 36 - 51) في الكلام على الحالة الفكرية في عصر المؤلِّف.
115

الاتجاهات، فوقفوا في وجهها بالردود العلمية المُدَعَّمَةِ بالكتاب والسنة، والتحذير من خطر البدعة والمبتدعين.

وقد كان لسعيد بن منصور رحمه الله إسهام في هذا الجانب يدلّ على أنه من أئمة أهل السنة، ولذا كان الإمام أحمد رحمه الله يثني عليه ويطريه، وهو لا يفعل ذلك إلا بأهل السنة المعلنين بها، وموقفه من الذين أجابوا في فتنة خلق القرآن مكرهين معروف (^1).

ويدلنا على معتقد سعيد بن منصور ما ذكره تلميذه حرب الكرماني في مسائله المشهورة (^2) حيث قال: (هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسِّكين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، إلى يومنا هذا. وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرها عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.- قال:- وهو مذهب أحمد (^3)، وإسحاق بن إبراهيم (^4)، وعبد الله بن مخلد (^5)، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وكان من قولهم: أن الإيمان قول وعمل ونيَّة وتَمَسُّكٌ

  • (^1) فإنه هجرهم ولم ير الكتابة عنهم. انظر سير أعلام النبلاء (11/ 322).
    (^2) وتسمَّى أيضًا: " السنَّة"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الاستقامة (1/ 70): (وكذلك لفظ الحركة، أثبته طوائف من أهل السنة والحديث، وهو الذي ذكره حرب بن إسماعيل الكرماني في السنّة التي حكاها عن الشيوخ الذين أدركهم: كالحميدي، وأحمد بن حنبل، وسعيد بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم).
    (^3) يعني ابن حنبل.
    (^4) المعروف بابن راهُويَهْ.
    (^5) لعله يقصد عبد الله بن مَخْلَد بن خالد التميمي النيسابوري، النحوي المترجم في التهذيب (6/ 24).
116

بالسنة، والإيمان يزيد وينقص)، ثم أخذ في ذكر هذه العقيدة (^1).

ويزيد ذلك وضوحًا ما سأعرضه من بعض ما وقفت عليه من سننه في بعض مباحث العقيدة، فمن ذلك:

ـ عند قوله سبحانه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أعلم ما لا تعلمون﴾، أورد أثرًا بإسناد صحيح عن مجاهد أنه قَالَ: عَلِمَ مِنْ إِبْلِيسَ الْمَعْصِيَةَ، وخلقه لها (^2). وهذا من معتقد أهل السنة في باب القدر.

ـ وعند قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التواب الرحيم﴾، أورد أثرًا من رواية أبي عون خصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن مجاهد، وفيه: أن الله أمر إبراهيم الخليل عليه السلام أن يؤذِّن في الناس بالحج، وأن من أجاب إبراهيم من الخلق يومئذ فهو حاج، ثم قال مجاهد لخصيف: يَا أَبَا عَوْنٍ، القَدَريَّةُ لَا يصدِّقون بهذا (^3). وأوضحت في تعليقي على قول مجاهد هذا ما مراده به.

ـ وعند قوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فمن نفسك﴾، أورد أثرًا بإسناد صحيح عن أبي صالح ذَكْوان السَّمَّان- فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سيئة فمن نفسك﴾ -، قَالَ: بِذَنْبِكَ، وإِنَّا قدَّرناها عَلَيْكَ (^4).

وهذا أيضًا من معتقد أهل السنة في باب القدر.

  • (^1) ساقها ابن القيم في حادي الأرواح (ص 326 - 331)، ولولا طولها لسقتها بتمامها.
    (^2) الحديث رقم [184] من هذه الرسالة.
    (^3) الحديث رقم [220] من هذه الرسالة.
    (^4) الحديث رقم [662] من هذه الرسالة.
117

وفي القسم المخطوط من السنن عقد سعيد بعض الأبواب التي هي من صلب مباحث العقيدة، فمن ذلك أنه:

ـ عَقَد بابًا في ما جاء في لزوم الجماعة (^1).

ـ وعقَد بابًا في الأئمة المضلِّين (^2).

ـ وعقَد بابًا في ما جاء في خيار الأئمة (^3).

ـ وعقَد بابًا في النهي عن سبِّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - واللعنة على من سبَّهم (^4).

ـ وعقَد بابًا في فضل عثمان بن عفان (^5).

ـ وعقَد بابًا في ما جاء في فضيلة الحسن والحسين ابني علي (^6).

ـ وعقَد بابًا في المِرَاء (^7).

ـ وعقَد بابًا في ما جاء بمن وُكِلَت الفتنة (^8).

ـ وعقَد بابًا في كراهية الاختلاف (^9).

ـ وعقَد بابًا في النهي عن مجالسة أهل الأهواء (^10).

ـ وعقَد بابًا في النهي عن الاستماع إلى أهل البدع (^11).

  • (^1) سنن سعيد بن منصور (ل 198 / أ).
    (^2) المرجع السابق (ل 198 / ب).
    (^3) المرجع السابق أيضًا (ل 224 / ب - 225 / ب).
    (^4) السابق أيضًا (ل 223 / أ - 223 / ب).
    (^5) السابق أيضًا (ل 213 / أ).
    (^6) السابق أيضًا (ل 229 / أ).
    (^7) السابق أيضًا (ل 202 / أ).
    (^8) السابق أيضًا (ل 202 / ب).
    (^9) السابق أيضًا (ل 205 / ب).
    (^10) السابق أيضًا (ل 218 / ب - 219 / أ).
    (^11) السابق أيضًا (220 / ب).
118

ـ وعقَد بابًا طويلًا في ما جاء في الشفاعة (^1).

ـ وعقَد بابًا طويلًا في ما جاء في القَدَر (^2).

وهناك بعض النقول التي أتت في بعض الكتب مما يمكن أن يضاف لما سبق. فمن ذلك: ما رواه الخطيب البغدادي قال:

أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أنبأ أحمد بن محمد بن عبد الله القطان، ثنا عبد الكريم بن الهيثم، ثنا أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بَزَّة، ثنا أبو العباس الوليد بن عبد العزيز بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج، قال: حدثتني أمي، عن جدي عبد الملك، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن أبي الدرداء قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - من فَلْقِ فيه إلى أذني هذه- ورآني أمشي بين يدي أبي بكر وعمر- فقال: «يا أبا الدرداء، أتمشي بين يدي من هو خير منك؟» (^3). فقلت: ومن هو يا رسول الله؟. فقال: «أبو بكر وعمر، ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين خير من أبي بكر».

قال (^4): فحدَّثت الحميدي (^5)، فقال لي: اذهب بنا إليه حتى أسمعه منه، فقلت له: منزله بالثقبة، والثقبة على رأس ثلاثة أميال من مكة.

  • (^1) السابق أيضًا (216 / أ - 217 / أ).
    (^2) السابق أيضًا (217 / أ - 218 / ب).
    (^3) الحديث المرفوع ضعيف بهذا الإسناد؛ لأنه من رواية عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وهو مدلِّس، ولم يصرِّح بالسماع من عطاء، انظر ترجمة ابن جريج في الحديث الآتي برقم [9] من هذه الرسالة.
    (^4) أي أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بَزَّة كما يتضح من سياق القصة.
    (^5) هو عبد الله بن الزبير الحميدي شريك سعيد بن منصور في الرواية عن سفيان بن عيينة. وهذه القصة تدل على حسن علاقته بسعيد بن منصور، وأنه لم يكن بينهما هجر ولا قطيعة كما قد يفهم من قول سلمة بن شبيب الذي سبق نقله (ص 114 - 115).
119

فلما كان ذات يوم دفنا رجلًا من قريش باكرًا، ثم قال لي الحميدي: هل لك بنا في الرجل؟ قلت: نعم، فخرجنا نريده. فلما كنا بقصر داود بن عيسى لقينا ابن عم له فقال: يا أبا بكر أين تريد؟ قال: أردنا أبا العباس، فقال: يرحم الله أبا العباس، مات أمس.

فقال الحميدي: هذه حَسْرة. ثم قال: أنا أسمعه منك. فدخلنا على سعيد بن منصور وهو يحدِّث، فلما افترق الناس، دنا منه، فقال لي: حدث أبا عثمان حديث الجُرَيْجي، فحدثته.

فقال سعيد: قطع هذا كلَّ عِلَّة.

فقلت للحميدي: ما قطع كل علة؟.

فقال لي: إن أناسًا زعموا أن عليًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وأنه لا يقاس به أحد من الناس، فلما أن قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ما قال، علمنا أن عليًا ليس بنبي ولا مرسل، فقطع كل علة (^1).

ومن ذلك أيضًا: ما رواه ابن عساكر في تاريخه من طريق سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: نا أبو معاوية، نا عمر بن ذر، قال: خرجت وافدًا إلى عمر بن عبد العزيز بن في نفر من أهل الكوفة، وكان معنا صاحب لنا يتكلم في القَدَر، فسألنا عمر بن عبد العزيز عن حوائجنا، ثم ذكرنا له القَدَر، فقال: لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس، ثم قال: قد بيّن الله ذلك في كتابه: ﴿فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم﴾، فرجع صاحبنا ذلك عن القَدَر (^2).

11 - من اتفق معه في الاسم واسم الأب:

أورد الخطيب البغدادي في كتابه: (المتفق والمفترق) (^3) خمسة ممن

  • (^1) الرحلة للخطيب البغدادي (ص 181 - 185).
    (^2) تاريخ دمشق لابن عساكر (13/ 205 / مخطوط الظاهرية).
    (^3) (ل 109، 110).
120

يُسَمَّون سعيد بن منصور، أحدهم صاحب السنن.

وأذكر الأربعة الآخرين لتمييزهم عن المترجم له.

أما الأول، فهو: سعيد بن منصور بن محرز بن مالك بن أحمد الجُذَامي، الشامي، أرسل عن جدّ أبيه مالك بن أحمد، وحدَّث عنه الوليد بن مسلم الدمشقي، وهذا أعلى طبقة من صاحب السنن، لأن الوليد بن مسلم من شيوخ صاحب السنن.

وأما الثاني، فهو: سعيد بن منصور الرَّقِّي (^1)، يروي عن عثمان بن عطاء الخراساني، روى عنه عمر بن شَبَّةَ، وهذا يقارب طبقة صاحب السنن؛ لأن عمر بن شبة روى عنهما كليهما.

وأما الثالث، فهو: سعيد بن منصور المشرقي الكوفي (^2)، يروي عن زيد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن علي بن حسين، روى عنه إسماعيل وحصين ابنا عبد الرحمن الجعفي، وهذا أيضًا أعلى طبقة من صاحب السنن، لأنه يروي عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المقتول سنة اثنتين وعشرين ومائة (^3).

وأما الرابع، فهو: سعيد بن منصور بن حنش، أبو حنش السبائي، وهو أعلى من المصنف طبقة، لأن الخطيب ذكر أنه توفي سنة أربع وثمانين ومائة.

12 - أولاده:-

لم أجد في ما وقفت عليه من المراجع ما يسعف في معرفة شيء

  • (^1) انظر أيضًا إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ل 99 / ب).
    (^2) انظر أيضًا ترجمة حصين بن عبد الرحمن الجعفي في المتفق والمفترق (ل 70).
    (^3) كما في التقريب (ص 224 رقم 2149).
121

عن عائلة سعيد بن منصور، سوى أن له من الأولاد: أحمد (^1) ومحمدًا (^2)، وهذان لم أجد من ترجم لهما، مع أن محمدًا روى شيئًا عن والده كما سبق.

وهناك بعض الرواة الذين يشتبه في أنهم من سلالة سعيد بن منصور.

منهم: الشيخ الإمام المحدِّث الواعظ القدوة، شيخ الإسلام، الأستاذ أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور النيسابوري، الحِيري. ولد سنة ثلاث ومائتين، وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائتين (^3).

ولم أجد أدنى إشارة تدلّ على أن أبا عثمان هذا حفيد لسعيد بن منصور صاحب السنن، إلا أن كنيته وطبقته تُقَوِّي الاحتمال بأنه حفيده، وقد يكون من أحفاد من اتفق مع سعيد في الاسم والنسب ممن تقدم ذكرهم (^4)، أو غيرهم، فالعلم عند الله.

ولسعيد بن إسماعيل هذا ابن يقال له: أحمد، نقل عنه الذهبي، فقال: (قال أبو الحسين أحمد بن أبي عثمان: توفي أبي لعشر بقين من ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين ومائتين، وصلى عليه الأمير أبو صالح) (^5).

وله أيضًا ابن يقال له محمد.

  • (^1) ذكر ذلك أحمد بن محمد بن الحسين- لعلّه الماسِرْجِسي-، ونقله عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق (13/ 355 / مخطوط الظاهرية). وقال الكلاباذي في رجال صحيح البخاري (1/ 296): (وهو والد أحمد).
    (^2) روى محمد عن أبيه أشياء يسيرة، انظر ما تقدم (ص 99، 100).
    (^3) سير أعلام النبلاء (14/ 62 - 66).
    (^4) في المبحث المتقدم بعنوان: من اتفق معه في الاسم واسم الأب.
    (^5) سير أعلام النبلاء (14/ 66).
122

قال الذهبي: (الإمام الحافظ المجَوِّد القدوة الزاهد الأديب، أبو بكر، محمد بن الإمام الزاهد أبي عثمان سعيد بن إسماعيل، النيسابوري، الحِيْرِيّ. سمع عليّ بن الحسن الهلالي ومحمد بن عبد الوهاب الفرَّاء وتَمْتَامًا وإسماعيل القاضي وبكر بن سهل، وكان واسع الرِّحْلة عالمًا. روى عنه: أبو علي الحافظ وولده أبو سعيد وأبو أحمد الحاكم. وكان من كبار الغزاة في سبيل الله، ويرابط بطرسوس. توفي في المحرم سنة خمس وعشرين وثلاثمائة) (^1).

ولمحمد هذا ابن يقال له: أحمد.

قال الخطيب البغدادي: (أحمد بن محمد بن سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور، أبو سعيد النيسابوري، المعروف بابن أبي عثمان، الغازي. وجَدُّه سعيد هو المُكَنَّى: أبو عثمان، وكان واعظ أهل نيسابور وشيخ الصُّوفية. فأما أبو سعيد، فكان من عباد الله الصالحين، وقدم بغداد حاجًا دفعات عدَّة، آخرها في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، … بلغني أن ابن أبي عثمان خرج غازيًا إلى طرسوس، فمات بها) (^2).

وقال الحاكم أبو عبد الله: (أحمد بن محمد بن سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور، الواعظ، الحافظ، أبو سعيد بن أبي بكر بن أبي عثمان رضي الله عنهم وكان قد جمع الحديث الكثير، وصنَّف في الأبواب والشيوخ، ثم أدركته الشهادة بطرسوس، .... صنَّف التفسير الكبير، وخرَّج على المسند الصحيح لمسلم بن الحجاج، وكان من محبّته للحديث يكتب بخطه ويسمع إلى أن استشهد رحمه

  • (^1) المرجع السابق (15/ 258).
    (^2) تاريخ بغداد (5/ 23).
123

الله ....، وتوفي بطرسوس للنصف من شعبان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة) (^1).

فهل يا تُرى هذه الذرية الطيبة من سلالة هذا الإمام سعيد بن منصور صاحب السنن؟.

13 - وفاته وبيان الراجح في تاريخها:-

وهكذا بعد حياة حافلة بطلب العلم وتعليمه والتصنيف فيه، أدرك سعيدًا الأمر الذي لابد منه، وهو الموت الذي كتبه الله على العباد. وقد اختلِفَ في تاريخ وفاته على أربعة أقوال: فمنهم من قال: توفي سنة ست وعشرين ومائتين، ومنهم من قال: سنة سبع وعشرين ومائتين، ومنهم من قال: سنة ثمان وعشرين ومائتين، ومنهم من قال: سنة تسع وعشرين ومائتين.

واختُلف أيضًا في الشهر الذي توفي فيه، فمنهم من قال: توفي في رجب، ومنهم من قال: في رمضان.

أ- أما الذي قال: إنه توفي سنة ست وعشرين ومائتين، فهو تلميذه أبو زرعة الدمشقي، حيث قال في تاريخه: (ومات سعيد بن منصور سنة ست وعشرين ومائتين) (^2).

ب- أما الذي قال: إنه توفي سنة سبع وعشرين ومائتين فهم كثير، منهم: محمد بن سعد، وأبو داود، ومحمد بن عبد الله الحضرمي مُطَيَّن، وحاتم بن الليث الجوهري، وعبد الله بن محمد البغوي، وأبو سعيد ابن يونس، وابن حبان، وكذا جاء عن البخاري في بعض الروايات.

  • (^1) تاريخ دمشق لابن عساكر (2/ 173 - 174 / مخطوط الظاهرية)، وانظر أيضًا سير أعلام النبلاء (16/ 29).
    (^2) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/ 304 رقم 554)، وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق (7/ 357).
124

أما ابن سعد فقال: (سعيد بن منصور، ويُكّنَّى أبا عثمان، توفي بمكة سنة سبع وعشرين ومائتين) (^1).

وأما أبو داود، فقال أحمد بن محمد بن الحسين: (وذكر أبو داود أنه مات سنة سبع وعشرين ومائتين) (^2).

وأما محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي مُطَيَّن فقال: (وفيها- يعني سنة سبع وعشرين ومائتين- مات سعيد بن منصور الخراساني) (^3).

وأما حاتم بن الليث الجوهري فقال: (مات سعيد بن منصور بمكة- ويكنى أبا عثمان- سنة سبع وعشرين ومائتين) (^4).

وأما عبد الله بن محمد البغوي فقال: (ومات سعيد بن منصور بمكة وبها مات، في شهر رجب سنة سبع وعشرين ومائتين) (^5).

وأما أبو سعيد ابن يونس الصَّدَفي فقال: (سعيد بن منصور الخراساني، من أهل مرو، قدم مصر، وكُتب عنه بها، وكان قد قطن بمكة وبها مات، في رمضان، سنة سبع وعشرين ومائتين) (^6).

وأما ابن حبان فقال في كتاب الثقات: (مات بمكة سنة سبع وعشرين ومائتين) (^7).

وأما البخاري، فسيأتي ذكر كلامه في حكاية القول الرابع.

  • (^1) الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 502)، وعنه ابن عساكر في تاريخ دمشق (7/ 357 / مخطوط الظاهرية).
    (^2) تاريخ دمشق أيضًا (7/ 355).
    (^3) تاريخ دمشق أيضًا (7/ 357).
    (^4) تسمية ما انتهى إلينا في الرواة عن سعيد بن منصور عاليًا (ص 26).
    (^5) تاريخ وفاة الشيوخ الذين أدركهم البغوي (ص 47 رقم 9).
    (^6) تاريخ دمشق لابن عساكر (7/ 355 / مخطوط الظاهرية).
    (^7) الثقات لابن حبان (8/ 268 - 269).
125

جـ- وأما الذي قال: إنه توفي سنة ثمان وعشرين فلم أجده، ولكن حكاه المزِّي عن غير معيَّن.

قال المِزِّي في تهذيب الكمال: (وقال أبو زرعة الدمشقي: مات سنة ست وعشرين ومائتين. وقال غيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائتين) (^1).

د- وأما الذي قال: إنه توفي سنة تسع وعشرين ومائتين، فهو موسى بن هارون الحمّال أحد تلامذة سعيد (^2).

وأما البخاري، فاختُلف عنه.

ففي التاريخ الكبير قال: (سعيد بن منصور، مات بمكة سنة تسع وعشرين ومائتين أو نحوها) (^3).

وفي التاريخ الأوسط قال: (مات سعيد بن منصور بمكة- أبو عثمان الخراساني، سكن مكة- يعني سنة سبع وعشرين ومائتين) (^4).

وهذا الاختلاف على البخاري يرجع- فيما يظهر- إلى تقارب رسم (سبع) و(تسع)، فتصحفت (تسع) إلى: (سبع) في الأوسط، والصواب عن البخاري ما جاء في التاريخ الكبير، وقد أطال مغلطاي في بيان خطأ من رواه (سبع) عن البخاري، وذلك في كتابه إكمال تهذيب الكمال (^5).

والراجح من هذه الأقوال قول من قال: إنه توفي سنة سبع وعشرين ومائتين لكثرتهم، وهذا الذي رجحه كل من جاء بعدهم،

  • (^1) تهذيب الكمال المطبوع (11/ 82).
    (^2) كما في الموضع السابق من تهذيب الكمال، وسير أعلام النبلاء (10/ 590).
    (^3) التاريخ الكبير (3/ 516).
    (^4) التاريخ الأوسط المطبوع باسم التاريخ الصغير (2/ 358).
    (^5) (ل 99 / أ).
126

فقد اختاره أبو نعيم (^1)، وابن خير الإِشبيلي (^2)، وابن نقطة (^3)، وغيرهم.

ولما ذكر المزِّي هذه الأقوال، قال: (والصحيح الأول والله أعلم) (^4) - يعني قول من قال: سنة سبع وعشرين ومائتين-.

وقال الذهبي: (قال ابن سعد، وأبو داود، وحاتم بن الليث، وجماعة: مات بمكة سنة سبع وعشرين. زاد ابن يونس، فقال: في رمضان. وقال أبو زرعة الدمشقي: سنة ست، والأول الصحيح. وصحَّف موسى بن هارون، فقال في سنة تسع وعشرين ومائتين) (^5).

وقال أيضًا: (وقال ابن سعد، وأبو داود، ومُطّيَّن، وحاتم بن الليث: مات سنة سبع وعشرين. قال ابن يونس: مات بمكة في رمضان سنة سبع. وقال بعضهم: سنة ست، وهو غَلَط. وقال بعضهم: سنة تسع، وهو غلط أيضًا) (^6).

وأما الشهر الذي توفي فيه، فاختلف فيه قول ابن يونس والبغوي كما سبق. فابن يونس يرى أنه توفي في شهر رمضان، والبغوي يرى أنه توفي في شهر رجب.

ويصعب الترجيح بين القولين بلا مُرَجِّح، والذي ذكره المزِّي والذهبي أنه توفي في شهر رمضان بناءً على قول ابن يونس، والذي يظهر أنهما لم يطلعا على قول البغوي، والله أعلم.

وهكذا بعد حياة دامت ما يقرب من تسعين عامًا قضاها سعيد

  • (^1) في تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عاليًا (ص 26).
    (^2) في فهرسة ما رواه عن شيوخه (ص 135).
    (^3) في التقييد (2/ 18).
    (^4) تهذيب الكمال المطبوع (11/ 82).
    (^5) سير أعلام النبلاء (10/ 590).
    (^6) تاريخ الإسلام- وفيات 221 - 230 (ص 186).
127

ابن منصور في جمع ميراث النبوة- العلم-، وتبليغه، وَافَتْهُ مَنِيَّتُهُ والأمر الذي لا مَفَرّ منه.

نسأله تعالى أن يرفع درجته في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، آمين.


128