سنن سعيد بن منصورالمقدمة · ص 93 - 111

المبحث الأول التعريف بالمؤلف (5 من 6)

وسيأتي- بإذنه تعالى- أثناء الكلام عن اعتقاد سعيد بن منصور ذكر قصة أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بَزَّة مع الحميدي، وفيها يقول أحمد: فدخلنا على سعيد بن منصور وهو يحدِّث، فلما افترق الناس، دنا منه- أي الحميدي-، فقال لي: حدِّث أبا عثمان حديث الجريجي … إلخ القصة (^1).

ولم يكن عقد سعيد لمجالس الحديث بعد فراغه من الرحلة واستقراره بمكة، بل كان يأخذ ويعطي في آن واحد. ففي رحلته إلى مصر، كان يعقد المجالس في مسجد مصر. يقول الحميدي: (كنت بمصر، وكان لسعيد بن منصور حلقة في مسجد مصر، ويجتمع إليه أهل خراسان وأهل العراق …) إلخ القصة (^2).

ب- وأما الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا، فإن سعيد بن منصور قد انتدب نفسه لذلك في جملة علماء الحديث الذين قَبِل الناس قولهم في الجرح والتعديل، والذين قسمهم الذهبي رحمه الله - إلى ثلاثة أقسام، حيث قال: (إعلم- هداك الله- أن الذين قَبِل الناس قولهم في الجرح والتعديل على ثلاثة أقسام:

1 - قسم تكلّموا في أكثر الرواة؛ كابن معين، وأبي حاتم الرازي.

2 - وقسم تكلّموا في كثير من الرواة، كمالك، وشعبة.

3 - وقسم تكلّموا في الرجل بعد الرجل؛ كابن عيينة، والشافعي.

والكلُّ أيضًا على ثلاثة أقسام:

1 - قسم منهم مُتَعَنِّتٌ في الجرح، مُتَثَبِّتٌ في التعديل، يغمز الراوي بالغَلْطَتَيْن والثلاث، ويُلَيِّنُ بذلك حديثه.

  • (^1) انظرها بتمامها في كتاب الرحلة للخطيب البغدادي (ص 181 - 185 رقم 81).
    (^2) تقدم ذكر القصة بتمامها (ص 80 / ق).
93

فهذا إذا وثَّقَ شخصًا، فَعُضَّ على قوله بِنَاجِذَيْكَ، وتمسَّكْ بتوثيقه. وإذا ضَعَّفَ رجلًا فانظر هل وافقه غيرُه على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثِّق ذاك أحدٌ من الحُذَّاق، فهو ضعيف. وإن وثّقه أحد، فهذا الذي قالوا فيه لا يقبل تجريحه إلا مفسَّرًا، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلًا: هو ضعيف، ولم يوضِّح سبب ضعفه، وغيره قد وثَّقه. فمثل هذا يُتَوقَّفُ في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب. وابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني: مُتَعَنِّتون.

2 - وقسم في مقابلة هؤلاء؛ كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي: متساهلون.

3 - وقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي: معتدلون منصفون) (^1). اهـ.

وليس لسعيد بن منصور كثير كلام في الرواة نستطيع أن نصفه من خلاله بالتَّعَنُّت، أو التساهل، أو الاعتدال، بل هو من القسم الثالث الذين تكلَّموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي واعتمد أهل الحديث قوله في الجرح والتعديل.

قال الذهبي في مقدمة رسالته التي سماها: (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) (^2): (فنشرع الآن بتسمية من كان إذا تكلَّم في الرجال قُبِل قولُه، ورُجع إلى نقده، ونسوق من يَسَّر الله تعالى منهم على الطبقات والأزمنة …)، ثم شرع في ذكرهم، وجعلهم ثنتين وعشرين طبقة، وذكر سعيد بن منصور في الطبقة الثالثة (^3).

  • (^1) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي (ص 158 - 159).
    (^2) المرجع السابق (ص 162).
    (^3) السابق أيضًا (ص 167، 169).
94

وقال في مقدمة كتابه: (تذكرة الحفاظ) (^1): (هذه تذكرة بأسماء مُعَدِّلي حملة العلم النبوي، ومن يرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف …)، ثم شرع في ذكرهم، وجعلهم إحدى وعشرين طبقة، ثم قال (^2): (الطبقة الثامنة من الكِتَاب من أكابر الحفاظ، وعدَّتهم مائة وعشرون نفسًا …)، ثم ذكر سعيد بن منصور فيهم (^3).

وقد سبق الذهبي إلى هذا الصنيع ابن عدي في كتاب (الكامل)، فإنه قال في مقدمته (^4): (ذكر من استجاز تكذيب من تبين كذبه، من الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، ومن بعدهم، إلى يومنا هذا، رجلًا رجلًا …)، ثم ابتدأ بمن تكلم في الرجال من الصحابة، ثم التابعين، ثم تابعي التابعين، ثم قال (^5): (طبقة بعد تابعي التابعين، منهم: وكيع بن الجراح …)، ثم ذكر سعيد بن منصور في هذه الطبقة (^6)، وأورد من كلامه محاورته لابن معين في كاتب الليث، وسيأتي ذكرها.

وأسوق هنا بعض ما جاء عن سعيد بن منصور فيما عثرت عليه من كلامه في الرجال. فمن ذلك:

ما رواه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه، قال: (قلت لسعيد بن منصور: أكان مالك بن أنس يرى الكتاب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ العزيز (^7)؟

  • (^1) تذكرة الحفاظ (1/ 1).
    (^2) المرجع السابق (2/ 413).
    (^3) السابق أيضًا (2/ 416).
    (^4) الكامل لابن عدي (1/ 61).
    (^5) المرجع السابق (1/ 117).
    (^6) السابق أيضًا (1/ 126).
    (^7) عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر الليثي، المدني ضعيف، مجمع على ضعفه =
95

قال: ما سألته، وكان ثقة) (^1).

وقال محمد بن يحيى السُّهْلي: (سألت عنه- أي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ العزيز الليثي- سعيد بن منصور، فقال: كان مالك يرضاه، وكان ثقة) (^2).

فهذان النَّصَّان تَضَمَّنَا توثيق سعيد لعبد الله بن عبد العزيز الليثي، لكن ظاهرهما التعارض فيما يتعلق بمعرفة رأي مالك فيه، فالظاهر أنه لما سئل في المرة الأولى لم يكن يعرف رأي مالك فيه، ثم عرفه بعد ذلك ممن سأل مالكًا، فأجاب بجوابه الثاني.

وقد يوصف سعيد من خلال هذا النصّ بالتساهل؛ لكون عبد الله بن عبد العزيز الليثي مجمعًا على ضعفه، لكن من الخطأ الحكم عليه بهذا؛ لأن نَصًّا واحدًا لا يكفي في الحكم عليه بهذا، والله أعلم.

ومما جاء عنه من الكلام في الرجال: ما حكاه هو نفسه، قال: جاءني ابن معين بمصر، فقال لي: يا أبا عثمان، أحب أن تمسك عن كاتب الليث (^3). فقلت: لا أمسك عنه، وأنا أعلم الناس به، إنما كان كاتبًا للضِّياع (^4).

فهذا النص يظهر منه أن سعيد بن منصور عرف حال أبي صالح،

  • = سوى ما ذكره سعيد.
    انظر التهذيب (5/ 301 - 302)، والتقريب (ص 312 رقم 3444).
    (^1) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/ 441 رقم 1091).
    (^2) تهذيب الكمال (15/ 240)، وتهذيب التهذيب (5/ 302).
    (^3) هو عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجُهَني، أبو صالح المصري، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثَبْتٌ في كتابه، وكانت فيه غفلة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين وله خمس وثمانون سنة. اهـ. من تقريب التهذيب (ص 308 رقم 3388).
    (^4) الكامل لابن عدي (1/ 126)، وتاريخ بغداد (9/ 480)، والتقييد لابن نقطة (2/ 17 - 18).
96

وأنه لم يكتب كل ذلك الحديث الذي يرويه عن الليث بن سعد، وإنما كان كاتبًا لضياع الليث، ولذلك كتب بكاتب الليث.

ويُجَلِّي ذلك ما ذكره سعيد بن منصور أيضًا قال: قلت لأبي صالح كاتب الليث: سمعت من الليث؟ قال: لم أسمع من الليث إلا كتاب يحيى بن سعيد (^1).

وقد كان لهذه الحكاية محلٌّ عند علماء الجرح والتعديل فيما يتعلق بسماع أبي صالح من الليث بن سعد.

قال أبو عثمان سعيد بن عمرو البَرْذِعيّ: قلت لأبي زرعة: أبو صالح كاتب الليث؟ فضحك وقال: ذاك رجل حسن الحديث. قلت: أحمد يحمل عليه في كتاب ابن أبي ذئب، وحكاية سعيد بن منصور قد عرفتَها؟ قال: نعم، وشيء آخر؛ سمعت عبد العزيز بن عمران يقول: قرأ علينا كتاب عُقَيْل، فإذا في أوّله مكتوب: حدثني أبي، عن جدي، عن عقيل، فإذا هو كتاب عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد. قلت: فأي شيء حاله في يحيى بن أيوب، ومعاوية بن صالح، والمشيخة؟ قال: كان يكتب لليث، فالله أعلم (^2).

ومن كلامه في الرجال أيضًا، ما نقله القاضي عياض في ترتيب المدارك (^3)، حيث قال: (قال سعيد بن منصور: إنا لنقول- أو إنه ليقال-: ما يطوف بهذا البيت أحد من خلق الله أفضل من القَعْنَبي) (^4).

  • (^1) أسئلة البرذعي لأبي زرعة الرازي (2/ 466)، وتاريخ بغداد (9/ 480)، وتهذيب الكمال المطبوع (15/ 103).
    (^2) أسئلة البرذعي لأبي زرعة (2/ 492 - 494)، وتاريخ بغداد (9/ 480)، وتهذيب الكمال (15/ 103).
    (^3) ترتيب المدارك (3/ 200).
    (^4) هو عبد الله بن مسلم بن قَعْنَب، القَعْنَبي، الحارثي، ثقة عابد، كان ابن معين وابن =
97

ومن ذلك أيضًا قوله: (حدثنا الشيخ الصالح فضيل بن عياض) (^1).

وفي حكايته المتقدمة (^2) مع عبد الرحمن بن مهدي ما يدل على وصفه هشيمًا بالتدليس.

وكلامه أيضًا عن القاضي أبي يوسف بما يدل على عدم رضاه عنه، وسبق نقله (^3).

وذكره حكاية اقتداء سفيان الثوري بالإمام مالك بما يدل على ثنائه على الإمام مالك، وسبق نقلها أيضًا (^4).

ومن ذلك ما حكاه عن سفيان بن عيينة رحمه الله أنه قال: (عليكم بسماع المتقدم الذي سمعتم مني) (^5).

وهذا النصّ يفيد في تقديم رواية من سمع من سفيان قديمًا على سماع المتأخِّر، إذا كان هناك اختلاف عليه.

وقد يحكي سعيد حكاية مفادها الجرح في الراوي، بسبب غفلته وسلامته، ودفعه كتبه إلى من لا يعرف، أو بسبب النوم في مجالس الحديث.

فمن ذلك قوله عن رِشْدين بن سعد (^6): (كنت أخذت منه

  • = المديني لا يُقَدِّمان عليه في الموطأ أحدًا، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين. اهـ من تقريب التهذيب (ص 323 رقم 3620).
    ومراد سعيد بهذا: تفضيل القعنبي في وقته، لا على الإطلاق.
    (^1) تاريخ دمشق لابن عساكر (14/ 260 / مخطوط الظاهرية).
    (^2) ص 78 / ق- 79 / ق.
    (^3) ص 67 / ق- 68 / ق.
    (^4) ص 62 / ق.
    (^5) المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (2/ 179).
    (^6) هو رِشْدين- بكسر الراء وسكون المعجمة- ابن سعد بن مُفْلح المَهْرِي- بفتح الميم وسكون الهاء-، أبو الحجاج المصري، ضعيف، رجَّح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، =
98

بعض كتبه لأكتبه وأسمع منه، ثم كَسَلْتُ عن ذلك، فكان يجيء إلى القَيْسَارِيَّة، فيقول لأصحابنا: إنسان منكم أخذ لنا كتابًا، وليس يَرُدُّه علينا (كذا)، وذكر عنه سعيد سلامةَ عَقْلٍ (^1).

ومن ذلك قوله: (كان عبد الله بن وهب (^2) يسمع معنا عند المشايخ، فكان ينام في المجلس، ثم يأخذ الكتب من بعضنا، فيكتبها) (^3).

وقد يذكر سعيد حكاية فيها مدح للراوي؛ كقوله: (قدم وكيع (^4) مكة- وكان سمينًا-، فقال له الفضيل بن عياض: ما هذا السِّمَنُ وأنت راهب العراق؟ فقال له وكيع: هذا من فرحي بالإسلام، فَأَفْحَمَهُ) (^5).

ومن ذلك أيضًا ما رواه محمد بن سعيد بن منصور، قال: سمعت أبي يقول: قلت ليحيى بن معين: لِمَ لا تجمع حديث الزُّهْري؟ فقال: كفانا محمد بن يحيى (^6) جَمْعَ حديث الزهري (^7).

  • = وقال ابن يونس: كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلّط في الحديث، مات سنة ثمان وثمانين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة. اهـ من التقريب (ص 209 رقم 1942).
    (^1) المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (2/ 186)، ووقع هناك: (سلامة وعقل) فصوّبتها، وقد تكون العبارة: «سلامة وغفلة».
    (^2) هو من شيوخ المصنِّف في هذا الكتاب، ثقة حافظ عابد كما سيأتي في الحديث [310].
    (^3) ترتيب المدارك للقاضي عياض (3/ 240).
    (^4) هو ابن الجراح، ثقة حافظ عابد كما سيأتي في الحديث [47].
    (^5) سير أعلام النبلاء (9/ 156)، وتهذيب التهذيب (11/ 129).
    (^6) هو محمد بن يحيى الذُّهْلي، من تلاميذ سعيد بن منصور، ويروي عنه سعيد أحيانًا.
    (^7) سير أعلام النبلاء (12/ 280)، وتهذيب التهذيب (9/ 514).
99

وقال محمد بن سعيد بن منصور: كان أبي يحدِّث عن محمد بن يحيى، فيقول: حدثني محمد بن يحيى الزُّهْري، يعني لشهرته بحديث الزُّهْري (^1).

وفي المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان عدة أحكام على بعض الرواة يتبادر إلى الذهن أنها صادرة من سعيد بن منصور، لكن الغالب على الظن أنها ليعقوب نفسه؛ يبين فيها أنه يروي عن ذلك الرجل المتكلم فيه بجرح أو تعديل من طريق شيخه سعيد بن منصور، ثم يحكم على الراوي، وهذا كقوله: (وحدثنا سعيد بن منصور، ثنا يوسف بن عطيّة، وهو ضعيف) (^2).

وكقوله: (حدثنا سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن شيبة بن نعامة، وهو ضعيف) (^3).

وكقوله: (حدثنا سعيد، قال: ثنا سفيان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن علقمة، وهو مكّي ثقة كناني من أشرافهم) (^4).

وكقوله: (حدثنا سعيد، عن سفيان، عن سعيد بن سعيد، مكِّي لا بأس به) (^5).

ومما يقوِّي الظن أن الكلام ليعقوب بن سفيان: قوله مرة: (حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين بن ميمون مؤذِّن مسجد الرَّمْلَة، وهو لا بأس به، وقد سمعنا نحن من ابنه، وكان لا بأس

  • (^1) تهذيب التهذيب (9/ 515).
    (^2) المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (2/ 121).
    (^3) المرجع السابق (3/ 59)، وانظر شبيهًا به أيضًا في (3/ 141).
    (^4) المعرفة والتاريخ (3/ 240).
    (^5) المرجع السابق (3/ 53).
100

به (^1).

فقوله هنا: (وقد سمعنا نحن من ابنه، وكان لا بأس به) يظهر منه أن الكلام ليعقوب لا لسعيد، والله أعلم.

وشبيه بهذا ما سيأتي في الحديث رقم [40]؛ حيث يقول سعيد: نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ إِدْرِيسَ- وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ-، قَالَ: قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ لَنَا إِمَامًا يَلْحَنُ، قَالَ: أخِّروه.

فهذا الثناء على إدريس يحتمل أن يكون من سعيد أو من شيخه جرير، ولم أجد ما يقوِّي أحد الاحتمالين، وسواء كان من هذا أو ذاك، فكلاهما ممن يعتمد قوله في الجرح والتعديل (^2).

وقد ينقل سعيد الكلام في الراوي عن إمام آخر، كقوله: (قلت لابن إدريس (^3): رأيتَ سالم بن أبي حفصة؟ قال: نعم، رأيته طويل اللحية، أحْمَقَها، وهو يقول: لبَّيْك لبَّيْك قاتل نَعْثل، لبَّيْك لبَّيْك مُهْلِكَ بني أمية) (^4).

ولم يقتصر جهد سعيد بن منصور على الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا، بل له إسهام في ذكر وفيات الرواة التي يستفاد منها في معرفة اتّصال السند من عدمه، وتصويب ما تصحّف من الأسماء، والاهتمام

  • (^1) السابق أيضًا (2/ 462).
    (^2) أما سعيد بن منصور فتقدم الكلام عنه، وأما جرير، فقد ذكره الذهبي في رسالته: (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) (ص 164).
    (^3) هو عبد الله بن إدريس، من أئمة الجرح والتعديل كما في المرجع السابق (ص 165).
    (^4) تهذيب الكمال للمزِّي (10/ 136 / المطبوع).
    ومقصود ابن إدريس بهذا: بيان تشيًّع ابن أبي حفصة.
    وأما قوله: (نَعْثَل)، فقد أشار محقق ميزان الاعتدال في حاشية الميزان (2/ 110) إلى أن في هامش إحدى النسخ ما نصه: (أشار- والله أعلم- إلى عثمان؛ وذلك لأن الخوارج الذين ساروا إلى عثمان، كانوا يشبِّهونه بيهودي بالمدينة يقال له نعثل).
101

بمعرفة اسم من اشتهر بكنيته، والتعليق على بعض الأحاديث سندًا ومتنًا.

أما كلامه عن تواريخ الوفيات فليس بكثير، فمنه ما ذكره البخاري في التاريخ الصغير (^1) حيث قال: (قال سعيد بن منصور: مات فُلَيح بن سليمان سنة ثمان وستين) - يعني ومائة-.

وأما تصويب ما تصحَّف من الأسماء، فليس بكثير أيضًا، ومثاله: ما ذكره ابن حجر في ترجمة سعد بن عياض الثمالي من التهذيب قال: (وقال سعيد بن منصور: حدثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن سعيد بن عياض …، فذكر أثرًا. قال سعيد بن منصور: كذا قال! وإنما هو: سعد- يعني بسكون العين-) (^2).

وأما معرفة اسم من اشتهر بكنيته، فليس بكثير أيضًا، ومثاله: ما جاء في تاريخ أبي زرعة الدمشقي: (وأبو عقيل السلمي …، قال أبو زرعة: فحدثنا سعيد بن منصور أنه سمع هشيمًا يقول: هاشم بن بلال) (^3).

وأما تعليقه على بعض الأحاديث، فمنه ما يتعلق بالسند، ومنه ما يتعلق بالمتن.

أما السند، فمنه: تصويبه لأسماء بعض رجال الإسناد، وتقدم مثاله قبل قليل.

ومنه بيانه للمبهم في الإسناد، ومثاله: ما أخرجه من طريق شيخه عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عبد الله بن سعد، عن الصنابُحي، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - سمّاه، قال: نهى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الأغلوطات. قال الأوزاعي: يعني شرار المسائل.

  • (^1) التاريخ الصغير (2/ 176).
    (^2) تهذيب التهذيب (3/ 479).
    (^3) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/ 483).
102

ثم بين سعيد بعد ذلك من هو الصحابي المبهم فقال: (قال سعيد: هذا عن معاوية، ولكنه لم يُسَمِّه) (^1).

ومنه بيانه لنسب بعض الرواة، ومثاله: ما أخرجه من طريق شيخه أبي وكيع الجراح بن مليح، عن الهزهاز بن ميزن، أن عدي بن فرس خيَّر امرأته ثلاثًا …، الحديث.

ثم عقّب عليه سعيد بقوله: (قال سعيد: فَرَسُ: جَدُّ وكيع) (^2).

ومنه تعقيبه على بعض الأحاديث بتفرُّد بعض الرواة به، مثل قوله: (ليس هذا الحديث عند أحد إلا عند أبي معاوية) (^3).

وأما تعليقه على المتن، فمنه ما يتعلق بتوجيه بعض القراءات، مثل ما رواه عن عُبيد بن عُمير أنه قرأ: ﴿يهدي بهُ الله﴾ (^4)، ثم قال سعيد: لغة (^5).

ومنه ترجيح بعض الآراء الفقهية، ومثاله: ما رواه عن الحسن البصري: في الرجل يوصي للرجل بالوصية، فيموت الموصى له قبل الموصي، قال الحسن: (الوصية لولد الموصى له)، ثم عقّب سعيد على ذلك بقوله: (قال سعيد: لم يصنع شيئًا)، ثم روى بعده أثرًا عن إبراهيم النخعي أنه قال في المسألة نفسها: (يرجع إلى ورثة الموصي)، ثم عقّب سعيد على ذلك بقوله: (قال سعيد: أصاب) (^6).

وقد يذكر كنيته أحيانًا بدل اسمه؛ فإنه رجَّح مرَّة قول مجاهد على

  • (^1) المطبوع من سنن سعيد بتحقيق الأعظمي (1/ 282 رقم 1179).
    (^2) المرجع السابق (1/ 386 رقم 1660).
    (^3) السابق أيضًا (1/ 81 رقم 311).
    (^4) الآية:
  • (16) من سورة المائدة.
    (^5) وهو الحديث الآتي برقم [724].
    (^6) المطبوع من سنن سعيد بتحقيق الأعظمي (1/ 95 - 96 رقم 367، 368).
103

قول طاوس بقوله: (قال أبو عثمان: القول ما قال مجاهد) (^1).

وقد يكون في عبارته أحيانًا شيء من القسوة، فإذا لم يعجبه القول عقَّب عليه بقوله: (بئس ما قال) (^2).

وهكذا في عدة أمثلة تدلّ بمجموعها على أن للمصنِّف سعيد بن منصور اختيارات فقهية (^3).

جـ- وأما مؤلفاته، فذكروا منها:

1 - كتاب (السنن)، وبعضهم يسمِّيه: (مصنف سعيد بن منصور).

2 - كتاب التفسير.

3 - كتاب الزهد.

والواقع: أن كتاب التفسير، وكتاب الزهد من ضمن السنن كما سيأتي الحديث عنه مفصَّلًا في دراسة الكتاب- إن شاء الله-.

وقد قال أبو عبد الله الحاكم: (له مصنفات كثيرة) (^4)، ولم أجد ذكرًا لشيء من هذه المصنفات سوى السنن، وما هو جزء منها كالتفسير والزهد، فإما أن يكون هناك مصنفات أخرى لا نعلم عنها شيئًا، أو يكون الحاكم قصد بعض الكتب التي هي من ضمن السنن، والله أعلم.

8 - ثناء العلماء عليه:

إن أقوال العلماء في الثناء على سعيد بن منصور، وروايتهم عنه، واحتجاجهم بحديثه، جميع هذا يُجَلِّي لنا مكانته العلمية، ومحلَّه عند

  • (^1) المرجع السابق (1/ 247 رقم 1019).
    (^2) السابق أيضًا (1/ 276 رقم 1151).
    (^3) انظر بعض هذه الأمثلة في المطبوع من سنن سعيد بتحقيق الأعظمي (1/ 251، 326، 349، 406 رقم 1037، 1380، 1489، 1749، 1750)، (2/ 8، 48، 61، 76 رقم 1797، 1980، 2041، 2106).
    (^4) تاريخ دمشق لابن عساكر (7/ 355 / مخطوط الظاهرية).
104

علماء الحديث.

فقد احتج به الجماعة أصحاب الكتب الستة في كتبهم، وعلى رأسهم البخاري ومسلم (^1)، وأخرج ابن خزيمة حديثه في صحيحه، وكذا أبو عوانة الاسفرائيني والدارمي. ولما أخرج الحاكم حديثه قال: (قد اتفقا جميعًا- يعني البخاري ومسلمًا- على الاحتجاج بحديثه) (^2).

وروى عنه جمع من كبار أئمة الحديث؛ كالإمام أحمد، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي، وابنه يحيى، والبخاري، ومسلم، وأبي داود السجستاني، والدارمي، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، وأبي زرعة الدمشقي، وابن سعد صاحب الطبقات، ويعقوب بن سفيان صاحب المعرفة والتاريخ، وأبي ثور الفقيه، وهارون بن عبد الله الحمَّال، ومحمد بن أسلم الطُّوسي، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة، وابن عمار الموصلي، وأبي بكر الأثرم، وحرب الكرماني، وابن الضُّريس، والحافظ سَمُّويَهْ، وبشر بن موسى الأسدي، وعباس الدُّوري، وغيرهم خلق (^3).

وكان الإمام أحمد رحمه الله - كثير الامتداح له.

يقول حرب الكرماني: (سمعت أحمد بن حنبل يحسن الثناء على سعيد بن منصور) (^4).

وقال سلمة بن شبيب: (وذكرت له- أي للإمام أحمد- سعيد بن منصور، فأحسن الثناء عليه، وفخَّم أمره) (^5).

وقال حنبل بن إسحاق: (قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل:

  • (^1) كما سبق بيانه (ص 82 / ق).
    (^2) إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ل 99 / أ).
    (^3) انظر قائمة أسماء تلاميذه (ص 85 / ق - 91 / ق).
    (^4) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (4/ 68 رقم 284).
    (^5) المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (2/ 178).
105

سعيد بن منصور؟ قال: من أهل الفضل والصدق) (^1).

وكان رحمه الله يحث طلبة الحديث على السماع منه.

قال الفضل بن زياد: (سمعت أبا عبد الله، وقيل له: من بمكة؟ قال: سعيد بن منصور) (^2).

ومن عظم مكانته عنده: أنه حدث عنه وهو حي.

قال عبد الله بن الإمام أحمد: (حدثنا أبي عنه وهو حي) (^3).

ولم يكن الثناء على سعيد بن منصور مقصورًا على الإمام أحمد، بل توالت عبارات علماء الحديث في الثناء عليه وتوثيقه.

فمحمد بن عبد الرحيم، المعروف بصاعقة كان إذا حدَّث عنه أثنى عليه وأطراه، وكان يقول: (حدثنا سعيد بن منصور، وكان ثبتًا) (^4).

وقال أبو زرعة الدمشقي: فحدثني أحمد بن صالح (^5) وعبد الرحمن بن إبراهيم (^6)، أنهما حضرا يحيى بن حسَّان (^7) مقدِّمًا لسعيد بن منصور، يرى له، ويثبت حفظه، وكان حافظًا (^8).

وقال حرب بن إسماعيل الكرماني: (كتبت عنه سنة مائتين

  • (^1) المتفق والمفترق للخطيب البغدادي (ل 110 / أ)، وتاريخ دمشق (7/ 356 / مخطوط الظاهرية).
    (^2) المعرفة والتاريخ (2/ 179)، وتاريخ دمشق (7/ 356).
    (^3) مسند الإمام أحمد (3/ 500)، وتاريخ دمشق أيضًا (7/ 355).
    (^4) تسمية ما انتهى إلينا في الرواة عن سعيد بن منصور عاليًا لأبي نعيم (ص 26)، وتهذيب الكمال (11/ 80)، وسير أعلام النبلاء (10/ 587).
    (^5) أي المصري.
    (^6) المعروف بـ: دُحَيْم.
    (^7) أي ابن حَيَّان التِّنِّيسي.
    (^8) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/ 304 رقم 554)، وتاريخ دمشق (7/ 356 / مخطوط الظاهرية).
106

وتسع عشرة، وأملى علينا نحوًا من عشرة آلاف حديث من حفظه، ثم صنَّف بعد ذلك الكتب، وكان موسعًا عليه) (^1).

وقد وثّقه يحيى بن معين (^2) وعبد الله بن نُمير، وابنه محمد (^3)، وأبو حاتم الرازي (^4)، وعبد الرحمن بن يوسف بن خراش (^5)، ومسلمة بن القاسم (^6)، والخطيب البغدادي (^7).

وقال محمد بن سعد: (كان ثقة كثير الحديث) (^8).

وقال الخليلي: (سعيد بن منصور ثقة، متفق عليه) (^9).

وقال ابن قانع: (هو ثقة ثبت) (^10).

وقال أبو حاتم ابن حِبّان: (كان ممن جمع وصنَّف، وكان من

  • (^1) تهذيب الكمال أيضًا (11/ 81)، وسير أعلام النبلاء (10/ 587، 590).
    (^2) معرفة الرجال ليحيى بن معين (رواية ابن محرز) (1/ 101 رقم 444).
    (^3) كما في تاريخ دمشق (7/ 356)، وإكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ل 99 / أ).
    (^4) كما في الجرح والتعديل (4/ 68).
    ونقل المزِّي في تهذيب الكمال (11/ 80 / المطبوع)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (10/ 587) عن أبي حاتم الرازي أنه قال: (هو ثقة، من المتقنين الأثبات، ممن جمع وصنَّف).
    والذي أطلق هذه العبارة على سعيد بن منصور هو أبو حاتم ابن حِبّان- كما سيأتي-، لا الرازي، وليس من عادة أبي حاتم الرازي إطلاق مثل هذه العبارات، والله أعلم.
    (^5) تاريخ دمشق (7/ 356)، وتهذيب الكمال (11/ 80).
    (^6) إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ل 99 / أ).
    (^7) المتفق والمفترق للخطيب (ل 110 / أ).
    (^8) انظر الطبقات الكبرى له (5/ 502)، وتاريخ دمشق (7/ 357 / مخطوط الظاهرية)، وتهذيب الكمال المطبوع (11/ 80).
    (^9) الإرشاد للخليلي (1/ 231 رقم 60).
    (^10) إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ل 99 / أ)، وتهذيب التهذيب (4/ 90).
107

المتقنين الأثبات) (^1).

وقال الدارقطني: (أصحاب ابن عيينة الحُفَّاظُ منهم: الحميدي، ومُسَدَّدُ، وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة) (^2).

وقال أبو عبد الله الحاكم: (هو رواية سفيان بن عيينة، وأحد أئمة الحديث، وله مصنَّفات كثيرة، متفق على إخراجه في الصحيحين؛ فإن الإمامين محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج قد رويا عنه، واحتجّا به في الصحيحين) (^3).

ولما صنَّف أبو نعيم الأصبهاني كتابه: (تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عاليًا) ذكر السبب الحامل له على تصنيف هذا الكتاب، فقال: (وحملني على ذلك قِدَم وفاة سعيد بن منصور، وموضعه من التوثُّق والفضل. وهو سعيد بن منصور، أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة، ثبت، صدوق، حدَّث عنه الكبار من الحفاظ والمتقنين) (^4).

وفي ترجمة محمد بن يحيى الذُّهْلي من تاريخ بغداد قال الخطيب البغدادي: (حدَّث عنه- أي عن الذُّهْلي- جماعة من الكُبَراء …)، ثم ذكر فيهم سعيد بن منصور (^5).

ولما ذكر ابن دِحْيَةَ الكَلْبي حديثًا في كتابه (العَلَم المشهور)، قال: (وأسنده الإمام المُجْمَعُ على عدالته، المتفق في الصحيحين على

  • (^1) الثقات لابن حبان (8/ 268 - 269)، والمرجع السابق.
    (^2) انظر حاشية المطبوع من تهذيب الكمال (11/ 82).
    (^3) تاريخ دمشق (7/ 355).
    (^4) تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عاليًا (ص 26).
    (^5) تاريخ بغداد (3/ 415).
108

إخراج حديثه وروايته: أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني) (^1).

وقال ابن القطّان الفاسي: (هو أحد الأثبات) (^2).

وقال الذهبي: (الحافظ، الإمام …، كان ثقة صادقًا، من أوعية العلم) (^3).

وقال أيضًا: (رَحَلَ وطَوَّفَ، وصار من الحفاظ المشهورين، والعلماء المتقنين) (^4).

وقال أيضًا: (من نظر سنن سعيد بن منصور، عرف حفظ الرجل وجلالته) (^5).

وقال أيضًا: (الحافظ الثقة، صاحب السنن) (^6).

وقال أيضًا: (الإمام الحجَّة) (^7).

9 - ما تكلم به فيه والجواب عنه:

اتفقت كلمة أئمة الجرح والتعديل السابق ذكرهم على توثيق سعيد بن منصور والثناء عليه. ويعكِّر على ذلك بعض الأقوال التي قيلت فيه مما يمكن أن يُعَدَّ جرحًا، لكنها ليست بشيء إذا وُضعت في ميزان النقد الصحيح. فمن ذلك:

أ- أن سعيد بن منصور روى حديثًا عن شيخه إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا محمد بن إسحاق، أخبرني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن

  • (^1) العالم المشهور لابن دحية (ص 161).
    (^2) إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ل 99 / أ).
    (^3) سير أعلام النبلاء (10/ 586 - 587).
    (^4) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات 221 هـ - 230 هـ) (ص 184 - 185).
    (^5) المرجع السابق (ص 186).
    (^6) ميزان الاعتدال (2/ 159 رقم 3277).
    (^7) تذكرة الحفاظ (2/ 416).
109

عبد الله اليَزَني، عن عبد الرحمن الصَّنَابُحي، قال: رأيت أبا بكر يمسح على الخمار.

روى هذا الحديث يعقوب بن سفيان الفسوي، عن شيخه سعيد بن منصور، ثم ذكر يعقوب أن سعيدًا سمَّى الصنابحي: عبد الرحمن بن عثيلة، وأن غير سعيد يقول: ابن عسيلة، قال يعقوب: (وهو الصحيح) - يعني بالسين، ثم قال: (وكان سعيد بن منصور إذا رأى في كتابه خطأ لم يرجع عنه) (^1). اهـ.

ولأجل قول يعقوب هذا، ذكر الذهبي سعيد بن منصور في ميزان الاعتدال (^2)، وامتدحه بقوله: (الحافظ الثقة)، ولم يلتفت إلى هذا القول فيه.

وأما الحافظ ابن حجر، فإنه رأى أن صنيع سعيد هذا لا يقتضي جرحه؛ لأنه لم يكن من باب المكابرة في التمسك بالخطأ، بل من شدة ثقته بضبطه؛ فإنه لما ذكر سعيد بن منصور في التقريب (^3)، قال: (ثقة مصنِّف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدّة وثوقه به).

وعليه، فلا يقدح قول يعقوب هذا في شيخه طالما عُرف أنه كان واثقًا بكتابه؛ لشدَّة تحرِّيه أثناء سماع الحديث، وحفظه بعد ذلك لكتابه من أن يعبث به عابث. وسبق في بيان آرائه في الرجال أنه كان يَنْتَقِدُ شيخَه عبد الله بن وهب لأنه كان يسمع معهم عند المشايخ، وينام في المجلس، ثم يأخذ الكتب من بعضهم فيكتبها (^4).

  • (^1) المعرفة والتاريخ (2/ 222).
    (^2) (2/ 159 رقم 3277).
    (^3) (ص 241 رقم 2399).
    (^4) تقدم ذكر الحكاية (ص 99 / ق).
110

ولم يحرص على الأخذ من رِشْدين بن سعد، لَمّا استبان له أنه يدفع كتابه لمن لم يعرف، وذكر عنه سلامةَ عَقْلٍ (^1).

ومع هذا الحرص والتحرِّي، قد يخطئ سعيد كغيره من الأئمة الذين لم يسلم منهم أحد من الخطأ، لكن أخطاءهم مغمورة في بحر صوابهم، والماء إذا بلغ القُلَّتين لم يحمل الخبث.

فهذا إمام الأئمة مالك بن أنس رحمه الله - أخطأ في اسم الصُّنَابُحي هذا، خَطَّأه البخاري (^2)، فهل حَطَّ ذلك من قدره؟.

وهذا إمام الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطّان يقول عنه الإمام أحمد: (ما رأيت أقلّ خطأ من يحيى، ولقد أخطأ في أحاديث)، ثم قال: (ومن يَعْرَى من الخطأ والتصحيف؟) (^3).

وكم للبخاري من أخطاء في الرواة في تاريخه الكبير، دفعت ابن أبي حاتم إلى أن يؤلِّف مؤلَّفًا في بيان أخطاء البخاري (^4)، فكان ماذا؟.

فسعيد بن منصور أخطأ كما أخطأ غيره، ولم يكثر منه الخطأ حتى يكون قادحًا، بل الأئمة معترفون بحفظه وجلالته، وتقدم قول حرب الكرماني: (أملى علينا نحوًا من عشرة آلاف حديث من حفظه)

  • (^1) تقدم ذكر الحكاية أيضًا (ص 98 / ق - 99 / ق).
    (^2) روى مالك حديثًا من طريق زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بن يسار، عن الصنابحي هذا، غير أنه سمّاه: (عبد الله الصنابحي). قال الترمذي: (سألت محمد بن إسماعيل- يعني البخاري- عنه، فقال: وَهِمَ فيه مالك، وهو أبو عبد الله، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة). اهـ من تهذيب التهذيب (6/ 90 - 91).
    (^3) تهذيب التهذيب أيضًا (11/ 218).
    (^4) واسم مؤلَّفه هذا: (كتاب بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه)، وهو مطبوع في آخر التاريخ الكبير، بعد كتاب الكنى، بتحقيق العلاّمة عبد الرحمن المعلِّمي ﵀.
111