استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعديالجزء 1 · ص 17 - 24

تمهيد

تمهيد

- تعريف الاستنباط لغة واصطلاحًا.

الاستنباط لغة: من النبط، والنَّبَط الماء الذي يَنْبُطُ من قعر البئر إِذا حُفرت وقد نبَطَ ماؤها ينْبِطُ ويَنْبُطُ نَبْطًا ونُبوطًا، وأَنبطنا الماءَ أَي استنبطناه وانتهينا إِليه، وكل ما أُظهر فقد أُنْبِط واسْتَنْبَطه، واستنبط منه علمًا وخبرًا ومالًا استخرجه، والاسْتنْباطُ الاستخراج واستنبَطَ الفَقِيهُ إِذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمِه قال الله عز وجل: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. قال الزجّاج معنى يستنبطونه في اللغة يستخرجونه وأَصله من النبَط وهو الماء الذي يخرج من البئر أَوّل ما تحفر (^1).

اصطلاحًا: استخراج ما خفي المراد به، من اللفظ (^2).

وعليه فالاستنباط من القرآن هو: استخراج المعاني، والأحكام، والحكم، والمناسبات، الخفية، من القرآن الكريم، بطريق صحيح (^3).

ولم يتعرض السعدي لتعريف الاستنباط تعريفًا دقيقًا كفعل أهل التعريفات، ولكن من خلال كلام السعدي عن التدبر، وكيفية فهم معاني

  • (^1) انظر: لسان العرب/نبط (14/ 176).
    (^2) هذا التعريف نسبه النووي إلى العلماء، انظر: تهذيب الأسماء واللغات (786).
    (^3) انظر: الاستنباط من النص شروطه وضوابطه د. محمد ميغا (149)، ومنهج الاستنباط من القرآن للوهبي (45).
17

القرآن، وأن من هذه المعاني ما يكون بعد معنى اللفظ، ويظهر بطريقة اللازم، ظهر من ذلك إشارة من السعدي لمعنى الاستنباط، فقال السعدي في تقرير ذلك: (التنبيه اللطيف على كيفية تدبر كتابه، وأن لا يكون المتدبر مقتصرًا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ، والذي يوجب له الجزم بأن الله أراده أمران:

أحدهما: معرفته وجزمه بأنه من توابع المعنى والمتوقف عليه.

والثاني: علمه بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه.

وقد علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني. وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحًا) (^1).

- بيان أهمية الاستنباط، وكيفية الوصول إليه.

إن أفضل درجات العلم للعباد طريق الاستنباط، ألا ترى أن من يكون مستنبطًا من الأمة فهو على درجة ممن يكون حافظًا غير مستنبط (^2)، وقد مدح الله أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم (^3)، وتبرز أهمية الاستنباط وآكديته عندما نعلم أن بعض الأحكام الشرعية طريق معرفتها هو الاستنباط، قال النووي: (وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، بأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط، فات القضاء في

  • (^1) انظر: تفسير السعدي (732).
    (^2) انظر: أصول السرخسي (2/ 94).
    (^3) انظر: أعلام الموقعين (1/ 214).
18

معظم الأحكام النازلة أو في بعضها) (^1)، وقال الجصاص: (فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص قد كُلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه، فعلى العلماء استنباط أحكام الحوادث والتوصل إلى معرفتها بردها إلى نظائرها من المنصوص) (^2).

وقد أشار السعدي إلى أهمية الاستنباط، بأنه سبب لتحصيل العلم العظيم، فقال: (بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له، وقد كان في تفسيرنا هذا، كثير من هذا منّ به الله علينا) (^3)، وقال في موضع آخر: (وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة. فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد، فمن وفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقًا ونورًا، انفتحت له في القرآن، العلوم النافعة، والمعارف الجليلة، والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية) (^4).

كيفية الوصول إلى الاستنباط

للوصول إلى الاستنباط خطوات، وشروط في المستنبط، وشروط في المعنى المستنبط، لا بد من مراعاتها للوصول إلى الاستنباط.

فالخطوة الأولى المهمة، والتي تعتبر أساسًا للاستنباط هي معرفة معنى اللفظ، وفهمه فهمًا صحيحًا؛ لأن عدم فهم النص يترتب عليه

  • (^1) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (11/ 49).
    (^2) انظر: أحكام القرآن للجصاص بتصرف (2/ 270).
    (^3) انظر: تفسير السعدي (732).
    (^4) انظر: القواعد الحسان للسعدي (19).
19

استنباطًا خاطئًا، قال السعدي في ذلك: (بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ) (^1)، وقال كذلك: (والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع: أن تفهم ما دل عليه اللفظ من المعاني فإذا فهمتها فهمًا جيدًا، ففكر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يشترط لها، وكذلك فكر فيما يترتب عليها، وما يتفرع عنها، وينبني عليها، وأكثر من هذا التفكير وداوم عليه، حتى تصير لك ملكة جيدة في الغوص على المعاني الدقيقة، فإن القرآن حق، ولازم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق، ذلك كله حق ولابد، فمن وفق لهذه الطريقة وأعطاه الله توفيقًا ونورًا، انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة، والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية) (^2).

أما المستنبط فلا بد أن تتوفر فيه بعض الشروط؛ إذ الاستنباط علم دقيق، خفي، يحتاج إلى شخص تتوفر فيه شروط ليس كغيره من أهل العلم، وقد أشار السعدي إلى بعض الشروط إجمالًا فقال: (كما أن المفسر للقرآن يراعي ما دلت عليه ألفاظه مطابقة، وما دخل في ضمنها، فعليه أن يراعي لوازم تلك المعاني، وما تستدعيه من المعاني التي لم يعرج في اللفظ على ذكرها، وهذه القاعدة: من أجل قواعد التفسير وأنفعها، وتستدعي قوة فكر، وحسن تدبر، وصحة قصد، فإن الذي أنزله للهدى والرحمة هو العالم بكل شيء، الذي أحاط علمه بما تكن الصدور، وبما تضمنه القرآن من المعاني، وما يتبعها وما يتقدمها، وتتوقف هي عليه) (^3)، وقال كذلك: (لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبره وتفهمه وكثرة التفكر في

  • (^1) انظر: تفسير السعدي (732).
    (^2) انظر: القواعد الحسان للسعدي (19).
    (^3) انظر: القواعد الحسان للسعدي (19).
20

ألفاظه ومعانيه ولوازمها، وما تتضمنه، وما تدل عليه منطوقًا ومفهومًا، فإذا بذل وسعه في ذلك فالرب أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح عليه من علومه أمورًا لا تدخل تحت كسبه) (^1)، ومن الشروط المطلوبة في المستنبط كذلك (^2):

1 - صحة الاعتقاد، والعدالة، والبعد عن الأهواء والتعصب.

2 - الملكة الفطرية والمكتسبة للحفظ والفهم، وهي أن يكون عنده صفاء ذهن ونفاذ بصيرة، وحدة ذكاء، وقدرة فطرية على النظر والاستدلال.

3 - العلم من اللغة العربية ما يحسن به الفهم.

4 - العلم بأصول الفقه، خصوصًا ما يتعلق بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وأنواع الدلالات.

5 - العلم بأصول التفسير.

6 - العلم بالفقه ومذاهب العلماء في الأحكام الشرعية.

7 - العلم بأصول الحديث، والقدرة على التمييز بين الصحيح والضعيف.

8 - العلم بالنظائر وطرق الإلحاق.

9 - العلم بالاصطلاحات والحدود عند كل أهل فن مما يحتاج إليه في الاستنباط.

10 - العلم بمقاصد الشريعة من حيث الجملة والتفصيل.

11 - العلم بالقواعد الشرعية الكلية.

  • (^1) انظر: تفسير السعدي (30).
    (^2) انظر: الاستنباط من النص شروطه وضوابطه د. محمد ميغا (152 - 155)، ومنهج الاستنباط من القرآن للوهبي (199 - 240).
21

12 - معرفة الطرق الصحيحة للاستنباط؛ إذ الجهل بالطرق الصحيحة يؤدي إلى الخطأ في الاستنباط.

وأما بالنسبة للمعنى المستنبط فلا بد من مراعاة بعض الشروط حتى يكون الاستنباط صحيحًا، وعليه فيشترط في المعنى المستنبط الشروط التالية (^1):

1 - سلامة المعنى المستنبط من معارض شرعي راجح.

2 - أن يكون بين المعنى المستنبط وبين اللفظ ارتباطًا صحيحًا.

3 - أن يكون المعنى المستنبط مما للرأي فيه مجال.

4 - عدم مخالفته لمقصد من مقاصد الشريعة.

  • (^1) انظر: الاستنباط من النص شروطه وضوابطه د. محمد ميغا (157)، ومنهج الاستنباط من القرآن للوهبي (243 - 276).
22

القسم الأول: الشيخ عبد الرحمن السعدي ومنهجه في الاستنباط

القسم الأول: الشيخ عبد الرحمن السعدي ومنهجه في الاستنباط، وفيه خمسة فصول:

الفصل الأول: ترجمة موجزة للشيخ عبد الرحمن بن سعدي

الفصل الثاني: صيغ الاستنباط وطريقة عرضها عند الشيخ السعدي

الفصل الثالث: موضوعات الاستنباط من القرآن عند الشيخ السعدي

الفصل الرابع: منهج الشيخ السعدي في طرق الاستنباط من القرآن

الفصل الخامس: تأثر الشيخ السعدي باستنباطات المفسرين وموقفه منها

23

الفصل الأول ترجمة موجزة للشيخ عبدالرحمن بن سعدي

الفصل الأول: ترجمة موجزة للشيخ عبدا لرحمن السعدي، وفيه مبحثان:

24