حاشية الشهاب على تفسير البيضاويالجزء 5 · ص 264 - 279

سورة إبراهيم عليه السلام (2 من 2)

محتاج إليه في أداء هذا المعنى، وفيه تأمّل فالمثل بمعنى التشبيه التمثيلي لا الاستعارة.

قوله: (ويجوز أن تكون كلمة بدلًا من مثلاَ) قيل عليه أنه لا معنى لقولك ضرب الله كلمة

طيبة إلا بضم مثلا إليه فمثلًا هو المقصود بالنسبة فكيف يبدل منه غيره، وهذا بناء على ظاهر قول النحاة إن المبدل منه في نية الطرح، وهو غير مسلم، وهذا الوجه مبنيّ على تعدي ضرب إلى مفعول واحد، والبدل قيل إنه بدل اشتمال، ولو جعل بدل كل من كل لم يبعد، وقوله وأن تكون أوّل مفعولي ضرب الخ بناء على أنها تتعدى إلى مفعولين كما مرّ تفصيله إمّا لكونه بمعنى جعل، واتخذ أو لتضمنه معناه، ولا يرد عليه بأنّ المعنى أنه تعالى ضرب لكلمة طيبة مثلا لا كلمة طيبة مثلًا لأنّ المثل عليه بمعنى الممثل به، والتقدير ذات مثل أولها مثلًا. قوله: (وقد قرئت) أي كلمة بالرفع على الابتداء لكونها نكرة موصوفة، والخبر كشجرة، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف أيضا وكشجرة صفة أخرى، والجملة خبر لمبتدأ مقدّر، وهي تفسير لقوله ضرب الله مثلًا عليهما، وقوله ضارب بعروقه فيها تفسير للأصل بالعروق الداخلة في الأرض فضارب من ضرب في الأرض إذا سار فيها تجوز به عن الدخول، وقوله وأعلاها تفسيره

بالأعلى لتفرّعه على الأصل من قولهم فرع الجبل إذا علاه وتوجيه لإفراد. مع أنّ كل شجرة لها فروع بأنه أفرد لأنه أريد به الأعلى أو المراد به الفروع لأنه مضاف والإضافة حيث لا عهد ترد للاستغراق فاكتفى بالواحد أو لأنه مصدر بحسب الأصل، واضافته تفيد العموم، وكلام المصنف رحمه الله يحتملهما، وأفنان جمع فنن بفتحتين، وهو الغصن، والشعبة من الشجر والسماء بمعنى جهة العلو لا المظلة. قوله: (والأوّل على أصله ولذلك قيل إنه أقوى ولعل الثاني أبلغ) كون الأوّل على الأصل الأقوى لإثباته لمن هو له قال ابن جني رحمه الله لأنك إذا قلت ثابت أصلها فقد أجريت الصفة على غير ما هي له، وهو الشجرة إذ الثبات إنما هو للأصل، والصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سببه قد تجري عليه لكنها أخص بما هي له لفظا، ومعنى فالأحسن تقديم الأصل عناية به مع ما فيه من حسن التقابل، والتقسيم، وقولك مررت برجل أبوه قائم أقوى من قولك قائم أبوه لأنّ المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب لا الرجل مع ما فيه من تكرّر الإسناد، وكون الثاني أبلغ أي أكثر مبالغة لجعل الشجرة بثبات أصولها ثابتة بجميع أغصانها، وقوله تعطي ثمرها تفسير له، ونسبة الإعطاء إليها مجازية. قوله: (وقتة الله تعالى لإلمارها) وفيه نسخة أقته بالهمزة، وهما بمعنى قيل إذا كان المراد من الشجرة النخلة على ما روي فكلها الطلع، والبسر والرطب، والتمر وهو دائم لا ينقطع فلا حاجة إلى التقييد بهذا القيد، ولا يخفى أنه تقييد للإيتاء لا ل! ل فلا بد من تخصيصه بما ذكر، وقوله بإرادة خالقها، وتكوينه مر تحقيقه. قوله: (لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير الخ الأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس، والخيال، والوهم فإذا ذكر ما يلائمها من المحسوسات ترك الحس، والخيال المنازعة، وانطبق المعقول على المحسوس فحصل به الفهم التام، وقد مرّ تفصيله. قوله: (كمثل شجرة) يعني فيه مضاف مقدر، والمثل بمعنى الصفة القريبة وقوله استؤصلت بالهمزة، وتبدل واوًا أي قلعت من أصلها، واجتثت مأخوذ من الجثة، وهي البدن يقال اجم! مت الشيء بمعنى اقتلعته فهو افتعال من الجثة كما أشار إليه المصنف رحمه الله قال لقيط الأيادي: هو الجلاء الذي يجتث أصلكم فمن رأى مثل ذا آت ومن سمعا

وقوله بالكلية إشارة إلى أنه عبارة عن ذلك، وقوله لأنّ عروقها قريبة منه أي من الفوق فكأنها فوق بدليل ما بعده، وقوله ما أعرب أي دل وأظهر، وقوله فالكلمة أي على تعميمها المراد بها ما ذكر، وقوله وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة فيكون المقصود تشبيه الكلام الحق بها كما شبه بها (المؤمن) في الحديث ووجه الشبه ثباتها، وعدم تغيرها بحسب الفصول، وطيب ثمرتها. قوله: (وروي ذلك مرفوعًا الخ) قال الحافظ في الدر المنثور أخرجه الترمذقي والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا قال أتى رسول الله ﷺ بقناع من بسر فقال: " مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة حتى بلغ ثؤتي كلها كل حين بإذن ربها قال هي النخلة، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة حتى بلغ ما لها من قرار قال هي الحنظلة، والكشوت " بالفتح، وتضم والأكشوث بالكاب، والشين المعجمة، والثاء المثلثة

264

نبت متعلق بالأغصان له عرق في الأرض، وقال الخليل بن أحمد أنه من كلام أهل السواد وليس بعربيّ محض، وتشبيه الكلمة الخبيثة به لعدم ثباتها، ونفعها، ولذا يشبه به الرجل الذي لا حسب له، ولا نسب كما قال الشاعر:

فهوالكشوث فلا أصل ولا ورق ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر

واطلاق الشجر على الحنظل، والكشوث للمشاكلة إذ هو نجم لا شجر، وقوله وبشجرة

في الجنة معطوف على قوله بالنخلة، وهذا مرويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو أنسب بقوله تؤتي أكلها كل حين، وكذا تفسيرها بالحنظل مروفي عن النبيّ رسول الله ﷺ كما مرّ. قوله: (الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم) بالقول جوّزوا تعلقه بيثبت، وآمنوا وفي الحياة متعلق

بيثبت أو بالثابت فإذا تعلق بآمنوا فالباء سببية، والمعنى آمنوا بالتوحيد الخالص فوجدو.، ونزهوه عما لا يليق بجنابه فإذا تعلق بيثبت فالمعنى ثبتهم بالبقاء على ذلك أو ثبتهم في سؤال القبر به، وقوله فلا يزالون أي يتحوّلون عما هم عليه إذا قيض لهم من يقيهم، ويحاول زللهم عنه، وزكريا ويحى معروفان وجرجيس من الحوارفي من أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام علمه الله الاسم الأعظم الذي يحيي به الموتى، وكان بالموصل وبها ملك جبار كافر فدعاه جرجيس إلى عبادة الله ونهاه عن عبادة الأصنام فأمر به فشد يداه، ورجلا. ومشط بأمشاط من حديد ثم صب عليه ماء الملح فصبره الله على ذلك، ثم سمر عينيه وأذنيه بمسامير من حديد فصبر عليه، ثم دعا بحوض نحاس فأحمى، ثم ألقي فيه وأطبق رأسه عليه فجعله الله عليه بردًا وسلامًا، وزاده حسنًا وجمالًا، ثم قطع إربا إربا فأحياه الله، ثم دعاهم إلى الله، وأحيا الموتى فلم يؤمن الملك فأمره الله بأن يعتزلهم، ثم خسف بهم الأرض وشمعون كان من زهاد النصارى، وكان يحارب عبدة الأصنام من الروم فاحتالوا بأنواع الحيل عليه فلم يقدروا على قتله إلى أن خدعته امرأته بوعدها بأموال كثيرة، ونحوها فسألته في خلوة له كيف يغلب عليه فقال إن أشد بشعري إذا لم أكن طاهرا فإني لا أقدر على حله فأخبرتهم ففعلوا به ذلك، وألقوه من مكان عال فهلك، وقوله والذين فتنهم أصحاب الأخدود معطوف على زكريا، وستأتي قصرتهم في سورة البروج، وتلعثم بمعنى تأخر وتوقف عن الإجابة. قوله: (وروي أنه ﷺ ذكر قبض روح المؤمن الخ) (1) هذا الحديث أخرجه أبو داود والحاكم عن البواء بن عازب رضي الله عنه وصححوه، وهذا الحديث يدلّ على أنّ المراد من الآخرة القبر لأنه أول منزل من منازلها، وقد سماه بعض الأدباء دهليز باب الآخرة، واعادة الروح في القبر عند السؤال كما في حال.

الحياة، وقيل كحال النوم، ولعل المنادي من السماء ملك مأمور بذلك، وقوله بالاقتصار على التقليد أي تقليد أهل الضلال بقرينة المقام لا مطلق التقليد بدليل ما فرع عليه. قوله: (أي شكر نعمته كفرا بأن وضعوه مكانه الخ) فعلى الأوّل التبديل التغيير في الوصف، وهو على تقدير مضاف، والتبديل لغويّ، وعلى الثاني التبديل في الذات إذا زالت النعمة، وحل في محلها الكفر، وقوله فصاروا تاركين لها فالتبديل بين نفس النعمة وكفرانها، وقوله فقحطوا أي أصابهم القحط والغلاء، وقحطوا كسمعوا، ويقال قحطوا وأقحطوا بضمهما على قلة، وقوله إلا فجران أي الحيان إلا فجران وقوله فمتعوا إلى حين أي بقوا ولم يفنوا. قوله: (الذين شايعوهم) أي تابعوهم في الكفر، وهو صفة للقوم وضمير شايعوا لهم وهم للذين، وهم صناديد مكة، ودار الهلاك جهنم وحملهم على الكفر كونهم دعوهم له. قوله: (داخلين فيها مقاسين لحرّها) تفسير له على الوجهين وقيده بمقاسين لتتم الفائدة لأنّ الدخول فهم من قوله أحلوا ولو اقتصر على الثاني كان أحسن، وأفيد فإن صلى النار معناه قاسى حرّها، وقوله وبئس المقر جهنم إشارة إلى أنّ المخصوص بالذم محذوف. قوله: (وليس الضلال ولا الاضلال الخ) يعني أنه من الاستعارة التبعية كما في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [سورة القصص، الآية: 8] شبه ما يترتب على فعل الشخص بالعلة الباعثة فاستعمل له حرفه، وقد قيل عليه إنّ كون الضلال نتيجة للجعل لله أندادا غير ظاهر إذ هو متحد معه أو لازم لا ينفك عنه إلا أن يراد الحكم به

265

أو دوامه وردّ بأنهم مشركون لا يعتقدون أنه ضلال بل يزعمون أنه اهتداء فقد ترتب على اعتقادهم ضده على أنّ المراد بالنتيجة ما يترتب على الشيء أعمّ من أن يكون من لوازمه أولًا، وقوله جعل كالغرض أي أدخل عليه اللام التي تدخل عليه، وقد مرّ تفصيله في سورة الأنعام، ولا يخفى أنّ ما يترتب على الشيء يكون متأخرا عنه في الوجود، وهذا ليس كذلك

فلا بد من التأويل المذكور، وما ذكره مكابرة. قوله: (بشهويكم أو بعبادة الأوثان الخ) يعني معموله مقدر، والمراد بالشهوات الشهوات المعروفة في المآكل والملابس، والمساكن والمناكح، ونحوها أو المراد بها عبادة الأوثان لأنهم لضلالهم يتلذذون بها لعنادهم فشبهت بالمشتهيات المعروفة لأنّ التمتع لا يكون إلا بها. قوله: (وفي التهديد بصبغة الأمر لىلذان بأنّ المهدد الخ) في الكشاف تمتعوا إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر، وأنهم لا يعرفون غيره، ولا يريدونه مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع لا يسعهم أن يخالفوه، ولا يملكون لأنفسهم أمرا دونه، وهو أمر الشهوة، والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة فإنّ مصيركم إلى النار، ويجوز أن يراد الخذلان والتخلية، والوجهان مشتركان في التهديد، وسيأتي له تفصيل في سورة العنكبوت، وهكذا كقول الطبيب لمريض يأمره بالاجتماء فلا يحتمي كل ما تريد فإنّ مص! يرك إلى الموت وهو استعارة، وقوله لإفضائه أي لإيصال المهدد عليه، وهو التمتع إلى المهدد به، وهو النار، وأنّ الأمرين أي التمتع ومصيرهنم إلى النار كائنان لا محالة فلذا استعمل له صيغة الأمر تشبيها له بآمر مطاع لمأمور مطيع في تحقيق ذلك فهذا وجه الشبه بينهما كما أشار إليه المصنف رحمه الله، وقوله ولذلك علله أي الإنذار المذكور فقوله فإنّ مصيركم تعليل لما قبله، وهو قريب من جعله جواب شرط مقدر أي إن دمتم على ما أنتم عليه فإنّ الخ ومصير مصدر صار بمعنى رجع، والى النار خبره. قوله: (خصهم بالإضافة ئنويهًا لهم) أي رفعًا لهم وتشريفا، والا فالأمر شامل لهم، ولغيرهم بناء على أنّ الكفار مخاطبون بالفروع، ولما هدد الكفار بأنهماكهم في اللذة الفانية أمر خلص عباده بالعبادة المالية، والبدنية وخصهما لأنهما أمّ العبادات. قوله: (ومفعول قل محذوف دلّ عليه جوابه الخ) وفي نسخة مقول قل وجوابه يقيموا الخ وقوله فيكون إيذانا الخ اسم كان ضمير مستتر عائد إلى جعل يقيموا أو ينفقوا جوابًا للأمر، وفي جزمه على الجوابية قولان أحدهما أنه جواب قل، وهو قول الأخفش، والمبرد، وأورد عليه أنه لا يلزم من قوله أقيموا وأنفقوا أن يفعلوا وكم مرّة يخلف أمره، ورد بأنّ المراد بالعباد خلص المؤمنين، ولذا أضافهم إليه تشريفا وهم متى أمروا اتثلوا، وإلى هذا أشار المصنف رحمه الله بقوله لفرط مطاوعتهم، ومنه يعلم نكتة حذف المقول إيهاما

لأثهم يفعلون بدون أمر مع أنّ مبناه على أنه يشترط في السببية التامة، وقد منع فقوله جوايه الضمير لقل لا للمقول حتى يكون هو القول الآخر الثاني أنه مجزوم في جواب الأمر المقول المحذوف، والتقدير قل لعبادي أقيموا، وأنفقوا يقيموا، وينفقوا وعزى هذا للمبرد أيضًا، وقيل عليه إنه فاسد لوجهين أحدهما أنّ جواب الشرط لا بد أن يخالف فعل الشرط إمّا في الفعل أو في الفاعل أو فيهما فإذا اتحدا لا يصح كقولك قم يقم إذ التقدير أن يقيموا يقيموا، والثاني أنّ الأمر المقدّر للمواجهة وهذا للغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدًا قيل أمّا الأوّل فقريب، وأمّا الثاني فليس بشيء لأنه يجوز أن يقول قل لعبدك أطعني يطعك، وان كان للغيبة بعد المواجهة باعتبار حكاية الحال، وقيل إنه فيه شرط مقدر، وهذا مجزوم في جوابه، وقيل يقيموا خبر في معنى الأمر وردّ بحذف النون، وان وجه بتوجيهات ضعيفة، وقيل مقول القول الله الذي الخ، ولا يخفى ما فيه، وقوله لا ينفك فعلهم عن أمره الأمر هنا مصدر بمعنى قوله أقيموا، وأنفقوا. قوله:) ويجورّ أن يقدرا بلام الأمر الخ) هذا معطوف على ما قبله بحسب المعنى أن يجعل جزمهما بلام أمر مقدرة اي ليقيموا، وينفقوا كما في البيت المذكور، ويكون هو مقول القول قالوا، وأنما جاز حذف اللام هنا لأنّ الأمر الذي قبله، وهو قل عوض عنه، ودال عليه، ولو قيل يقيموا، وينفقوا ابتداء بحذف اللام لم يجز، وقد جعل ابن مالك حذف هذه اللام على أضرب قليل

266

وكثير، ومتوسط فالكثير أن يكون قبله قول بصيغة الأمر كما هنا والمتوسط ما تقدمه قول غير أمر كقوله:

قلت لبواب لديه دارها تيذن فإني حمؤها وجارها

والقليل ما سواه، وقوله ليصح تعلق القول بهما أي يكونان مقولًا له لا أنّ مفعوله محذوف كما في الإعراب الأوّل، وقوله وإنما حسن الخ قد علمت وجهه مما نقلناه عن ابن مالك رحمه الله. قوله:

(محمدتفدنفسك كل نفس إذاماخفت من أمرتبالا (

تيل إنه للأعشى من قصيدة مدح بها النبيّ ﷺ، ومحمد منادى حذف حرف النداء وأراد

لتقد فحذف لام الأمر، والتبات والتبال بفتح أوّلهما متقاربان قال الجوهريّ: تبلهم وأتبلهم بمعنى أهلكهم، والمعنى لتفد نفسك يا رسول الله كل نفس أي تكن فداء لها فإذا خفت هلاكا من شيء فليصب غيرك. قوله: (وقيل هما جوابًا أقيموا الخ) تفدم أنه قول لبعض النحاة، وأنه

عزى للمبرد رحمه الله، وقوله مقامين مقامهما بضم الميمين، والأوّل اسم مفعول! هـ والثاني اسم مكان فيكونان داخلين في مقول قل، وقوله لأنه لا بد من مخالفة الخ. يعني لا بد من تخالفهما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما كما مرّ تحقيقه نحو ائتني أكرمك، وأسلم تدخل الجنة، وقم أقم، وقيل عليه لم لا يجوز أن يكون من قبيل: (من كانت هجرقه إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) (1) أي أن يقيموا يقيموا إقامة مقبولة نافعة ولا يخفى أنّ هذا إذا ذكر أو قامت عليه قرينة، وهنا ليس كذلك فهو دعوى بلا شهود، والعقل قاض بخلافها. قوله: (ولأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحدا) إنما قيده باتحاد الفاعل لانه عند الاخلاف يجوز نحو أقيموا يقيموا، وقد سمعت قوله في الدرّ المصون أنه يجوز وإن اتحدا كما مرّ، ولذا قيل إنه إن أراد أنه إذا كان محكيا بالقول فغير مسلم فإنه يجوز فيه تلوين الخطاب نظرًا للأمر، والمأمور وان أراد بدونه كلا يفيد. قوله: (منتصبان عنى المصدر) أي أصله إنفاق سر فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه أو هو صفة له قامت مقامه، وإذا كان حالًا فيؤول بالمشتق أو يقدر له مضاف أو منصوب على الظرفية أي في السرّ، والعلانية، وبينه! بمانّ نفقة السرّ في التطوّع، والعلانية في الواجب كالزكاة. قوله: (ولا مخالة الخ) يعني الخلال مصدر بمعنى المخالة، وهي المصاحبة، والمصادمة يقال خاللته مخالة، وخلالًا قال:

ولست بمقلي الخلال ولا قالي

وقيل إنه جمع خلة كبرمة وبرام، وقوله قبل هذا فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره أو يفدي به نفسه إشارة إلى أنه متعلق بقوله ينفقوا، وقيل إنه متعلق بالأمر المقدر لعدم الفائدة في تعلقه بينفقوا، وليس بشيء لأنّ المحنى ينفقوا نفقة مطلوبة لهم مفيدة مثمرة فإنّ القصد منه الحث على الإنفاق لوجه الله من قبل أن يأتي يوم ينتفع المنفقون بإنفاقهم، ولا ينفع الندم لمن أمسك والعدول إلى قوله: ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾ ليفيد الحصر، وانّ ذلك هو المنتفع به، ولفيد المضادّة بين ما ينفع عاجلا، وآجلا، وقد مرّ في قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: 254] أنّ المعنى من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع فيه حتى يبتاع ما ينفق، ولا أخلاء يبذلون ما ينفق لهم، وفرق

صاحب الكشف بينهما، وبين وجه اختصاص كل من التفسيرين بمحله، وقوله ولا مخالة معناه، ولا مخالة نافعة بذاتها في تدارك ما فات فلا ينافي قوله تعالى ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ لأنه أثبت فيه المخالة، وعدم العداوة تبين المتقين، ولم يذكر فيها أنهم يتداركون لهم ما فاتهم فما قيل في التوفيق بينهما أنّ المراد لا مخالة بحسب ميل الطبع، ورغبة النفس وتلك المخالة في الله مع أنّ الاستثناء من الإثبات لا يلزمه النفي، وان سلم لزومه فنفي العداوة لا يلزم منه وجود المخالة. قوله: (أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى﴾ على الوجه الأوّل المنفي البيع، والخلال في الآخرة، والمعنى لا يجد في ذلك اليوم ما يبتاع ليتدارك به ما فرط فيه، ولا خليلا يبذل ذلك، وعلى هذا المراد نفي البيع، والخلة اللذين كانا في الدنيا بمعنى نفي الانتفاع بهما من حيث ذاتهما، والانتفاع بما كان منهما لوجه الله ففيه ظرف للانتفاع المقدر

267

والبيع، والخلال في الآخرة للمتقين، والمراد باليوم يوم القيامة، وقوله على النفي العام إشارة إلى أنه يفيد استغراق النفي فانه نص فيه بخلاف ما إذا رفع على ما مرّ تحقيقه، وفيه ليس متعلقا به والا لزم نصبه فتدبر. قوله: (تعيشون) أي تنتفعون به في المعاس، وهذا مأخوذ من اللام، وقوله وهو يشمل الخ إشارة إلى أنه بمعناه اللغوي وهو كل ما ينتفع به، وقوله ومن الثمرات بيان له بناء على جواز تقدّم من البيانية على ما تبينه ما مرّ أنه ذهب إليه كثير من النحاة فلا يرد عليه ما قيل إنّ من البيانية إنما تأتي بعد المبهم الذي تبينه، ولا حاجة إلى دفعه بأنه بيان بحسب المعنى لا الإعراب. قوله: (ويحتمل عكس ذلك) أي تكون من بمعنى بعض مقول أخرج ورزقا بيان للمراد من بعض الثمر لأنّ منها ما ينتفع به فهو مرزوق، ومنها ما ليس كذلك، وهو على هذا حال منها بمعنى المرزوق، وفي الوجهين الأخيرين هو مصمدر فهما منصوبان على أنه مفعول له أي أخرجها لأجل الرزق، والانتفاع بها أو مفعول مطلق لأخرج لأنّ أخرج الثمرات في معنى رزق فيكون مثل قعدت جلوسا. قوله: (﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ الخ) الفلك يكون واحدًا وجمعًا، والمراد به الجمع هنا بدليل تأنيث تجري، واندرج في تسخيرها تسخير البحار والرياح، وقوله بمشيئتة تفسير للأمر وفسره في الكشاف بقوله كن، ولا يناسبه تفسيره بالتكوين بناء على مذهبنا لأنه المراد من التسخير، وقوله إلى حيث توجهتم قيده به ليظهر معنى التعليل

فيه، وجرّ حيث بإلى مسموع في كلام العرب كقوله:

إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم

وقوله لانتفاعكم أي بالشرب منها والتصرف فيها بإخراجها للسائلين ونحوه، وقوله تسخير هذه الأشياء أي الفلك والأنهار وتعليم كيفية اتخاذها بإلهامهم، واقدارهم وتمكينهم من صنعة السفن، واجراء المياه بالسواقي، والقنى وما يترتب عليه. قوله: (يدأبان في سيرهما وإنارتهما الخ) إن كان دائبين بمعنى دائمين في الحركة فهو حقيقة، وان كان بمعنى مجدين تعبين فهو على التشبيه، والاستعارة، والدأب العادة المستمرة، وقوله لسباتكم أو سكونكم، وانقطاعكم عن العمل، ومنه السبت، واصلاح ما يصلحانه كالثمار بإنضاجها وتلوينها. قوله: (بعض جميع ما سألتموه الخ) يعني من كل مفعول ثان لآتي بمعنى أعطى ومن تبعيضية وقيل عليه كل للتكثير، والتفخيم لا للإحاطة، والتعميم كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 44، وحمل من على التبعيض لا ابتداء الغاية يفضي إلى إخلاء لفظ كل عن فائدة زائدة لأنّ ما نص في العموم بل يوهم إيتاء البعض من كل فرد متعلق به السؤال، ولا وجه له، ودفع بأنه بعد تسليم كون ما نصا في العموم هنا عمومان عموم الأفراد، وعموم الأصناف بمعنى كل صنف صنف، وهما مقصودان هنا والى الأوّل أشار المصنف بلفظ الجميع، والى الثاني بقوله كل صنف صنف والمعنى من جميع أفراد كل صنف سألتموه فإنّ الاحتياح بالذات إلى النوع، والصنف لا لفرد بخصوصه. قوله: (يعني من كل شيء سألتموه شيئًا) بيان لأصل المعنى لا ل! عراب أي من كل أفراد شيء سألتموه شيئا أو من أفراد كل شيء سالتموه شيئا فقوله شيئًا هو المستفاد من كلمة التبعيض، ومن في من كل شيء في عبارة المصنف لابتداء الغاية. قوله: (فإنّ الموجود من كل صنف بعض ما في قدرة الله تعالى) يعني أنّ من التبعيضية دالة على أنّ كل ما يحتاجون إليه، ويطلبونه فيعطيهم بفضله بعض مما في قدرته لأنه يقدر على إفراد أخر منه إلى غير النهاية فما قيل إنه أتى في تعليله بما لا يناسب المعلل لأنّ الكلام في أنّ الحاصل بعض المسؤول فكونه بعض المقدور لا يجدي نفعا في بيانه ليس بشيء لأنّ بعض المسؤول هو بعض المقدور، وأحدهما مستلزم للأخر فليس بينهما فرق كبير كما ظنه المعترض، والمراد الامتنان، وبيان أنّ في القدرة ما هو أكثر مما أنعم به فهو بعض من كل، وقليل من كثير فما قيل إنه ليس فيه كثير معنى، وهم. قوله: (ولعل المراد بما

سألتموه ما كان حقيقًا الخ) يعني المراد بالمسؤول ما من شأنه أن يسئل فهو بمعنى المحتاج إليه وهو لا ينفي إيتاء ما لا حاجة إليه مما لا يخطر بالبال، وقيل إنه جواب عق سؤال مقدر، وهو أنّ الإنسان قد يسأل شيئا فيعطيه الله ذلك الشيء بعينه فكيف هذا مع من التبعيضية فأشار إلى أنّ المراد الصنف الذي يحتاج إليه لا فرد منه. قوله: (وما يحتمل الخ) على المصدرية ضمير سألتموه لله

268

والمصدر بمعنى المفعول أي مسؤولكم، وقوله من كل شيء إشارة إلى أنّ التنولن عوض عن المضاف، وقوله سألتموه بلسان الحال هو ما يحتاج إليه، وهو إشارة إلى المعنى السابق، وقوله ويجوز أي على هذه القراءة أن تكون ما نافية إشارة إلى أنه لا يجوز على الإضافة، وعبر بالجواز إشارة إلى مرجوحيته لأنه خلاف الظاهر، ووجهه أنها تخالف القراءة الأولى، والأصل توافق القراءتين، وان فهم منها إيتاء ما سألتموه بطريق الأولى. قوله: (لا تحصروها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلاَ عن أفرادها الخ) أوّل الإحصاء بالحصر، وأصل معناه العد بالحصا كما كان عادة العرب ولذا قال الأعشى:

ولست باكثرمنهم حصى وان! ما العزة للكاثر

فاستعمل لمطلق العد لئلا يتنافى الشرط، والجزاء إذ أثبت في الشرط العدّ، ونفي في الجزاء، ولو تأوّل إن تعدوا بمعنى أن تريدوا العد اندفع السؤال أيضا، وقال بعض الفضلاء المعنى أن تشرعوا في عدّ أفراد نعمة من نعمه تعالى لا تطيقوا عدها، وإنما أتى بأن، وعدم العد مقطوع به نظرًا إلى توهم أنه يطاق، وفيه مخالفة لكلام المصنف رحمه الله تعالى، وهو أدق منه إذ فيه إشارة إلمى أنّ النعمة الواحدة لا يمكن عد تفاصيلها فتدبر. قوله: (وفيه دليل على أنّ المفرد الخ) أورد عليه أنّ الاستغراق ليس ماخوذًا من الإضافة بل من الحكم بعدم العد والإحصاء، وفيه نظر لأنّ الحكم المذكور يقتضي صحة إرادته منه ولولاه تنافيا. قوله تعالى: (﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾) قيل إنه تعليل لعدم تناهي النعم، ولذا أتى بصيغتي المبالغة فيه، والظاهر أنه جواب سؤال مقدّر، وتقديره لم لم يراعوا حقها أو لم حرمها بعضهم، ولذا فسره المصنف رحمه الله تعالى بما ذكره لأنه المناسب لما قبله، وقوله يعرضها أي النفس للحرمان بترك الشكر وقوله يجمع، ويمنع أي يجمع المال، ويمنعه من مستحقه فذاك كالحد جامع مانع. قوله: (بلد مكة) فتعريفه للعهد، وقوله ذا أمن إشارة إلى أنّ الآمن أهل البلدة لا هي

فجعله من باب النسب كلابن وتامر، ويجوز أن يكون الإسناد فيه مجازيا من إسناد ما للحالّ إلى المحل كنهر جار. قوله: (والفرق بينه وبين قوله ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾، الضى) جواب سؤال مقدر، وهو أنه لم عرّف البلد هنا، ونكر كي البقرة، وكي الكشاف أنه سال! في الأوّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدّها من الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا، وتحقيقه إنك إذا قلت اجعل هذا خاتما حسنًا فقد أشرت إلى المادّة أن يسبك منها خاتم حسن، وإذا قلت اصل الخاتم حسنًا فقد فصدت الحسن دون الخاتمية، وذلك لأنّ محط الفائدة هو المفعول الثاني لأنه بمنزلة الخبر، وفيه أنّ الزمخشريّ قدره في البقرة هذا البلد بلدًا آمنا فلا فرق بينهما، وأجيب بأنّ المسؤول البلدية مع الأمن وما قدره إشارة إلى الحاضر في الذهن لا في الخارج بخلاف ما نحن فيه، واستشكل هذا التفسير بأنه يقتضي أن يكون سؤال الب! لدية سابقًا على االسؤال المحكي في هذه السورة، وأنه يلزم أن تك! ون الدعوة الأولى غير مستجابة، ودفع بأدط المسؤول أولًا صلوحه للسكنى بأن يؤمن فيه في أكثر الأحوال كما هو شأن البلاد، وثانيًا إزالة! وف عرض كما يعترض البلاد أحيانًا أو يحمل على الاستدامة أو بتنزيله منزلة العاري عنه مبالغة أو أحدهما من الدنيا، والآخر من الآخرة أو يقال الدعاء الثأني صدر قبل استجابه الأوّل، وذكر بهذه العبارة إيماء إلى أن المسؤول الحقيقي هو الأمن، والبلدية توطئة لا أنه بعد الاستجابة عراه خوف، وقد بني الكلام على الترقي فطلب أولًا أن يكون بلدًا آمنًا من جملة البلاد التي هي كذلك، ثم لتأكيد الطلب جعله مخوفا حقيقة فطلب الأمن لأنّ دعاء! المضطر أقرب إلى الإجابة، ولذا ذيله بقوله: ﴿إِنِّي أَسْكَنتُ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: 37] الخ وهذا مبنيّ على تعدد السؤال، وهو الظاهر من تغاير التعبير في المحلين، وان قيل باتحادهما لججعل الإشارة في هذه السورة إلى ما في الذهن بعد تحقق البلدية أو قبلها، وجعل هذا بلدا آمنًا مثل كن رجلًا صالحا قيل، وهو الملائم لقوله: ﴿إِنِّي أَسْكَنتُ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: 37] الخ إلا أنه لا يخفى ما فيه، والحاصل أنه دعا أولًا بأن يكون بلدًا وتكون آمنة، - وكانيًا دعا للبلد بالأمن لتحقق بلديتها ويشهد له تنكيرها، وتعريفها.

269

قوله: (بعدتي وإياهم الخ) أصل التخنب أن يكون الرجل في جافب غير ما عليه غيره، ثم استعمل بمعنى البعد وفيه ثلاث لغات جنبه، وأجنبه وجنبه، وهي بمعنى، وقوله وقرئ، وأجنبي أي بقطع الهمزة بوزن أكرمني والمراد طلب الثبات، والدوام على ذلك، وقوله فيقولون جنبني أي من التفعيل، وقوله وفيه دليل الخ لأنه لو كان بغير ذلك أي بأمر طبيعيّ لم يفد طلبه. قوله: (وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذزيته) المراد

بالأحفاد أولاد الأولاد حتى لا يكون من نسله من عبدها كما قاله ابن عيينة لأنّ الواقع بخلافه فقوله، وجميع ذرّيته عطف تفسيريّ، وإنما كان كذلك لأنّ المتبادر من بنيه من كان من صلبه فلا يتوهم أنّ الله لم يستجب دعاءه حتى يجاب بانّ المراد من كان منهم في زمنه أو أنّ دعاءه استجيب في بعض دون بعض، ولا نقص! فيه. قوله: (وزعم ابن عيينة رحمه الله تعالى أنّ أولاد إسماعيل عليه الصلاة والسلام لم يعبدوا الصنا محتجًا به) أي بهذا النص وقيل عليه إنّ ظاهر الآية أنه أراد بنيه من غير واسطة ولو سلم فأين دليل الإجابة حتى يستدل بقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ مع أنّ قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فيه دليل على أنّ فيهم من هو كذلك، وكذلك قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [سورة البفرة، الآية: 26 ا] مع أنه تعالى حكى عن قريش عبادتهم الأصنام في مواضع جمة فهو يدل على أنه المراد من كفرهم لأنّ القرآن يفسر بعضه بعضًا فلا يرد عليه أنّ كفرهم لا يستلزم عبادة الأصنام مع أنه في الواقع كذلك. قوله: (ويسمونها الدوار) هو بضم الدال، وفتحها وتخفيف الواو، وتشديدها قال ابن الأنباري رحمه الله تعالى هي حجارة كانوا يدورون حولها تشبيهًا بالطائفين بالكعبة شرفها الله، ولذا كره الزمخشري أن يقال دار بالبيت بل يقال طاف به، وهو من الآداب فلا ينافي وروده في بعض الآثار كما قاله النوويّ رحمه الله تعالى. قوله: (باعتبار السببية) يعني أنّ إسناد الأضلال إلى الأصنام مجازيّ، والمضل في الحقيقة هو الله، وقيل إنهم ضلوا بانفسهم، وليس كل مجاز له حقيقة، وفيه نظر، وقوله أي بعضي لا ينفك عني في أمر الدين يعني أنّ من تبعيضية على التشبيه أي كبعضي في عدم الانفكاك، ويجوز حملها على الاتصالية، ولا ينافيه التصريح بالبعضية كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ وبه جزم الطيبي رحمه الله تعالى. قوله: (وفيه دليل على أن كل ذشب الخ) أي يجوز عقلا كما تقرّر في الأصول أن يغفر كل ذنب حتى الشرك لكن الدليل السمعي منع من مغفرة الكفر لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [سورة النساء، الآية: 48] الآية، وقيل إنّ معنى غفور بستره عليه، ورحيم بعدم معاجلته بالعذاب كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [سورة الرعد، الآية: 6] فلا دليل فيه على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى مع أنه لم يدر أنه بالترديد الذي ذكره قد هدم مبنى الدلالة، ولا يدفعه أنّ الدلالة في

احتمال أن تكون المغفرة ابتداء كما قيل، وقيل إنّ أو للتنويع، والتعميم لا للترديد يعني أنه مطلق يتناول الوجهين والعصيان ففيه دليل على جواز مغفرة الشرك لكن الوعيد دلّ على عدم وقوعه، وهذا هو المناسب للمقام، وقد مرّ تحقيقه في آخر المائدة، وقال النوويّ في شرح مسلم أنّ مغفرة الشرك كانت في الشرائع المتقدمة جائزة في أممهم، وإنما امتنعت في شرعنا، ولا ينافيه كلام المصنف رحمه الله تعالى لأنّ الوعيد جاء في القرآن ووجه الدلالة قوله غفور رحيم لأنه في حق الكفرة رجاء منه. قوله: (أي بعض ذريتي أو زية من ذزيتي الخ) أي من بمعنى بعض، وهي في تأويل المفعول به أو المفعول به محذوف، ومن ذريتي صفته سدت مسدّه ومن يحتمل التبعيض، والتبيين، وقوله وهم إسماعيل ومن ولد منه على الوجهين، وقوله ولد منه عممه لقوله ليقيموا الخ، والإسكان له حقيقة ولأولاده مجاز فهو من عموم المجاز، وقوله فإنها حجرية أي كثيرة الحجارة، وقليلة المياه، وهذا باعتبار الأكثر الأغلب فيها، وقوله غير ذي زرع كقوله: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ يفيد المبالغة في أنه لا يوجد فيه ذلك لأنّ معناه ليس صالحا للزرع، وليس صالحًا للعوج فلذا عدل عن مزروع، وأعوج مع أنه أخصر، وهذا مما ينبغي التنبه له، وأشار إليه في الكشاف، وشروحه. قوله: (الذي حرّمت التعرّض له الخ) قال الزمخشري وقيل للبيت المحرم لأنّ الله حرّم التعرض له، والتهاون به وجعل ما حوله حرما لمكانه أو لأنه لم يزل ممنعا عزيزًا يهابه كل جبار كالشيء المحزم الذي حقه أن يجتنب

270

أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا فذكر في وجه تسميته به أربعة وجوه بناء على أنّ الحرمة التعظيم أو الحرمة الشرعية، وأنه حقيقة فيه أو باعتبار أمر آخر، والمصنف رحمه الله تعالى لما رأى تقاربها أدرجه فيما ذكر، وقوله ولذلك سمي عتيقًا أي لأنه أعتق من الطوفان، وقيل لقدمه. قوله: (ولو دعا بهذا الدعاء الخ) جواب لو قوله فلعله بناء على أنه قد يقترن بالفاء أي إن ثبت أنه دعا الخ فلعله، وفي نسخة ودعا بدون لو وهي ظاهرة، والمقصود توجيه قوله ﷺ عند بيتك المحرم فإنه إنما بني بعد ذلك فلا يكون الإسكان عنده، وحاصله أنّ الإسكان عند موضعه وكونه موضعا إما باعتبار ما كان لأنه كان مبنيًا قبله لكنه رفع وقت الطوفان أو باعتبار ما سيؤول إليه لأنه بناه بعد ذلك في مكانه الآن. قوله: (روي أن هاجر الخ) هو بفتح الجيم اسم أم إسماعيل عليه الصلاة

والسلام، وقوله كانت لسارة أي ملكًا، وجارية لها، وسارة امرأة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقوله فغارت بالغين المعجمة من الغيرة، وهي معروفة، وقوله فناشدته أي أقسصت عليه أو طلبت منه الحلف على ذلك فحلف لها، واخراجها كان يوحي من الله لا بمجرّد رعايتها، وجرهم بضم الجيم والهاء، وسكون الراء المهملة حيّ من اليمن، وهم أصهار إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وكانوا خرجوا من ديارهم لقحط أو وباء، وقصتهم وقصة زمزم مفصلة في أوّل سيرة ابن هشام، وهذا مرويّ كأ البخاري بمعناه أيضا. قرله: (وهي متعلقة بأسكنت أي ما أسكت! هم بهذا الوادي الخ) أي الجار والمجرور، متعلق بأسكنت المذكور بدليل قوله، وتوسيطه الخ وعلى هذا فالحصر مستفاد من السياق لأنه لما قال بواد غير ذي زرع نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة، ولما قال عند بيتك المحرم أثبت أنه مكان عبادة فلما قال ليقيموا أثبت أنّ الإقامة عنده عبادة، وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر مع ما في تكرير ربنا من الإشارة إلى أنه هو المقصسود، وهذا معنى لطيف، ولا ينافيه الفصل بقوله ربنا لأنه اعتراض لتأكيد الأوّل، وتذكيره فهو كالمنبه عليه فلا حاجة إلى ما قيل إنه متعلق بأسكنت مؤخر مقدر غير الأوّل، وأنّ الحصر مستفاد من تقديره مؤخرًا كما رجحه بعض الشراج، وعند مالك رحمه الله تعالى أنّ التعليل يفيد الحصر فانه استدل بقوله لتركبوها على حرمة أكلها كما بين في أصولهم، والبلقع القفر الذي لا شيء فيه، وقوله من كل مرتفق ومرتزق متعلق بالبلقع لتضمنه معنى الخالي، وهما يحتملان المكان، والمصدرية، والارتفاق الانتفاع كما يقال بكرمك أثق، وعلى سوددك أرتفق، ومرافق الدار المتؤضأ والمطبخ. قوله: (وقكلرير النداء وتوسيطه الخ) اعتذار عن إعادته، والفصل الذي تمسك به من قدر له متعلقا آخر إشارة إلى أنّ النداء لتأكيد الأوّل فلا يمنع التعلق، ولا يرد ذلك أنّ النداء له صدر الكلام فكيف تعلق ما بعده بما قبله، ولا بد من تكرر النداء للإشعار بما ذكره فإنه لو توسط من غير أن يذكر أولًا لم يشعر بأنها المقصودة من الدعاء السابق، وكذا لو لم يتوسط. قوله: (وقيل لام الأمر الخ) هي على الأوّل جارة، والفعل منصوب بأن المقدرة بعدها، وعلى هذا هي لام الأمر الجازمة، والأمر للدعاء، وقوله كأنه طلب منهم الإقامة إنما قاله لأنه شامل لغير الموجودين كما في سائر الأمور، وأيضا المدعوّ هو الله فكان الظاهر إسناده له، والسؤال من الله مأخوذ من قوله ربنا فكأنه قال يا ربنا وفقهم لإقامة

الصلاة، وخصها لأنها عمود الدين. قوله: (أي أفئدة من أفئدة الناس ومن للتبعيض) قدم هذا لأنه أظهر، وقدر من أفئدة الناس ليدل على عدم العموم المذكور بعده لأنّ جميع الأفئدة بعض الناس لا بعض أفئدة الناس وقوله لازدحمت بناء على الظاهر من إجابة دعائه، وكون الجمع المضاف يفيد الاستغراق. قوله: (أو للابتداء كقولك القلب مني سقيًا) أي المعنى نشأ سقم هذا العضو من جهتي، وقيل عليه إنه لا يظهر كونها للابتداء لأنه لا فعل هنا مبتدأ منه لغاية ينتهي إليها إذ لا يصح ابتداء جعل الأفئدة من الناس ورد بأنّ فعل الهوى للأفئدة مبتدأ به لغاية ينتهي إليها ألا ترى إلى قوله إليهم، وإن لم يتعين كون من في الآية، والمثال لاحتمال التبعيض احتمالًا ظاهرًا، وأورد عليه أنّ الابتداء في من الابتدائية إنما هو من متعلقها إلا مطلقا، وان جعلناها

271

متعلقة بتهوي لا يظهر لتأخيره، ولتوسيط الجار فائدة، واعلم أنه قال في الإيضاح أنه قد يكون القصد إلى الابتداء دون أن يقصد انتهاء مخصوص إذا كان المعنى لا يقتضي إلا المبتدأ كأعوذ بالله من الشيطان وزيد أفضل من عمرو، وقد قيل إنّ جميع معاني من دائرة على الابتداء، والتبعيض هنا لا يظهر فيه فائدة كما في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [سورة مريم، الآية: 4] فإن كون قلب الشخص، وعظمه بعض منه معنى مكشوف غير مقصود بالإفادة فلذا جعلت للابتداء، والظرف مستقر للتفخيم كأنّ ميل القلب نشأ من جملته مع أنّ ميل جملة كل شخص من جهة قلبه كما أنّ سقم قلب العاشق نشأ منه مع أنه إذا صلح صلح البدن كله، والى هذا نحل المحققون من شراح الكشاف لكنه معنى غامض فتدبره، وقوله أفئدة ناس نكرة إشارة إلى أنّ تعريفه للجنس فهو في معنى نكرة، والمعين لذلك تنكير أفئدة. قوله: (وقرأ هشام أفئدة بخلف عنه) بضم الخاء، وسكون اللام أي باختلاف الرواية عنه، وقراءة العامة أفئدة بالهمزة المكسورة جمع فؤاد كغراب، وأغربة وهي ظاهرة، وقرأ هشام عن ابن عامر بياء بعد الهمزة فقيل إنها إشباع كقوله:

أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب

فقال بعضهم أنّ الإشباع مخصوص بضرورة الشعر فكيف يقرأ به في أفصح الكلام، وزعم أنه قرأ بتسهيل الهمزة بين بين فظنها الراوي زيادة ياء بعد الهمزة، وليس بشيء فإنّ الرواية أجل من هذا. قوله: (وقرئ آفدة) أي بهمزة ممدودة بعدها فاء مكسورة بوزن ضاربة، وهي محتملة أن تكون قدمت فيها الهمزة على الفاء فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة فقلبت ألفًا

فوزنها أعفلة كما قيل في أدور جمع دار قلبت فيه الواو المضمومة همزة، ثم قدمت وقلبت ألفًا فصار آدرا أو هي اسم فاعل من أفد يأفد بمعنى قرب، ودنا ويكون بمعنى عجل، وهو صفة جسماعة أي جماعة آفدة، وقوله أفدت الرحلة أي الارتحال، وعجلت مبني للمجهول. قوله: (وأفدة) أي بفتح الهمزة من غير مد، وكسر الفاء بعدها دال، وهو إمّا صفة من أفد بوزن خشنة فيكون بمعنى آفدة في القراءة الأخرى أو أصله أفئدة فنقلت حركة الهمزة لما قبلها، ثم طرحت. قوله: (وإن كان الوجه فيه إخراجها بين بين الخ) تبع فيه الزمخشريّ، وقد قيل إنه مخالف لأهل الصرف والقرا آت أما الأوّل فلأنهم قالوا إذا تحركت الهمزة بعد ساكن صحيح تبقى أو تنقل حركتها إلى ما قبلها وتحذف، ولا يجوز جعلها بين بين لما فيه من شبه التقاء الساكنين، وأمّا الثاني فلقوله في النشر الهمزة المتحركة بعد حرف صحيح ساكن كمسؤولًا، وأفثدة وقرآن، وظمآن فيها وجه واحد، وهو النقل وحكي فيه وجه ثان، وهو بين بين، وهو ضمعيف جدًا وكذا قاله غيره. قوله: (تسرع إليهم شوتًا وودادا الخ) تهوي هو المفعول الثاني لأجعل، ومعناه تسرع، وتعديته باللام، وإنما عدى لإلى لتضمته معنى تميل، وهو معنى النزوع أي الميل، وهو متعد وفيه نظر لأنّ مصدره النزاع قال الصولي نزعت عن الأمر نزوعًا إذا كففت ونزعت الشيء نزعا إذا أخرجته، ونزعت إلى أهلي نزاعا إذا اشتقت وملت، ولذا عيب على أبي نواس قوله:

وإذانزعت عن الغواية فليكن لله ذاك النزع لا للناس

وقوله مع سكناهم الخ إشارة إلى أنّ المقصود جلبها من غير بلادهم.

تنبيه: في هذه الآية بلاغة عجيبة حيث جعل القلوب نفسها تهوي، وفي معناه قلت:

كل امرئ يبذل إنعامه يمشي إليه القلب قبل القدم

قوله: (تعلم سرنا كما تعلم أعلتنا) يشير إلى أنّ ما مصدرية وأنّ ذكر العلن بعد علم السر

ليس بمستدرك لأنّ المراد استواؤهما في علمه تعالى كما مرّ تحقيقه غير مرّة، وهذا معنى قول الزمخشري تعلم السر كما تعلم العلن علما لا تفاوت فيه لأنّ غيبا من الغيوب لا يحجب عنك

لا خلاف بينهما كما توهم، وقوله والمعنى أي المقصود من فحوى النظم هذا، وقوله مناصلة أعلم لا ناقد نغفل، وقد لا تعرف المصلحة، وكونه مطلعًا على أحوالنا يقتضي عدم الحاجة إلى الطلب لأنّ ظهور الحال يغني عن السؤال كما قال السهروردي:

ويمنعني الشكوى إلى الناس أنني عليل ومن أشكو إليه عليل

272

ويمنعني الشكوى إلى الله أنه عليم بما أشكوه قبل أقول

قوله: (وقيل ما نخفي من وجد الفرقة الخ) فما موصولة، والعائد محذوف، والوجد

بفتح فسكون الحزن والغمّ، وقوله والتوكل أي ذكره أو أثره لأنه بمعناه لا يحسن، واللجأ بفتح اللام، والجيم، والهمز مقصور بمعنى الالتجاء وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ﴾ الخ ما اعتراض من كلامه تعالى أو من كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الالتفات، وهو كالدليل على ما قبله أي لا يخفى عليه كل معلوم فيعلم السر، والعلن، وقوله بعلم ذاتي فلا يتفاوت بالنسبة إليه معلوم دون معلوم كالبشر والملك. قوله: (أي وهب لي وأنا كبير) يشير إلى أنّ على بمعنى مع وأنّ الجار والمجرور حال كقوله:

إني على ماترين من كبر أعرف من أين يؤكل الكتف

ويصح جعل على بمعناها الأصلي، والاستعلاء مجازفي كما قاله أبو حيان وكلام المصنف رحمه الله تعالى يحتمله، ومعنى استعلائه على الكبر أنه وصل غايته فكأنه تجاوزه، وعلا ظهره كما يقال على رأس السنة أي في آخرها فلا يرد عليه أنّ الأنسب حيئذ جعل الكبر مستعليًا عليه كعليّ دين، وذنب لظهور أثره في الرأس باشتعال شيبه، ويصح إبقاؤها على معناها بمعنى مستمرا متمكنًا عليه، وقوله لما فيها في نسخة فيه أي الكبر، وقوله آلائه أي نعمه، والضمير المضاف إليه لله وقوله روي الخ هو وواية، وقيل لأربع وستين وايسحق عليه الصلاة والسلام لسبعين، وقيل لم يولد له إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة. قوله: (أي لمجيبه) فهو مجاز كما في سمع الله لمن حمده فإن السمع بمعنى القبول، والإجابة، وقوله وهو من

أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل هذا مذهب سيبوبه رحمه الله تعالى إذ جعل أمثلة المبالغة تعمل عمل امسم الفاعل وخالفه كثير من االنحاة فيه فهو مضاف لمفعوله إن أريد به المستقبل، وقيل إنه غير عامل لأنه قصد به الماضي أو الاستمرار وجوّز الزمخشريّ، وتبعه المصنف رحمه الله تعالى أن يكون مضافًا لفاعله المجازي فأصله سميع دعاؤه بجعل الدعاء نفسه سامعا، والمراد أنّ المدعو، وهو الله سامع قيل، وهو بعيد لاستلزامه أن تصاغ الصفة المشبهة من الفعل المتعدّي، وهو قول للفارسي لكنه شرط في إضافتها إلى الفاعل عدم اللبس نحو زيد ظالم العبيد إذ! علم أنّ له عبيدًا ظالمين، وهنا فيه الإلباس منتف لأنّ المعنى على الإسناد المجازي، وهو كلام واه لأنّ المجاز خلاف الظاهر فاللبس فيه أشدّ، وكذا ما قيل إنّ عدم اللبس إنما يشترط في إضافته إلى فاعله على القطع، وهو ضعيف جدا، وقوله وفيه إشعار أي في قوله سميع الدعاء بمعنى مجيبه وذلك قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في آية أخرى وذكر حمده بيان لأنه كان من الشاكرين، وقوله ليكون متعلق بقوله وهب، وتعليل لكونه بعد اليأس. قوله: (معدلًا لها) يكون مجازًا من أقصت العود إذا قوّمته، ومواظبًا من قامت السوق إذ أنفقت فأقمتها كما مرّ في سورة البقرة، ولذا قيل لو عطفه بأو كان أولى ورد بأنه جعله قيدا للمعنى الأوّل مأخوذا من صيغة الاسم، والعدول عن الفعل كما أنّ الأوّل من موضوعه فلا يلزم استعمال اللفظ في معنيين مجازيين. قوله: (عطف على المنصوب) أي مفعول اجعل الأوّل، وهو في الحقيقة صفة للمعطوف أي بعضًا من ذريتي، ولولا هذا التقدير كان ركيكًا وقوله تقبل عبادتي فالدعاء بمعنى العبادة لكنه كان الأنسب أن يقال فيه دعاءنا حيمثذ. قوله: (وقد تقدم عنر استغفاره لهما الخ) قد مرّ تفصيله في آخر التوبة لكنه قيل عليه أنّ الذي مرّ استغفار. لأبيه فقط، وقد قال الحسن رحمه الله تعالى إنّ أمّه كانت مؤمنة فلا يحتاج الاستغفار لها إلى عذر، وقيل إنّ المصنف رحمه الله تعالى لم يثبت عنده ذلك وأنّ مراده أنّ عذر استغفاره لهما هنا علم مما مرّ في العذر عن استغفاره لأبيه، وكون المراد بوالديه آدم، وحوّاء في غاية البعد فإنه النسب الواسع. قوله: (يثبت الخ) أي القيام مجاز عن التحقق، والثبوت إمّا مرسل أو استعارة من قام السوق، والحرب ونحوه أو شبه الحساب برجل قائم على الاستعارة المكنية، وأثبت له القيام على التخييل أو المراد يقوم أهل الحساب فحذف المضاف أو أسند إليه ما لأهله مجازا، وقوله وأسند إليه كذا وقع في النسخ، والظاهر أن يقول

273

أو أسند لأنه إذا اعتبر الحذف لا يكون المجاز

في الإسناد أو الواو بمعنى أو ووقع في نسخة أو، وهي ظاهرة.

قوله: (خطاب لرسول الله الخ) ذكر في هذا الخطاب وجهين الأوّل أن يكون للنبيّ ﷺ وقدمه لأنه الأصل المتبادر لكن لما كان عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بالله فهو لا يتصوّر منه جواز الغفلة أوّله الزمخشري بوجهين، وهي في الحقيقة ثلاثة أوّلهما أنّ المواد به تثبيته على ما هو عليه من عدم ظن أنّ الغفلة تصدر من الله كقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [سورة القصص، الآية: 88] أي دم على ذلك، وهو مجاز كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة البقرة، الآية: 04 ا] ولا يخفى ما فيه لأنه لا يتوهم منه عدم الدوام عليه، ولذا قال المدقق في الكشف: إنّ فيه ركاكة يصان التنزيل عنها، وثانيهما ًان المراد منه على طريق الكناية أو المجاز بمرتبتين الوعيد، والتهديد والمعنى لا تحسبن الله يترك عقابهم للطفه، وكرمه بل هو معاقبهم على القليل، والكثير أو هو استعارة تمثيلية أي لا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون فإنه يعاملهم معاملة الرقيب المحاسب على النقير والقطمير فقوله، والوعيد الخ. هو الوجه الثاني فإما أن تكون الواو فيه بمعنى أو كما قيل أو تبقى على ظاهرها بناء على أنه لاحظ ركاكة الوجه الأوّل في الكشاف لعدم مناسبته لمقام النبوّة فجعله مع الوجه الثاني وجهًا واحدا ليتم بأن تجوز بلا تحسبن عن دم على عدم الحساب، ثم جعله كناية عن الوعيد لأنه لا ينهي عما لا يتصوّر منه كما ذكره بعض المتأخرين وهو الأحسن. قوله: (من أنه مطلع الخ) بيان لما أي من تيقن أنه مطلع وقوله بأنه معاقبهم إشارة إلى ما مرّ، وقوله لا محالة مأخوذ من التأكيد بالنون المشدّدة. قوله: (أو لكل من توهم غفلته) عطف على قوله لرسول الله أي الخطاب ليس للرسول ﷺ بل لكل من يتوهم ذلك فهو لغير معين، ولا يحتاج حيحئذ إلى تأويل الغفلة لجريها على ما في أنفسهم، وقوله وقيل إنه تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم فالخطاب أيضًا لغير معين لأنّ الناس بين ظالم، ومظلوم فإذا سمع المظلوم أنه تعالى عالم يفعل الظالم منتقم منه تسلى بذلك، وإذا سمعه الظالم ارتاع عما هو فيه، وفي الكشف أنه تأييد للوجه الثاني، ويجوز جريانه على الأوجه إذ تقدير اختصاص الخطاب به عليه الصلاة والسلام أيضًا لا يخلو من التسلية، والتهديد للفريقين وفيه بحث، وقوله يؤخر عذابهم أي إيقاع التأخير مجاز، أو هو بتقدير مضاف. قوله: (تشخص فيه أبصارهم الخ) يعني أنّ الألف، واللام للعهد لا عوض عن المضاف قيل ولو حمله على العموم كان أبلغ في التهويل، وأسلم من التكرير ووجهه أنّ قواسه لا يرتدّ إليهم طرفهم على تفسيره بمعناه فإذا جعل الأوّل لبيان حال الناس كلهم، والثاني لبيان

حال هؤلاء خاصة كان في ذكره فائدة وان كان لا يسلم من التكرار رأسا وكان المصنف رحمه الله تعالى اختاره لأنه المناسب لما بعده، وأنّ التكرير للتأكيد لازم عليهما كما قيل، وسيأتي ما يردّه. قوله: (فلا نقر في أماكنها من هول ما ترى) الظاهر أنه جعله مأخوذًا من شخص الرجل من بلده إذا خرج منها، وهو أحد معانيه المذكورة في اللغة فإنه يلزمه عدم القرار فيها أومن شخص بفلان إذا ورد عليه أمر يقلقه كما في الأساس فما ذكره بعده من كونها لا تطرف المقتضي لقرارها يكون بيانا لحال آخر، وأنهم لدهشتهم تارة لا تقرّ أعينهم، وتارة يبهتون فلا تطرف أبصارهم، وجعل تلك الحالتين المتنافيتين لعدم الفاصل كأنهما في حال واحد كقول امرئ القيس:

مكر مفر مقبل مدبر معا ~ كجلمود صخر حطه السيل من عل

كما بين في شرحه فاندفع ما قيل إنّ الظاهر أنّ القرار ضد الحركة فيكون منافيًا للحاق مع

أنّ أهل اللغة لم يفسروا الشخوص به، وبهذا اندفع التكرار، وعلم ما أراد. المصنف رحمه الله تعالى. قوله: (مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم الخ) أي بذلة كالأسير الخائف ومهطعين، ومقنعي حالان إما من مضاف محذوف أي أصحاب الأبصار بناء على أنه يقال شخص زيد بصره أو الأبصار تدل على أصحابها فجاءت الحال من المدلول عليه قالهما أبو البقاء رحمه الله تعالى، وقيل مهطعين منصوب بفعل مقدر أي تبصرهم مهطعين ويجوز في مقنعي أن يكون حالًا من المستتر فيه فهي حال متداخلة، ومقنعي إضافته غير حقيقية فلذا وقع حالًا، وقيل الأولى أنها حال مقدرة من مفعول يؤخرهم، وقوله تشخص الخ. بيان حال عموم

274

الخلائق وأوثرت الفعلية لعدم استمراره فلا يرد عليه توهم التكرار، وقد مرّ ما يعلم منه ما فيه والإهطاع معنا. الإسراع في الشيء قال:

إذا دعانا فاهطعنا لدعوته

واليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله مسرعين إلى الداعي، وقيل معناه الإقبال بالنظر كما ذكره الراغب، واليه أشار بقوله أو مقبلين الخ وقال الأخفش رحمه الله تعالى أنه الإقبال على الاستماع لقوله:

ندخله مهطعين إلى السماع

وسمع فيه أهطع وهطع وكل معانيه تدور على الإقبال كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى

لأنه لا ينفك عنه. قوله: (رافعيها) هذا هو المشهور، وقيل إنه من الأضداد فيكون بمعنى رفع رأسه، وطأطأها، وقوله بل بقيت عيونهم شاخصة لا تطرف الخ. الطرف في الأصل تحريك

الجفن، ثم تجوّز به عن النظر والعين نفسها، ولما كان الناظر يوصف بإرسال الطرف وصف برد الطرف، والطرف بالارتداد كما سيأتي في سورة النمل فعدم ارتداد الطرف إما عدم ارتداد تحريك الجفن فالطرف بمعناه الحقيقي، وهو كناية عن بقاء العين مفتوحة على حالها أو بمعنى عدم ارتداد النظر إلى أنفسهم فهو بالمعنى المجازي. قوله تعالى: (﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾) يعني بالهواء الخالي، وهو مصدر ولذا أفرد والمراد انهم لدهشتهم خلت قلوبهم من العقل، والفهم كما يقال هواء لقلب الجبان لخلوّه من الرأي، والقوة وتفسيره المصدر باسم الفاعل بيان للمعنى المراد منه المصحح للحمل فلا ينافي المبالغة في جعله عين الخلاء. قوله: (من الظلمان جؤجؤه هواء) هو من قصيدة لزهير وأوّله:

كأنّ الرحل منها فوق صعل

يصف ناقته بالسرعة في السير وتشبيهها بالنعام، وهو يوصف بالجبن والخوف، وسرعة المشي فإذا خاف كان أسرع، وأجد في السير، وقيل إنه يصفها بعدم القوّة، والظلمان بالظاء المعجمة كغلمان جمع ظليم ويضم وهو ذكر النعام وجؤجؤ بجيمين مضمومتين، وهمزتين أو واوين الصدر، والصعل بالصاد والعين المهملة الصغير الرأس، وهو من صفة النعام، ورحل الناقة، وقول! وقيل الخ مرّضه لأنّ الأوّل أنسب بمقام الحيرة، والدهشة. قوله: (وهو مفعول ثان) أي هو له، وما فيه فالإيقاع عليه مجازيّ أو هو بتقدير مضاف وقوله بالشرك لأنّ الشرك ظلم عظيم، والتكذيب هو تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام وقوله أخر العذاب يشي أنه تجوز في النسبة أو فيه تقدير مضاف، وهو ناظر إلى كون المراد باليوم يوم القيامة، وقوله ورذنا إشارة إلى أنه تضمن معنى الردّ وأنّ المراد بالأجل مقدار من زمن الحياة في الدنيا وقوله، وأمهلنا الخ عطف تفسير عليه، وقوله أو أخر آجالنا ناظر إلى أن المراد يوم الموت، وقوله ونظير. أي في المعنى لا في الإعراب. قوله: (على إرادة القول) أي على تقدير القول،

والمعطوف عليه بالواو، وقبل قوله أو لم لا قبل ما لكم كما يتوهم، والتقدير فيقال لهم أطلبتم الآن هذا، ولم تطلبو. إذ أقسمتم، والقائل هو الله أو الملائكة توبيخا لهم، والقول بأنهم أقسموا إئا على ظاهره لأنهم قالوه من الجهل، والغرور أو هو بلسان الحال، ودلالة الأفعال كما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، وقوله وما لكم جواب القسم وقيل هو ابتداء كلام من الله جوابًا لقولهم ربنا أخرنا أي ما لكم من زوال عن هذه الحال، وجواب القسم لا يبعث الله من يموت، وقوله دل الخ فلا قسم حقيقة، وقوله وقيل الخ فيكونون دهرية منكرين للبعث والزوال المراد به الزوال عما بعد الموت لا عن الدنيا كما في الأوّل، وقوله على المطابقة الخ أي أتى بالخطاب في لكم لمطابقة الحكاية وقوله أقسمتم، ولو روعي المحكي لقيل ما لنا وهما جائزان. قوله: (وأصل سكن أن يعدى بفي الخ (أي أصل معناه قرّ، وثبت من السكون فيتعدى بفي لكنه نقل إلى سكون خاص فتصرف فيه وجعل متعديا بنفسه كتبوّأ الدار، واستوطنها وغنى كعلم بمعنى أقام، ومنه المغني فقوله وأقام عطف تفسير له. قوله: (وتبين لكم كيف فعلنا بهم (تبين فاعله مضمر يعود على ما دل عليه الكلام أي حالهم أو خبرهم، ونحوه وكيف في محل نصب بفعلنا، وجملة الاستفهام ليست معمولة لتبين لأنه لا يطق وقيل الجملة فاعل تبين بناء على جواز كونه جملة، وهو قول ضعيف للكوفيين، وقد مز في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [سورة يوسف، الآية: 35] وقوله من أحوالهم أي بينا لكم من أحوال الأمثال فالأمثال

275

جمع مثل بمعنى الشبيه، وهو تشبيه للحال بالحال، والمقصود تشبيه ذويها بذويها، وقوله أو صفات الخ فالأمثال جمع مثل بمعنى الصفة الغريبة العجيبة كما مرّ وقوله فعلوا، وفعل بهم أي في الدنيا. قوله: (المستفرغ قيه جهدهم (يقال استفرغ جهده إذا بذل طاقته، ومقدوره فهو استعارة، ومكرهم منصوب على أنه مفعول مطلق لأنه لازم فدلالته على المبالغة لقوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ الخ لا لأن إضافة المصدر تفيد العموم أي أظهروا كل مكر لهم أو لأنّ إضافة كلا إضافته، وأصل التنكير لإفادة أنهم معروفون بذلك وقوله لإبطال الحق

لأنّ المكر لا يكون في الخبر. قوله: (فهو مجارّيهم) لأنّ ذكر علم الله، ونحوه من كتابة الأفعال، وغيرها يكنى به عن المجازاة، وقوله ما يمكرهم فهو مصدر مضاف للمفعول لكن أبو حيان رحمه الله تعالى اعترض عليه بًان مكر لازم لم يسمع متعدّيا، وقد صرّح أهل اللغة بأنه إنما يتعدى بالباء بخلاف الكيد فإنه متعد بنفسه، وقد يقال إنه متجوّز به أو مضمن معنى الكيد أو الجزاء، واطلاق المكر على الله حينئذ إمّا مشاكلة أو استعارة لجزائهم من حيث لا يشعرون، وقوله وابطالًا له لم يجعله وجها آخر لإمكان إرادتهما معا فتأمّل. قوله: (مسوّي لإزالة الجبال) وفي نسخة، ومعدًا لذلك اعلم أنّ العامّة قرؤوا بكسر اللام، ونصب تزول، والكسائيّ بفتحها، ورفع تزول فالكسر إمّا لأنّ أن نافية واللام لام الجحود الواقعة بعد كان المنفية، وكان إمّا تامّة، والمعنى تحقير مكرهم، وأنه ما كان لتزول منه الشرائع التي هي كالجبال في الثبات، والقوّة ويؤيده قراءة ما كان مكرهم أو ناقصة وخبرها محذوف أو الجارّ، والمجرور على الخلاف فيه أو أن مخففة من الثقيلة، وقيل إنها شرطية وجوابها محذوف أي إن كان مكرهم معدًّا لإزالة الجبال فإنه مجازيهم عليه ومبطله، وأمّا الفتح ففيه وجهان الأوّل أنّ إن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، والثاني أنها نافية، واللام بمعنى إلا، وقرئ كاد بالدال، وقرئ لتزول بفتح اللامين، وخرجت على لغة جاءت في فتح لام كي هذا حاصل ما ذكره المعربون هنا فقوله مسوّي اسم مفعول من سواه بمعنى صنعه، وأصل معناه جعله سواء إشارة إلى أنّ كان ناقصة محذوفة الخبر، والجاز، والمجرور متعلق به، وقد مرّ جواز كونها تامّة، والظاهر أنّ أن عنده شرطية وصلية على الاختلاف في واوها وتقدير جوابها، وغيره ذهب إلى أنها مخففة من الثقيلة، والمعنى أنه عظم مكرهم، واشتد فضرب زوال! الجبال منه مثلًا لشدته أي، وان كان مكرهم معدًا لذلك كما في الكشاف، وفال ابن عطية رحمه الله تعالى يحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة تعظيم مكرهم أي وان كان شديدًا يفعل لتذهب به عظام الأمور فإن عندهما مخففة من الثقيلة كما في الدرّ المصون، واللام مؤكدة للنفي فهي لام الجحود كما أشار إليه بالآية المذكورة، وقوله ونحو. أي من الشرائع، والتوحيد وزوال الجبال مثل أي استعارة تمثيلية تنبيه على أنه في الرسوخ، والثبات كالجبال الراسية، وعلى الأوّل الجبال بمعناها المعروف فالجبال استعارة، وقوله وقرأ الكسائيّ أي بفتح اللام الأولى، ورفع الثانية فالجبال على حقيقتها، وقوله الفاصلة أي الفارقة بين أن المخففة، والنافية كما بين في النحو. قوله: (ومعناه

تعظيم مكرهم الخ) كما في الشرطية، وقد مرّ تقريره وبقية كلامه ظاهر مما قرّرناه لك فإن قلت كونها نافية ينافي قراءة الكسائيّ المثبتة لدلالتها على عظم مكرهم، ودلالة كونها نافية على حقارته قلت أجيب عنه بأنّ الجبال في قراءة الكسائيّ يشار بها إلى ما جاء به النبيّ ﷺ من الحق وفي غيره على حقيقتها فلا تعارض إذ لم يتوارد على محل واحد نفيًا، وإثباتا ورد بأنه إذا جعل آيات الله شبيهة بالجبال في الثبات كانت مثلها بل أدون منها فإذا نفى إزالته إياها انتفى إزالته جبال الدنيا بالطريق الأولى فتنافي إزالته إياها الثابتة بقراءة الكسائيّ فالإشكال باق بحاله (قك) هذا غير وارد لأنّ المشبه لا يلزم أن يكون أدون من المشبه به في وجه الشبه بل قد يكون بخلافه لكون المشبه به أعرق بوجه الشبه، وهنا كذلك لأنّ ثبوت الجبل يعرفه الغبيّ، والذكيّ بخلاف الحق، ولو سلم فقد يقدر على إزالة الأقوى دون الآخر لمانع كالشجاع يقدر على قتل أسد، ولا يقدر على قتل رجل مشبه به لامتناعه

276

بعدة أو حصن، ولا أحصن، وأحمى من تأييد الله للحق بحيث تزول الجبال يوم تنسف نسفا، ولا يزول وهذا ظاهر لكل ذي بصيرة. قوله: (مثل قوله إنا لننصر وسلنا الخ) بيان لتحقق الوعد ووروده، وقيل المراد بالوعد السابق في قوله، وعند الله مكرهم إذ معناه المجازاة عليه كما مرّ. قوله: (لىلذافًا بأنه لا يخلف الوعد أصلاَ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [سورة الرعد، الآية: 31]) كذا في الكشاف، وقيل عليه إن الفعل إذا تقيد بمفعول انقطع احتمال إطلاقه، وهو هنا كذلك فليس تقديم الوعد دالًا على إطلاق الوعد بل على العناية والاهتمام به لأنّ الآية سيقت لتهديد الظالمين بما وعد الله على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، فالمهمّ ذكر الوعد، وكونه على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يتوقف عليه التهديد، والتخويف، وقيل إنه قوفي لكن ما ردّه هو القاعدة عند أهل البيان كما قال عبد القاهر في قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 100] إنه قدم شركاء للإيذان بأنه لا ينبغي أن يتخذ لله شركاء مطلقا، ثم ذكر الجن تحقيرًا فإذا لم يتخذ من غير الجن فالجن أحق بأن لا يتخذوا، وهذا لا يدفع السؤال بل يؤيده، وكذا ما ذكره الشارح الطيبي رحمه الله تعالى فإنه مع تطويله لم يأت بطائل فالوجه ما في الكشف من أنّ تقديمه يقتضي الاعتناء به، وأنه المقصود بالإفادة، وما ذكره ممن وقع الوعد على لسانه إنما ذكر بطريق التبع للإيضاح، والتفصيل بعد الإجمال، وهو من أسلوب الترقي كما في قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [سورة طه، الآية: 25] وقد أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله

فكيف يخلف رسله وتوهم صاحب الانتصاف هنا كتوهم صاحب التقريب هناك فتدبر؟ وقوله غالب لا يماكر الخ بيان لارتباط الخاتمة بالفاتحة، وكذا ما بعده. قوله: (بدل من يوم يأتيهم) بدل كل من كل أو عامله مقدر باذكر أو لا يخلف وعده بقرينة مخلف وعده، وقوله ولا يجوز الخ تبع فيه أبا البقاء رحمه الله تعالى إذ منع كونه معمول مخلف أو وعده لما ذكر ورد بأنّ الجملة اعتراضية فلا تعذ فاصلا والعجب فإنه إذا كان بدلًا يكون العامل فيه أنذر فيلزم عليه عمل ما قبل إن فيما بعدها فكأنه ذهب إلى أنّ البدل له عامل مقدر، وهو ضعيف قال أبو حيان رحمه الله تعالى والظاهر أنه استئناف. قوله: (والتبديل يكون في الذات كقولك بدلت الدراهم بالدنانير الخ) كون التبديل شاملًا للقسمين مما لا كلام فيه كما فصله في الكشف إلا أنه ذكر في قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [سورة النساء، الآية: 56] أن المعنى خلق جلودًا أخر غير الأولى لأنه المتبادر من قوله غيرها، ولا يلزمه تعذيب غير المجرم فإنه مع كونه غير ممتنع غير وارد لأنّ المعذب الروح، والبدن ا-لة لها، وقد اختار في سورة النساء أنه من تبديل الصفة بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صفة أخرى كتبديل الخاتم قرطًا أو بأن يزال عنه أثر الإحراق ليقوي إحساسه للعذاب، ولكل وجهة. قوله: (وعليه قوله ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾) هذا بناء على ما سيأتي في الفرقان من أنّ المعنى أنه يثبت لهم بدل كل عقاب ثوابًا جزاء لما عملوه من مآثر الجاهلية سمعة، ورياء بعدما أسلموا فهي حسنات باقية بعينها بعدما أزيل عنها صفة السوء، وهي الرياء، وسيأتي فيها وجوه أخر منها ما هو على أنه تبديل في الذات، وقوله والآية تحتملهما سيأتي تفصيله فما روي عن عليّ كرّم الله وجهه يدلّ على أنه تبديل في الذات، " وكذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه ظاهر فيه وما روي عن ابن عباص رضي الله تعالى عنهما " (1) صريح في تبديل الصفة، والأديم الجلد والعكاظي منسوب إلى عكاظ، وهو محل

معروف كان يعمل فيه أو يباع فيه كذلك. قوله: (ارضًا وسماء على الحقيقة) أي من أفراد ذلك الجنس حقيقة كما أنه يجوز أن يكون غيره، وقوله ولا يبعد على الثاني أي تبديل الصفة قيل بل هو بعيد لأنه يلزم أن تكون الجنة، والنار غير مخلوقتين الآن، والثابت في الكلام، والحديث خلافه، وأجيب بأنّ الثابت خلقهما مطلقا لا خلق كليهما فيجوز أن يكون الموجود الآن بعضهما، ثم تصير السماوات والأرض! بعضا منهما، وهذا وان صححه لا يقر به، ووجه دلالة الآيتين أنهما في جهة علو، وسفل وتعبير. بأشعر يقتضي أنه خفيّ مع أنّ وجه الإشعار فيه نظر، وأغرب منه جعل الإمام هذا دليلاَ عليه، وقوله لمحاسبته يعني أنه على تقدير مضاف لظهورهم له قبل ذلك. قوله: (للدلالة على أن الآمر في غاية الصعوبة) أي أمر يوم الحساب، والجزاء لأنهم إذا كانوا واقفين عند ملك عظيم

277

قهار لا يشاركه في الأمر غيره كانوا على خطر إذ لا مقاوم له، ومجبر ولا مغيث سواء، وشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكونها بإذنه منه أيضًا فلا ينافي ما ذكر ثبوت شفاعتهم للعصاة. قوله: (مقزنين) هو حال إن كانت رأي بصرية، ومفعول ثان إن كانت علمية، وفي الأصفاد متعلق به أو بمحذوف على أنه حال أو صفة له، والمقرّن من جمع في قرن، وهو بفتحتين الوثاق الذي يربط به، وقوله قرن بعضهم بالتشديد والتخفيف، وقوله بحسب مشاركتهم في العقائد أي بضم كل لمشاركه في كفره وعمله كما في المثال:

إنّ الطيور على أشباهها تقع

وقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [سورة التكوير، الآية: 7] فمعناه قرنت مع نوعها زوجا زوجا وسيأتي لها تفسير آخر، وقوله أو قرنوا مع الشياطين لقوله فوربك لنحشرنهم والشياطين،

وقوله مع ما اكتسبوا أي مع جزائه أو كتابه أو أعماله تجسم، وتقرن بهم كما قيل به أو هو تمثيل بأن شبه جزاء ما اكتسبته جوارحهم باقترانهم، وتلبسهم بها وذكر الأيدي، والأرجل مضمومة للرقاب وارد في الأثر فإذا ذكره المصنف رحمه الله تعالى. قوله:) متعلق بمقرّنين (فهو ظرف لغو وهذا لكونهم مقرنين مع غيرهم وكونه حالًا مستقرّ ناظر إلى كون أيديهم، وأرجلهم قرنت برقابهم ففيه لف، ونشر. قوله: (والصفد القيد (أي الذي يوضع في الرجل، والغل بالضم هو ما في اليد، والعنق وما يضم به اليد، والرجل إلى العنق، ويسمى جامعة، وهو المذكور في الشعر فمن قال في تفسيره إنّ قوله يعض خبر زيد بعد خبر أو صفة صفادا، وحال من ضمير لاقى أي زيد يعض على ساعده تارة، وعلى ساقه أخرى ليتخلص من الوثاق فلا شاهد فيه حينئذ لم يصب إذ المراد أن الغل جمعهما جمعا مثبتا حتى كأنه يؤلمه بعض ساعده، وساقه، وزيد الخيل زيد بن مهلهل الطائي أضيف إلى الخيل لفروسيته، وهو صحابيئ رضي الله تعالى عنه " قدم على النبتي ﷺ فسماه زيد الخير وقال له ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته إلا دون صفته غيرك " ومن هذا أخذ الشاعر قوله:

حتى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأطيب مما قدرأي بصري

وقد وقع للزمخشريّ، والشريف ابن الشجري فييته قصة مذكورة في طبقات النحاة.

قوله:) وجاء قطران وقطران) استغنى عن ضبط قراءة العامّة التي ابتدأ بها على عادته، وهي بفتح القاف، وكسر الطاء لأنّ شهرتها قراءة ولغة تغني عن التصريح بها ثم ثنى بفتح القاف، وسكون الطاء بوزن يى محران وثلث بكسر القاف وسكون الطاء بوزن سرحان، وقوله وجاء أي في اللغة إذ لو أراد غيره لقال قرئ على عادته فلا يرد عليه أنّ الأخيرة لم يقرأ بها كما في الدر المصون، ولا ألغاز في كلامه كما قيل. قوله: (وهو ما يتحلب من الأبهل) أي يتقاطر منه كالصمغ، والأبهل بضم الهمزة، والهاء وباء ساكنة بينهما اسم شجر قيل هو العرعر وقيل غيره،

والزفت نوع منه كما شاهدناه في الديار التي يصنع فيها، وقوله فتهنأ بضم التاء الفوقية، وسكون الهاء، وفتح النون وفي آخر. همزة مقصورة من الهناء كالطلاء لفظا ومعنى، ومنه المثل يضع الهناء مواضع النقب لمن يضع الشيء في محله، وهو معروف، وقوله كالقميص إشارة إلى أنّ سرابيلهم من التشبيه البليغ وقيل إنه استعارة هنا، وفيه نظر، وقوله ووحشة لونه أي قباحته، وهو استعمال عامّي يقولون فلان وحش أي قبيح كما قال بعض المتأخرين رحمه الله تعالى عليهم:

ووحشة بيننما يحرّكها مرّالنوى فهي دائما وحشة

وكذا ما في قوله من الهيئات الوحشة بكسر الحاء صفة منه، وأصل معنى الوحشة الانفراد، والهمّ من الوحش، وهو القفر، وقوله التفاوت بين القطرانين أي قطران الدنيا، والآخرة. قوله: (ويحتمل أن يكون تمثيلاَ لما يحيط بجوهر النفس الخ) فشبه النفس المتلبسة بالملكات الرديئة كالكفر، والجهل، والعناد والغباوة بشخص لبس ثيابا من زفت، وقطران، ووجه الشبه تحلى كل منهما بأمر قبيح مؤذ لصاحبه يستنكره عند مشاهدته، ويستعار لفظ أحدهما للآخر استعارة تمثيلية مركبة، وقوله فيجلب الخ إشارة لوجه الشبه. قوله:) وعن يعقوب) أي روي عن يعقوب رحمه الله تعالى، وهو أحد القرّاء المعروفين أنه قرأ من قطران على أنهما كلمتان منونتان أولاهما قطر بفتح القاف، وكسر الطاء كما في الدرّ المصون

278

وهو النحاس مطلقا أو المذاب منه، وآن بوزن عان بمعنى شديد الحرارة كقوله: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [سورة الرحمن، الآية: 44] ويقال فيه قطر بكسر فسكون، والصفر بضم الصاد المهملة، وسكون الفاء نوع من النحاس. قوله: (والجملة حال ثانية أو حال من الضمير في مقزنين) أي جملة سرابيلهم من قطران حال ثانية من المجرمين، والحال الأولى مقرّنين، وهذا إذا كان في الأصفاد متعلق بمقرّنين، وألا فهي ثالثة أو هي حال من الضمير المستتر في مقرّنين فهي حال متداخلة، وجوّز فيها أن تكون مستأنفة، وحالًا من نفس مقزنين، وكونها حالًا، وهي اسمية غير مقترنة بالواو بناء على غير مختاره أو على تأويلها بمفرد أي متسربلين، وقد أشبعنا الكلام فيه في سورة الأعراف، وما ذكرناه هو ما ذكره المعربون، وكلام المصنف رحمه الله ظاهر فيه، وقيل إنه يعين أنها حال ثانية من ضمير مقرّنين، والأولى في الأصفاد أو حال ابتدائية مته، وفي الأصفاد ظرف لغو متعلق به فقوله من الضمير تنازع فيه حال، وحال. قوله: (وتتغشاها) عطف تفسير، وفي نسخة أي، وذكر وجه النص على تعذيبها لأنها لم تسجد لله، ولم تعمل الحواس

في معرفتة، وقوله كما تطلع على أفئدتهم هو أحد التفاسير فيه كما سيأتي في سورة الهمزة. قوله: (يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة) يعني أنّ متعلق الجارّ، والمجرور يقدر كما ذكر، والنفس مخصوصة بالنفس المجرمة بقرينة المقام أو عامّ لأنه إذا خص المجرمين بالعقاب علم اختصاص غيرهم بالثواب مع أنّ عقاب المجرمين، وهم أعداؤهم جزاء للمطيعين أيضا كماقيل:

من عاس بعد عدوّه يومافقدبلغ المنى

وعلى هذا يجوز تعلقه بقوله، وبرزوا ويكون ما بينهما اعتراضًا فلا اعتراض، وأورد عليه أمران الأوّل أنه لا حاجة لما تكلفه بقوله لأنه الخ. لأنه إذا أبقى على عمومه يدخل فيه المجرمون دخولًا أوليا الثاني أنّ الظاهر أنّ فاعل برزوا ضمير المعاندين للرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو المناسب لمقام الوعيد، وهو متعين إذا فسر البروز بأنه على زعمهم كما مرّ فكيف يتعين التعميم على تعلقه به، ولا ورود لهما أمّا الأوّل فلأنّ ما قدره بقرينة ما قبله إنما هو فعل العذاب لا الجزاء مطلقا فلا بد من ذكره وأمّا الثاني فلأنّ ظاهر تفسيره السابق للبروز من القبور إنه شامل لجميع الخلائق كما صرّح به بعض المفسرين، وجعل الجملة حالية، ويجوز تعلقه بتري، وما ذكر يحتمله. قوله: (لأنه لا يشغله حساب عن حساب) فاللام للاستغراق، وقال بعض المتأخرين لأنه لا يشغله فيه تأمّل، وتتبع، ولا يمنعه حساب عن حساب حتى يستريح بعضهم عند الاشتغال بمحاسبة الآخرين فيتأخر عنهم العذاب، وبهذا التفصيل تبين إصابة هذا التذييل محزه. قوله: (إشأرة إلى القرآن أو السورة) والتذكير باعتبار الخبر وقوله أو ما فيه إشارة إلى توجيه الأفراد، والتذكير على هذا، وقوله من قوله من ابتدائية أي إلى هنا، وقوله كفاية أصل معنى البلاغ التبليغ، ويطلق على الكفاية كما هنا صرّح به الراغب. قوله: (عطف على محطوف الخ) ذكروا في إعرابه وجوهًا منها أنه معطوف على علة أخرى متعلقة بقوله بلاغ محذوفة ومنها أنّ له متعلقًا هو المعطوف، ومنها أنّ الواو زائدة، وقيل اللام لام أمر قيل، وهو حسن لولا قوله، وليذكر وتعلقه بمحذوف تكلف. قوله: (وقرئ بفتح

الياء من نذر به إدّا علم به واستعدّ له) وهذه قراءة السلمي، وغيره من نذر بمعنى علم واستعد فالوا، ولم يسمع لنذر بمعنى علم مصدر فهي كعسى، وغيرها من الأفعال التي لا مصادر لها، وقيل إنهم استفنوا بأن، والفعل عن صريح المصدر، وفي القاموس نذر بالشيء كفرح علمه فحذره، وأنذره بالأمر إنذارا ونذرًا ويضم، وبضمتين ونذيرا أعلمه وحذره، وقوله يحظيهم بالظاء المعجمة أي ينيلهم الحظوة، وهي قبول الفضل والمحاسن، وقوله تكميل بالنصب، وكذا ما بعده بدل من ثلاث، ومرفوع خبر الحكم، وهو بيان لما قبله من الثلاث أيضا، وتكميل الرسل عليهم الصلاة والسلام بالإنذار، واستكمالهم من قوله، وليعلموا الخ والاستصلاج من قوله، وليذكر وقوله منتهى كمالها التوحيد المراد بالتوحيد ما يتعلق بمعرفة الله مطلقًا، ولذا يسمى الكلام علم التوحيد فلا يرد عليه ما قيل إنّ التوحيد أوّل مراتب الإيمان، ومنتهاها معرفة الصفات الإلهية، والآيات المبينة في الآفاق، والأنفس. قوله: (وعن النبني ﷺ الخ (هذا الحديث رواه ابن مردويه والثعلبيّ والواحدقي، وهو موضوع أيضا كما ذكره العراقي رحمه الله تعالى.

279