التبيان في أيمان القرآنالجزء 1 · ص 73 - 81

الصحيح أن "أسفل سافلين" هي النار

والتعديل، وذلك صنعتُه تبارك وتعالى في قبضةٍ من ترابٍ، وصُنْعُهُ بالمشاهدة في نطفةٍ من ماءٍ. وذلك من أعظم الآيات الدالَّة على وجوده (^1)، وقدرته، وحكمته، وعلمه، وصفات كماله، ولهذا يكرِّرها كثيرًا في القرآن (^2) لمكان العبرة بها، والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته، وعلى المبدأ والمَعَاد.

وتضمَّنَ إقسامُهُ بتلك الأمكنة الثلاثة الدالَّة عليه، وعلى علمه وحكمته = عنايته (^3) بخلقه؛ بأن أرسل منها رسلًا أنزل عليهم كتبه، ويُعرِّفون العباد بربِّهم، وحقوقه عليهمْ، وينذرونهم بأْسَهُ ونقمته، ويدعونهم إلى كرامته وثوابه.

الصحيح أن "أسفل سافلين" هي النار

ثُمَّ لمَّا كان النَّاس في إجابة هذه الدعوة فريقين: منهم من أجابَ، ومنهم من أَبى = ذكر حال الفريقين، فذكر حال الأكثرين، وهم المردودون إلى أسفل سافلين.

والصحيح أنَّه النَّار، قاله: مجاهد، والحسن، وأبو العالية.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "هي النَّار بعضها أسفل من بعض" (^4).

وقالت طائفةٌ منهم: قتادة، وعكرمة، وعطاء، والكلبي،

  • (^1) من (ح) و(م)، وفي غيرهما: وجود قدرته.
    (^2) في (ن): "في القرآن كثيرًا".
    (^3) في جميع النسخ: وعنايته، بإثبات واو العطف، وحذفها أصح.
    (^4) وهذا القول انتصر له شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى" (16/ 279 - 282)، واختاره ابن كثير في "تفسيره" (8/ 435).
73

القول بأن المراد به أرذل العمر ضعيف من وجوه عشرة

وإبراهيم: إنَّه أرذل العمر، وهو مرويٌّ عن ابن عباس (^1).

والصواب القول الأوَّل لوجوه:

أحدها (^2): أنَّ أرذل العمر لا يسمَّى: أسفل سافلين، لا في لغةٍ، ولا عرفٍ، وإنَّما "أسفل سافلين" هو "سِجِّين" الذي هو مكان الفُجَّار، كما أنَّ "عِلِّيين" مكان الأبرار (^3).

الثاني: أنَّ المردودين إلى أرذلِ العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليلٌ جدًّا، فأكثرهم يموت ولا يُرَدُّ إلى أرذل العمر.

الثالث: أنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رَدِّ مَنْ طَالَ عُمُره إلى أرذل العمر، فليس ذلك مختصًّا بالكفار حتَّى يستثني منهم المؤمنين.

الرابع: أنَّ الله - سبحانه - لمَّا أراد ذلك (^4) لم يَخُصَّهُ بالكفار، بل جعله لجنس بني آدم، فقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: 5] فجعلهم قسمين: قسمًا يتوفَّى قبل الكِبَر، وقسمًا مردودًا إلى أرذل العمر، ولم يسمِّه "أسفل سافلين".

الخامس: أنَّه لا تَحْسُنُ المقابلة بين أرذل العمر وبين أجر

  • (^1) وهو اختيار ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (12/ 638)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (15/ 504).
    (^2) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: منها.
    (^3) انظر: "الروح" (1/ 416).
    (^4) ساقط من (ز).
74

المؤمنين، وهو - سبحانه - قابَلَ بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان، فجعل جزاءَ الكفار أسفل سافلين، وجزاءَ المؤمنين أجرًا غير ممنون.

السادس: أنَّ قول من فسَّره بأرذل العمر يستلزم: -

1 - خُلُوَّ الآية عن جزاءِ الكفار، وعاقبةِ أمرهم.

2 - وتفسيرها بأمرٍ محسوسٍ.

فيكون قد ترك الإخبار عن المقصود والأَهَمِّ، وأخبر بأمرٍ يُعْرَفُ بالحِسِّ والمشاهدةِ، وفي ذلك هضْمٌ لمعنى الآية، وتقصيرٌ (^1) بها عن المعنى اللائق بها.

السابع: أنَّه - سبحانه - ذكر حال الإنسان في مبدئه ومَعَادِه، فمبدؤه خلْقُه في أحسن تقويم، ومعادُهُ رَدُّهُ إلى أسفل سافلين، أو إلى أجرٍ غير ممنونٍ. وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومَعَاده، فما لأَرْذَلِ العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه؟

الثامن: أنَّ أرباب القول الأوَّل (^2) مضطَرُّون إلى مخالفة الحِسِّ، أو إخراج الكلام عن ظاهره، والتكلُّف البعيد له (^3). فإنَّهم إن قالوا: إنَّ الذي يُرَدُّ إلى أرذل العمر هم (^4) الكفار دون المؤمنين؛ كابروا الحِسَّ. وإن قالوا: إنَّ من النَّوعين من يردُّ إلى أرذل العمر؛ احتاجوا إلى التكلُّف

  • (^1) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: ونقصٌ.
    (^2) ساقط من (ك).
    (^3) من (ح) و(م)، وسقط من باقي النسخ.
    (^4) ساقط من (ك).
75

لصحة الاستثناء.

فمنهم من قدَّرَ ذلك بأنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل أعمالهم إذا رُدُّوا إلى أرذل العمر، بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة. وهذا - وإن كان حقًّا - فإنَّ الاستثناء إنَّما وقع من الردِّ، لا من الأجر والعمل.

ولمَّا علم أرباب هذا القول ما فيه من التكلُّف خَصَّ بعضُهم "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" بقُرَّاء القرآن خاصَّةً، فقالوا: من قرأ القرآن لا يُرَدُّ إلى أرذل العمر.

وهذا ضعيفٌ من وجهين:

أحدهما: أنَّ الاستثناءَ عامٌّ في المؤمنين، قارئهم وأُمِّيهم.

الثاني: أنَّه لا دليل لهم على ما ادَّعَوه، وهذا لا يُعْلَم بالحِسِّ، ولا خَبَرَ يجب التسليم له (^1) يقتضيه، والله أعلم.

التاسع: أنَّه - سبحانه - ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم، وهذه النِّعمة تُوجب عليه أن يشكرها بالإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له، فينقله - حينئذٍ (^2) - من هذه الدار إلى أَعْلَى عِلِّيين، فإذا لم يؤمن بربِّه، وأشرك به، وعصى رسله؛ نقله منها إلى أسفل سافلين، وبدَّلَهُ بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورةً من أقبح الصور في أسفل سافلين. فتلك نعمتُهُ عليه، وهذا عَدْلُهُ فيه، وعقوبَتُهُ على

  • (^1) في (ز) و(ن): إليه.
    (^2) في (ز): وحده!
76

كفران نعمته.

الصواب في تفسير قوله تعالى: ﴿غير ممنون﴾

العاشر: أنَّ نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)﴾ [الانشقاق: 24، 25]، فالعذاب الأليم هو "أسفل سافلين"، والمُسْتَثنَون هنا هم المُسْتَثنَون هناك، والأجر غير الممنون هنا هو المذكور هناك، والله أعلم.

وقوله: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)﴾، أي (^1): غير مقطوعٍ، ولا منقوصٍ، ولا مكدَّرٍ عليهم. هذا هو الصواب (^2).

وقالت طائفةٌ: غير ممنونٍ به عليهم، بل هو جزاء أعمالهم. ويذكر هذا عن: عكرمة، ومقاتل، وهو قول كثيرٍ من القَدَرِيَّة (^3).

قال هؤلاء: لأنَّ المِنَّةَ تكدِّرُ النِّعمة، فتمام النِّعمة بأن تكون غير ممنونٍ بها على المنعَم عليه.

وهذا القول خطأٌ قطعًا، أُتِيَ أربابُهُ من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق، وهذا من أبطل الباطل؛ فإنَّ المِنَّة التي تكدِّرُ النِّعمة هي مِنَّةُ المخلوق على المخلوق، وأمَّا مِنَّةُ الخالق على المخلوق فبها تمامُ النِّعمة، ولذَّتُها، وطِيبُها، فإنَّها مِنَّةٌ حقيقيةٌ، قال

  • (^1) من قوله: "غير الممنون. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
    (^2) وهو قول أكثر المفسرين، وانظر: "جامع البيان" (12/ 641)، و"معالم التنزيل" (8/ 473)، و"المحرر الوجيز" (15/ 505).
    (^3) انظر: "تفسير مقاتل" (3/ 498)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (2/ 303)، و"الدر المنثور" (6/ 621).
    ونسبه الماوردي إلى: الحسن البصري. "النكت والعيون" (6/ 302).
77

تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾ [الحجرات: 17]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115)﴾ [الصافات: 114، 115]، فكيف (^1) تكون مِنَّتُهُ عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة؟

وقال - تعالى - لموسى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37)﴾ [طه: 37].

وقال أهلُ الجنَّة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27)﴾ [الطور: 27].

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164] الآية.

وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 5].

وفي "الصحيح" أنَّ النبيَّ ﷺ قال - لمَّا قال للأنصار -: "أَلَمْ أجِدْكُم ضُلَّالًا فَهَدَاكُم اللهُ بي؟ ألَم أَجِدْكُم عَالَةً فأَغْنَاكُم اللهُ بي؟ "؛ وجعلوا يقولون له (^2): "الله ورسوله أَمَنُّ" (^3).

فهذا جواب العارفين بالله ورسوله، وهل المِنَّةُ - كلُّ المِنَّةِ (^4) - إلا لله المَانِّ (^5) بفضله الذي جميع الخلق في مِنَّتِهِ؟

  • (^1) ساقط من (ح) و(م).
    (^2) ساقط من (ن) و(م).
    (^3) "صحيح البخاري" رقم (4075)، و"صحيح مسلم" رقم (1061).
    (^4) "كل المنة" ساقط من (ز).
    (^5) في (ز): المنَّان.
78

وإنَّما قَبُحَت مِنَّةُ المخلوق لأنَّها مِنَّةٌ بما ليس منه، وهي مِنَّةٌ يتأذَّى بها الممنون عليه. وأمَّا مِنَّةُ المَانِّ (^1) بفضله التي ما طاب العيش إلا بمِنَّته، وكلُّ نعمةٍ منه في الدنيا والآخرة فهي مِنَّةٌ يَمُنُّ بها على من أنعم عليه = فتلك لا يجوز نفيها. وكيف يجوز أن يقال: إنَّه لا مِنَّةَ لله على "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" في دخول الجنَّة؟! وهل هذا إلا من أبطل الباطل؟!

فإن قيل: هذا القَدْر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء، وليس مرادهم ما ذُكِر، وإنَّما مرادُهم أنَّه لا يَمُنُّ عليهم به، وإن كانت لله فيه المِنَّة عليهم، فإنَّه لا يَمُنُّ عليهم به، بل يقال لهم: هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، وهذا أجركم، فأنتم تستوفون أجور أعمالكم، ولا نَمُنُّ عليكم بما أعطيناكم.

قيل: وهذا - أيضًا (^2) - هو الباطل بعينه، فإنَّ ذلك الأجرَ ليست الأعمالُ ثمنًا له، ولا معاوضةً عنه، وقد قال أعلم الخلق بالله ﷺ: "لن يدخُلَ أحدٌ منكُم الجنَّةَ بعمله" قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال "ولا أنا؛ إلَّا أن يتغمَّدني اللهُ برحْمَةٍ منهُ وفَضْلٍ" (^3)، فأخبر أنَّ دخولَ الجنَّة برحمة الله وفضله، وذلك محض مِنَّته عليه وعلى سائر عباده، وكما أنَّه - سبحانه - المَانُّ بإرسال رسله، وبالتوفيق لطاعتهم، وبالإعانة عليها = فهو المَانُّ بإعطاء الجزاء، وذلك كلُّه محض مِنَّته وفضله وجوده، لا حَقَّ لأحدٍ عليه، بحيث إذا وفَّاهُ إيَّاهُ لم يكن له عليه مِنَّةٌ، فإن

  • (^1) في (ز): المنَّان.
    (^2) ساقط من (ن).
    (^3) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (5349 و6098)، ومسلم في "صحيحه" رقم (2816)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
79

كان في الدنيا باطلٌ فهذا منه.

فإن قيل: كيف تقولون هذا وقد أخبر رسولُه عنه بأنَّ حقَّ العباد عليه إذا عَبَدُوه وحدَهُ (^1) أن لا يعذِّبهم (^2)، وقد أخبر عن نفسه أنَّ حقًّا عليه نصرُ المؤمنين (^3)؟

قيل: لَعَمْرُ اللهِ؛ وهذا من أعظم مِنَّته على عباده، أن جعل على نفسه حقًّا بحكم وعده الصادق: أن يثيبهم ولا يعذِّبهم إذا عبدوه وحده، فهذا من تمام مِنَّته، فإنَّه لو عذَّبَ أهلَ سمواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولكن مِنَّته اقتضت أنْ أَحَقَّ على نفسه ثوابَ عابديه، وإجابةَ سائليه.

ما للعبادِ عليهِ حقٌّ واجبٌكلَّا، ولا سَعْيٌ لديهِ ضائعُ

إن عُذِّبُوا فبعَدْلِه، أو نُعِّمُوافبفَضْلِه، وهو الكريمُ الواسعُ (^4)

أصح القولين في تفسير قوله تعالى: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾

وقوله سبحانه: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: 7]، أصحُّ القولين:

  • (^1) في (ح) و(م): وحَّدوه، بدل: "عبدوه وحده".
    (^2) يشير إلى حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: "كنتُ رِدْفَ النبيِّ ﷺ على حمارٍ يقال له "عُفَير" فقال: يا معاذُ؛ هل تدري حقَّ الله على عباده، وما حقُّ العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ حقَّ الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذِّبَ من لا يشركُ به شيئًا. فقلت: يا رسول الله، أفلا أُبشِّرُ به النَّاسَ؟ قال: لا تبشرهم فيتَّكِلُوا".
    أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (2701، 5622، 5912، 6135، 6938)، ومسلم في "صحيحه" رقم (30).
    (^3) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾ [الروم: 47].
    (^4) أورد المؤلِّف هذين البيتين في: "الوابل الصيِّب" (153)، و"بدائع الفوائد" (2/ 645)، و"طريق الهجرتين" (691)، و"مدارج السالكين" (2/ 339).
80

أنَّ هذا خطابٌ للإنسان (^1)، أي: فما يكذِّبُك بالجزاء والمَعَاد بعد هذا البيان، وهذا البرهان؛ فتقول: إنَّك لا تُبعث، ولا تُحاسب؟! ولو تفكَّرت في مبدأ خَلْقِك، وصورتك، لعلمتَ أنَّ الذي خَلَقَك أقدر على إعادتك بعد موتك، ونشأتك خَلْقًا جديدًا من خَلْقِك الأوَّل (^2)، وأنَّ ذلك لو أَعْيَاهُ وأَعْجَزَهُ لأَعْيَاهُ وأَعْجَزَه خَلْقُك الأوَّل.

وأيضًا؛ فإنَّ الذي كَمَّلَ خَلْقَك في أحسن تقويمٍ بعد (^3) أن كنت نطفةً من ماءٍ مهينٍ، كيف يليق به أن يتركَكَ سُدَىً، لا يكمِّلُ ذاتَكَ بالأمر والنهي، وبيانِ ما ينفعُكَ ويضرُّك، ولا يبعثُكَ لدارٍ هي أكمل من هذه الدار، ويجعل هذه الدار طريقًا لك إليها، فحِكْمَةُ أحكمِ الحاكمين تأبَى ذلك، وتقتضي خلافه.

قال منصور (^4): قلت لمجاهد: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7)﴾ عَنَى به محمدًا؟ فقال: "معاذَ اللهِ؛ إنَّما عَنَى به الإنسان" (^5).

  • (^1) وهو قول: مجاهد، والكلبي، ومقاتل بن سليمان، وجمهور المفسرين.
    قال السمعاني: "هذا هو القول المعروف، وهو الأولى؛ لأنَّ "ما" بمعنى "مَنْ" يبعد في اللغة". "تفسيره" (6/ 254).
    واقتصر كثير من المفسرين عليه ولم يذكروا غيره، كما فعل: البغوي في "معالم التنزيل" (8/ 473)، والواحديُّ في "الوسيط" (4/ 526)، وابن كثير في "تفسيره" (8/ 435)، وغيرهم.
    (^2) "من خلقك الأول" ساقط من (ح) و(م).
    (^3) ساقط من (ز).
    (^4) هو منصور بن المعتمر بن عبد الله السُّلَمي، الحافظ الثبت الحُجَّة، لم يكن بالكوفة أحفظ منه، روى له الجماعة، توفي سنة (132 هـ) ﵀.
    انظر: "تهذيب الكمال" (28/ 546)، و"السير" (5/ 402).
    (^5) أخرجه: ابن جرير في "تفسيره" رقم (37653 - 37655)، وابن أبي حاتم في =
81