تأويل مشكل القرآنالجزء 1 · ص 14 - 23

الجزء 1 (2 من 2)

ثم قال: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: 146] ولم يقل: فأولئك هم المؤمنون.

ثم قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 146] ولم يقل وسوف يؤتيهم الله، بغضا لهم، وإعراضا عنهم، وحيدا بالكلام عن ذكرهم.

وقوله في المنافقين: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [المنافقون: 4] فدلّ على جبنهم، واستشرافهم لكل ناعر، ومرهج على الإسلام وأهله.

وأخذه الشاعر- وأنّى له هذا الاختصار- فقال «1»:

ولو أنّها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما

يقول: لو طارت عصفورة لحسبتها من جبنك خيلا تدعو هاتين القبيلتين.

وقال الآخر «2»:

ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليكم ورجالا

وهذا في القرآن أكثر من أن نستقصيه.

وقد قال قوم بقصور العلم وسوء النظر في قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ [الكهف: 17]: وما في هذا الكلام من الفائدة؟.

وما في الشمس إذا مالت بالغداة والعشيّ عن الكهف من الخبر؟.

ونحن نقول: وأيّ شيء أولى بأن يكون فائدة من هذا الخبر؟ وأيّ معنى ألطف مما أودع الله هذا الكلام؟.

وإنما أراد عز وجل: أن يعرّفنا لطفه للفتية، وحفظه إياهم في المهجع، واختياره لهم أصلح المواضع للرّقود، فأعلمنا أنه بوّأهم كهفا في مقنأة الجبل «3»، مستقبلا بنات

  • (1) البيت من الطويل، وهو لجرير في ديوانه ص 323، وشرح شواهد المغني 2/ 662، وله أو للبعيث في حماسة البحتري ص 261، وللعوام بن شوذب الشيباني في العقد الفريد 5/ 195، ولسان العرب (زنم)، والمعاني الكبير ص 927، ومعجم الشعراء ص 300، والمقاصد النحوية 4/ 467، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص 73، وجمهرة اللغة ص 828، والجنى الداني ص 281، وشرح الأشموني 3/ 603، ومغني اللبيب 1/ 270.
  • (2) البيت من الكامل، وهو لجرير في ديوانه ص 53، وشرح شواهد الشافعية ص 125، والعقد الفريد 3/ 132، وكتاب الحيوان 5/ 240.
  • (3) مقنأة الجبل: الموضع الذي لا تصيبه الشمس.
14

نعش، فالشمس تزورّ عنه وتستدبره: طالعة، وجارية، وغاربة. ولا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها وتلفحهم بسمومها، وتغيّر ألوانهم، وتبلي ثيابهم. وأنهم كانوا في فجوة من الكهف- أي متّسع منه- ينالهم فيه نسيم الريح وبردها، وينفي عنهم غمّة الغار وكربه.

وليس جهلهم بما في هذه الآية من لطيف المعنى، بأعجب من هذا جهلهم بمعنى قوله: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: 45] حتى أبدأوا في التعجّب منه وأعادوا، حتى ضربه بعض المجّان لبارد شعره مثلا.

وهل شيء أبلغ في العبرة والعظة من هذه الآية؟ لأنه أراد: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بالعتوّ، وأبادهم بالمعصية، فيروا من تلك الآثار بيوتا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرا كانت لشرب أهلها قد عطّل رشاؤها، وغار معينها، وقصرا بناه ملكه بالشّيد «1» قد خلا من السّكن، وتداعى بالخراب، فيتعظوا بذلك، ويخافوا من عقوبة الله وبأسه، مثل الذي نزل بهم.

ونحوه قوله: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [الأحقاف: 25]:

ولم يزل الصالحون يعتبرون بمثل هذا، ويذكرونه في خطبهم ومقاماتهم: فكان سليمان صلى الله عليه وآله وسلم، إذا مرّ بخراب قال: يا خرب الخربين أين أهلك الأوّلون؟.

وقال: أبو بكر رضي الله عنه، في بعض خطبه: أين بانو المدائن ومحصّنوها بالحوائط؟ أين مشيّدو القصور، وعامروها؟ أين جاعلو العجب فيها لمن بعدهم؟ تلك منازلهم خالية، وهذه منازلهم في القبور خاوية، هل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟.

وهذا الأسود بن يعفر يقول»

:

  • (1) الشّيد، بالكسر: كل ما طلي به الحائط من جص وبلاط.
  • (2) الأبيات من الكامل، وهي للأسود بن يعفر في ديوانه ص 26- 27، والبيت الأول في لسان العرب (برق)، (حرق)، وتاج العروس (سند)، وشرح اختيارات المفضل ص 968، ومعجم البلدان (انقرة)، والبيت الثاني في لسان العرب (كعب)، (برق)، وكتاب العين 1/ 207، وتهذيب اللغة 1/ 325، وتاج العروس (كعب)، (سند)، وشرح اختيارات المفضل ص 969، والشعر والشعراء ص 261، والبيت الثالث في لسان العرب (نقر)، وتاج العروس (نقر)، وشرح اختيارات المفضل ص 970، والحماسة البصرية 2/ 412، والبيت الرابع في لسان العرب (موم)، وتاج العروس (موم) .
15

ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد

أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشّرفات من سنداد

نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد

أرض تخيّرها لطيب مقيظها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد

جرت الرياح على محلّ ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد

فأرى النعيم وكلّ ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلىّ ونفاد

وهذه الشّعراء تبكي الديار، وتصف الآثار، وإنما تسمعهم يذكرون دمنا وأوتادا، وأثافيّ ورمادا، فكيف لم يعجبوا من تذكّرهم أهل الديار بمثل هذه الآثار، وعجبوا من ذكر الله، سبحانه أحسن ما يذكر منها وأولاه بالصّفة، وأبلغه في الموعظة؟.

16

باب ذكر العرب وما خصّهم الله به من العارضة والبيان واتّساع المجاز

وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات، فإنه ليس في جميع الأمم أمّة أوتيت من العارضة، والبيان، واتساع المجال، ما أوتيته العرب خصّيصى من الله، لما أرهصه في الرسول، وأراده من إقامة الدليل على نبوّته بالكتاب، فجعله علمه، كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه:

فكان لموسى فلق البحر، واليد، والعصا، وتفجّر الحجر في التّيه بالماء الرّواء، إلى سائر أعلامه زمن السّحر.

وكان لعيسى إحياء الموتى، وخلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، إلى سائر أعلامه زمن الطب.

وكان لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، لم يأتوا به، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، إلى سائر أعلامه زمن البيان.

فالخطيب من العرب، إذا ارتجل كلاما في نكاح، أو حمالة، أو تحضيض، أو صلح، أو ما أشبه ذلك- لم يأت به من واد واحد، بل يفتنّ: فيختصر تارة إرادة التخفيف، ويطيل تارة إرادة الإفهام، ويكرّر تارة إرادة التوكيد، ويخفي بعض معانيه حتى يغمض على أكثر السامعين، ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجميين، ويشير إلى الشيء ويكني عن الشيء.

وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال، وقدر الحفل، وكثرة الحشد، وجلالة المقام.

ثمّ لا يأتي بالكلام كلّه، مهذّبا كلّ التّهذيب، ومصفّى كلّ التّصفية، بل تجده يمزج ويشوب، ليدل بالنّاقص على الوافر، وبالغثّ على السمين. ولو جعله كلّه

17

نجرا «1» واحدا، لبخسه بهاءه، وسلبه ماءه.

ومثل ذلك الشّهاب من القبس نبرزه للشّعاع، والكوكبان يقترنان، فينقص النّوران، والسّخاب «2» ينظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان، ولا يجعل كلّه جنسا واحدا من الرفيع الثّمين، ولا النّفيس المصون.

وألفاظ العرب مبنية على ثمانية وعشرين حرفا، وهي أقصى طوق اللّسان.

وألفاظ جميع الأمم قاصرة عن ثمانية وعشرين ولست واجدا في شيء من كلامهم حرفا ليس في حرفنا إلا معدولا عن مخرجه شيئا، مثل الحرف المتوسط مخرجي القاف والكاف، والحرف المتوسط مخرجي الفاء والباء.

فهذه حال العرب في مباني ألفاظها.

ولها الإعراب الذي جعله الله وشيا لكلامها، وحلية لنظامها، وفارقا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين، والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول، لا يفرّق بينهما، إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكلّ واحد منهما- إلا بالإعراب.

ولو أن قائلا قال: هذا قاتل أخي بالتنوين، وقال آخر: هذا قاتل أخي بالإضافة- لدّل التنوين على أنه لم يقتله، ودلّ حذف التنوين على أنه قد قتله.

ولو أن قارئا قرأ: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76) [يس:

76] وترك طريق الابتداء بإنّا، وأعمل القول فيها بالنصب على مذهب من ينصب (أنّ) بالقول كما ينصبها بالظن- لقلب المعنى عن جهته، وأزاله عن طريقته، وجعل النبيّ، عليه السلام، محزونا لقولهم: إنّ الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون. وهذا كفر ممن تعمّده، وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به، ولا يجوز للمأموين أن يتجوّزوا فيه.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم» «3» .

فيمن رواه «حزما» أوجب ظاهر الكلام للقرشي ألا تقتل إن ارتد، ولا يقتصّ منه إن قتل.

  • (1) النجر: اللون.
  • (2) السخاب، بالخاء المعجمة: كل قلادة كانت ذات جواهر، أو لم تكن.
  • (3) أخرجه مسلم في الجهاد حديث 88، وأحمد في المسند 3/ 412، 4/ 213، والدارمي 2/ 198، والبيهقي في دلائل النبوة 5/ 79، والحميدي في مسنده 568، وابن أبي عاصم في السنة 2/ 638، وابن أبي شيبة في مصنفه 12/ 173، 14/ 490، والتبريزي في مشكاة المصابيح 5993، والمتقي الهندي في كنز العمال 33804، 33885، 37985. [.....]
18

ومن رواه «رفعا» انصرف التأويل إلى الخبر عن قريش: أنه لا يرتدّ منها أحد عن الإسلام فيستحقّ القتل.

أفما ترى الإعراب كيف فرق بين هذين المعنيين.

وقد يفرقون بحركة البناء في الحرف الواحد بين المعنيين.

فيقولون: رجل لعنة، إذا كان يلعنه الناس. فإن كان هو الذي يلعن الناس، قالوا:

رجل لعنة فحركوا العين بالفتح.

ورجل سبّة إذا كان يسبه الناس، فإن كان هو يسبّ الناس قالوا: رجل سببة.

وكذلك: هزأة، وهزأة وسخرة، وسخرة وضحكة، وضحكة وخدعة، وخدعة.

وقد يفرقون بين المعنيين المتقاربين بتغيير حرف في الكلمة حتى يكون تقارب ما بين اللفظين، كتقارب ما بين المعنيين.

كقولهم للماء الملح الذي لا يشرب إلا عند الضرورة: شروب، ولما كان دونه مما قد يتجوّز به: شريب.

وكقولهم لما ارفضّ على الثوب من البول إذ كان مثل رؤوس الإبر: نضح، ورشّ الماء عليه يجزىء من الغسل، فإن زاد على ذلك قليلا قيل له: نضخ ولم يجزىء فيه إلا الغسل.

وكقولهم للقبض بأطراف الأصابع: قبض وبالكف: قبض وللأكل بأطراف الأسنان: قضم وبالفم: خضم.

ولما ارتفع من الأرض: حزن فإن زاد قليلا قيل: حزم.

وللذي يجد البرد: خصر فإن كان مع ذلك جوع قيل: خرص.

وللنار إذا طفئت: هامدة فإن سكن اللهب وبقي من جمرها شيء قيل: خامدة.

وللقائم من الخبل: صائم فإن كان ذلك من حفىّ أو وجى، قيل: صائن.

وللعطاء: شكد فإن كان مكافأة قيل: شكم.

وللخطأ من غير التعمد: غلط فإن كان في الحساب قيل: غلت.

وللضيق في العين: خوص فإن كان ذلك في مؤخّرها قيل: حوص.

19

وقد يكتنف الشيء معان فيشتقّ لكل معنى منها اسم من اسم ذلك الشيء، كاشتقاقهم من البطن للخميص: مبطّن وللعظيم البطن إذا كان خلقة: بطين فإذا كان من كثرة الأكل قيل مبطان وللمنهوم: بطن وللعليل البطن: مبطون.

ويقولون: وجدت الضّالة ووجدت في الغضب، ووجدت في الحزن، ووجدت في الاستغناء. ثم يجعلون الاسم الضّالة: وجودا ووجدانا وفي الحزن وجدا وفي الغضب موجدة وفي الاستغناء وجدا.

في أشياء كثيرة، ليس لاستقصاء ذكرها في كتابنا هذا، وجه.

وللعرب الشّعر الذي أقامه الله تعالى لها مقام الكتاب لغيرها، وجعله لعلومها مستودعا، ولآدابها حافظا، ولأنسابها مقيّدا، ولأخبارها ديوانا لا يرثّ على الدّهر، ولا يبيد على مرّ الزّمان.

وحرسه بالوزن، والقوافي، وحسن النّظم، وجودة التخيير- من التدليس والتّغيير، فمن أراد أن يحدث فيه شيئا عسر ذلك عليه، ولم يخف له كما يخفى في الكلام المنثور.

وقد تجد الشاعر منهم ربما زال عن سننهم شيئا، فيقولون له: ساندت، وأقويت، وأكفأت، وأوطأت.

وإنما خالف في السّناد بين ردفين، أو حرفين قبل ردفين، كقول عمرو بن كلثوم «1»:

ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا

وقال في بيت آخر «2»:

كأن متونهنّ متون غدر ... تصفّقها الرياح إذا جرينا

فالحاء من فأصبحينا (ردف) وهي مكسورة، والراء من جرينا (ردف) وهي مفتوحة.

  • (1) البيت من الوافر، وهو في ديوان عمرو بن كلثوم ص 64، وخزانة الأدب 3/ 178، وشرح شواهد الشافية ص 251، وشرح شواهد المغني 1/ 119، ولسان العرب (مدر)، (ندر)، (صحن) .
  • (2) البيت من الوافر، وهو في ديوان عمرو بن كلثوم ص 85، وجمهرة أشعار العرب 1/ 409، وشرح ديوان امرئ القيس ص 331، وشرح القصائد السبع ص 416، وشرح القصائد العشر ص 357، وشرح المعلقات السبع ص 184، وشرح المعلقات العشر ص 95، ولسان العرب (غرا)، وفيه:
    «غرينا» بدل «جرينا» . والبيت بلا نسبة في تاج العروس (سند)، (غرا)، وكتاب العين 7/ 229.
20

وخالف في (الإقواء) بحرف نقصه من شطر البيت الأول، كقول الآخر «1»:

جنّت نوار ولات هنّا حنّت ... وبدا الذي كانت نوار أجنّت

لمّا رأت ماء السّلا مشروبا ... والفرث يعصر في الإناء أرنّت

وكقول حميد بن ثور «2»:

إني كبرت وإنّ كلّ كبير ... ممّا يظنّ به يملّ ويفتر

وخالف في الإكفاء بأن رفع قافية وخفض أخرى.

وخالف في الإبطاء بأن أعاد قافية مرتين.

وقال ابن الرّقاع يذكر تنقيحه شعره «3»:

وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتى أقوّم ميلها وسنادها

نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها

وقال ذو الرّمّة «4»:

وشعر قد أرقت له غريب ... أجانبه المساند والمحالا

هذا قول أبي عبيدة.

  • (1) البيتان من الكامل، والبيت الأول لشبيب بن جعيل في الدرر 1/ 244، 2/ 119، وشرح شواهد المغني ص 919، والمؤتلف والمختلف ص 84، والمقاصد النحوية 1/ 418، ولحجل بن نضلة في الشعر والشعراء ص 102، ولهما معا في خزانة الأدب 4/ 195، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص 130، وتذكرة النحاة ص 734، والجنى الداني ص 489، وجواهر الأدب ص 249، وخزانة الأدب 5/ 463، وشرح الأشموني 1/ 66، 126، ومغني اللبيب ص 592، وهمع الهوامع 1/ 78، 126.
    والبيت الثاني لحجل بن نضلة في لسان العرب (سلا) . ويروى صدر البيت في اللسان:
    لما رأت ماء السّلى مشروبها
  • (2) البيت من الكامل، وهو في ديوان حميد بن ثور ص 85، والشعر والشعراء 1/ 43.
  • (3) البيتان من الكامل، وهما لعدي بن الرقاع في ديوانه ص 38، والشعر والشعراء 1/ 24، والموشح ص 13، والطرائف الأدبية ص 89، وخزانة الأدب 4/ 470، ومعجم الشعراء ص 253، والأغاني 8/ 177، وكتاب الحيوان 3/ 64، والبيان والتبيين 3/ 244، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 1/ 383.
  • (4) البيت من الوافر، وهو في ديوان ذي الرمة ص 1532، ولسان العرب (سند)، وجمهرة اللغة ص 1124.
21

وبعضهم يجعل الإقواء رفع قافية وجرّ أخرى.

وقول أبي عبيدة أجود عندي لأن الإقواء من القوّة، والقوّة: طاقة من الحبل، يقال: ذهبت قوّة من الحبل، إذا ذهبت منه طاقة، وكذلك إذا ذهب جزء من البيت، وهو الذي يسمى المزاحف. فقد ذهبت منه قوة، كما ذهب قوة من الحبل، كما قال ذلك «1»:

لما رأت ماء السلا مشروبا فقد ذهب منه شيء، فلو قال: (مشروبة) لكان مستويا.

وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها: طرق القول ومآخذه. ففيها الاستعارة:

والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى.

وبكل هذه المذاهب نزل القرآن ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة، كما نقل الإنجيل عن السّريانية إلى الحبشيّة والرّومية، وترجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله تعالى بالعربية لأن العجم لم تتّسع في المجاز اتّساع العرب.

ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: 58]- لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها وتظهر مستورها، فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد، فخفت منهم خيانة ونقضا، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنّقض على استواء.

وكذلك قوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) [الكهف:

11] إن أردت أن تنقله بلفظه، لم يفهمه المنقول إليه، فإن قلت: أنمناهم سنين عددا،

  • (1) يروى البيت بتمامه:
    لمّا رأت ماء السّلى مشروبها ... والفرث يعصر في الإناء أرنّت
    والبيت من الكامل، وهو لحجل بن نضلة في لسان العرب (سلا) .
22

لكنت مترجما للمعنى دون اللفظ.

وكذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (73) [الفرقان: 73] إن ترجمته بمثل لفظه استغلق، وإن قلت: لم يتغافلوا أدّيت المعنى بلفظ آخر.

وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: 7] بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرّفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله.

ثم قضوا عليه بالتّناقض، والاستحالة، واللّحن، وفساد النّظم، والاختلاف.

وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضّعيف الغمر، والحدث الغرّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور.

ولو كان ما نحلوا إليه على تقريرهم وتأوّلهم- لسبق إلى الطعن به من لم يزل رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يحتجّ عليه بالقرآن، ويجعله العلم لنبوّته، والدليل على صدقه، ويتحداه في موطن بعد موطن، على أن يأتي بسورة من مثله. وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون من بين جميع الأنام بالألسنة الحداد، واللّدد، في الخصام، مع اللّب والنّهى، وأصالة الرّأي. وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب، وكانوا مرّة يقولون: هو سحر، ومرة يقولون: هو قول الكهنة، ومرة: أساطير الأولين.

ولم يحك الله تعالى عنهم، ولا بلغنا في شيء من الروايات- أنهم جدبوه من الجهة التي جدبه منها الطاعنون.

فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيّرة، والبراهين البيّنة، وأكشف للناس ما يلبسون.

فألفت هذا الكتاب، جامعا لتأويل مشكل القرآن، مستنبطا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملا ما لم أعلم فيه مقالا لإمام مطّلع- على لغات العرب لأري به المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل.

ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته، وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وردت في الألفاظ ونقصت،

23