تأويل مشكل القرآنالجزء 1 · ص 24 - 35

تقديم

تقديم

ترجمة ابن قتيبة الدينوري

مؤلفات ابن قتيبة

مقدمه المؤلف

باب ذكر العرب وما خصهم الله به من العارضة والبيان واتساع المجاز

وقدّمت وأخرت، وضربت لبعض ذلك الأمثال والأشكال، حتى يستوي في فهمه السامعون.

وأسأل الله التجاوز عن الزّلة بحسن النية، فيما دللت عليه، وأجريت إليه، والتوفيق للصواب، وحسن الثواب.

الحكاية عن الطاعنين

وكان مما بلغنا عنهم: أن يحتجّون بقوله عز وجل: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: 82] وبقوله: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 42] .

وقالوا: وجدنا الصحابة، رضي الله عنهم، ومن بعدهم، يختلفون في الحرف:

فابن عباس يقرأ: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: 45] وغيره يقرأ: بَعْدَ أُمَّةٍ. و«عائشة» تقرأ: «إذ تلقونه» [النور: 15] وغيرها يقرأ: تَلَقَّوْنَهُ. وأبو بكر الصديق يقرأ وجاءت سكرة الحقّ بالموت والناس يقرؤون: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: 19] .

وقرأ بعض القراء:

وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وقرأ الناس: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: 31] . وكان ابن مسعود يقرأ: إن كانت إلا زقية واحدة [يس: 29] ويقرأ كالصوف المنفوش [القارعة: 5] .

مع أشباه لهذه كثيرة، يخالف فيها مصحفه المصاحف القديمة والحديثة. وكان يحذف من مصحفه أمّ الكتاب ويمحو المعوّذتين ويقول: لم تزيدون في كتاب الله ما ليس فيه؟.

و(أبيّ) يقرأ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [طه: 15] من نفسي فكيف أظهركم عليها.

ويزيد في مصحفه افتتاح (دعاء القنوت) إلى قول الداعي: (إن عذابك بالكافرين ملحق) ويعدّه سورتين من القرآن.

و(القرّاء) يختلفون: فهذا يرفع ما ينصبه ذاك، وذاك يخفض ما يرفعه هذا.

وأنتم تزعمون أن هذا كله كلام رب العالمين، فأيّ شيء بعد هذا الاختلاف تريدون؟ وأي باطل بعد الخطإ واللحن تبتغون؟.

وقد رويتم من الطريق الذي ترتضون: روى أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن (عائشة) أنها قالت:

24

ثلاثة أحرف في كتاب الله هنّ خطأ من الكاتب: قوله: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: 63] .

وفي سورة المائدة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [المائدة: 69] .

وفي سورة النساء: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ [النساء: 162] حدثناه إسحاق بن راهويه.

قالوا: ورويتم عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها.

وقالوا: وهل التناقض إلا مثل قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (39) [الرحمن: 39] وهو يقول في موضع آخر: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) [الحجر: 92، 93] .

ومثل قوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) [المرسلات: 35، 36] .

ويقول في موضع آخر: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) [الزمر:

31] . ويقول: هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: 111] .

ومثل قوله: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (25) [الطور: 25، والصافات: 27] .

وهو يقول في موضع آخر: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون: 101] .

ومثل قوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (9) [فصلت: 9] .

وقال بعد ذلك: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 11، 12] فدلت هذه الآية على أنه خلق الأرض قبل السماء.

وقال في موضع آخر: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (27) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (28) [النازعات: 27، 28] ثم قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (30) [النازعات: 30] .

فدلت هذه الآية على أنه خلق السماء قبل الأرض.

ومثل قوله: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) [الغاشية: 6] .

وهو يقول في موضع آخر: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (35) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36)

25

والضريع: نبت، فهل يجوز أن يكون في النار نبات وشجر، والنار تأكلهما؟.

ومثل قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) [الأنفال: 33]، ثم قال على أثر ذلك: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الأنفال: 34] .

وقالوا: فأين قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى، من قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [النساء: 3] .

وأين قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِيامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ، من قوله: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المائدة: 97] .

وأين قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ، من قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان: 31]، أو ليس هذا مما يستوي فيه الصبّار والشّكور وغير الصبّار والشّكور؟.

وما معنى قوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [الحديد: 20]؟ ولم خص الكفار دون المؤمنين؟ أو ليس هذا مما يستوي فيه المؤمنون والكافرون، ولا ينقص إيمان المؤمنين إن أعجبهم؟.

وقالوا في قوله عز وجل: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [هود: 107]: استثناؤه المشيئة من الخلود، يدل على الزوال، وإلا فلا معنى للاستثناء. ثم قال: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: 108]، أي غير مقطوع.

وقالوا في قوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [الدخان: 56]:

كيف يستثنى موتا كان في الدنيا من مكثهم في الجنة؟ وهل يجوز أن يقال في الكلام:

لا أعطيك اليوم درهما إلا ما أعطيتك أمس؟.

وقالوا في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96) [مريم: 96]: هل يجوز أن يقال: فلان يجعل لك حبّا، أي يحبك؟.

وفي قوله: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (9) [النبأ: 9] والسّبات هو: النوم، فكيف يجوز أن يجعل نومنا نوما؟.

وفي قوله: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان:

15، 16] وقوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (33) [الذاريات: 33]: كيف يكون زجاج من

26

فضة؟ وحجارة من طين؟.

وقالوا في قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (94) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (95) [يونس: 94، 95]: هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يشك فيما يأتيه به جبريل؟ وكيف يدعو الشاكين من هو على مثل سبيلهم؟ وكيف يرتاب فيما يأتيه به الروح الأمين، ويأتيه الثّلج واليقين بخبر أهل الكتاب عنه أنه حق، وهم يكذبون ويحرّفون ويقولون على الله ما لا يعلمون؟.

وقالوا في قوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: 62]: أنتم تزعمون أنه لا شمس هناك ولا ليل، وهذا يدل على أوقات مختلفة، وشمس وفيء، ونهار وليل، لأن البكرة تدل على أول النهار، والعشيّ يدل على آخره، وما كان له أول وآخر فله انصرام، وإذا انصرم عاقبه الليل والنهار.

وقالوا في سورة الأنفال، حين ذكرها، ثم وصف المؤمنين فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) [الأنفال: 2- 4]، ثم قال: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال: 5]: و(كما) تأتي لتشبيه الشيء، ولم يتقدم من الكلام ما يشبّه به إخراج الله إياه.

وقالوا في قوله: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (40) [الرعد: 40] كيف يكون عليه البلاغ بعد الوفاة؟.

وقالوا: في قوله في الرعد: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد: 35]، أين الشيء الذي جعلت له الجنة مثلا؟ وهل يجوز أن يقال: «مثل الدار التي وعدتك سكناها، يطّرد فيها نهر، وتظلك فيها، شجرة» . ويمسك القائل؟.

قالوا: وقال في موضع آخر: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الحج: 73] ولم يأت به.

وقالوا في قوله تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: 10]: كيف تبلغ القلب الحلوق، والقلوب إن زال عن موضعه شيئا، مات صاحبه؟.

وقالوا في قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: 112]: كيف

27

يذاق اللباس؟ وإنما كان وجه الكلام: فألبسها الله لباس الجوع والخوف. أو غشّاها الله لباس الجوع والخوف. أو فأذاقها الله الجوع والخوف. ويحذف اللباس.

وقالوا في قوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) [القلم: 16]: ما هذا من العقوبة؟ وفي أي الدّارين يسمه: أفي الدنيا أم في الآخرة؟.

فإن كان في الدنيا، فإنه لم يبلغنا أن أحدا من المشركين، وسم على أنفه.

وإن كان في النار، فما أعدّ للكافرين فيها من صنوف العذاب، أكثر من الوسم على الأنف.

وقالوا: ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن، من أراد لعباده الهدى والبيان؟.

وتعلقوا بكثير منه لطف معناه: لما فيه من المجازات بمضمر لغير مذكور، أو محذوف من الكلام متروك، أو مزيد فيه يوضح معناه حذف الزيادة، أو مقدّم يوضح معناه التأخير، أو مؤخر يوضح معناه التقديم، أو مستعار، أو مقلوب.

وتكلموا في الكناية، مثل قوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) [المسد: 1]، ومثل قوله: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان: 28] .

وفي تكرار الكلام في: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1) [الكافرون: 1]، وفي سورة الرحمن.

وفي تكرار الأنباء والقصص، من غير زيادة ولا إفادة.

وفي مخالفة معنى الكلام مخرجه.

وقد ذكرت الحجّة عليهم في جميع ما ذكروا، وغيره مما تركوا، وهو يشبه ما أنكروا، ليكون الكتاب جامعا للفن الذي قصدت له.

وأفردت للغريب كتابا، كي لا يطول هذا الكتاب، وليكون مقصورا على معناه، خفيفا على من قرأه إن شاء الله تعالى.

28

باب الرّد عليهم في وجوه القراءات

أما ما اعتلوا به في وجوه القراءات من الاختلاف، فإنا نحتج عليهم فيه

بقول النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: «نزل القرآن على سبعة أحرف، كلّها شاف كاف، فاقرؤوا كيف شئتم» «1» .

وقد غلط في تأويل هذا الحديث قوم فقالوا: السبعة الأحرف: وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، واحتجاج.

وقال آخرون: هي سبع لغات في الكلمة.

وقال قوم: حلال، وحرام، وأمر، ونهي، وخبر ما كان قبل، وخبر ما هو كائن بعد، وأمثال.

وليس شيء من هذه المذاهب لهذا الحديث بتأويل.

ومن قال: فلان يقرأ بحرف أبي عمرو «2» أو بحرف عاصم «3» فإنه لا يريد شيئا

  • (1) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند 2/ 300، 4/ 204، 5/ 16، 6/ 433، 463، والهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 151، 152، 154، والسيوطي في الدر المنثور 2/ 6، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 11/ 26، والربيع بن حبيب في مسنده 1/ 8، وابن أبي شيبة في مصنفه 10/ 516، والألباني في السلسلة الصحيحة 1522.
    وأخرجه بلفظ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، النسائي في الافتتاح باب 26، وأحمد في المسند 2/ 232، 5/ 114، 391، والهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 150، 152، 153، وابن حجر في المطالب العالية 3489، والبخاري في التاريخ الكبير 7/ 262، وابن كثير في تفسيره 2/ 9، والسيوطي في الدر المنثور 2/ 7، 5/ 346، والشجري في الأمالي 1/ 112، والطبراني في المعجم الكبير 3/ 185، 10/ 125، 130، 182، والهيثمي في موارد الظمآن 1779، 1780، 1781، والتبريزي في مشكاة المصابيح 238، والطحاوي في مشكل الآثار 4/ 172، 182، والسيوطي في جمع الجوامع 4534، 4543، 4544، 4545، 4546، 4547، 4549، والمتقي الهندي في كنز العمال 3083، 3085، 3086، 3093، 3094، 3095، 3096، وأبو نعيم في تاريخ أصفهان 1/ 213، والعجلوني في كشف الخفا 1/ 241، وابن عدي في الكامل في الضعفاء 2/ 679، وابن عبد البر في التمهيد 4/ 278، 8/ 282، 284، 292.
  • (2) أبو عمرو: هو أبو عمرو بن العلاء، زبان بن العلاء بن عمار بن الريان المازني البصري، أكثر القراء السبعة شيوخا، أخذ القراءة عن أنس بن مالك، وحميد بن قيس الأعرج، وسعيد بن جبير، وشيبة بن نصاح، وأبي العالية، وعاصم بن أبي النجود، وعبد الله بن كثير المكي، وعطاء، ومجاهد، وابن محيصن، وغيرهم. وروى عنه كثير، منهم: عبد الله بن المبارك، ويحيى بن المبارك اليزيدي وغيرهما، ولد بمكة سنة 68 هـ، وتوفي سنة 154 هـ. (شذرات الذهب 1/ 237، غاية النهاية 1/ 288) .
  • (3) عاصم: هو عاصم بن بهدلة أبي النجود الأسدي، أبو بكر، أحد القراء السبعة، من التابعين. أخذ القراءة عرضا عن زر بن حبيش، وأبي عبد الرحمن السلمي، وروى عنه شعبة بن عياش وحفص بن سليمان، وخلق لا يحصون، توفي سنة 127 هـ. (غاية النهاية 1/ 346) .
29

مما ذكروا. وليس يوجد في كتاب الله حرف قرىء على سبعة أوجه- يصح، فيما أعلم.

وإنما تأويل قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «نزل القرآن على سبعة أحرف» «1»: على سبعة أوجه من اللغات متفرّقة في القرآن، يدلّك على ذلك

قول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «فاقرؤوا كيف شئتم» .

وقال عمر: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرأنيها، فأتيت به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرته فقال له: اقرأ، فقرأ تلك القراءة، فقال: هكذا أنزلت. ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت. ثم قال: «إنّ هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسّر» .

فمن قرأه قراءة عبد الله «2» فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة أبيّ «3» فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة زيد «4» فقد قرأ بحرفه.

والحرف يقع على المثال المقطوع من حروف المعجم، وعلى الكلمة الواحدة، ويقع الحرف على الكلمة بأسرها، والخطبة كلها، والقصيدة بكمالها.

ألا ترى أنهم يقولون: قال الشاعر كذا في كلمته، يعنون في قصيدته. والله جل

  • (1) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل.
  • (2) عبد الله: هو عبد الله بن مسعود، الصحابي الكبير المتوفى بالمدينة سنة 32 هـ، وهو من أصحاب المصاحف الذين كانوا يحتفظون بنسخة خاصة بهم فيها بعض الاختلاف عن النسخة التي أثرها موحّده الخليفة الثالث عثمان بن عفان وأمر بتعميمها وتوزيعها على الأمصار بعد إتلاف سواها.
    وأشهر أصحاب المصاحف: أبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، والمقداد بن عمرو، وعلي بن أبي طالب (انظر الأعلام 4/ 137، والفهرست ص 39، 40، 41) .
  • (3) أبي: هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد، من بني النجار، من الخزرج، صحابي أنصاري، كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، توفي سنة 21 هـ (الأعلام 1/ 82) .
  • (4) زيد: هو زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي، أبو خارجة من كبار الصحابة، كان كاتب الوحي، هاجر مع النبي ﵌ وهو ابن إحدى عشر سنة، وكان أحد الذين جمعوا القرآن في عهد النبي ﵌، وكان عمر يستخلفه على المدينة إذا سافر، توفي سنة 45 هـ (الأعلام 3/ 57) . [.....]
30

باب الرد عليهم في وجوه القراءات

وعز يقول: وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ [التوبة: 74]، وقال: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [الفتح: 26]، وقال: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173) [الصافات: 171، 173] .

وقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [الحج: 11]، أراد سبحانه وتعالى: من الناس من يعبد الله على الخير يصيبه من تثمير المال، وعافية البدن، وإعطاء السّؤل، فهو مطمئن ما دام ذلك له. وإن امتحنه الله تعالى باللّأواء في عيشه، والضّراء في بدنه وماله، كفر به.

فهذا عبد الله على وجه واحد، ومعنى متحد، ومذهب واحد، وهو معنى الحرف. ولو عبد الله على الشكر للنعمة، والصبر للمصيبة، والرّضا بالقضاء- لم يكن عبده على حرف.

وقد تدبّرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه

: أولها: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغيّر معناها نحو قوله تعالى: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود: 78] وأطهر لكم وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: 17] وهل يجازى إلّا الكفور، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [النساء: 37] وبالبخل، فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: 280] وميسرة.

والوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغيّر معناها، ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب، نحو قوله تعالى: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: 19] وربّنا باعد بين أسفارنا، وإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: 15] وتلقونه، وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: 45] وبعد أمة.

والوجه الثالث: أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغيّر معناها ولا يزيل صورتها، نحو قوله: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة:

259] وننشرها، ونحو قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: 23] وفرّغ.

والوجه الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغيّر صورتها في الكتاب، ولا يغيّر معناها، نحو قوله: «إن كانت إلّا زقية» وصَيْحَةً [يس: 29] و«كالصّوف المنفوش» ووَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) [القارعة: 5] .

والوجه الخامس أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها نحو قوله: «وطلع منضود» في موضع وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) [الواقعة: 29] .

31

والوجه السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير. نحو قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: 19]، وفي موضع آخر: «وجاءت سكرة الحقّ بالموت» .

والوجه السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: «وما عملت أيديهم»، وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس: 35]، ونحو قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان: 26] وإن الغني الحميد.

وقرأ بعض السلف: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً [ص: 23] أنثى، وإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [طه: 15] من نفسي فكيف أظهركم عليها.

فأما زيادة دعاء القنوت في مصحف أبيّ، ونقصان أمّ الكتاب والمعوّذتين من مصحف عبد الله، فليس من هذه الوجوه، وسنخبر بالسبب فيه، إن شاء الله.

وكل هذه الحروف كلام الله تعالى نزل به الروح الأمين على رسوله عليه السلام وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسّر على عباده ما يشاء. فكان من تيسيره:

أن أمره بأن يقرىء كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم:

فالهذليّ يقرأ «عتّى حين» يريد حَتَّى حِينٍ [المؤمنون: 54]، لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها.

والأسديّ يقرأ: تعلمون وتعلم وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: 106] وأَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ [يس: 60] .

والتّميميّ يهمز. والقرشيّ لا يهمز.

والآخر يقرأ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ [البقرة: 11] وَغِيضَ الْماءُ [هود: 44] بإشمام الضم مع الكسر، وهذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يوسف: 65] بإشمام الكسر مع الضم وما لَكَ لا تَأْمَنَّا [يوسف: 11] بإشمام الضم مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كل لسان.

ولو أن كل فريق من هؤلاء، أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا- لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للّسان، وقطع للعادة. فأراد الله، برحمته ولطفه، أن يجعل لهم متّسعا في اللغات، ومتصرّفا في الحركات، كتيسيره عليهم في الدّين حين أجاز لهم على لسان رسوله، صلى الله عليه وآله وسلم، أن يأخذوا باختلاف العلماء من صحابته في فرائضهم وأحكامهم، وصلاتهم وصيامهم، وزكاتهم وحجّهم، وطلاقهم وعتقهم، وسائر أمور دينهم.

32

فإن قال قائل: هذا جائز في الألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا، فهل يجوز أيضا إذا اختلفت المعاني؟.

قيل له: الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضادّ. فاختلاف التّضاد لا يجوز، ولست واجده بحمد الله في شيء من القرآن إلا في الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ.

(واختلاف التغاير جائز)، وذلك مثل قوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: 45] أي بعد حين، وبَعْدَ أُمَّةٍ أي بعد نسيان له، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان، لأنه ذكر أمر يوسف بعد حين وبعد نسيان له، فأنزل الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، بالمعنيين جميعا في غرضين.

وكقوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: 15] أي تقبلونه وتقولونه، و(تلقونه) من الولق، وهو الكذب، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان، لأنهم قبلوه وقالوه، وهو كذب، فأنزل الله على نبيه بالمعنيين جميعا في غرضين.

وكقوله: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: 19] على طريق الدعاء والمسألة، و«ربّنا باعد بين أسفارنا» على جهة الخير، والمعنيان وإن اختلفا صحيحان، لأن أهل سبأ سألوا الله أن يفرّقهم في البلاد فقالوا: رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا فلما فرقهم الله في البلاد أيادي سبأ، وباعد بين أسفارهم، قالوا: ربّنا باعد بين أسفارنا وأجابنا إلى ما سألنا، فحكى الله سبحانه عنهم بالمعنيين في غرضين.

وكذلك قوله: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الإسراء: 102] ولَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ لأن فرعون قال لموسى إن آياتك التي أتيت بها سحر.

فقال موسى مرّة: لقد علمت ما هي سحر ولكنها بصائر، وقال مرّة: لقد علمت أنت أيضا ما هي سحر، وما هي إلا بصائر. فأنزل الله المعنيين جميعا.

وقوله: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: 31] وهو الطعام، و(أعتدت لهن متكا) وهو الأترج، ويقال: الزّماورد، فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام، وأنزل الله بالمعنيين جميعا.

وكذلك ننشرها و«ننشزها» [البقرة: 259]، لأن الإنشار: الإحياء، والإنشاز هو:

التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما.

وكذلك: فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: 23] و(فرّغ)، لأن فرّغ: خفف عنها الفزع، وفرّغ: فرّغ عنها الفزع.

33

وكل ما في القرآن من تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان- فعلى مثل هذه السبيل.

فإن قال قائل: فهل يجوز لنا أن نقرأ بجميع هذه الوجوه؟.

قيل له: كل ما كان منها موافقا لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه- جاز لنا أن نقرأ به. وليس لنا ذلك فيما خالفه، لأن المتقدمين من الصحابة والتابعين، قرؤوا بلغاتهم، وجروا على عادتهم، وخلّوا أنفسهم وسوم طبائعهم، فكان ذلك جائزا لهم، ولقوم من القرّاء بعدهم مأمونين على التنزيل، عارفين بالتأويل، فأما نحن معشر المتكلفين، فقد جمعنا الله بحسن اختيار السلف لنا على مصحف هو آخر العرض، وليس لنا أن نعدوه، كما كان لهم أن يفسّروه، وليس لنا أن نفسّره.

ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت في مصحفنا، لجاز أن نكتبه على الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، وهناك يقع ما كرهه لنا الأئمة الموفّقون، رحمة الله عليهم.

وأما نقصان مصحف عبد الله بحذفه (أمّ الكتاب) و(المعوّذتين)، وزيادة أبيّ بسورتي القنوت- فإنا لا نقول: إن عبد الله وو أبيّا أصابا وأخطأ المهاجرون والأنصار، ولكنّ (عبد الله) ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أن (المعوذتين) كانتا كالعوذة والرّقية وغيرها، وكان يرى رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يعوّذ بهما الحسن والحسين وغيرهما «1»، كما كان يعوّذ بأعوذ بكلمات الله التّامة «2»، وغير ذلك، فظنّ أنهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنّه ومخالفة الصحابة جميعا كما أقام على التّطبيق.

وأقام غيره على الفتيا بالمتعة، والصّرف ورأى آخر أكل البرد وهو صائم.

ورآى آخر أكل السّحور بعد طلوع الفجر الثاني. في أشباه لهذا كثيرة.

وإلى نحو هذا ذهب أبيّ في (دعاء القنوت)، لأنه رأى رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يدعو به

  • (1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 10، وأبو داود في السنة باب 20، والترمذي في الطب باب 18، وابن ماجه في الطب باب 36، وأحمد في المسند 1/ 270.
  • (2) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 10، ومسلم في الذكر حديث 54، 55، وأبو داود في الطب باب 19، والترمذي في الدعوات باب 40، 90، 112، وابن ماجه في الطب باب 35، 36، والدارمي في الاستئذان باب 48، ومالك في الشعر حديث 11، والاستئذان باب 34، وأحمد في المسند 2/ 181، 290، 375، 3/ 419، 448، 4/ 57، 5/ 430، 6/ 6، 377، 378، 409.
34

في الصلاة دعاء دائما، فظن أنه من القرآن، وأقام على ظنه، ومخالفة الصحابة.

وأما فاتحة الكتاب فإني أشك فيما روي عن عبد الله من تركه إثباتها في مصحفه، فإن كان هذا محفوظا فليس يجوز لمسلم أن يظنّ به الجهل بأنها من القرآن، وكيف يظنّ به ذلك وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن، وأحد الستة الذين الذين انتهى إليهم العلم،

و(النبيّ) صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا. كما أنزل فليقرأه قراءة ابن أمّ عبد» «1» .

وعمر يقول فيه: كنيف ملىء علما «2» .

وهو مع هذا متقدّم الإسلام بدريّ لم يزل يسمع رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم يؤمّ بها،

وقال: «لا صلاة إلا بسورة الحمد» «3»

وهي السبع المثاني، وأم الكتاب، أي أعظمه، وأقدم ما نزل منه كما سميت مكة أم القرى لأنها أقدمها، قال الله عز وجل: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا [آل عمران: 96] .

ولكنه ذهب، فيما يظنّ أهل النظر، إلى القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان، والزيادة والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد لقصرها ولأنها تثنى في كل صلاة وكل ركعة، ولأنه لا يجوز لأحد من المسلمين ترك تعلّمها وحفظها، كما يجوز ترك تعلم غيرها وحفظه، إذ كانت لا صلاة إلا بها.

فلما أمن عليها العلّة التي من أجلها كتب المصحف، ترك كتابتها وهو يعلم أنها من القرآن.

  • (1) أخرجه ابن ماجه 138، وأحمد في المسند 1/ 445، 4/ 279، والحاكم في المستدرك 2/ 227، 3/ 318، وابن أبي شيبة في المصنف 10/ 521، والطبراني في المعجم الكبير 9/ 62، 79، وأبو حنيفة في المسند 134، والهيثمي في مجمع الزوائد 9/ 288، والمتقي الهندي في كنز العمال 3077، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 4/ 298، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار 1/ 281، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5/ 193.
  • (2) أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 318.
  • (3) روي الحديث بلفظ: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 3/ 47، 48، وابن حجر في فتح الباري 2/ 252، وأبو عوانة في مسنده 2/ 125، وأبو نعيم في حلية الأولياء 7/ 124، وابن عدي في الكامل في الضعفاء 4/ 1437.
    وروي الحديث بلفظ: «لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب» أخرجه أحمد في المسند 2/ 428، والدارقطني في سننه 1/ 321، والزيلعي في نصب الراية 22147، 22148، والمتقي الهندي في كنز العمال 19695، وابن حجر في فتح الباري 2/ 242، والعقيلي في الضعفاء 1/ 190.
35