البستان في إعراب مشكلات القرآنالجزء 1 · ص 41 - 50

أ - ارتضاء الجِبْلِيِّ القراءاتِ الصحيحةَ

ولكنّ بعض النَّحْويِّين -كالفَرّاء والمبرّد وغيرهما- كانوا ينكرون بعض القراءات إذا خالفت القياس عندهم، ولو كانت عن السَّبعة (^1).

قال السُّيوطي (^2): "كان قومُ من النُحاة المتقدِّمين يَعِيبون على عاصم وحمزةَ وابن عامر قراءاتٍ بعيدةً في العربية، وينسُبونهم إلى اللَّحن. وهم مخطئون في ذلك، فإنّ قراءاتِهم ثابتةٌ بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا مطعَنَ فيها، وثبوت ذلك دليلٌ على جوازه في العربية، وقد رَدَّ المتأخِّرون -منهم ابنُ مالك- على من عاب عليهم ذلك بأبلغ رَدٍّ، واختار جوازَ ما وردت به قراءاتهم في العربية، وإن منعه الأكثرون مستدِلًّا به".

وإنما قدَّمتُ هذا التقديمَ لأنّ الجِبْليَّ كان له موقفانِ من القراءات الصحيحة، الأول: قَبْوله هذه القراءات وعدم ردِّها أو تضعيفها من ناحية العربية، والثانِي: تابَعَ الجِبْليُّ فيه بعضَ العلماء الذين كانوا يعترضون على بعض القراءات الصحيحة ويردُّونها، وهذا ما سوف أفصِّله فيما يلي:

أ - ارتضاء الجِبْلِيِّ القراءاتِ الصحيحةَ

إذا نظرنا في كتاب "البستان" وجدنا أنّ الجِبْليَّ كان حريصًا -في أغلب المواضع- على التسليم بالقراءة الصَّحيحة وعدم معارضتها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ (^3)،

  • (^1) مقدمة تحقيق إعراب القرآن للنحاس، للدكتور زهير غازي زاهد 1/ 105، وينظر: البحث اللغوي عند العرب ص 21 وما بعدها، أثر القرآن والقراءات في النحو العربي ص 320 وما بعدها.
    (^2) الاقتراح في علم أصول النحو للسيوطي ص 98 - 100.
    (^3) الأنبياء 30.
41

قال الجِبْلي (^1): "قرأ ابنُ كثير: ﴿أَلَمْ يَرَ﴾ بغير واو". ولم يعلِّق الجِبْلي على القراءة بشيءٍ.

2 - في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ (^2)، قال الجِبْلي (^3): "قرأ أهلُ المدينة المِثْقال بالزفع، بمعنى: وإن وَقَعَ، وحينئذٍ لا خَبَرَ لها، وقرأ الباقونَ بالنَّصب على معنى: وإن كان ذلك الشيءُ مِثْقالَ حبةٍ".

3 - في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ (^4)، قال الجِبْلي (^5): "قرأ ابنُ عامر: ﴿خَرْجًا فَخَرْجُ رَبِّكَ﴾ بغير ألفٍ فيهما، وقرأ حمزةُ والكسائي: ﴿خَراجًا﴾ بألفٍ فيهما، وقرأ الباقون: ﴿خَرْجًا﴾ بغير ألف ﴿فَخَرَاجُ﴾ بالألف".

4 - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ (^6)، قال الجبْلي (^7): "وقرأ حمزةُ والكسائي، وأبو بكر، عن عاصم: ﴿حَاذِرُونَ﴾، قال الفَرّاء (^8): الحاذِرُ: الذي يَحْذَرُكَ الآن، والحَذِرُ: المخلوق كذلك لا تلقاه إلّا حَذِرًا، وقال الزَّجّاج (^9): الحاذر: المستعدّ، والحَذِرُ: المُتَيَقِّظُ، وقال أبو عُبيدة (^10): يقال: رَجُلٌ حَذِرٌ وحاذِرٌ".

  • (^1) البستان 1/ 186.
    (^2) الأنبياء 47.
    (^3) البستان 1/ 192.
    (^4) المؤمنون 72.
    (^5) البستان 1/ 294.
    (^6) الشعراء 56.
    (^7) البستان 1/ 416.
    (^8) معاني القرآن 2/ 280.
    (^9) معاني القرآن وإعرابه 4/ 92.
    (^10) مجاز القرآن 2/ 86.
42

ب - اعتراضاتٌ للجِبْلِيِّ على قراءاتٍ صحيحة

ولكنّنا نرى الجِبْليَّ -في مواضعَ أُخَرَ- يتابع الفريقَ الذي يعترض على بعض القراءات الصّحيحة أو يردُّها أو يضعِّفها، فنراه يحكم أحيانًا على قراءةٍ صحيحة بالضعف أو الشّذوذ أو الردّ، وغالبًا ما يكون في موقفه هذا مُتابِعًا لأحد العلماء السابقين، كالفَرّاء والمبرّد والطَّبري والنَّحاس وأبي عَلِيٍّ الفارسي والثعلبي وغيرهم.

ومن أمثلة ذلك ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "وقرأ ابنُ عامر وأبو بكر، عن عاصم: ﴿نُنْجِي﴾ بنونٍ واحدة وتشديد الجيم، وجميع النَّحْويِّين حَكَموا على هذه القراءة بالغلط وأنها لحنٌ، ثم ذكر الفَرّاءُ لها وجهًا فقال (^3): أَضمَر المصدر في "نُجِّيَ" فنَوى به الرَّفعَ، ونصب ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، كقولك: ضُرِبَ الضربُ زيدًا، ثم تقول: ضُرِب زيدًا، على إضمارِ المصدر، وأنشد ابنُ قُتيبةَ حجةً لهذه القراءة (^4):

ولوْ وَلَدَتْ قُفَيْرةُ جَزوَ كلبٍ... لَسُبَّ بذلك الجَزوِ الكِلابا

قال أبو علىٍّ الفارسي (^5): هذا إنّما يجوز في ضرورة الشِّعر، وراوِي هذه القراءةِ عن عاصمٍ غالطٌ في الرواية، فإنه قرأ: ﴿نُنْجِي﴾ بنونَيْن كما روى حفصٌ عنه، ولكن

  • (^1) الأنبياء 88.
    (^2) البستان 1/ 254.
    (^3) معاني القرآن 2/ 215.
    (^4) تأويل مشكل القرآن ص 55.
    (^5) الحجة للفارسي 3/ 160، 161.
43

النُّونَ الثانيةَ من ﴿نُنْجِي﴾ تَخْفَى مع الجيم، ولا يَجُوزُ تبيينُها، فالتبس على السامع الإخفاءُ بالإدغام، فظَنَّ أنه إدغام، ويدلُّ على هذا إسكانُه الياءَ من ﴿نُجِّي﴾ ونَصْبُ قوله: ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولو كان على ما لم يُسَمَّ فاعِلُهُ ما سكَّن الياء ولَوَجَبَ أن تُرفَع ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.

2 - في قوله تعالى: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "ولا يجوز أن تُضَمَّ الدال وتُهمَز؛ لأنه ليس في الكلام: فُعِّيلٌ".

هذا ما قاله الجِبْلي، وهذا الذي لم يُجِزْهُ قَرأَ به حمزةُ وعاصمٌ في رواية أبي بكر.

3 - خَطَّأَ الجِبْليُّ حَمزةَ في قراءةٍ له، ففي قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): "قرأ العامّةُ: ﴿السَّيِّئِ﴾ بإشباع الإعراب، وقرأ الأعمَش وحمزة: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ بإسكان الهمزة تخفيفًا كراهةً لالتقاء الحركات، ولا خلافَ في الثانِي، والقراءة المَرْضيّةُ ما عليه العامة، والنَّحْويُّون كلُّهم يزعُمون أنّ هذا من الاضطرار في الشِّعر ولا يجوز مثلُه في كتاب اللَّه تعالى. . . . قال أبو جعفرٍ النَّحّاس (^5): كان الأعمش يقفُ على: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ فيترُك الحركةَ، وهو وَقْفٌ حَسَن تامّ، ثم غَلِطَ عليه الراوي، فرَوَى أنه كان يَحذِفُ الإعراب، فتابَعَ حمزةُ الغالطَ، فقرأ في الإدراج بتَرْك الحركة".

  • (^1) النور 35.
    (^2) البستان 1/ 334.
    (^3) فاطر 43.
    (^4) البستان 2/ 211.
    (^5) إعراب القرآن 3/ 377.
44

4 - في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "واختلف القُرّاءُ في قوله: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، فقرأ أهل المدينة: ﴿تَأْمُرُونِي﴾ بنونٍ واحدةٍ خفيفة على الحذف والتخفيف، وقَرأَ أهلُ الشّام بنونَيْنِ على الأصل، وقرأ الآخَرونَ بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة على الإدغام. . . . والأصل: تأمرونَني، فأُدغِمت النونُ في النون، فأمّا ﴿تَأْمُرُونِي﴾ بنونٍ واحدةٍ مخفَّفة فإنّما يجيءُ مِثلُه في الشِّعر شاذًّا، وأبو عَمْرٍو يقول: إنه لَحْنٌ".

فقد حكم الجِبْليُّ هنا على قراءة أهل المدينة بالشُّذوذ.

5 - في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): "هو مأخوذٌ من: أَنْشَأَهُ اللَّهُ، أي: ابْتَدَأَ خَلْقَهُ، قَرأَ أهل الكوفة إلّا أبا بكرٍ بضمِّ الياء وفتح النُّون وتشديد الشِّين على غيرِ تسميةِ الفاعل، أي: يُرَبَّى في الحُلِيِّ، يعني: البناتِ، وهو رديءٌ؛ لأنه لم يُحْكَ في اللغة: نَشَّأَ بمعنى أَنْشَأَ، إلّا أن يقال: إنه في القياس، مثل: بَلَّغَ وأبْلَغَ وفَرَّحَ وأفْرَحَ".

فهو هنا يَحكُم على قراءة أهل الكوفة بالرَّداءة.

جـ - مفاضلةُ الجِبْليِّ بين قراءاتٍ صحيحة

وفي مواضعَ أخرى نجدُ الجِبْليَّ يُفاضِلُ بينَ قراءتَيْنِ صحيحتَيْن، أو يرجِّح إحداهما على الأخرى، أو يَحكم عليها بأنها أَوْلَى من الأخرى، على الرَّغم من أنّ

  • (^1) الزمر 64.
    (^2) البستان 1/ 366.
    (^3) الزخرف 18.
    (^4) البستان 2/ 459.
45

العلماء حَذَّروا من ذلك، يقول النَّحّاس (^1): "والسلامة من هذا عند أهل الدِّين إذا صحَّت القراءتان عن الجماعة ألّا يقال: إحداهما أجوَدُ من الأخرى؛ لأنهما جميعًا عن النبي -ﷺ-، فيأثَم من قال ذلك، وقد كان رؤساء الصَّحابة - رحمهم الله - ينكرون مثل هذا".

وقال النَّحّاس أيضًا (^2): "الدِّيانة تحظُر الطعن على القراءة التي قرأ بها الجماعة، ولا يجوز أن تكون مأخوذةً إلّا عن النبي -ﷺ-".

وقد أورد الزَّرْكَشي والسُّيوطي وغيرُهما كلام العلماء في هذا الأمر (^3).

ومن أمثلة ما فاضَلَ فيه الجِبْلِيُّ بَيْنَ قراءات صحيحة:

1 - في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ (^4)، قال الجِبْلي (^5): "قرأ أهل الكوفة إلّا عاصمًا: بكسر السين في الموضعَيْنِ، على معنى الاسم، مثلَ: المجلِس والمطلِع، أي: مَذْبَحًا، وهو موضعُ القُربان، وقرأ الباقون بالفتح فيهما على المصدر، مثلَ: المَدْخَلِ والمَخْرَجِ، وهو إهْراقُ الدّماء وذَبْحُ القَرابِين، والفتحُ أَوْلى؛ لأنّ المصدر من هذا الباب بفتح العين، يقال: نَسَكَ يَنْسُكُ: إذا ذَبَحَ القُرْبانَ".

2 - في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ (^6)، قال الجِبْلي (^7): "قرأ أبو عبد الوحمن السُّلَميُّ وأبو جعفرٍ وحُمَيدٌ الأعرجُ والكِسائيُّ، ويعقوبُ

  • (^1) إعراب القرآن 5/ 62.
    (^2) المصدر السابق 5/ 231.
    (^3) ينظر: البرهان للزركشي 1/ 340، الإتقان للسيوطي 1/ 109، وينظر: البحث اللغوي عند العرب للدكتور أحمد مختار عمر ص 22.
    (^4) الحج 34.
    (^5) البستان 1/ 248.
    (^6) النمل 25.
    (^7) البستان 1/ 452.
46

برواية وَرْشٍ: ﴿أَلَا يا اسْجُدُوا﴾ بالتخفيف، على معنى: ألا يا هؤلاءِ اسجُدوا. . . قال الواحدي (^1): والوجهُ قراءةُ العامّة لئلّا تنقطع الصِّلة بما ليس منها".

3 - في قوله تعالى: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ (^2)، قال الجِبْلي (^3): "واختَلف القُرّاء فيها، فقرأ ابنُ كثيرٍ ووَرْشٌ وأبو عُبَيد وأبو حاتم بفتح الخاء وتشديد الصاد، ومِثْلَهُ رَوَى هشامٌ عن أهل الشام، لَمّا أدغَموا نَقَلوا حركةَ التاء إلى الخاء، وقرأ حفصٌ وأيوبُ، ووَرْشٌ عن نافعٍ، ساكنةَ الخاء مشدَّدةَ الصاد، وقرأ أبو عَمْرٍو بالإخفاء، غيرَ أنّ أبا عَمْرٍو وهشامًا يُشِمّانِ الخاءَ شيئًا من الفتح، وقرأ حمزةُ الخاءَ مخفَّفةً والصادَ مكسورةً، أي: يَغلِب بعضُهم بعضًا بالخِصام، وهي قراءة أُبَيِّ بنِ كعب، وقرأ الباقونَ بكسر الخاء وتشديد الصّاد إلّا أنّ أبا بكرٍ يكسر الياء، وأجوَدُ القراءةِ فتحُ الخاء مع تشديد الصاد؛ لأنّ الأصل: يختصِمون، فألقِيَت حركةُ الحرف المدغَم، وهو التاء، على الساكن الذي قبلَه، وهو الخاء".

4 - في قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (^4)، قال الجِبْلي (^5): "قرأ حمزةُ والكِسائيُّ وعاصمٌ وابنُ ذَكْوانَ: ﴿كُرْهًا﴾ بضمِّ الكاف، ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وقرأ نافعٌ وشَيْبةُ وأبو جعفرٍ وأبو عَمْرٍو وأبو عبد الرحمن السُّلَميّ: ﴿كُرْهًا﴾ بفتح الكاف، وهو أَوْلى؛ لأنه المصدر بِعَيْنِهِ، والكُرْهُ: اسمٌ للمصدر لا مصدرٌ".

  • (^1) الوسيط 3/ 375.
    (^2) يس 49.
    (^3) البستان 2/ 238.
    (^4) الأحقاف 15.
    (^5) البستان 3/ 49.
47

5 - في قوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "وقرأ حمزةُ والكِسائي: "فَتَثَبَّتُوا" وبالتاء والثاء، من الثَّباتِ، وهو أبلغُ في المعنى؛ لأن الإنسان قد يَتَثَبَّتُ ولا يَتَبَيَّنُ، وإذا تَبَيَّنَ فقد تَثَبَّتَ".

2 - موقفُ الجِبْلي من القراءات الشّاذّة

القراءة الشّاذّةُ هي: ما فَقَدتْ شرطًا أو أكثرَ من شروط القراءة الصحيحة التي سبق ذِكرُها، وهذه القراءاتُ يَحتجُّ بها العلماءُ في اللّغة، قال ابنُ جِنِّي في الضَّرب الثانِي من ضَرْبَيِ القراءات (^3): "وَضَرْبًا تَعَدَّى ذلك، فسمّاه أهلُ زماننا شاذًّا؛ أي: خارجًا عن قراءة القُرّاءِ السبعة المُقَدَّمِ ذِكْرُها، إلّا أنه -معَ خروجِه عنها- نازعٌ بالثِّقة إلى قُرّائه، محفوفٌ بالروايات من أَمامِه وورائه، ولعلّه أو كثيرًا منه مُساوٍ في الفصاحة للمُجتمَعِ عليه، نعم! وربما كان فيه ما تَلطُفُ صَنْعتُهُ، وتَعْنُفُ بغيره فصاحتُهُ، وتَمْطُوهُ قُوَى أسبابِهِ، وتَرْسُو به قَدَمُ إعرابِه".

وقال السُّيوطي (^4): "وقد أَطْبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذّة في العربيّة إذا لم تخالف قياسًا معروفًا، بل! ولو خالفته يُحْتَجُّ بها في مثل ذلك الحرف بعَيْنِه، وإن لم يَجُز القياسُ عليه، كما يُحتَجُّ بالمُجمَع على وروده ومخالفته القياسَ في ذلك الواردِ بعَيْنه، ولا يقاسُ عليه، نحوَ ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ (^5) و﴿يَأْبَى﴾ " (^6).

  • (^1) الحجرات 6.
    (^2) البستان 3/ 117.
    (^3) المحتسب 1/ 32.
    (^4) الاقتراح في علم أصول النحو ص 96، وبنظر: الإتقان للسيوطي أيضًا 1/ 108، وينظر أيضًا ما ذكره الزركشي في البرهان 1/ 336، 337.
    (^5) المجادلة 19.
    (^6) التوبة 32.
48

وإذا نظرنا في "البستان" وجَدْنا أنّ الجِبْليَّ كان أحيانًا يذكر القراءةَ الشاذّة ليفسِّر بها قراءةً صحيحة، أو ليبيِّن بها إعرابًا لهذه القراءة الصّحيحة، وقد يوجِّه القراءةَ الشاذّة توجيهًا قويًّا في العربية، وَيحتجُّ لها، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

1 - في قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "واختَلف القُرّاءُ فيه، فقرأ أبو جعفرٍ بكسر التاء فيهما، وقرأ نصرُ بن عاصم بالضمّ، وقرأ أبو حَيْوةَ الشاميُّ بالضمِّ والتنوين، وقرأ الباقونَ بالنّصب من غير تنوين، وكلُّها لغاتٌ صحيحة".

2 - في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): "قرأه العامّةُ بنَصْب القاف، وقرأ مجاهدٌ: ﴿الْحَقُّ﴾ بالرَّفع، على نعت ﴿اللَّهَ﴾، وتصديقه قراءةُ أُبَيٍّ: "يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الْحَقُّ دِينَهُمْ"".

3 - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (^5)، قال الجِبْلي (^6): "وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ وعيسى بن عُمر: ﴿عُجّابٌ﴾ بالتشديد: وهو المفرِّطُ في العُجْب، كما قالوا: رَجُلٌ حُسّانٌ وامرأةٌ حُسّانةٌ".

4 - في قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ (^7)، قال الجِبْلي (^8):

  • (^1) المؤمنون 36.
    (^2) البستان 1/ 280.
    (^3) النور 25.
    (^4) البستان 1/ 317.
    (^5) سورة ص 5.
    (^6) البستان 1/ 301.
    (^7) الزخرف 76.
    (^8) البستان 2/ 488.
49

"قال الفَرّاء (^1): وهي في حرفِ عبد اللَّه بن مسعود: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال أبو جعفر (^2): فعلى هذا يكون "هُمُ" في موضع رفع بالابتداء، و﴿الظّالِمُونَ﴾: خبرُ الابتداء، والابتداءُ وخبرُه خبرُ "كانَ"، كما تقول: كان زيدٌ أبوه خارجٌ، ومثله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (^3)، و﴿الرَّقِيبَ﴾ بالرَّفع أيضًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ (^4) بالنَّصب والرَّفع".

وكان الجِبْلي أحيانًا يُنكر القراءةَ الشاذّةَ ويضعِّفها، أو يذكرُها ليستدلَّ بها على أنّ قراءة العامّة أجوَدُ في العربية، ومن أمثلةِ ذلك ما يلي:

1 - في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (^5)، قال الجِبْليّ (^6): "وقرأ السُّلَميُّ: ﴿يُبْلِسُ﴾ بفتح اللام، وقراءةُ العامّة أجوَد".

2 - في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (^7)، قال الجِبْلي (^8): "و﴿ذَلِكَ﴾: ابتداء، و﴿عَالِمُ﴾: خبره، و﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: نعتُه، ومن قرأ بالخَفْض (^9) فهو شاذ، نعت لقوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، تقديره: من ربِّ العالَمين العزيزِ الرَّحيم، وهذا بعيدٌ لِما بينَهما من الفصول والآيات والكلمات الكثيرة".

  • (^1) معاني القرآن 3/ 37.
    (^2) يعني النحاس، ينظر: إعراب القرآن 4/ 121.
    (^3) المائدة 117.
    (^4) الأنفال 32.
    (^5) الروم 12.
    (^6) البستان 2/ 31.
    (^7) السجدة 6.
    (^8) البستان 2/ 78.
    (^9) قرأ: ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بالخفض أبو زيد النحوي، ينظر: مختصر ابن خالويه ص 118، البحر المحيط 7/ 194.
50