البستان في إعراب مشكلات القرآنالجزء 1 · ص 79 - 88

ومما اختار فيه مذهبَ الكوفيِّين

على النِّداء المضاف، وقال صاحبُ إنسان العَيْن: هو منصوبٌ بإضمار فعل؛ لأن ﴿اللَّهُمَّ﴾ في معرض الأصوات، ولا يوصَفُ، ولأنه في غاية المعرفة، فلا يُعَرُّفُ بالصِّفةِ، والحَقُّ أنه بِمنزِلةِ: يا أللَّهُ فاطِرَ السماواتِ".

6 - اختار مذهبَ البصْريِّين في أنّ ﴿أَن﴾ وما دَخَلت عليه في موضع نصبٍ على المصدر، في نحو قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (^1)، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ (^2)، فقد قال (^3): ﴿أَن﴾: في موضع نصب، تقول العرب: أَسْنِد الحائطَ أَنْ يَمِيلَ".

7 - اختار رأيَ البَصْريِّين في أنّ تذكيرَ وصفِ السماء في قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (^4) إنّما هو على النَّسَب، فقال (^5): "و﴿مُنْفَطِرٌ﴾: نعتٌ للسماء، وإنما أتى ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ بغيرِ هاءٍ -والسماءُ مؤنثةٌ- لأنه بمعنى النَّسَبِ؛ أي: السماءُ ذاتُ انفطار".

8 - اختار مذهبَ البَصريِّين في أن ﴿الظَّالِمِينَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (^6) منصوبٌ على الاشتغال، فقال (^7): "ونصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ على إضمار فعل؛ أي: ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ".

ومما اختار فيه مذهبَ الكوفيِّين

1 - اختار قولَ الكوفيِّين في أنّ " ﴿إِنْ﴾ قد تأتِي بمعنى "إِذْ"، ففي قوله تعالَى:

  • (^1) النساء 176.
    (^2) الحجرات 3.
    (^3) البستان 3/ 113.
    (^4) المزمل 18.
    (^5) البستان 4/ 136.
    (^6) الإنسان 31.
    (^7) البستان 4/ 158.
79

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "يعني إِذْ أَرَدْنَ، وليس معناه الشرطَ؛ لأنه لا يجوز إكراهُهنَّ على الزِّنا إن لم يُرِدْن تحصُّنًا، نظيرُها قولُه تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^3)، يعني: إِذْ كُنْتُمْ، وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^4)؛ أي: إِذْ كُنْتُم، وقولُه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (^5)؛ أي: إِذْ شاءَ اللَّهُ".

2 - اختار قولَ الكوفيِّين في أنّ الاسم بعدَ "لولا" مرفوعٌ بفعل مضمَر، ذَكَرَ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (^6)، فقال (^7): "رُفِعَ بإضمار فعل تقديرُه: ولولا ثَبَتَ أَجَلٌ مسمَّى لِعَذابِهِم"، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ (^8)، قال (^9): "و" ﴿كَلِمَةٌ﴾: رُفع بفعلٍ مضمَر تقديره: ولولا ثَبَتَتْ كلمةٌ سَبَقت من ربِّك".

ولكنه في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ (^10) أجاز قولَ البَصْريِّين والكوفيِّين معًا، فقال (^11): "رُفع إمّا بالابتداء وإمّا بفعلٍ مضمَر تقديره: ولولا ثَبَتَ رجالٌ مؤمنون".

  • (^1) النور 33.
    (^2) البستان 1/ 329.
    (^3) البقرة 278.
    (^4) آل عمران 139.
    (^5) الفتح 27.
    (^6) العنكبوت 53.
    (^7) البستان 2/ 20.
    (^8) فصلت 45.
    (^9) البستان 2/ 418.
    (^10) الفتح 25.
    (^11) البستان 3/ 102.
80

فهو وإنْ لم يصرِّحْ باختياره في الآية الثانية، إلّا أنّ قوله: "تقديره: ولولا ثَبَتَ. . . إلخ"، بالإضافة إلى اختياره قولَ الكوفيِّين في الآية الأولى، يُرَجِّحُ أنه اختار مذهبَ الكوفيِّين في الآية الثانية أيضًا.

3 - اختياره مذهبَ الكوفيِّين في أن "إِنِ" المخفَّفةَ من الثقيلة بمعنى "ما" النافية، وأنّ اللام في خبرها بمعنى "إِلّا"، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (^1)، فقد أَوَّلَ الآيةَ على أنّ التقدير: وما كانوا. . . إلّا مُبْلِسِينَ" (^2).

وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): "أي: وما كانوا قبلَ بَعْثِهِ فيهم إلّا في ضلالٍ مُبِين، وهو الشِّرك باللَّه تعالى".

ولكنه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ (^5)، قال (^6): "هذه "إِنِ" الثقيلةُ في الأصل، خُفِّفَتْ فزال عمَلُها في أكثر اللغات، ولزمتْها اللامُ فَرْقًا بينَها وبينَ التي بمعنى "ما"، وقوله: ﴿لَمَّا جَمِيعٌ﴾، قرأ ابنُ عامرٍ وعاصمٌ وحمزةُ والأعمش: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد، وقرأ الباقونَ بالتخفيف، فمَن شَدَّدَ جعل "إِنْ" بمعنى: الجَحْد، على أنّ "لَمّا" بمعنى "إِلّا"، تقديره: وما كلٌّ إلّا جميعٌ، كقولهم: سألتُك لَمّا فعلتَ؛ أي: إِلّا فعلتَ، ومن خَفَّفَ جعل "إِنْ" للتحقيق مخفَّفةً و"ما": صلةٌ، مجازُه: وإِنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ".

  • (^1) الروم 49.
    (^2) ينظر: البستان 2/ 45.
    (^3) الجمعة 2.
    (^4) البستان 3/ 407.
    (^5) يس 32.
    (^6) البستان 2/ 230.
81

فنراه هنا قد اختار مذهبَ الكوفيِّين على قراءة التشديد في ﴿لَّمَّا﴾، واختار مذهبَ البَصْريِّين على قراءة التخفيف.

4 - اختار مذهبَ الكوفيِّين في جواز العطف على موضع اسم "إنَّ" بالرَّفع قبل مجيءِ الخبر، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "قرأه العامّةُ بنصب التاء، وقَرأَ ابنُ عباس بالرفع عطفًا على محلِّ قوله: ﴿اللَّهَ﴾ قبل دخول ﴿إِنَّ﴾، كما قال الشاعر:

فَإِنِّي وقيّارٌ بها لَغَرِيبُ

نظيرُه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (^3).

وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^4)، قال الجِبْلي (^5): "وارتفع ﴿جِبْرِيلُ﴾ وما بعده عطفًا على محلِّ قوله: ﴿اللَّهَ﴾ قبل دخول ﴿إِنَّ﴾، نظيرُه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (^6).

5 - اختار مذهبَ الكوفيِّين وبعضِ البَصْريِّين في أنّ حروفَ الخفض ينوبُ بعضُها عن بعض، وصُوَرُ هذه النِّيابة كثيرةٌ في البستان، ومنها:

أ- "عَلَى" بمعنى: اللام، ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ (^7)،

  • (^1) الأحزاب 56.
    (^2) البستان 2/ 134.
    (^3) المائدة 69.
    (^4) التحريم 4.
    (^5) البستان 3/ 457.
    (^6) المائدة 69.
    (^7) الصافات 146.
82

قال الجِبْلي (^1): "وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: له".

ب - "عَلَى" بمعنى: "مِنْ"، ففي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (^2)، قال الجِبْلي (^3): "عَلَى" هاهنا بمعنى "مِنْ"، ذَكَرَ أبو عُبيدةَ (^4) وغيرُه من أهل اللّغة: و"عَلَى" و"مِنْ" في هذا الموضع يَعْتَقِبانِ".

جـ - اللام بمعنى "إِلى"، ذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ (^5)، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (^6)، وفي قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (^7).

د - الباء بمعنى "عَنْ"، ففي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^8)، قال الجِبْلي (^9): "والباء بمعنى "عَنْ"؛ أي: فاسألْ عنه، كقول الشاعر -علقمةَ بن عَبَدة-:

فإِن تَسأَلوني بِالنِّساءِ فإِنَّني... بَصِيرٌ بِأَدواءِ النِّساءِ طَبيبُ".

وفي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (^10)، قال الجِبْلي (^11): "أي: عن

  • (^1) البستان 2/ 282.
    (^2) المطففين 2.
    (^3) البستان 4/ 334.
    (^4) مجاز القرآن 1/ 14.
    (^5) الشورى 15، ينظر: البستان 2/ 431.
    (^6) المجادلة 3، ينظر: البستان 3/ 354.
    (^7) الزلزلة 5، ينظر: البستان 2/ 431.
    (^8) الفرقان 59.
    (^9) البستان 1/ 386.
    (^10) الفرقان 25.
    (^11) البستان 1/ 374.
83

الغَمام، والباء و"عَنْ" يتعاقَبان، كما يقال: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ، وعنِ القَوْسِ، بمعنًى واحد".

هـ - "عن" بمعنى الباء، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "ومعنى ﴿عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي: بالهوى، فأقيم "عَنْ" مُقامَ الباء، كما أُقِيمَ الباءُ مُقامَ عَنْ".

وفي قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): "بمعنى: "عَنْ"، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^5) أي: عَنْهُ".

و- الباء بمعنى "إلى"، ففي قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (^6)، قال الجِبْلي (^7): "والباءُ في قوله: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ بمعنى "إِلى"، يعني: إِلّا إلى سلطانٍ، في قول بعض المفسِّرين، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ (^8)؛ أي: إِلَيَّ، ومنه قول الشاعر:

أَسِيئِي بنا، أو أَحْسِنِي، لا مَلُومةٌ... لدَيْنا، ولا مَقْلِيّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ".

ز - الباء بمعنى "مِنْ"، ففي قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (^9)، قال الجِبْلي (^10): "وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾: نعتٌ للعَيْن و﴿بِهَا﴾:

  • (^1) النجم 3.
    (^2) البستان 3/ 201.
    (^3) المعارج 1.
    (^4) البستان 4/ 60.
    (^5) الفرقان 59.
    (^6) الرحمن 33.
    (^7) البستان 3/ 265.
    (^8) يوسف 100.
    (^9) المطففين 27، 28.
    (^10) البستان 4/ 349.
84

بمعنى: "مِنْها"، وقد تقدَّم نظيرُها في سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وهو قولُه تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (^1).

حـ - "مِنْ" بمعنى: الباء، ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ (^2)، قال الجِبْلي (^3): "يعني: الرِّياحُ ذواتُ الأعاصير، و"مِنْ" معناه: الباء، كأنه قال: بالمُعصِرات، كقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ﴾ (^4)، وكذلك كان عِكرمةُ يقرؤها: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾.

6 - اختار مذهبُ الكوفيِّين في نصبِ الفعل على الصَّرف في نحوِ قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا. . .﴾ الآية (^5)، فقد قال (^6): "قرأ أهلُ المدينة والشام: ﴿وَيَعْلَمُ﴾ بالرَّفع على الاستئناف، كقوله تعالى في سورة براءةٌ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (^7)، وقرأَه الآخَرون نصبًا على الصَّرف، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (^8) صُرِفَ من حالِ الجزم إلى النَّصب استخفافًا، وكراهيةً لتوالي الجزم".

7 - اختياره قولَ الفَرّاء والزَّجّاج في أنّ "إلّا" في الاستثناء المنقطع بمعنى "سوى"، ففي قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (^9)،

  • (^1) الإنسان 6.
    (^2) النبأ 14.
    (^3) البستان 4/ 248.
    (^4) القدر 4، 5.
    (^5) الشورى 35.
    (^6) البستان 2/ 440.
    (^7) التوبة 15.
    (^8) آل عمران 142.
    (^9) الدخان 56.
85

قال الجِبْلي (^1): "نُصِب لأنه استثناءٌ ليس من الأول، يعني: سوى الموتةِ الأُولى التي ذاقوها في الدنيا، قال الفَرّاء (^2) والزَّجّاج (^3): "إِلّا" بمعنى "سِوَى"، كقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^4)؛ أي: سِوَى ما سَلَفَ".

8 - اختار مذهبَ الكوفيِّين في جواز إضافةِ الشيءِ إلى نفسِه؛ لاختلاف اللَّفظَيْنِ في قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (^5)، فقال الجِبْلي (^6): "والمكرُ هو: العمَلُ القبيح، وأُضيفَ المكرُ إلى صفتِه".

وفي قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (^7)، قال الجِبْلي (^8): "والحَبْلُ هو: الوَرِيدُ، فأُضِيفَ إلى نفسِه لاختلاف اللَّفظَيْن".

وفي قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (^9)، قال الجِبْلي (^10): "أي: دِينُ المِلّةِ المستقيمة، وهو جَمْع القَيِّمِ. . .، وإنما أضاف الدِّينَ إلى القَيِّمةِ -وهي نعتُه- لاختلاف اللَّفظَيْن، كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ (^11)، والدار هي: الآخِرة، فأضافها إِلى نَعْتِها".

  • (^1) البستان 3/ 24.
    (^2) معاني القرآن 3/ 44.
    (^3) معاني القرآن وإعرابه 4/ 428.
    (^4) النساء 22.
    (^5) فاطر 43.
    (^6) البستان 2/ 211.
    (^7) سورة ق 16.
    (^8) البستان 3/ 145.
    (^9) البينة 5.
    (^10) البستان 5/ 17.
    (^11) يوسف 109.
86

9 - ذهب إلى أنّ العاملَ في "إِذا" هو فعلُ الشَّرط، بينَما ذهبَ الجمهورُ إلى أنّ العاملَ فيها هو جوابُ الشَّرط، ففي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (^1)، قال الجِبْلي (^2): "ولا يَجوز أن يكونَ العاملُ في "إِذا": ﴿بَصِيرًا﴾، كما لا يَجُوزُ: اليومَ إِنَّ زيْدًا خارِجٌ، ولكنّ العاملَ فيها ﴿جَاءَ﴾ لشِبْهِها بِحُرُوفِ المُجازاة، وقد يُجازَى بها، كما قال قيسُ بن الخَطيم:

إِذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان طُولُها... خُطانا إلى أعْدائِنا فنُضارِبِ".

وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (^3)، قال الجِبْلي (^4): " ﴿إِذَا﴾ في موضع نَصْبٍ بـ ﴿جَاءَكَ﴾، إلّا أنّها غيرُ معرَبة لِتَنَقُّلِها، وفي آخِرها أَلِفٌ، والأَلِفُ لا تُحَرَّكُ".

10 - اختار قولَ الكوفيِّين والأخفَش في جواز زيادة "مِنْ" في الكلام الموجَب، ففي قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (^5)، قال الجِبْلي (^6): "و﴿مِنْ﴾ هاهنا: صلةٌ، معناه: يَغْفِرْ لكم ذُنُوبَكُم، ولم تدخُلْ لتبعيضِ الذّنوب، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (^7)؛ أي: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي هو الأَوْثانُ".

11 - اختار رأيَ الكِسائي في أنّ "إِنْ" في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (^8)

  • (^1) فاطر 45.
    (^2) البستان 2/ 151.
    (^3) المنافقون 1.
    (^4) البستان 3/ 422.
    (^5) نوح 4.
    (^6) البستان 4/ 83.
    (^7) الحج 30.
    (^8) الأعلى 9.
87

بمعنى: "قَدْ"، فقال (^1): "و﴿إِنْ﴾ في معنى "قَدْ"، أي: فذكِّرْ قد نَفَعت الذِّكرى، قال الكِسائي (^2): سمعتُ العربَ تقول: إنْ قام زيدٌ، وظننتُه شرطًا، قال: فسألتهم، فقالوا: نريد: قد قام زيدٌ، وليس نريد: ما قام زيدٌ".

12 - اختار رأيَ الكوفيِّين في أن المبتدأَ والخبرَ يترافعانِ، فقال (^3): "قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ (^4)، قرأه العامّةُ بالرَّفع على الابتداء، وخبره في ﴿أَنَّ﴾، وكذلك حُكمُ الآية التي قبلَها حُكمُها، فتُرفع ﴿الْخَامِسَةَ﴾ بـ ﴿أَنَّ﴾، و﴿أَنَّ﴾ بالخامسة".


  • (^1) البستان 4/ 394.
    (^2) ينظر قوله في شفاء الصدور للنقاش ورقة 232/ أ، ياقوتة الصراط لأبي عمر الزاهد ص 571، الأضداد لابن الأنباري ص 189، 190.
    (^3) البستان 1/ 312.
    (^4) النور 9.
88